وسببها على ما رواه ابن سعد وغيره ’ أنه بلغ المسلمين من الأنباط الذين كانوا يتنقلون بين الشام و المدينة للتجارة ’ أن الروم قد جمعت جموعاً وأجلبت الى جانبها لخم وجذام وغيرهم من نصارى العرب الذين كانوا تحت إمرة الروم ’ ووصلت طلائعهم الى أرض البلقاء فندب النبى صلى الله عليه وسلم الناس الى الخروج ’ وروى الطبرانى من حديث ابن حصين أن جيش الروم كان قوامه أربعين ألف مقاتل ’ وكان ذلك فى شهر رجب سنة تسع من الهجرة ’ وكان الفصل صيفاً ’ وقد بلغ الحر أقصاه ’ والناس فى عسرة من العيش ’ وكانت ثمار المدينة - فى الوقت نفسه- قد أينعت وطابت ’ فمن أجل ذلك أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجهة التى سيتجهون إليها - وذلك على خلاف عاداته فى الغزوات الأخرى ’ قال كعب ابن مالك : لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورّى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة ’ غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حرّ شديد واستقبل سفراً ومفازاً وعدواً كثيراً ’ فجلّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم .
وهكذا فقد كانت الرحلة فى هذه الغزوة ثقيلة على النفس ’ فيها أقسى مظاهر الإبتلاء و الإمتحان ’ فأخذ نفاق المنافقين يعلن عن نفسه هنا وهناك ’ على حين أخذ الإيمان الصادق يعلن عن نفسه فى صدور أصحابه ’ أخذ أقوام من المنافقين يقولون لبعضهم : لا تنفروا فى الحر .. وجاء آخر يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إئذن لى ولا تفتنى ’ فوالله لقد عرف قومى أنه ما من رجل بأشد عجباً بالنساء منى ’ وإنى أخشى إن رأيت نساء بنى الأصفر أن لا أصبر فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذن له فيما أراد ة وعسكر عبد الله ابن أبى ابن سلول فى ضاحية بالمدينة مع فئات من أصحابه و حلفائه ’ فلما سار النبى صلى الله عليه وسلم تخلف بكل من معه !..
ومما نزل فى ذلك قوله تعالى :( فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله وقالوا لا تنفروا فى الحر قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً جزاءاً بما كانوا يكسبون ) وقوله تعالى :( ومنهم من يقول إئذن لى ولا تفتنى ألا فى الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ) .
أما المؤمنون فأقبلوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل صوب ’ وكان قد حض أهل الغنى على النفقة وتقديم ما يتوفر لديهم من الدواب للركوب فجاء الكثيرون منهم بكل ما أمكنهم من المال و العدة ’ وجاء عثمان ابن عفان رضى الله عنه بثلاثمائة بعير بأحلاسها و أقتابها وبألف دينار نثرها فى حجره ’ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يضر عثمان ما فعل بعدها .
وجاء أبو بكر الصديق رضى الله عنه بكل ماله ’ وجاء عمر بنصف ماله ’ روى الترمذى عن زيد ابن أسلم عن أبيه قال : سمعت عمر ابن الخطاب يقول : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق ووافق ذلك عندى مالاً ’ فقلت اليوم أسبق أبا بكر ’ إن سبقته يوماً ’ قال فجئت بنصف مالى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أبقيت لأهلك ؟ قلت مثله ’ وأتى ابو بكر بكل ما عنده ’ فقال : يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك ؟ فقال أبقيت لهم الله و رسوله ’ قلت : لا أسبقه الى شىء أبداً ).
وإذا صح هذا الحديث فلا بد أن يكون هذا الندب بمناسبة غزوة تبوك كما قال ذلك فريق من العلماء .
وأقبل رجال من المسلمين أطلق عليهم ( البكاؤون ) يطلبون من رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهوراً يركبونها للخروج الى الجهاد معه ’ فقال لهم : لا اجد ما أحملكم عليه ’ فتولوا واعينهم تفيض من الدمع حزناً أن لا يجدوا لديهم ما ينفقونه فى أسباب خروجهم للغزو .
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يقارب ثلاثين ألف من المسلمين ’ وتخلف عنه نفر من المسلمين عن غير شك وارتياب ’ منهم كعب ابن مالك ’ ومرارة ابن الربيه ’ وهلال ابن أمية ’ وابا خيثمة ’ وكانوا - كما قال ابن اسحاق- نفر صدق لا يتهم فى إسلامهم ’ غير أن أبا خيثمة لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فى تبوك .
روى الطبرانى وابن اسحاق و الواقدى أن أبا خيثمة رجع بعد أن سار رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدة أيام الى أهله فى يوم حار ’ فوجد إمرأتين له فى عريشين ( أى خيمتين ) لهما فى بستان له ’ قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت له ماء فيه وهيأت له فيه طعاماً فلما دخل قام على باب العريش فنظر الى إمرأتيه وما صنعتا له ’ فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الشمس والريح و الحر ’ وابو خيثمة فى ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء فى مال مقيم ؟! ما هذا والله بالنصف ’ ثم قال والله لا ادخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فهيأتا له زاداً ’ ثم قدم ناضحه فارتحله وخرج فى طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه حين نزل تبوك ’ ولما دنا أبو خيثمة من المسلمين قالوا : هذا راكب على الطريق مقبل ’ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كن أبا خيثمة ) ! فقالوا يا رسول الله : هو والله أبا خيثمة ’ فلما أناخ أقبل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عليه الصلاة و السلام : أولى لك يا ابا خيثمة ! .. ثم أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر فدعا له صلى الله عليه وسلم بخير .
وعانى المسلمون فى هذه الرحلة جهوداً شاقة وأتعاباً جسيمة .
روى الإمام أحمد وغيره أن الرجلين و الثلاثة كانوا يتعاقبون على بعير واحد ’ واصابهم عطش شديد حتى جعلوا ينحرون إبلهم لينفضوا أكراشها ويشربوا ماءها .
وروى الإمام أحمد فى مسنده عن أبى هريرة رضى الله عنه : قال : لما كانت غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة ’ فقالوا يا رسول الله : لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادّهنا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إفعلوا ’ فجاء عمر فقال يا رسول الله إنهم إن فعلوا قل الظهر ’ ولكن أدعهم بفضل أزوادهم ثم أدع لهم بالبركة لعل الله أن يجعل فيه ذلك ’ فدعا عليه الصلاة و السلام بنطع فبسطه ’ ثم دعاهم بفضل أزوادهم ’ فجعل الرجل يجىء بكف الذرة ’ والاخر بكف التمر ’ والآخر بالكسرة حتى إجتمع على النطع من ذلك شىء يسير ’ ثم دعا عليه بالبركة ’ ثم قال لهم : خذوا فى أوعيتكم قال : فأخذوا فى أوعيتهم حتى ما تركوا من المعسكر وعاء إلا ملؤوه وأكلوا حتى شبعوا ’ وفضلت منه فضلة ’ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله ’ لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فتحجب عنه الجنة .
ولما إنتهوا الى تبوك لم يجدواهناك كيداً ولا قتالاً ’ فقد إختفى وتفرق الذين كانوا قد تجمعوا للقتال ’ ثم أتاه يوحنّه حاكم ( أيلة ) فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجزية ’ واتاه أهل جرباء واذرح فأعطوه أيضاً الجزية ’ وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك لهم كتاباً .
ومرّ الجيش مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر ( وهى منازل ثمود ) فقال لأصحابه : لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا انفسهم ’ أن يصيبكم ما أصابهم ’ إلا أن تكونوا باكين ’ ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادى .
ثم إن النبى صلى الله عليه وسلم قفل راجعاً الى المدينة ’ فلما أشرفوا على المدينة قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه : هذه طابة ’ وهذا احد جبل يحبنا ونحبه ’ وقال لأصحابه : إن بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم ’ قالوا يا رسول الله ’ وهم بالمدينة ؟ قال : وهم بالمدينة ’ حبسهم العذر . ’ وقدم المدينة عليه الصلاة و السلام فى رمضان من السنة نفسها فيكون قد غاب قرابة شهرين ...
أمر المخلفين
ولما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينةبدأ بالمسجد فصلى ركعتين ’ ثم جلس للناس فجاءه المخلفون وطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له و كانوا بضعة وثمانين رجلاً ’ فقبل منهم علانيتهم واستغفر لهم ’وأرجأ أمر كعب ابن مالك وصاحبيه الى أن نزلت آيات قبول توبتهم .
وقد روى كعب رضى الله عنه خبره فى ذلك - فى حديث طويل رواه البخارى ومسلم - وجاء فيه قوله : كان من خبرى أنى لم أكن قط أقوى ولا أيسر منى حين تخلف عنه فى تلك الغزوة ... وطفقت أغدوا لكى أتجهز مع المسلمين ’ فأرجع ولم أقض شيئاً فأقول فى نفسى : أنا قادر عليه ( أى لن يعيقنى شىء عن سرعة التجهز ) فلم يزل يتمادى بى حتى اشتد بالناس الجد ولم أقض من جهازى شيئاً ’ ولم يزل بى حتى أسرعوا وتفارط الغزو ( أى خرجوا وفاتوا ) وهممت أن أرتحل فأدركهم - وليتنى فعلت - فلم يقدر لى ذلك ’ فكنت إذا خرجت فى الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم ’ أحزننى أنى لا أرى إلا رجلاً وغموساً بنفاق أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء ... ولما بلغنى انه توجه قافلاً حضرنى همّى ’ فطفقت أتذكر الكذب ’ وأقول بماذا سأخرج من سخطه غداً ؟ ... واستعنت على ذلك بكل ذى رأى من أهلى ’ ولما قيل لى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقبل ’ زاح عنى الباطل وأجمعت أن أصدقه ’ فجئته ’ فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ’ ثم قال : تعال ’ فجئت أمشى حتى جلست بين يديه ’ فقال لى ما خلّفك ؟ ألم تكن قد إبتعت ظهرك ؟ فقلت : بلى ’ إنى والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت انى سأخرج من سخطه بعذر ’ ولقد اعطيت جدلاً ’ ولكنى والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنى ليوشكنّ الله أن يسخطك علىّ ’ ولئن حدثتك حديث صدق تجد علىّ فيه إنى لأرجو فيه عفو الله ’ والله ما كان لى من عذر ’ والله ما كنت أقوى ولا لأيسر منى حين تخلفت عنك !.. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما هذا فقد صدق ’ فقم حتى يقضى الله فيك ’ فقمت ’ وثار رجال من بنى سلمة فاتبعونى يؤنبوننى ( أى يعتبون عليه أنه لم يعتذر كالآخرين ) فقلت لهم ’ هل لقى هذا معى أحد ؟ قالوا نعم ’ رجلان قالا مثل ما قلت فقيل لهما مثل ما قيل لك ’ فقلت من هما ؟ فقالوا : مرارة ابن الربيع ’ وهلال ابن أمية ’ فذكروا لى رجلين صالحين شهدا بدراً لى فيهما أسوة ... ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أى الثلاثة من بين من تخلف ’ فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لى الأرض فما هى بالتى أعرفها ’ فلبثنا على ذلك خمسين ليلة ’ فأما صاحباى فاستكانا وقعدا فى بيوتهما يبكيان ’ وأما أنا فكنت أشبّ القوم وأجلدهم ’ فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف فى الأسواق ولا يكلمنى أحد ’ وآتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو فى مجلسه بعد الصلاة فأقول فى نفسى هل حرّك شفتيه برد السلام علىّ أم لا ؟ ثم أصلى قريباً منه أسارقه النظر ’ فإذا أقبلت على صلاتى أقبل إلىّ ’ وإذا إلتفت نحوه أعرض عنى ’ وبينما أنا أمشى بسوق المدينة إذا نبطى من أنباط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة ’ يقول من يدلنى على كعب ابن مالك ؟ فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءنى دفع الىّ كتاباً من ملك غسان ’ فإذا فيه :(أما بعد قد بلغنى أن صاحبك قد جفاك ’ ولم يجعلك الله فى دار هوان ولا مضيعة ’ فالحق بنا نواسك ) فقلت لما قرأتها وهذا أيضاً من البلاء ’ فتيممت به التنور فسجرته بها ’ حتى إذا مضت أربعين ليلة من الخمسين إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتينى فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل إمرأتك ’ فقلت أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال لا بل إعتزلها ولا تقربها ’وأرسل الى صاحبى بمثل ذلك ’ فقلت لإمرأتى إلحقى بأهلك فكونى عندهم حتى يقضى الله فى هذا الأمر ... فلبثت بعد ذلك عشر ليالى حتى كملت لنا خمسين ليلة من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا ’ فلما صليت الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا ’ فبينا أنا جالس على الحال التى ذكرها الله ( قد ضاقت علىّ نفسى وضاقت علىّ الدنيا بما رحبت ) سمعت صوت صارخ أوف على جبل سلع باعلى صوته : يا كعب ابن مالك أبشر ’ فخررت ساجداً ’ وعرفت أنه قد جاء فرج ’ وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر ’ فذهب الناس يبشرونا ’ وذهب قبل صاحبى مبشرون .. ولما جاءنى الذى سمعت صوته يبشرنى ’ نزعت له ثوبى فكسوته إياه ببشراه ة والله ما أملك غيرها يومئذ واستعرت ثوبين فلبستهما ’ وانطلقت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقانى الناس فوجاً فوجاً يهنئونى بالتوبة ’ ودخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس فقام الىّ طلحة ابن عبيد الله يهرول حتى صافحنى وهنأنى والله ما قام الىّ رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة ’ قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور : أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمّك ’ قال : قلت : أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله ؟ قال : لا بل من عند الله ’ فقلت يا رسول الله ! إن من توبتى أن أنخلع من مالى صدقة الى الله ورسوله ’ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ’ فقلت : يا رسول الله إنما نجانى الصدق ’وإن من توبتى أن لا أحدث إلا صدقاً ما بقيت ’ وأنزل الله تعالى على رسوله :( لقد تاب الله علىالنبىو المهاجرين و الأنصار ) الى قوله : ( وكونوا مع الصادقين ) .
العبر و العظات :
أولا:- كلمة على هامش الغزوة :
لقد أخذالإسلام يستقر فى الجزيرة العربية ’ واستولى سلطانه على الأفئدة و النفوس وهذا ما كانت النصارىتراقبه من بعيد فى خوف وقلق .
فالرومان ’ لم يعانقوا النصرانية إيماناً منهم بها ’ وإنما كانوا اتخذوها ذريعة الى إستعمار شعوب تلك المنطقة ’ ولأجل ذلك تلاعبوا كما أرادوا ’ وغيروا منها وبدلوا ’ فخلطوا هديها بوثنيتهم وأضافوا الى ما فيها من الحق الكثير من باطلهم .
والإسلام - وهو الدين الذى تكررت الدعوة إليه على لسان جميع الرسل و الأنبياء - إنما جاء ليخرج به الناس عن كل سلطان غير سلطان الله تعالى ’ فلا يكون لأحد عليهم سيادة ولا سلطان ولا حكم إلا سلطان الله وحكمه . ’ وهم - قد علموا من النصرانية كل حقائقها - أدرى الناس بخطورة هذه الرسالة الأخيرة وما تحمل فى طيها من تهديد لحكم الطغاة وسلطان المتسلطين وبغى الباغين ’ فلا غرو أن يكون هذا الدين - وقد استقر أمره فى الجزيرة العربية - مصدر قلق وتخوف لدى الطغاة من الروم وأتباعهم الذين ما دخلوا النصرانية إلا ظاهرا ’ وما أرادوا من ذلك إلا ضمان بسط سلطانهم على المستضعفين . فمن أجل ذلك تلقوا خبر فتح مكة ونبأ إنتصار الإسلام فى الجزيرة العربية بالذعر ’ ثم أخذوا يجمعون جموعهم بين الشام و الحجاز ’ علّهم يقفون فى وجه هذا الدين الذى سيكون فى إنتشاره القضاء عليهم وعلى سلطانهم .
ولقد كان من مقتضى هذا الإهتمام لدى الروم ’ أن يكون الإشتباك بينهم وبين المسلمين عظيماً و خطيراً ’ ولكن حكمة الله عز وجل تشاء أن يكتفى من جهاد المسلمين فى هذه الغزوة بذلك الجهد العظيم الذى بذلوه و المشقات الجسيمة التى تحملوها ’ إذ قطعوا تلك المسافة المضنية بين المدينة وتبوك ذهاباً و إياباً ’ ولقد كانت - كما رأيت - رحلة عجيبة فى عذابها و أتعابها ومشاهد العسر التى فيها ... وما الجهاد الذى أمر الله به ؟ هل هو إلا بذل النفس و الجهد فى سبيل شرعة الله ودينه ؟ إن هذا هو كل ما يريد الله من عباده ’ ومعاذ الله أن يكون بحاجة من وراء ذلك الى معونتهم لرد كيد الكافرين أو إدخال معنى الهداية و الإيمان فى قلوب الجاحدين ’ وقد بذل جيش العسرة فى هذه الغزوة العسيرة المضنية ’ المال و الجهد وضحوا بالراحة فى أجمل فرصها ’ واستبدلوا بها العذاب فى أقسى صوره وأشكاله ’ ولقد برهنوا بذلك على صدق إيمانهم بالله ومحبتهم له ’ فحق لهم النصر و التأييد ’ وأن يكفيهم الله القتال ’ برعب من لدنه يقذفه فى قلوب أعدائهم ’ فيتفرقون عنهم ويخضعون لحكم الله فيهم ’ وهكذا فقد كان عسر خضوع الروم لحكم الجزية و قيودها ’ فى مقابل العسر الذى تحمله المسلمون مع رسولهم صلى الله عليه وسلم فى مرضاة ربهم جل جلاله .
ثانياً :- العبر و الأحكام :
وإنك لتجد فى هذه الغزوة دروساً و أحكاماً كثيرة ’ نجمل منها ما يلى :
1- أهمية الجهاد بالمال :
فالجهاد ضد أعداء الإسلام ليس محصوراً بالخروج للغزو ’ بل ولا يكفى منه ذلك وحده ’ فحيثما توقف أمر الجهاد بالقتال و السلاح على نفقات ومال ’ وجب على المسلمين كلهم أن يقدموا من ذلك ما يقع موقع الكفاية بشرط أن يكون ذلك بنسبة ما يتفاوتون به من كفاية وغنى .
ولقد قرر الفقهاء أن الدولة إذا ما إضطرت الى النفقات للجهاد ’ كان لها أن تفرض على الناس حاجتها من ذلك بالشكل الذى ذكرناه ’ غير أنهم إتفقوا على أن ذلك مشروط بأن لا يكون فى أموال الدولة ما يوضع فى نفقات كمالية أو غير مشروعة ’ إذ أن أموال الناس ليس أولى من أموال الدولة بأن تصرف الى حاجات الجند و القتال .
هذا ’ ولقد رأيت كيف أن عثمان ابن عفان رضى الله عنه قد جاء الى النبى صلى الله عليه وسلم بثلاثمائة بعير بكل ما تحتاجه من الأقتاب و الأحلاس وبمائتى أوقية من الفضة حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم ’ وفى هذا بيان لفضل عثمان رضى الله عنه ’ بل وإن فى هذه الكلمة التى قالها عليه الصلاة و السلام : ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم زجراً وتأديباً لكل من أراد أن يطيل لسانه على عثمان من أمثال أولئك الذين يتشدقون بالنقد على سياسته أيام خلافته ’ يكتبون الصفحات الطوال عما يسمونه بمظهر الضعف أوالتحيز فى سياسته .’ مقتفين فى ذلك ما يطيب للمستشرقين القيام به من إمطار التاريخ الإسلامى بوابل النقد و الكذب و التضليل تحقيقاً لغاية مرسومة معروفة يتطلعون إليها ويغذون السير للوصول إليها . إن هؤلاء الذين يضعون أنفسهم فى أبراج عالية من النزاهة النادرة ’ لينطلقوا من هناك بأحكامهم على عثمان و سياسته ’ هم أحوج ما يكونون الى أن يتحسسوا أمراضهم المختلفة ثم يداووها بدراسة شىء من مناقب هذا الخليفة العظيم و الإهتداء بهديه وسلوكه ’ ومهما يكن من شأن عثمان فى خلافته ’ فأى بقية من أدب توجد عند من يسمع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم ) ثم يمضى بعد ذلك منتشياً بنقده و تسفيه سياسته ؟!..
2- كلمة عن حديث أبى بكر وما إختلقه البعض فيه من زيادة ليسوغوا بها بدعة من أهم البدع المحرمة :
ذكرنا الحديث الذى رواه الترمذى وأبو داود ’ عن تقديم أبى بكر ماله كله للرسول صلى الله عليه وسلم ’ وأنه أجابه حينما سأله صلى الله عليه وسلم وما أبقيت لأهلك ؟ ’ أجاب : أبقيت لهم الله ورسوله .
وقد إختلق بعضهم زيادة على الحديث ’ أن النبى صلى الله عليه وسلم قال له : يا أبا بكر إن الله راض عنك ’ فهل أنت راض عن الله ؟ ’ فاستفزه السرور و الوجد ’ وقام يرقص أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً : كيف لا أرضى عن الله ؟ ... ثم ذهبوا يجعلون من هذه الزيادة المختلقة دليلاً على مشروعية الرقص و الدوران فى حلق الذكر على نحو ما يفعل ( المولوية ) وطوائف أخرى من المتصوفة .
فأما الدليل الذى يستندون إليه فهو دليل مختلق كما ذكرنا ’ ولم يثبت فى حديث صحيح ولا ضعيف أن أبا بكر قام بفعل ذلك بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ كل ما ورد فى الأمر هو ما ذكرته من نص حديث الترمذى و الحاكم وأبى داود ’ على ما فيه من إحتمالات الضعف التى بينتها فىتخريج الحديث .
وأما المدلول فلا نقول أنه لم يثبت دليلاً عليه ’ بل الحق الذى ينبغى أن يقال : إن الدليل قد ثبت على حرمته ’ وإليك بيان ذلك :
أجمع الأئمة على أن الرقص محرم ’ إن كان مع التثنى ’ واتفق الجمهور على أنه مكروه إن كان بدون ذلك ’ فإدخال الرقص - مهما كانت كيفيته - فى ذكر الله تعالى ’ إقحام لما هو مكروه أو محرم فى عبادة مشروعة ’ وتحويل له بذلك الى عبادة يتقرب بها الى الله تعالى دون أى دليل عليها ’ أو على أنها قد خرجت عن الكراهة و التحريم .
أضف الى ذلك ما يتلبس به حال هؤلاء الذاكرين من التفوه بأصوات ليس من ألفاظ الذكر فى شىء ’ وإنما هى حمحمات وهمهمات تصّاعد من حلوقهم ’ ليتكون منها دوىّ متناسق معين ينسجم مع تواقيع المنشدين و المطربين ’ فتحدث بذلك مزيداً من النشوة و الطرب فى النفوس . فكيف يكون هذا ذكر لله تعالى كالذكر الذى أمر به و الذى كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ؟ .. وكيف يكون هذا العمل عبادة والعبادة كما تعلم ’ هى ما شرعه الله تعالى فى كتابه أو سنة رسوله لا يزاد عليها ولا ينقص منها .
واعلم أن هذا الذى نقوله ’ هو ما أجمع عليه علماء الشريعة الإسلامية فى مختلف العصور ’ لم يشذ عنها إلا القلة من مبتدعة شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله ’ فكم من محرمات استحلوها ’ومن موبقات إرتكبوها ’ باسم الوجد و التواجد آناً ’ وباسم الإنعتاق من ربقة التكاليف آناً آخر .
وإليك ما يقوله فى هذا إمام من أجل أئمة المسلمين ديناً وعلماً وورعاً وتصوفاً وهو العز ابن عبد السلام
:( وأما الرقص و التصفيق فخفة ورعونة مشبهة لرعونة الإناث ’ لا يفعلها إلا راعن أو متصنع كذاب ’ كيف يتأتى الرقص المتزن بأوزان الغناء ممن طاش لبه وذهب قلبه ’ وقد قال صلى الله عليه وسلم :( خير القرون قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) ولم يكن واحد من هؤلاء الذين يقتدون بهم يفعل شيئاً من ذلك ) .
ويقول مثل هذا الكلام ابن حجر أيضاً فى كتابه : كف الرعاع ’ وابن عابدين فى حاشيته المشهورة المعتمدة عند السادة الأحناف ’ مفرقاً بين الوجد القاهر و التواجد المصطنع .
أما الإمام القرطبى فيتوسع فى التحذير من هذه البدعة وبيان حرمتها توسعاً كبيراً ’ وإذا أردت أن تقف على كلامه فى ذلك فارجع الى تفسيره عند قول الله تعالى :( الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ) ’ وقوله تعالى :( ولا تمش فى الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً ) .
ولولا الإطالة فيما ينبغى أفختصار فيه لسردت لك نصوص كثير من الأئمة فى هذا الشأن ’ لتعلم أن هذا هو الحق الذى إتفق عليه عامة الأئمة من سلف وخلف لا خلاف فيه ولا نزاع .
ومن الواضح أنه يستثنى من عموم ما ذكرناه ما إذا خرج الذاكر عن طوره بأن سيطرت عليه حال لم يملك معها شعوره وزمام نفسه ’ إذ لا يتعلق به حكم تكليفى فى ذلك الطور ’وعليه يحمل ما قد قيل من أن العز ابن عبد السلام نفسه قد هاج مرة فقام يقفز ’ إذ كيف يفعل ذلك باختيار وقصد وهو صاحب النص الذى نقلناه عن كتابه ؟ .
3- المنافقون : طبيعتهم ومدى خطورتهم على الإسلام :
نال أمر هذه الغزوة من حديث كتاب الله عنها وتعليقه عليها ما لم تنله أى غزوة أخرى ’ وإنك لتقرأ عنها فى سورة التوبة آيات بل صفحات كثيرة ’ وتركز معظم هذه الآيات على بيان أهمية الجهاد فى سبيل الله بالمال و النفس ’ وأنه الدليل الوحيد على صدق إسلام المسلم ’ وأنه أهم فارق بين المؤمنين و المنافقين ’ وأن على المسلمين - إذا كانوا مسلمين - أن لا يركنوا الى الدعة و الراحة وأن يستهينوا بما قد يتعرضون له من عذاب وشدة فى سبيل الله تعالى ’ كما أطالت فى الحديث عن المنافقين وفضح نواياهم و الخفىّ من مقاصدهم .
والدرس الذى فى ذلك هو بيان خطورة أمر النفاق و المنافقين على المسلمين فى كل عصر ’ وإيضاح أن الإسلام دعوى لابد أن يصدقها الجهاد و التعرض للمحن ’ حتى يتميز الصادق عن الكاذب ’ ويمحص إيمان المؤمنين عن دجل المنافقين ’ ولقد كانت تبوك أعظم مادة لهذا الدرس القرآنى’ إذ كان إختبار المسلمين بها أعظم إختبار إلهى كشف اللثام عن النفاق فى المدينة وميز المنافقين عن المسلمين الصادقين أعظم تمييز ’ ثم نزلت الآيات القرآنية المتوالية فى كتاب الله تعالى تضبطهم بجرائمهم وتعلن للمسلمين سرائرهم وتحذرهم منهم فى كل زمان ومكان :( فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله وقالوا : لا تنفروا فى الحر قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون ’ فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً جزاءاً بما كانوا يكسبون ’ فإن رجعك الله الى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معى أبداً ولن تقاتلوا معى عدواً إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين ).
وأنت إذا رجعت الى ما قبل هذه الآيات وما بعدها ’ رأيت إهتماماً غريباً بشأن المنافقين والحديث عنهم والتحذير منهم ’ وما ذلك إلا لأن المسلمين لا يؤتون فى معظم ما يصيبهم من نكبات إلا من قبل المنافقين ’ فلا يتسنى لعدوهم أن يتسلل إليهم إلا من خلال ثغرات النفاق و المنافقين ’ ولا ينخدع المسلمون بعدوّهم كما ينخدعون للمنافقين منهم ’ ’ ولا يصابون بعدوى الضعف و الخبال و التفرق كما يصابون به من قبل المنافقين ’ وصدق الله العظيم إذ يقول :( لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم ’ والله عليم بالظالمين ) .
ومكمن الخطورة فيهم ’ أنهم إنما يحاربون الإسلام باسمه ’ ويكيدون له بسلاحه ’ يتلاعبون بما فيه من أحكام باسم الإصلاح و المرونة والتمسك بروح التشريع ويستخرجون منه الفتاوى الملفقة المصطنعة تحقيقاً لأمانيهم أو تقرباً الى سادتهم وأولياء نعمتهم ’ والعظة التى ينبغى أن يأخذها المسلمون من هذا الدرس هو أن يحذروا عدوهم الخارجى مرة على ا، يحذروا المنافقين ألف مرة ’ وأن يحاربوا أول ما يحاربون ما قد يشيع بينهم من النفاق .
4- الجزية وأهل الكتاب :
فى هذه الغزوة دليل على مشروعية أخذ الجزية من أهل الكتاب ’ وأنهم يحرزون بذلك دماءهم وأموالهم ’ فقد رأيت أن الروم اختفوا و تفرقوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما وصل الى تبوك ’ وجاءه متنصرة العرب فصالحوه صلى الله عليه وسلم على الجزية ’ وكتب لهم صلى الله عليه وسلم بذلك كتاباً والجزية ضريبةمالية تقوم بالنسبة لأهل الكتاب مقام الزكاة بالنسبة للمسلمين و الفرق بينهما أن الجزية تقوم على أساس قضائى مجرد على حين تقوم مشروعية الزكاة على أساس من الديانة و القضاء معاً ’ ويعتبر الخاضعون لحكم الجزية داخلين فى حكم الإسلام القضائى فى المجتمع الإسلامى ’ وإن لم يدينوا به عقيدة فى نفوسهم ’ ولذلك فإن عليهم أن لا يجاهروا فى مخالفة شىء من قوانينه و أحكامه العامة إلا ما يتدينون من ذلك بخلافه فى زعمهم كشرب الخمر ونحوه .
هذا ’ والفرق بين الكتابيين وغيرهم من الملاحدة و الوثنيين فى أمر الجزية ’ هو أن الكتابيين يمكنهم أن ينسجموا مع المجتمع الإسلامى و نظامه العام مع إحتفاظهم بما يدينون به ’ أما الملاحدة و الوثنيين واشباههم فلن تجد بينهم و بين المجتمع الإسلامى قدراً مشتركاً يضمن الإنسجام ’ إذ لا يمكن لفكرة الإلحاد و الوثنية أن تلتقى مع الحكم و النظام الإسلامى فى أى فرع من الفروع ’ لقيام تناكر وتخالف بينهم فى أعمق الأسس و الجذور .
5- يدلنا ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما مرّ بمنازل ثمود أنه يكره للمسلم أن يدخل ديار الأمم الخالية ممن أهلكهم الله بكفرهم أو أن يمر على شىء من آثارهم - إلا معتبراً بحالهم ’ يتأمل فى مآلهم ’ يسأل الله تعالى العافية و الرحمة له و للمسلمين ’ إذ هى منازل شهدت مظهراً من غضب الله تعالى ’ وسجلت على إطلالها آثار من غضب الله ’ فهى باقية عليها مع الدهر لتكون عبرة لأولى البصائر و الألباب ’ كما أوضح ذلك فى كثير من آياته ’ فمن الخطأ الكبير أن يمر الإنسان عليها ساهياً لا هياً ’ لا يعبأ منها بغير مظهر الشكل أو البناء و النقوش .
وكم فى الأرض من عبر وعظات من هذا القبيل ’ تظل تدوى بلسان حالها على أسماع الناس أن إعتبروا يا أولى الأبصار ’ ولكن الناس لا يستمعون منها إلا الى ما يوسوس إليهم شياطينهم على ألسنتها ’ ولا يقبلون منها إلا على مظاهر الفن و القيمة الأثرية و التاريخية !..
6- وعلينا الآن أن نتأمل فى الفرق بين سياسته صلى الله عليه وسلم مع المنافقين و سياسته مع أصحابه المؤمنين الصادقين ’ لقد تخلف - كما رأيت - كثير من المنافقين عن هذه الغزوة ’ وجاؤا يعتذرون له صلى الله عليه وسلم بشتى الأعذار المختلفة ’ ومع ذلك فقد صفح عنهم وقبل علانيتهم ووكل سرائرهم الى الله تعالى ’ وتخلف عدد يسير من المؤمنين من غير ريبة ولا نفاق ’ ثم جاؤا إليه صلى الله عليه وسلم لا يصطنعون عذراً ولا كذباً يسألونه العفو و الصفح ’ ومع ذلك فقد عاقبهم ولم يصفح عنهم ’ ولقد رأيت مدى قساوة العقوبةالتى أنزلها بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ فلماذا؟ !... لماذا إختار مع المنافقين اللين والصفح ’ واختار للمسلمين الصادقين الشدة و العقوبة ؟!...
و الجواب : أن الشدة و القسوة فى هذا المقام مظهر من مظاهر الإكرام و التشريف ’ و هو ما لا يستأهله المنافقون ’ وكيف يستأهل المنافقون أن تنزل آيات فى توبتهم وعفو الله عنهم ؟! ثم إن المنافقين محكوم عليهم - علىأى حال - أنهم كفرة ’ ولن ينشلهم شىء مما يتظاهرون به فى الدنيا من الدرك الأسفل من النار يوم القيامة ’ وقد أمر الشارع جل جلاله أن ندعهم لما تظاهروا به ونجرى ألحكام الدنيوية حسب ظواهرهم ’ ففيم التحقيق عن بواطن أعذارهم و حقيقة أقوالهم ’ وفيم معاقبتهم فى الدنيا على ما قد يصدر عنهم من كذب ونحن إنما نعطيهم الظاهر فقط فى المعاملة و الأحكام ’ كما يبدوا لنا ’ هم أيضاً الظاهر فقط من أحوالهم و عقائدهم .
قال ابن القيم : وهكذا يفعل الرب سبحانه بعباده فى عقوبات جرائمهم ’ فيؤدب عبده المؤمن الذى يحبه وهو كريم عنده ’ بأدنى زلة وهفوة ’ فلا يزال مستيقظاً حذراً ’ وأما من سقط من عين الله تعالى وهان عليه فإنه يخلى بينه وبين معاصيه ’ وكلما أحدث ذنباً أحدث له نعمة ’ واعلم أن فى حديث كعب ابن مالك الذى ذكرناه عبراً ودلالات هامة نذكر منها ما يلى :
أولاً:- مشروعية الهجر لسبب دينى ’ فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن مكالمة كعب وصاحبيه طيلة تلك المدة ’ قال ابن القيم : وفيه دليل أيضاً على أن رد السلام على من يستحق الهجر ليس بواجب ’ إذ كان مما قاله كعب : فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وآتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو فى مجلسه بعد الصلاة فأقول هل حرك شفتيه برد السلام علىّ ام لا ؟ فلو كان رد السلام عليه واجباً لكان لا بد من إسماعه .
ثانياً :- وابتلاء آخر إمتحن الله به كعباً رضى الله عنه ’ ومن الجدير التأمل فيه لتعلم كيف ينبغى أن يكون إيمان المسلم بربه جل جلاله ’ فقد رأيت أن ملك غسان أرسل إليه معظماً ومبجلاً يدعوه الى ترك هؤلاء الذين ىذوه وأعرضوا عنه و اللحاق ببلاده ليجد عنده الإكرام و السعادة ’ وكان قد بلغ الكرب إذ ذاك بكعب أشده ’ ولكن هذا الإبتلاء لم يكشف إلا عن المزيد من إيمانه بربه وشدة إخلاصه ومحبته له .
وكم من أقدام زلت ’ وتزل اليوم فى هذا المنزلق الذى وضع أمام كعب رضى الله عنه لابتلائه به واختباره ’ فمرّ من فوقه عزيزاً بإيمانه قوياً بإسلامه ’ لم يتأثر به ولا إنزلق فيه .
ثالثاً :- سجود الشكر لله تعالى عبادة مشروعة ’ دل عليها سجود كعب رضى الله عنه حينما سمع صوت المبشر بتوبة الله عليه ’ قال ابن القيم : وقد سجد أبو بكر الصديق لما جاءه قتل مسيلمة الكذاب ’ وسجد علىّ ابن أبى طالب لما وجد ذا الثدية مقتولاً فى الخوارج ’ وسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما بشره جبريل أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشراً .
رابعاً :- ذهب الحنفية ماعدا زفر الى أن الرجل إذا ندر ماله كله صدقة على المساكين لم يلزمه التصدق إلا بالأموال الزكوية فقط ’ ولهم أدلة على ذلك ’ لعل من جملتها ما أجاب به رسول الله صلى الله عليه وسلم كعباً حينما قال له : إن من توبتى أن أنخلع من مالى صدقة لله ورسوله ’ فقد قال له أمسك عليك بعض مالك . والذين ذهبوا الى أن كل ماله يصبح صدقة إذا نذره ’ قالوا إن قول كعب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليس فى حقيقته إنشاء لصيغة نذر ’ ولكنه إستشارة له عليه الصلاة و السلام ’ فأخبره صلى الله عليه وسلم أن بعض ذلك يجزيه ’ ولعل هذا هو الأقرب فى فهم سياق كلام كعب رضى الله عنه وجواب النبى صلى الله عليه وسلم له .
حج أبى بكر رضى الله عنه بالناس سنة تسع
لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم عائداً من تبوك ’ أراد الحج ’ ثم قال : إنما يحضر المشركون فيطوفون عراة فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك ’ فأرسل أبا بكر رضى الله عنه وأردفه بعلى رضى الله عنه ’ ينهيان المشركين عن الحج بعد ذلك العام ’ ويعطيانهم مهلة للدخول فى الإسلام أربعة اشهر ’ ثم ليس بينهم وبين المسلمين إلا القتال .
روى البخارى فى كتاب المغازى عن أبى هريرة أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه بعثه فى الحجة التى امره عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ قبل حجة الوداع يوم النحر فى رهط يؤذن فى الناس : لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان .
وروى محمد ابن كعب القرظى وغيره أن النبى صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر أميراً على الموسم سنة تسع من الهجرة ’ وبعث علىّ ابن أبى طالب بثلاثين أو أربعين ىية من براءة ’ فقرأها علىالناس يؤجل المشركين - أى يمهلهم - أربعة أشهر يسيحون فى الأرض ’ فقرأها عليهم يوم عرفة ’ أجلهم عشرين من ذى الحجة ’ و المحرم ’ وصفر ’ وشهر ربيع الأول ’ وعشرً من ربيع الآخر ’ وقرأها عليهم فى منازلهم وقال : لا يحجنّ بعد عامنا هذا مشرك ولا يطوفنّ بالبيت عريان .
وروى الإمام أحمد عن محرز ابن أبى هريرة عن أبيه قال : كنت مع علىّ رضى الله عنه حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم الى أهل مكة ببراءة ’ فقال : ما كنتم تنادون ؟ قال : كنا ننادى أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ’ ولا يطوف ابلبيت عريان ’ ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فأن أجله أو مدته أربعة أشهر ’ فإذا مضت الأربعة أشهر فإن الله برىء من المشركين ورسوله ’ ولا يحج هذا البيت بعد عامنا هذا مشرك ’ قال : فكنت أنادى حتى صحل صوتى ’ فذلك هو المقصود بقوله تعالى :( وأذان من الله ورسوله الى الناس يوم الحج الأكبر أن الله برىء من المشركين ورسوله ’ فإن تبتم فهو خير لكم ’ وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزى الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ) .
وروى ابن سعد أن النبى صلى الله عليه وسلم استعمل أبو بكر على الحج ’ خرج فى ثلاثمائة رجل من أهل المدينة ’ وبعث معه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشرين بدنة قلدها وأشعرها .
العبر و العظات :
1- المشركون و تقاليدهم فى الحج :
لقد عرفت فيما مضى أن الحج الى بيت الله الحرام كان مما ورثه العرب عن إبراهيم عليه الصلاة و السلام ’ فكان من بقايا الحنيفية التى ما زالوا محافظين عليها ’ إلا أن كثيراً من أدران الجاهلية و أباطيل الشرك قد تسلل إليه ’ حتى غدا مظهراً من مظاهر الشرك أكثر من أن يكون عبادة قائمة على عقيدة التوحيد ’ذكر ابن عائذ أن المشركين كانوا يحجون مع المسلمين ’ ويعارضهم المشركون بإعلاء أصواتهم ليغلطوهم بذلك ’ فيقولون لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك ’ وكان الرجال منهم منهم يطوفون بالبيت عراة ليس على رجل منهم ثوب ’ يرون ذلك تعظيماً للبيت !.. وكان يقول أحدهم : أطوف بالبيت كما ولدتنى أمى ’ ليس على شىء من الدنيا خالطه الظلم ’ وظلت هذه الأرجاس الى نهاية العام التاسع من الهجرة ’ حيث كان حج أبى بكر رضى الله عنه و الإنذار الذى بلغه كل من ابى بكر وعلىّ رضى الله عنهما لسائر المشركين ’ إيذاناً بطهارة المسجد الحرام عن تلك الأرجاس وزوالها الى غير رجعة .
2- إنتساخ العهد بإعلان الحرابة :
ثم أعلن أن المشركين كانوا إذ ذاك صنفين ’ كما قال محمد ابن اسحاق وغيره ’ أحدهما : كان بينه وبين النبى صلى الله عليه وسلم عهد الى ما دون أربعة أشهر من الزمن ’ فأمهل هذا الصنف الى تمام المدة ’ وثانيهما : كان بينه و بين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد مفتوح ’ أى بغير أجل ’ فاقتصر به القرآن فى سورة براءة على أربعة أشهر ’ ثم هو بعد ذلك الحرب بينهم وبين المسلمين .
يقتل أحدهم حيث أدرك ’ إلا أن يسلم ويتوب ’ وابتداء هذا الأجل من يوم عرفة من العام التاسع ’ وانقضاؤه الى عشر من شهر ربيع الآخر . وقيل - وهو رأى الكلبى - إنما الأشهر الأربعة مدة لمن كان بينه و بين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد دون أربعة أشهر ’ فأما من كان عهده أكثر من ذلك ’ فقد امر الله أم يتم عهده الى مدته ’ فذلك معنى قول الله تعالى :( إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحداً فأتموا إليهم عهدهم الى مدتهم ’ إن الله يحب المتقين ). و القول الأول أصح و أوجه ’ إذ ليس فى سورة براءة شىء جديد على رأى الكلبى ’ وإنما هو تأكيد للعهود القائمة بيم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين ’ لم تغير منها شيئاً ولم تأت بجديد ’ فأى معنى عندئذ فى قراءة علىّ رضى الله عنه للسورة على مسامع المشركين ينذرهم بها ’ وأى جديد فى أن يبعث النبى صلى الله عليه وسلم علياً بذلك ؟.
3- تأكيد آخر لحقيقة معنى الجهاد :
وإنك لتلحظ فى هذا تأكيداً جديداً على أن الجهاد فى الشريعة الإسلامية ليس حرباً دفاعية كما يحب المستشرقين !.
تأمل فى قول الله تعالى وهو ينذر فلول المشركين وبقاياهم حول مكة ’ من أهل نجد وغيرهم :( براءة من الله ورسوله الى الذين عاهدتم من المشركين ’ فسيحوا فى الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزى الله وأن الله مخزى الكافرين ’ وأذان من الله ورسوله الى الناس يوم الحج الأكبر أن الله برىء من المشركين ورسوله ’ فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزى الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ’ إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحداً فأتموا إليهم عهدهم الى مدتهم إن الله يحب المتقين ’ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم ) .
إن هذه الآيات الواضحة القاطعة لم تبق فى ذهن أى مجال لتصور ما يسمى بالحرب الدفاعية ’ أساساً لمعنى الجهاد فى الإسلام ’ وأنت تعلم أن سورة براءة من أواخر ما نزل من القرآن ’ فأحكامها - واكثر أحكامها متعلق بالجهاد - مستقرة باقية . ولست أرى ما يدعوا الى القول بأن هذه الآيات نسخت ما قبلها من الآيات التى تقرر الجهاد الدفاعى ’ كقول الله تعالى :( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ’ وإن الله على نصرهم لقدير ) ’ ذلك لأن الجهاد فى مشروعيته غير ناظر الى هجوم أو دفاع ’ إنما هو يستهدف إعلاء كلمة الله تعالى ’ وإشادة صرح المجتمع الإسلامى السليم وإقامة دولة الله فى الأرض ’ فأياً كانت الوسيلة المتعينة الى ذلك وجب إتباعها .
قد تكون الوسيلة ’ لظرف ما المسالمة و بث النصيحة و التعليم و الإرشاد و التوجيه ’ فهذا هو الجهاد المشروع حينئذ ’ وقد تكون الوسيلة المتعينة لظروف أخرى الحرب الهجومية ’ فهى عندئذ ذروة الجهاد وأشرفه ’ وإنما يقدر الظرف ويعين الوسيلة ويحددها الحاكم المسلم المتبصر الواعى المخلص لله ورسوله ولعامة المسلمين ’ وهذا يعنى أن جميع هذه الوسائل الثلاث مشروعة فى تحقيق الجهاد ’ على أن لا يطبق منها إلا ما تقتضيه المصلحة الآنية التى يقدرها الحاكم المخلص ’ وتبادل التطبيق ليس من النسخ فى شىء ’ ثم إن حج أبى بكر هذا كان تعليماً للمسلمين أصول المناسك وكيفية أدائها ’ ثم كان تمهيداً لحجة الإسلام وحجة الوداع التى كان قائدها محمد صلى الله عليه وسلم .