الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: فقه السيرة النبوية
المؤلف: محمد سعيد رمضان البوطي
التصنيف: الأخبار
 

القسم الخامس - مرحلة الحرب الدفاعية

غِِزوة أحِِِد

سببها أن بقية من زعماء قريش ممن لم يقتلوا فى غزوة بدر ’ إجتمع رأيهم على الثأر لقتلاهم فى بدر ’ وأن يستعينوا بعير أبى سفيان وما فيها من أموال لتجهيز جيش قوى لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم  ’ فاجتمعت كلمة قريش على ذلك ’ وانضم غليهم غيرهم أيضاً ممن يسمّون بالأحابيش ’ واستعانوا بعدد كبير  من النسوة كى يمنعن الرجال من الفرار  إذا أحدق بهم المسلمون ’ وخرجوا من مكة وقد بلغوا ثلاثة آلاف مقاتل .

وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخبر  فاستشار أصحابه وخيرهم بين الخروج لملاقاتهم وقتالهم ’ والبقاء فى المدينة  ’ فإن دخلوا عليهم  فيها قاتلوهم  ’ فكان رأى بعض الشيوخ من المسلمين عدم الخروج و البقاء فى المدينة ’ وكان عبد الله ابن أبى ابن سلول من أصحاب هذا الرأى ’ غير أن كثير من الصحابة ممن لم يكن لهم شرف القتال فى بدر رغبوا فى الخروج ’ وقالوا : يا رسول الله أخرج بنا إلى أعدائنا ’ لا يرونا أنّا جبنّا عنهم وضعفنا ....... ولم يزل أصحاب هذا الرأى برسول الله صلى الله عليه وسلم  حتى وافقهم على ما أرادوا ’ فدخل فلبس درعه وأخذ سلاحه وظن الذين الحّوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم  بالخروج أنهم قد إستكرهوه  على ما لا يريد  فندموا على ما كان منهم ’ ولما خرج عليهم قالوا : إستكرهناك يا رسول الله ’ ولم يكن لنا ذلك ’ فإن شئت فاقعد ’ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما ينبغى لنبى  إذا لبس لأمته ( أى درعه )  أن يضعها حتى يقاتل .

ثم إن النبى صلى الله عليه وسلم  خرج من المدينة فى ألف من أصحابه ’ وذلك يوم السبت لسبع ليال خلون من شوال على رأس إثنين وثلاثين شهراً من هجرته صلى الله عليه وسلم  ’ حتى إذا كانوا  بين المدينة وأحد إنخذل عبد الله ابن أبى بثلث الجيش - وعامتهم من شيعته وأصحابه - وكرّ راجعاً بهم وهو يقول : عصانى وأطاع الولدان ومن لا رأى له  ’ وما ندرى علام نقتل أنفسنا  ؟

وتبعهم عبد الله ابن حرام يناشدهم الله أن لا يخذلوا نبيهم ’ فلم يستجيبوا لندائه ’ وقال زعيمهم :( لو نعلم قتالاً لاتبعناكم ) وروى البخارى  رضى الله عنه أن المسلمين إختلفوا فى أمر هؤلاء الذين إنخذلوا عن المسلمين ’ ففرقة منهم تقول نقاتلهم ’ وأخرى تقول دعوهم ’ فنزل فيهم قوله تعالى :( فما لكم فى  المنافقين فئتين والله أركسهم بما  بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ) .
واقترح  بعض الصحابة الإستعانة  باليهود ’ بناءاً على ما بينهم من ميثاق التناصر  فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا نستنصر بأهل الشرك على أهل الشرك )  .

وعسكر  النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه - وهم لا يزيدون على سبعمائة مقاتل - فى الشعب فى أحد فجعل ظهور المسلمين إلى أحد واستقبلوا المدينة ’ وجعل  على الجبل خلف  المسلمين خمسين رامياً ’ وأمّر عليهم عبد الله ابن جبير  وأوعز إليهم قائلا :( قوموا على مصافكم هذه فاحموا ظهورنا ’ فإن رأيتمونا قد إنتصرنا فلا تشركونا ’ وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا )  .

وألحّ كل من رافع ابن خديج وسمرة ابن جندب أن يشتركا مع النبى صلى الله عليه وسلم فى القتال وهما إبنا خمس عشرة سنة ’ فردهما النبى لصغر  أسنانهما ’ فقيل له : يا رسول الله إن رافعاً رام ’ فأجازه ’ فجاء سمرة ابن جندب يقول : فأنا والله أصرع رافعاً ’ فأجازه هو أيضاً .

وأمسك النبى صلى الله عليه وسلم بسيف وقال من يأخذ هذا السيف بحقه ؟ فأقبل أبو دجانة قائلاً : أنا آخذه بحقه ’ فأعطاه إياه ’ فأخرج أبو دجانة عصابة حمراء فعصب بها رأسه ( وكان ذلك شأنه عندما يريد أن يقاتل حتى الموت ) ثم راح يتبختر بين الصفوف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنها لمشية يبغضها الله إلا فى مثل هذا الموطن ثم اعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء لمصعب ابن عمير رضى الله عنه ’ وكان الذى يقود ميمنة المشركين خالد ابن الوليد ’ وميسرتهم عكرمة ابن أبى جهل .   فاقتتل الناس وحميت الحرب ’ وراح المسلمون يحسون المشركين فى إندفاع مذهل ’ وكان فى مقدمة المبارزين و المقاتلين ابو دجانة ’وحمزة ابن عبد المطلب ومصعب ابن عمير .
وقتل مصعب ابن عمير دون رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ اللواء على ابن أبى طالب رضى الله عنه وما هو إلا أن  أنزل الله نصره على المسلمين فانكشف المشركون منهزمين لا يلوون على شىء ونساؤهم يدعون بالويل ’ وتبعهم المسلمون يقتلون ويغنمون ’ فتكلم الرماة الذين كانوا يرابطون على الجبل فى النزول ’ واختلفوا فيما بينهم ’ فنزل كثير منهم ظناً منهم بأن الحرب قد وضعت أوزارها ’ وراحوا يأخذون مع أصحابهم الغنائم ’ وثبت رئيسهم عبد الله ابن جبير  مع عدد يسير قائلا : لا أجاوز أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم  ’ ونظر خالد ابن الوليد الى خلاء الجبل وقلة أهله فكرّ  راجعاً بالخيل وتبعه عكرمة فحملوا على من بقى  من الرماة فقتلوهم وأميرهم ,اخذوا يهجمون على المسلمين من الخلف .

 

وحينئذ إنكشف المسلمون وداخلهم الرعب ’ وأخذ المسلمون يقتتلون على غير شعار أو هدى وأوجع المشركون فى المسلمين قتالاً ذريعاً حتى خلص الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرمى بالحجارة حتى رمى لشقه ’ وأصيبت رباعيته ( السن المجاورة للناب )  وشج فى وجهه ’ وجعل الدم يسيل على وجهه فيمسحه وهو يقول : كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم الى ربهم ؟  وجاءت فاطمة رضى الله عنها تغسل عنه الدم وعلى يسكب الماء بالمجن ’ فلما رأت أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى صار رماداً ثم ألصقته بالجرح فاستمسك  .

وأثناء ذلك شاع فى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل ’ وكانت هذه الشائعة من أشد ما أدخل الرعب فى قلوب بعض المسلمين ’ وهى التى  جعلت ضعاف الإيمان يقولون : فما مقامنا هنا إذا كان قد قتل الرسول ؟ وذهبوا يولون الأدبار  ’ وهى التى جعلت أنس ابن النضر يقول : بل ما فائدة حياتكم  بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم  ’ ثم اشار الى المنافقين وإلى ضعاف الإيمان قائلاً  : الله إنى أبرأ إليك مما يقول هؤلاء ’ وأعتذر إليك مما يقول هؤلاء ’ وانطلق فشد بسيفه على المشركين حتى قتل .
وتجلى فى هذه الأثناء مظهر رائع للتضحية و الفداء ممن كانوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم  من الصحابة فراحوا يقدمون أرواحهم رخيصة دون رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل معظمهم .
روى البخارى أنه لما كان يوم أحد ’ إنهزم الناس عن النبى صلى الله عليه وسلم ’وأبو طلحة بين يدى النبى مجوّب عليه ( مترس بنفسه عليه )  بجحفة له ( ترس من جلد ) وكان أبو طلحة رجلاً رامياً شديد النزع ’ يشرف النبى صلى الله عليه وسلم  ينظر الى القوم فيقول أبو طلحة :ز بأبى أنت وأمى لاتشرف ’ يصيبك سهم من سهام القوم ’ نحرى دون نحرك .

وترّس أبو دجانة نفسه دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ والنبل يتلاحق فى ظهره وهو منحن على رسول الله صلى الله عليه وسلم  لا يتحول ’ وترّس زياد ابن السكن نفسه دون رسول الله صلى الله عليه وسلم  حتى قتل هو وخمسة من أصحابه ’ وكان آخرهم على ما رواه ابن هشام عمارة ابن يزيد ابن السكن ’ فقاتل دونه صلى الله عليه وسلم  حتى أثبتته الجراح ’ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ادنوه منى ’ فوسده قدمه ’ فمات وخده على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم  .

ثم إن الحرب هدأت بين الطرفين وانحسر المشركون منصرفين ’ وقد زهوا بالنصر الذى أحرزوه ’ وفزع الناس لقتلاهم ’ وكان فيهم حمزة ابن عبد المطلب ’ واليمان وأنس ابن النضر ’ ومصعب ابن عمير وعدد كبير غيرهم ’ وقد تأثر  النبى صلى الله عليه وسلم لمقتل  عمه تأثراً كبيراً ’ وقد مثّل به ’ فبقر بطنه وجدع أنفه وأذناه ’ وأخذ النبى  صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرجلين من القتلى فى ثوب واحد ثم يقول : أيهم أكثر أخذا للقرآن ؟ فإذا أشير له إلى أحدهم قدمه فى اللحد  ’ وقال أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة ’ وأمر بدفنهم بدمائهم ’ ولم يصل عليهم ولم يغسلوا .

وأخذ اليهود و المنافقون  يظهرون الشماتة بالمسلمين  ’ وراح عبد الله ابن أبى  ابن سلول يقول هو وأصحابه للمسلمين : لو أطعتمونا ما قتل منكم من قتل ’ وأخذوا يتساءلون عن النصر الذى كانوا يتوهمونه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم  ’ فأنزل الله تعالى آيات من سورة آل عمران تعليقاً على إرجاف اليهود و المنافقين وبياناً لحكمة ما حصل فى غزوة أحد ’ وهى تبدأ بقوله تعالى  :( وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم ) الى قوله تعالى ( الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا ’ قل فادرأوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين ) .

وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم  من أحد مساء السبت ’ فبات تلك الليلة فى المدينة هو وأصحابه ’ وبات المسلمون يداوون  جراحاتهم ’ فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  الصبح يوم الأحد ’ أمر بلالاً أن ينادى أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يأمركم بطلب العدو ’ ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال بالأمس ...... ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلوائه وهو معقود لم يحل ’ فدفعه الى علىّ رضى الله عنه  وخرج القوم وهم ما بين مجروح وموهون ة ومشجوج حتى عسكروا بحمراء الأسد ( مكان من المدينة على بعد عشرة أميال ) فأوقد المسلمون هناك  نيراناً عظيمة ’ حتى  ترى من المكان البعيد وتوهم كثرة أصحابها  .

ومرّ بهم معبد ابن معبد الخزاعى ( وكان يومئذ من مشركى خزاعة ) ثم تجاوزهم  فمرّ  على المشركين  ولهم زجل و مرح وزهو بالنصر الذى لاقوه فى أحد ’ وهم يأتمرون بالرجوع الى المدينة للقضاء على المسلمين  ’ وصفوان ابن أمية ينهاهم ’ فلما رأى أبو سفيان معبداً قال : ما وراءك يا معبد ؟ فقال : ويحكم  ! إن محمداً قد خرج فى أصحابه يطلبكم فى جمع لم أر مثله قط  .... فأدخل الله بذلك   رعباً عظيماً فى قلوب المشركين ’ وهبّوا مسرعين عائدين الى مكة .

وأقام النبى صلى الله عليه وسلم  فى حمراء الأسد : الإثنين و الثلاثاء و الأربعاء ’ ثم رجع الى المدينة .

 

  العبر و العظات :

تنطوى غزوة أحد على دروس بالغة الأهمية للمسلمين فى كل عصر ’ ولكأن الحكمة من وقوعها على الشكل الذى بينّاه ’ أن  يتكون منها درس تطبيقى عملى ’ يعلم المسلمين كيفية البلوغ الى النصر فى معاركهم مع العدو ’ وكيفية التحرز من مزالق الفشل و الهزيمة ’ فلنقف على هذه الدروس العظيمة ولنتأمل فيها الواحدة إثر الأخرى :

 

أولاً:- يتجلى هنا  أيضاً المبدأ الذى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  يأخذ به نفسه ’ وهو إلتزام التشاور مع أصحابه فى كل أمر يحتمل المشاورة و البحث ’ ولكنا نقف هنا على فارق واحد لم نجده فى المشاورة قبيل غزوة بدر ’ فقد لا حظنا أنه عليه الصلاة و السلام لم يشأ أن يعود عن موافقته لأصحابه الذين إقترحوا الخروج للقاء العدو خارج المدينة ’ بعد أن لبس درعه وأخذ أهبته للقتال ’ رغم أنهم ندموا  وعادوا عن رأيهم ورجوه البقاء إذا كان يرى ذلك   وربما كان النبى  صلى الله عليه وسلم يميل أو يظهر الميل - عند التشاور الى البقاء  فى المدينة .

ولعل الحكمة الجليلة فى هذا ’ أن البحث فى الأمر بعد أخذ العدة للقتال ’ وبعد ظهور النبى صلىالله عليه وسلم  فى قومه وأصحابه لابساً دروعه آخذا سلاحه - شىء خارج عن حدود ما يقتضيه مبدأ التشاور خصوصاً فى القضايا الحربية التى تحتاج - مع المشورة - الى قدر كبير من الحزم و العزم ’ ثم إن المعنى الذى قد يتولد عن تقاعسه صلى الله عليه وسلم عن الخروج بعد أن طلع  عليهم مستعداً لذلك ’ إنما هو الضعف و الإضطراب فى الإرادة وهو كثيراً ما يكون نابعاً  من الخوف و الحذر الذى لا معنى له ’ولذلك أجابهم النبى صلى الله عليه وسلم  على كلامهم بعبارة فيها كل الحزم و العزم ’ دون أن يلتفت الى لغط القوم وتعاقبهم فيما بينهم ’ قال :( ما ينبغى لنبى لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل ) .


ثانياً:- للمنافقين فى هذه الغزوة مشهد بارز ..... ولم لا يكون مشهدهم بارزاً فيها ’ وهى إنما إنطوت على حكم و مقاصد ’ من أهمها تمحيص المؤمنين  عن أخلاطهم من المنافقين ؟ وإن من وراء ذلك لفوائد كبيرة للمسلمين  كانت ذخراً لهم فيما بعد .

لقد رأينا كيف إنخذل عبد الله ابن أبى ابن سلول بثلاثمائة من أتباعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  و أصحابه ’ بعد خروجهم من المدينة ’ وسبب ذلك فى  ظاهر ما تذرع به : أن النبى صلى الله عليه وسلم  إنما أخذ برأى الشباب الأغرار ’ ولم يأخذ برأى أمثاله من الشيوخ أرباب الحجى و الأحلام ’ غير أن سبب ذلك فى الحقيقة وواقع الأمر ’ هو أنه لا يريد قتالاً ’ لأنه لا يريد ان يعرض نفسه لمخاوفه ومغباته وتلك   هى أبرز سمات المنافقين : يريدون أن يأخذوا ما فى الإسلام من مغانم  ’ ويبتعدوا عما فيه من مغارم و أتعاب   ! ..... و إنما الذى يمسكهم على الإسلام أحد شيئين : غنيمة يتوقعونها ’ أو مصائب ومحن يتوقونها  .

 

ثالثاً:-  أن النبى صلى الله عليه وسلم  لم يشأ يستعين بغير المسلمين فى هذه الغزوة ’ رغم قلة عدد المسلمين ’ وقال فيما يرويه ابن سعد فى طبقاته :(  لا نستنصر بأهل الشرك على أهل  الشرك ) ’ وقد روى مسلم أن النبى صلى الله عليه وسلم  قال لرجل تبعه فى يوم بدر ليقاتل معه : أتؤمن بالله ؟ قال لا ’ قال : فارجع فلن أستعين بمشرك  .

وقد ذهب جمهور كبير من  العلماء  ’ بناءً على هذا ’ الى أنه لا يجوز الإستعانة بالكفار فى القتال ’ وفصّل الإمام الشافعى فى ذلك ’ فقال :  إن رأى الإمام أن الكافر حسن الرأى و الأمانة فى المسلمين  وكانت الحاجة داعية الى الإستعانة به ’ وإلا فلا .

ولعل هذا هو المتفق مع القواعد ومجموع الأدلى  ’ إذ روى أنه عليه الصلاة و السلام قبل معونة صفوان ابن أمية يوم حنين ’ والمسألة داخلة فى إطار ما يسمى بالسياسة الشرعية ’ وسنذكر الفرق بين ما فعله الرسول فى حنين  وما فعله فى كل من بدر وأحد فى مناسبة إن شاء الله .

 

رابعاً:- ومما يجدر التأمل فيه ’ حال سمرة ابن جندب ورافع ابن خديج ’ وهما طفلان لا يزيد عمر كل منهما عن خمسة عشر عاما ’ وكيف جاءا يناشدان رسول الله صلى الله عليه وسلم  أن يسمح لهما بالإشتراك فى القتال .... وأى قتال  ؟  .... قتال قائم على التأهب للموت ’ لا تجد فيه أى معنى من التعادل بين الفريقين : المسلمون وعددهم لا يزيد على سبعمائه ’ والمشركون وهم يتجاوزون ثلاثة آلاف مقاتل

و العجيب أيضاً أن يقف بعض محترفى الغزو الفكرى على مثل هذه الظاهرة ’ فيذهبوا فى تحليلها الى أن العرب كانوا أمة تعيش فى ظل الحروب و  الغزوات الدائمة ’ فكانوا ينشأون فى أجوائها و ظروفها ’ ولذلك كانوا ينظرون إليها ( شيباً وشباناً و أطفالاً ) نظرة عادية لا تسبب لهم قدراً بالغاً من المخاوف

لا ريب أن أرباب هذا التحليل ’ يغمضون أعينهم فى إصرار عجيب ’ أثناء هذا الكلام عن تخاذل امثال عبد الله ابن أبى  ابن سلول مع ثلاثمائة من أصحابه ’ تحت وطأة الخوف من عواقب القتال ’ والرغبة فى الجنوح الى السلامة و الأمن ’ وعن تخاذل أولئك الآخرين الذين إستعذبوا ظل المدينة وثمارها ومياهها وسط حرارة الصيف ’ وأعرضوا عن نداء رسول الله صلى الله عليه وسلم  بالخروج للقتال ’ قائلين : لا تنفروا فى الحر .... بل وعن هزيمة المشركين فى غزوة بدر ’ رغم ضخامة عددهم وقلة عدد المسلمين  ’ ووقوع الرعب فى أفئدتهم ’ وهم هم العرب الذين نشأوا فى ظلال الحروب ورضعوا ألبانها واستهانوا بصعابها .

من الصعوبة البالغة للمنصف أن يتهرب عما تحكم به البداهة الواضحة ’ من أن سر هذا الإقدام على الموت من مثل  هؤلاء الأطفال ’ إنما هو الإيمان العظيم الذى إستحوز على القلب ’ والذى ترتبت عليه محنة عارمة للرسول صلى الله عليه وسلم  ’ فحيثما وجد الإيمان  ووجدت هذه المحبة ’ ظهر هذا الإقدام و الإستبسال ’ وحيثما ضعف الإيمان  ’ وضعفت المحبة فى القلب إنقلب الإقدام إحجاماً ’ والإستبسال كسلاً .

 

خامساً:-  إذا تأملت حال الرسول صلى الله عليه وسلم  ’ وهو ينظم الصفوف ويرتب أجنحتهم ’ ويضع الحامية اللازمة فى مؤخرة المسلمين ’ ويأمر الرماة أن لا يغادروا أماكنهم مهما وجدوا من أمر إخوانهم المقاتلين حتى يتلقوا الأوامر منه صلى الله عليه وسلم ’ نقول : إذا تأملت ذلك إتضحت حقيقة بارزة ولاحت لك من ورائها ظاهرة هامة أخرى  .

أما الحقيقة البارزة : فهى البراعة العسكرية التى كانت تتصف بها قيادته صلى الله عليه وسلم  فى الحروب ’ فقد كان فى  مقدمة المخططين لفنون القتال و طرائقه ’ ولا ريب أن  الله تعالى قد  جهزه بعبقرية نادرة فى هذا المجال ’ ولكننا نقول ا، هذه العبقرية و البراعة إنما يأتى كل منهما  من وراء نبوته ورسالته السماوية ’ فمركز النبوة و الرسالة هو الذى إقتضاه أن يكون معصوماً بعيداً عن كل إنحراف وزلل ’ وقد شرحنا هذا فى القسم الأول من هذا الكتاب فلا حاجة الى تكراره .

وأما الظاهرة التى تلوح للمتأمل من خلال توصياته الدقيقة هذه لأصحابه عامة ’ وللرماة خاصة فهى ظاهرة ذات علاقة وثيقة بما قد تم  بعد ذلك من خروج بعض أولئك الرماة على أوامره صلى الله عليه وسلم  ’ فكأن النبى صلى الله عليه وسلم قد غستشف بفراسة النبوة أو بوحى من الله تعالى  هذا الذى قد حدث فيما بعد ’ فراح يؤكد التوصيات و الأوامر ’ وكأنه  فى ذلك يجرى مناورة حية مع عدو لهم هو أنفسهم وأهواءهم وما تنطوى عليه من طمع فى المال و الغنائم ’ والمناورة مهما كانت نتيجتها ’ تفيد فائدة عظيمة .... وربما كانت النتائج السلبية أدعى للإستفادة من النتائج الإيجابية .


سادساً:-  أبو دجانة ’ الذى تناول السيف من يد رسول الله صلى اله عليه وسلم  بحقه ’ أخذه وراح يتبختر بين الصفوف ’ فما أنكر عليه  رسول الله ’ وإنما قال : إن هذه مشية يكرهها الله إلا فى مثل هذا الموضع    ! ... وهذا يدل على أن كل مظاهر الكبر المحرمة فى الأحوال العادية ’ تزول حرمتها فى حالات الحرب ’ فمن مظاهر الكبر المحرمة أن يسير المسلم فى الأرض مرحاً متبختراً ’ ولكن ذلك فى ميدان القتال أمر حسن وليس بمكروه ’ ومن مظاهر الكبر المحرمة تزيين البيوت أو الأوانى أو القدح بالذهب و الفضة ’ غير أن تزيين آلات الحرب وأسلحتها  بالفضة غير ممنوع ’ فمظهر الكبر هنا هو إفتخار بعزة الإسلام على أعدائه . ثم هو معنى من معانى الحرب النفسية التى ينبغى أن لا تفوت المسلمين أهميتها .


سابعاً:-  إذا تأملنا مدة الحرب التى إستمرت بين المسلمين وأعدائهم فى هذه الغزوة  وجدناها تنقسم الى شطرين :

الشطر الأول : - وفيه إلتزم المسلمون أماكنهم وأوامرهم التى كانوا قد تلقونها من قائدهم عليه الصلاة و السلام ’ فما الذى كان من ثمرة ذلك ؟  لقد سارع النصر الى المسلمين وسارعت الهزيمة الى صفوف المشركين  ’ وما هو إلا أن غكتسح الرعب أفئدة الآلاف الثلاثة فانحسروا عن أماكنهم وأخذوا يولون الأدبار ’ وهذا الشطر هو الذى علقت عليه الآية الكريمة فى قوله تعالى :( لقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه )  .

والشطر الثانى :-  وفيه أخذ المسلمون ينطلقون خلف المشركين ليجهزوا على من يدركونه منهم وليأخذوا الغنائم و الأسلاب ’ وحينئذ نظر الرماة من فوق الجبل الذى كانوا يتمركزون فيه ’ الى إخوانهم وهم يضعون السيوف فى أعدائهم اللائذين بالفرار ويعودون بالأموال و الغنائم ’ فرغب بعضهم أن يشتركوا معهم فى الغنيمة ’ وخيلت إليهم  هذه الرغبة أن الفترة الزمنية للأوامر التى تلقوها من رسول الله صلى الله عليه وسلم قد إنتهت ’ فهم فى حل منها وهم فى غنى عن إنتظار إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم  لهم بمغادرة أماكنهم وهو إجتهاد خالفهم فيه بعض زملائهم وفى مقدمتهم أميرهم عبد الله ابن جبير ’ ولكن أصحاب هذا الإجتهاد نزلوا وانطلقوا يشاركون فى أخذ الغنائم .... فما الذى كان من نتيجة ذلك ؟

لقد كان أن إنقلب الرعب الذى داهم أفئدة المشركين الى إستبسال جديد ! وكان أن تفتحت أسباب الحيلة و المكر لدى خالد ابن الوليد الذى كان يولى هارباً ’ فنظر حوله متأملا ’ فوجد الجبل المحصن قد خلا من حماته وحراسه ’ فلمعت الفكرة العسكرية فى رأسه ’ وما هو إلا أن غستدار الى الجبل ومن معه من المشركين فقتلوا من بقى ممن لم ينزل وأوجعوا المسلمين رمياً بالسهام من خلفهم .... وجاء الرعب  هذه المرة ليغزو أفئدة المسلمين  كما رأينا  .

وهذا الشطر من المعركة هو الذى علقت عليه الآية الكريمة فى قوله تعالى :( حتى إذا فشلتم وتنازعتم فى الأمر  وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون ’ منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم )  ......

وانظر ... !  كم كان وبال هذه الخطيئة جسيماً ’ وكم كانت نتيجتها عامة  ؟

لقد عادت خطيئة أفراد قليلين  فى جيش المسلمين ’ بالوبال  عليهم جميعاً ’ بحيث  لم ينج حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم  من نتائجها ’ وتلك هى سنة الله فى الكون ’ لم يمنعها من الإستمرار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم موجود فى ذلك الجيش ’ وأنه أحب الخلق الى ربه جل جلاله  .

فتأمل أنت فى نسبة خطيئة هؤلاء الأفراد ’ الى خطيئة  المسلمين المختلفة المتنوعة  اليوم والمتعلقة بشتى نواحى حياتنا العامة و الخاصة ’ تأمل هذا لتتصور مدى لطف الله بالمسلمين إذ لا يهلكهم بما تكسب أيديهم ’ وبتقاعسهم حتى عن أداء واجب الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر و الإجتماع فى كلمة واحدة على ذلك  .

وإذا تأملت  فى هذا ’ علمت أن الجواب على سؤال بعضهم اليوم عن الحكمة  من أن الشعوب الإسلامية  تظل مغلوبة  على أمرها امام الدول الباغية الأخرى ’ رغم أن هؤلاء كفرة وأولئك مسلمون .

 

ثامناً:- لقد رأينا أن النبى صلى الله عليه وسلم  أوذى كثيراً فى هذه الغزوة فوقع لشقه ’ وشج رأسه ’ وكسرت رباعيته ’وساح الدم غزيراً من وجهه ’ وكل ذلك جزء من مظهر نتائج تلك الخطيئة ..... خطيئة أولئك المسلمين فى الخروج على أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم  القائد ’ ولكن ما الحكمة  فى أن  يشيع خبر مقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم  فى صفوف المسلمين   ؟!

و الجواب : أن  إرتباط المسلمين برسول الله صلى الله عليه وسلم  ووجوده فيما بينهم كان من القوة بحيث لم يكونوا يتصورون فراقه ولم يكونوا يتخيلون قدرة لهم على التماسك من بعده ’ فكان أمر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم  شيئاً لم يخطر لهم على بال  ’ وكأنهم كانوا يسقطون حساب ذلك من أذهانهم ’ ولا ريب أنهم لو إستيقظوا من غفلتهم هذه على خبر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم الحقيقية ’ لصدع الخبر افئدتهم ’ ولزعزع كيانهم الإيمانى  بل لقوضه فى نفوس كثير منهم  .
فكان من الحكمة  الباهرة أن تشيع هذه الشائعة تجربة درسيّة  بين تلك الدروس العسكرية العظيمة ’ كى يستفيق المسلمون من ورائها الى الحقيقة التى ينبغى أن يوطنوا أنفسهم لها منذ الساعة ’ وأن لا يرتدّوا على أعقابهم إذا وجدوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قد إختفى مما بينهم .
ومن أجل بيان هذا الدرس الجليل نزلت الآية  تعليقاً على ما أصاب كثيراً من المسلمين من ضعف و تراجع لدى سماعهم نبأ قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم  وذلك بقوله تعالى :( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل غنقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا ’ وسيجزى الله الشاكرين  )  .

ولقد غتضح الأثر الإيجابى لهذا الدرس ’ يوم أن لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلا بالرفيق الأعلى فقد كانت شائعة أحد هذه مع ما نزل بسببها من القرآن هى التى أيقظت المسلمين ونبهتهم  الى الحقيقة  ’ فودعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم  بقلوبهم الحزينة ’ ثم رجعوا الى الأمانة التى تركها بين ايديهم ’ أمانة الدعوة و الجهاد فى سبيل الله  ’ فنخضوا بها أقوياء بإيمانهم أشداء فى عقيدتهم وتوكلهم على الله تعالى .

 

تاسعاً:- ولنتأمل فى وقع الموت على  أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  وهم من حوله يحمونه بأجسادهم من نبال المشركين وضرباتهم ’ يتساقطون  الواحد منهم إثر الآخر تحت وابل السهام  ’ وهم فى نشوة عارمة وحرص حريص على حفظ حياة الرسول صلى الله عليه وسلم  ’ لا يبالون بغير ذلك ...!

فما هو مصدر هذه التضحية العجيبة ؟

إنه الإيمان بالله تعالى  ورسوله أولاً ’ ثم محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم  ثانياً  ’ فهما معاً سببب هذه التضحية الرائعة العجيبة ’ والمسلم يحتاج إليهما معاً ’ لا يكفيه أن يدعى الإيمان بما ينبغى الإيمان به  من أمور العقيدة ’ حتى يمتلىء قلبه بمحبة الله ورسوله أيضاً  ’ ولذلك قال  عليه الصلاة و السلام : لا يؤمن احدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده و الناس أجمعين ).

وبيان ذلك أن الله عز وجل قد غرس فى الإنسان عقلاً وقلباً  ’ أما الأول  فلكى يفكر به  فيؤمن بما يجب الإيمان به . وأما الثانى فلكى يستعمله فى محبة من أمر الله بمحبته وبغض من أمر الله ببغضه ’ وإذا لم يشغل القلب بمحبة الله ورسوله و الصالحين من عباده فسيمتلىء ولابد  بمحبة الشهوات و الأهواء و المحرمات ’ وإذا فاض القلب بمحبة الشهوات والأهواء فهيهات أن  يصبح الإعتقاد وحده حاملاً لصاحبه على أى عمل من أعمال التضحية أو الفداء .

وهذه الحقيقة من الأوليات التى أقرها علماء التربية  و الأخلاق ’ ودلت عليها التجارب البديهيه ’ واسمع ما يقوله فى ذلك جان جاك  روسو فى كتابه ( اميل ) :( كم قيل وأعيد القول عن الرغبة فى إقامة الفضيلة على  العقل وحده ’ وياله من أساس متين   ! ... أى أساس هذا   ! ... إن الفضيلة كما يقولون هى النظام ’ ولكن هل يستطيع الإيمان بالنظام أن يتغلب على مسرتى الخاصة  ؟ ... إن هذا المبدأ المزعوم ليس إلا لعباً بالألفاظ  فالرذيلة هى حب النظام بشكل مختلف ) .

من أجل هذه الحقيقة لم  تستطع الحكومة  الأمريكية  أن تلتزم بما آمنت به واعتقدت بفائدته يوم أقدمت على تحريم الخمر ومنع مداولتها فى  المجتمعات و النوادى وذلك عام 1933 إذ لم تمض سوى فترة وجيزة حتى نكص المقننون على أعقابهم وارتدّوا مترنحين من ألم الحرمان فألغوا القانون الذى إلتزموه وراحوا يعبون أقداحهم من جديد .

هذا على حين ان أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم  - وهم من هم من الثقافة والمدنية و المعرفة بالأضرار والفوائد بالنسبة للمريكيين اليوم - عمدوا بمجرد أن سمعوا أمر الله عز وجل لهم بإجتناب الخمر ’ الى دنان الخمر فأراقوها وإلى الأقداح فكسروها ’ وارتفعت أصواتهم تقول : إنتهينا يارب إنتهينا   ...!

والفرق بين الصورتين و الواقعتين ’ أن ههنا شيئاً قد وقر فى القلب فكان هواه تبعاً لأمر الله و أحكامه ’ هذه المحبة  ’ بل هذا الهوى المستحوذ على قلوب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  هو الذى جعلهم  يمدون نحورهم دون نحر رسول الله ويعانقون الموت فى سبيل حفظ حياته عليه الصلاة و السلام.

وكم فى غزوة أحد من المشاهد الرائعة التى تكشف عن أثر هذه المحبة إذ تغمر قلب صاحبها .
روى ابن هشام أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : من رجل ينظر ما فعل سعد ابن الربيع أفى الأحياء هو أم فى الأموات  ؟ فقال رجل من الأنصار : أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل سعد ’ فنظر فإذا هو جريح فى القتلى وبه رمق ’ فقال له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم  أمرنى  أن أنظر أفى الأحياء أنت أم فى الأموات ..! قال : أنا فى الأموات ’ فأبلغ رسول الله عنى السلام ’ وقل له إن سعد ابن الربيع يقول لك : جزاك الله عنا خير ما جازى نبى عن أمته ’وأبلغ قومك منى السلام وقل لهم : إن سعد ابن الربيع يقول لكم : إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص الى نبيكم صلى الله عليه وسلم ولكم عين تطرف ’ قال ألنصارى : فلم أبرح حتى مات  .

ويوم تمتلىء أفئدة المسلمين فى عصرنا هذا  بنحو هذه المحبة ’ بحيث تبعدهم قليلاً عن شهواتهم وأنانيتهم ’ وتتغلب عليهم - أقول : يوم يحدث هذا فى أفئدة المسلمين فإنهم يصبحون خلقاً آخر جديداً’ وسينتزعون  إنتصارهم من بين شدقى الموت ’ وسيتغلبون على أعدائهم ’ مهما كانت العقبات و السدود . و إذا سألت عن السبيل الى مثل هذه  المحبة ’ فاعلم أنها كثرة الذكر وكثرةالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم  ة وفى كثرة التأمل و التفكر فى ىلاء الله ونعمه عليك ’ وفى  سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم  وأخلاقه وشمائله ’ وهذا كله بعد الإستقامة على العبادات فى خشية وحضور ’ والتبتل الى الله عز وجل  بين الحين و الآخر .

 

عاشراً :- وقد رأينا فيما رواه البخارى رضى الله عنه ’ أن النبى صلى الله عليه وسلم  أمر بدفن قتلى المسلمين بدمائهم ولم يصل عليهم ’ وجمع بين الرجلين فى قبر واحد ’ وقد إستدل من ذلك العلماء على أن الشهيد فى معارك الجهاد  لايغسل ولا يصلى عليه ’ بل يدفن بدمائه ’ قال الشافعى رضى الله عنه  : جاءت الأحاديث  من وجوه متواترة أنه لم يصل عليهم ’ وأما ماروى أنه صلى الله عليه وسلم صلى عليهم عشرة عشرة وفى كل عشرة حمزة ابن عبد المطلب’ حتى صلى عليه سبعين مرة  فضعيف وخطأ .
كما إستدلوا بذلك أيضاً على أنه يجوز عند الضرورة الجمع بين أكثر من واحد فى القبر ’ أما بدون ضرورة فلا  يجوز .

 

حادى عشر :- وإذا تأملنا فيما أقدم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع اصحابه فور عودتهم الى المدينة من الخروج ثانية للحاق بالمشركين - إتضح لنا درس معركة أحد إتضاحاً كاملاً ’ وتبين لنا كل من نتائجها : السلبية و افيجابية ’ وظهر لنا بما لا يدع مجال للتوهم  أن النصر  إنما يكون مع الصبر وإطاعة أوامر القائد الصالح  واستهدف القصد الدينى المجرد .

فقد رأينا أن النبى صلىالله عليه وسلم  لم يكد يؤذن فى الناس للخروج مرة أخرى لطلب العدو ’ حتى تجمع أولئك الذين كانوا معه بالأمس ’ من بعد ما أصابهم القرح وأنهكتهم الجروح والآلام ’ ولم يسترح أحد منهم بعد فى بيته أو يفرغ  للنظر فى حاله وجسمه ’ وانطلقوا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم  يبتغون المشركين الذين لم تخمد بعد فى رؤسهم جذوة النشوة بالنصر ة ولم يكن فيهم هذه المرة من يطمع فى غنيمة أو غرض دنيوى ’ وإنما هو  التطلع الى النصر أو الإستشهاد  فى سبيل  الله وهم  يسوقون بين يدى ذلك جراحاتهم الدامية وقروحهم المؤلمة . فما الذى كان من نتيجة ذلك ؟
لا نشوة الظفر ولا لذة افنتصار ربطت على قلوب المشركين ليتمموا نصرهم و التغلب على خصومهم ’ ولا وقع الهزيمة وآلام الجروح الكثيفة فى المسلمين حال  شىء من ذلك دون إقدامهم وانتصارهم .
وكيف كان السبيل  ؟  لقد كان السبيل الى ذلك ىية إلهية خارقة لتتمم الدرس و الموعظة للمسلمين  : وقع الرعب فجأة فى قلوب المشركين وتصوروا كما أخبرهم صاحبهم الذى كان قد لمح المسلمين عن بعد ’ أن محمداً وأصحابه قد جاؤوا هذه المرة ومعهم الموت المؤكد لينثروه فيما بينهم ’ فارتدوا على أعقابهم بعد أن كانوا متجهين صوب المدينة  ’ وانطلقوا سراعاً الى مكة لا يلوون على شىء .
أما كيف داخل هذا الرعب الغريب من المسلمين  ’ وهم  الذين كسروا شوكتهم ووضعوا السيف فيهم قبل ساعات   فقط من الزمن ’ فمردّ ذلك الى الإرادة الإلهية التى جعلت من هذه الموقعة كلها درساً  بليغاً للمسلمين  جمع بين  كلا مظهريه افيجابى و السلبى فى آن واحد .
وفى هذا الختام الأخير المتمم لموعظة أحد نزل قول الله تعالى :( الذين إستجابوا لله و الرسول من بعد ما أصابهم القرح ’ للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم ’ الذين قال لهم  الناس إن الناس قد جمعوا لكم  فاخشوهم ’ فزادهم إيمانا ’ وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ’ فانقلبوا بنعمة من الله  وفضل لم يمسسهم سوء ’ واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم ).

|السابق| [26] [27] [28] [29] [30] [31] [32] [33] [34] [35] [36] [37] [38] [39] [40] [41] [42] [43] [44] [45] [46] [47] [48] [49] [50] [51] [52] [53] [54] [55] [56] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

فقه السيرة النبوية 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca