و الحقيقة أن الإهتمام بهذه المدرسة فى كتابة السيرة وفهمها ’ والحماسة التى ظهرت يوما ما لدى البعض فى الأخذ بها - إنما كان منعطفا تاريخيا ومرّ ... وعذر اولئك الذين كتب عليهم أن يمروا بذلك المنعطف أو يمر هو بهم ’ أنهم كانوا - كما قلنا - يفتحون أعينهم ‘ذ ذاك على خبر النهضة العلمية فى أوروبا ’ بعد طول غفلة و إغماض . وإنه لأمر طبيعى أن تنبهر العين عند أول لقياها مع الضياء ’ فلا تتبين حقائق الأشياء ’ ولا تتميز الأشباه عن بعضها . حتى إذا مر الوقت ’ واستراحت العين الى الضياء أخذت الأشياء تتمايز وبدت الحقائق جلية لا لبس فيها ولا غموض .
وهذا ما قد تم فعلا ’ فقد إنجابت الغاشية ’ وصفت أسباب الرؤية السليمة أمام الأبصار ... أبصار الجيل الواعى المثقف اليوم . فانطلق يتعامل مع حقيقة العلم و جوهره ’ بعد أولئك الذين أخذوا بألفاظه وانخدعوا بشعاراته . ثم عادوا وقد أيقنوا ببصيرة الباحث العليم المفكر الحر ’ بأن شيئا مما يسمى بالخوارق و المعجزات لايمكن أن تتنافى فى جوهرها مع حقائق العلم وموازينه .
وذلك لأن الخوارق سميت كذلك لخرقها لما هو مألوف أمام الناس ’ وما كان للإلف أو العادة أن يكون مقياسا علميا لما هو ممكن وغير ممكن . هيهات أن يقضى العلم يوما ما بأن كل ما استأنست إليه عين الإنسان مما هو مألوف ممكن الوقوع ’ وأن كل ما استوحشت منه عين الإنسان مما هو غير مألوف له غير ممكن الوقوع .
ولقد علم كل باحث ومثقف اليوم بأن أحداث ما إنتهت إليه مدارك العلماء فى هذا الصدد ’ هو أن العلاقة التى نراها بين الأسباب و مسبباتها ’ ليست إلا علاقة إقتران مطرد ’ إكتسبت تحليلا ثم تعليلا ’ ثم إستنبط منها القانون الذى هو تابع لظهور تلك العلاقة وليس العكس .
فإن رحت تسأل القانون العلمى عن رايه فى خارقة أو معجزة الهية ’ قال لك بلسان الحال الذى يفقهه كل عالم بل كل متبصر بثقافة العصر : ليست الخوارق و المعجزات من موضوعات بحثى واختصاصى ’ فلا حكم لى عليها بشىء . ولكن إذا وقعت خارقة من ذلك أمامى فإنها تصبح فى تلك الحال موضوعا جاهزا للنظر و التحليل ’ ثم الشرح و التعليل ’ ثم تغطى تلك الخارقة بقانونها التابع لها .
وقد إنقرض الزمن الذى كان بعض العلماء يظنون فيه أن أثر الأسباب الطبيعية فى مسبباتها أثر حتمى يستعصى على التخلف و التغيير . وانتصر الحق الذى طالما نبه إليه ودافع عنه علماء المسلمين عامة و الإمام الغزالى خاصة ’ من أن علاقات الأسباب بمسبباتها ليست أكثر من رابطة إقتران مجردة ’ وما العلم فى أحكامه و قونينه إلا جدار ينهض فوق اساس هذا الإقتران وحده . أما سر هذا الإقتران فهو عند ذلك الإله العظيم الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى .
ولقد رأينا العالم التجريبى ( دافيد هيوم ) كيف يجلى هذه الحقيقة بأنصع بيان صارم .
نعم لابد أن يشترط كل ‘نسان عاقل يحترم العقل و الحقيقة ’ لقبوله أى خبر ’ سواء تضمن أمرا خارقا أو مألوفا ’ شرطا واحدا ’ ألا وهو أن يصل ذلك الخبر اليه عن طريق علمى سليم ينعض على قواعد الرواية و الإسناد ومقتضيات الجرح و التعديل ’ بحيث يورث الجزم و اليقين ’ وتفصيل القول فى هذه الموازين العلمية العظيمة يستلزم كلاما طويل الذيل لسنا بصدد شىء منه الآن .
إن رجل العلم اليوم ’ ليأخذ منه العجب كل مأخذ ’ عندما يقف أمام هذا الذى يقوله حسين هيكل فى مقدمة كتابه ( حياة محمد ) ( وإننى لم آخذ بما سجلته كتب السيرة و الحديث ’ لأننى فضلت أن أجرى فى هذا البحث على الطريقة العلمية ) !
أى أنه يطمئنك الى أنه لم يأخذ حتى بما قد ثبت فى صحيحى البخارى ومسلم ’ حفظا لكرامة العلم ..! إذاً فإن ما يرويه الإمام البخارى ضمن قيود رائعة عجيبة من الحيطة العلمية النادرة فى رواية الكلمة و الخبر ’ إنحراف عن جادة العلم .... على حين تكون طريقة الإستنتاج و الحدس و التخمين وما يسمونه بمنهج التوسم ’ حفظا لكرامته والتزاما لميزانه و جادّته ...!
أليس هذا من أفجع الكوارس النازلة برأس العلم .