الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: فقه السيرة النبوية
المؤلف: محمد سعيد رمضان البوطي
التصنيف: الأخبار
 

القسم السادس : الفتِِِح -مقدماته و نتائجه - مرحلة جديدة من الدعوة

شكوى الرسول صلى الله عليه وسلم - ولحاقِِِه بالرفيق الأعلِِى

بعث أسامة ابن زيد الى البلقاء :

ما إن عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة حتى أمر المسلمين بالتهيؤ لغزو الروم ’ واختار رسول الله صلى الله عليه وسلم لإمرة هذه الغزوة أسامة ابن زيد رضى الله عنه  ’ وكان رضى الله عنه شاباً حدثاً ’ فأمره صلى الله عليه وسلم  أن يسير الى موضع مقتل أبيه زيد ابن حارثة ’ وأن يوطىء الخيل  تخوم البلقاء و الداروم من أرض فلسطين ’ ذولك مع بدء شكواه صلى الله عليه وسلم من مرضه الذى توفى فيه   ولكن المنافقين راحوا يقولون مستنكرين : أمّر غلاماً حدثاً على جلة المهاجرين و الأنصار ’ فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الناس وقد عصب رأسه وخطب فيهم قائلاً : ( إن تطعنوا فى إمارة أسامة ابن زيد فقد طعنتم فى إمارة أبيه من قبله ’ وأيم الله  إن كان لخليقاً بها ’ وأيم الله إن كان لأحب الناس الىّ ’ وأيم الله  إن هذا لها لخليق - يريد أسامة ابن زيد - وأيم الله إن كان لأحبهم الى من بعده فأوصيكم به  فإنه من صالحيكم  ) ’ فتجهز الناس ’ وأوعب مع  أسامة المهاجرين و الأنصار ’ وخرج أسامة بجيشه الى ظاهر المدينة ’ فعسكر بالجرف ( مكان على بعد فرسخ من المدينة  )  .

 

شكوى رسول الله صلى الله عليه وسلم :

وفى هذه الأثناء اشتدت برسول الله صلى الله عليه وسلم شكواه التى قبض ه الله  فيها ’ فأقام الجيش هناك ’ ينظرون ما الله قاض فى هذا الأمر .

وكان إبتداء شكواه ما رواه ابن اسحاق وابن سعد عن أبى مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم  ’ قال : بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوف الليل فقال : يا أبا مويهبة’ قد أمرت أن أستغفر لأهل هذا  البقيع ’ فانطلق معى ’ فانطلقت معه ’ فلما وقفنا عليهم  قال : السلام عليكم يا أهل المقابر ’ ليهن لكم ما أصبحتم فيما أصبح الناس فيه ’ أقبلت الفتن مثل قطع الليل المظلم يتبع آخرها أولاها  ’ الآخرة شر من الأولى ’ ثم أقبل علىّ فقال : إنى قد أعطيت مفاتيح خزائن الدنيا و الخلد فيها ’ فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربى و الجنة فقلت : بأبى أنت وأمى ’ فخذ مفاتيح خزائن الدنيا وتخلّد فيها ’ ثم الجنة ’ قال : لا والله  أبا مويهبة ’ قد إخترت لقاء ربى و الجنة ’ ثم استغفر لأهل البقيع ثم إنصرف فابتدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه الذى قبض فيه .

وكان أول وجعه صلى الله عليه وسلم صداعاً شديداً يجده فى رأسه ’ فقد روى عن عائشة رضى الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم  لما رجع من البقيع استقبلته وهى تقول : وا رأساه فقال لها صلى الله عليه وسلم  : بل أنا والله يا عائشة وا رأساه  . ثم ثقل عليه الوجع فكان حمى شديدة تنتابه ’ وكان بدء ذلك فى أواخر صفر من السنة الحادية عشر للهجرة  وكانت عائشة  ترقيه صلى الله عليه وسلم  خلال ذلك بمعوذات القرآن  .

روى البخارى ومسلم عن عروة أن عائشة رضى الله عنها أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات ومسح عنه بيده ’ فلما اشتكى وجعه الذى توفى فيه طفقت أنفث على نفسه بالمعوذات التى كان ينفث وأمسح بيد النبى صلى الله عليه وسلم  عنه .

وشعرت نساؤه صلى الله عليه وسلم برغبته فى أن يمرض فى بيت عائشة رضى الله عنها لما يعلمن من محبته لها وارتياحه إليها ’ فأذنّ له فى ذلك ’  فخرج الى بيتها من عند ميمونة يتوكأ على الفضل ابن عباس وعلى ابن أبىطالب رضى الله عنهما .

وفى بيت عائشة رضى الله عنها اشتد به وجعه ’ وكان قد شعر بقلق أصحابه وحزنهم عليه ’ فقال : أهريقوا علىّ من سبع قرب لم تحلل أوكيتهنّ لعلى أعهد الى الناس (  أى أخرج إليهم لأكلمهم )  قالت عائشة رضى الله عنها : فأجلسناه فى مخضب ( ما يشبه الإجّانة يغسل فيها الثياب )  ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتنّ ’ ثم خرج الى الناس فصلى بهم وخطبهم ’ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عاصباً رأسه ’ فجلس على المنبر  ثم كان أول ما تكلم به أن صلى على أصحاب أحد واستغفر لهم ثم قال :( عبد خير بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده ’ فاختار ما عنده ) فبكى أبو بكر الصديق رضى الله عنه إذ علم ما يقصده النبى صلى الله عليه وسلم  وناداه قائلاً : فديناك بآبائنا وأمهاتنا ’ فقال صلى الله عليه وسلم : على رسلك يا أبا بكر ’ أيها الناس إنّ آمن الناس علىّ فى ماله وصحبته أبو بكر ’ ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ’ ولكن أخوة الإسلام  . لا تبقين فى المسجد خوخة إلا  خوخة أبا بكر ’ وإنى فرط لكم ’ وأنا شهيد عليكم وإنى والله لأنظر الى حوضى الآن ’ وإنى أعطيت مفاتيح خزائن الأرض ’ وإنى والله ما أخاف أن تشركوا من بعدى ولكنى أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها  ) .

وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم الى بيته ’ وما هو إلا أن اشتد به وجعه ’ وثقل عليه مرضه .
روت عائشة رضى الله عنها  قالت : قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم  فى مرضه ادعى لى أبا  بكر أباك وأخاك ’ حتى أكتب كتاباً ’ فإنى أخاف أن يتمنى متمنّ ويقول قائل : أنا أولى ’ ويأبى الله و المؤمنون إلا أبا بكر .

وروى ابن عباس رضى الله عنه قال : لما اشتد المرض برسول الله صلى الله عليه وسلم  ’ قال  لرجال كانوا فى البيت : هلموا أكتب لكم كتاباً لا تضلوا  بعده  فقال بعضهم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قد غلبه الوجع وعندكم القرآن ’ حسبنا كتاب الله ’ فاختلف أهل البيت واختصموا ’ فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم  كتاباً لا تضلوا بعده ’ ومنهم من يقول غير ذلك ’ فلما أكثروا اللغو والإختلاف قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم  : قوموا  .

ولم يعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيق الخروج الى  الصلاة مع الناس ’ فقال : مروا أبا بكر فليصل بالناس ’ فقالت عائشة رضى الله عنها : يا رسول الله ’ إن أبا بكر رجل اسيف ( رقيق ) وأنه إذا قام مقامك لم يكد يسمع الناس ’ فقال : إنكن صواحب يوسف ’ مروا أبابكر فليصل  بالناس .
فكان أبو بكر هو الذى يصلى بالناس بعد ذلك ’ وخرج النبى صلى الله عليه وسلم خلال ذلك  مرة - وقد شعر بخفة - فأتى فوجد أبا بكر وهو قائم يصلى بالناس فاستأخر أبو بكر ’ فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم  أن كما أنت ’ فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم  الى جنب أبى بكر  فكان أبو بكر يصلى بصلاة رسول الله صلى الله عليسه وسلم  وهو جالس ’ وكان الناس يصلون بصلاة أبى بكر  .
واستبشر الناس خيراً بخروجه صلى الله عليه وسلم إذ ذاك ’ ولكن البرحاء  اشتدت عليه ’ وكان ذلك  آخر مرة خرج يصلى فيها مع الناس . روى ابن مسعود رضى الله عنه قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم  وهو يوعك ’ فمسسته بيدى ’ فقلت يا رسول الله ’ إنك لتوعك وعكاً شديداً ’ فقال صلى الله عليه وسلم : إنى أوعك كما يوعك رجلان منكم قال فقلت : ذلك أن لك أجرين ’ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أجل ’ مامن مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله به  سيئاته كما تحط الشجرة وراقها  .  وكان صلى الله عليه وسلم أثناء ذلك  يطرح خميصة ( غطاء ) له على وجهه ’ فإذا اغتم وضايقه الألم كشفها عن وجهه فقال : لعنة الله على اليهود و النصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ’ كأنه صلى الله عليه وسلم يحذر من أن يصنعوا صنيعهم  به .

 

رسول الله صلى الله عليه وسلم وسكرة الموت

وذلك هو حكم الله فى عباده كلهم ( إنك   ميت وإنهم ميتون )  فقد دخل فجر  يوم الإثنين ثانى عشر  ربيع الأول  من  العام الحادى عشر للهجرة ’ وبينما الناس فى المسجد يصلون خلف أبى بكر رضى الله عنه  ’ إذا بالستر المضروب على حجرة عائشة قد كشف ’ وبرز رسول الله صلى الله عليه وسلم  من ورائه ’ فنظر إليهم وهم فى صفوف الصلاة ’ ثم تبسم يضحك  فنكص أبو بكر على عقبه ليصل الصف ’ فقد ظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  يريد أن يخرج الى الصلاة ’ وهم المسلمون أن يفتنوا فى صلاتهم فرحاً برسول الله صلى الله عليه وسلم ’ فأشار إليهم أن أتموا صلاتكم ’ ثم دخل الحجرة وأرخى الستر ’ وانصرف الناس من صلاتهم وهم يحسبون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قد نشط من مرضه ’ ولكن تبين أنها كانت نظرة وداع منه صلى الله عليه وسلم الى أصحابه ’ فقد عاد عليه الصلاة و السلام فاضطجع الى حجر عائشة رضى الله عنها ’ وأسندت رضى الله عنها رأسه الى صدرها ’ وجعلت  تتغشاه سكرة الموت ’ قالت : وكان بين يديه ركوة فيها ماء فجعل يدخل  يديه فى الماء ويمسح بها وجهه ويقول : لا إله إلا الله إن للموت لسكرات ’ وكانت فاطمة رضى الله عنها إذا رأت منه ذلك قالت : واكرب أباه   !.. يفقول لها عليه الصلاة و السلام : ليس على أبيك كرب بعد هذا  اليوم  .

قالت عائشة رضى الله عنها : إن الله جمع بين ريقى وريقه عند موته ’ دخل علىّ عبد الرحمن وبيده السواك وانا مسندة رسول الله صلى الله عليه وسلم  فرأيته ينظر إليه ’ وعرفت أنه يحب السواك ’ فقلت آخذه لك ’ فأشار برأسه  أن نعم ’ فقلت ألينه لك  ؟ فأشار برأسه أ، نعم ’ فلينته فأمره ’ وبين يديه ركوة فجعل يدخل يديه فى الماء فيمسح وجهه ويقول : لا إله إلا الله إن للموت سكرات  ’ ثم نصب يده فجعل يقول : فى الرفيق الأعلى ’ حتى قبض ومالت يده .

وانتشر خبر وفاته صلى الله عليه وسلم فى الناس ’ وأقبل أبو بكر رضى الله عنه على فرس من مسكنه فى السنح ( وكان قد ذهب الى منزله هناك آملاً أنه صلى الله عليه وسلم  قد عوفى من وجعه )  حتى نزل فدخل المسجد ’ فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة فتيمم رسول الله صلى الله عليه وسلم  وهو مغشى بثوب حبرة ’ فكشف عن وجهه ’ ثم أكب عليه فقبله وبكى ’ فقال : بأبى أنت وأمى  لا يجمع الله عليك موتتين ’ أما الموتة التى كتبت عليك فقد  متها  ’ ثم خرج رضى الله عنه ’ و عمر يكلم  الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمت  ’ ولكنه ذهب الى ربه كما ذهب موسى ابن عمران وأنه صلى الله عليه وسلم لا يموت حتى يفنى الله المنافقين ’ فأقبل أبو بكر يقول له : على رسلك يا عمر ’ أنصت ولكنه استمر فى كلامه مهتاجاً ’ فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس فأقبلوا إليه وتركوا عمر ’ فقال أبو بكر : أما بعد أيها الناس  ’ من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات  ’ ومن كان يعبد الله فإن الله حىّ لا يموت ’ قال الله تعالى :( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل إنقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزى الله الشاكرين ) الآية  فكأن الناس لم يعلموا أن الله نزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر ’ فتلقاها منه الناس كلهم ’ فما سمعها بشر من الناس إلا وأخذ يتلوها ’ قال عمر رضى الله عنه : والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر  تلاها  معقرت ما تقلنى رجلاى وحتى أهويت الى الأرض حين سمعته تلاها أن النبى صلى الله عليه وسلم قد مات .

وقد أجمع الرواة وأهل العلم أنه صلى الله عليه وسلم توفى عن ثلاثة وستين عاما من العمر ’ قضى أربعين منها قبل البعثة ’ وثلاثة عشر عاما يدعو الى الله  فى مكة وعشر سنين قضاها فى المدينة بعد الهجرة ’ وكانت وفاته فى أول العام الحادى عشر .

وروى البخارى عن عمرو ابن الحرث قال : ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ديناراً ولا درهماً ولا عبداً ولا أمة ’ إلا بغلته البيضاء التى كان يركبها وسلاحه ’ وأرضاً جعلها لابن السبيل صدقة  .

 

العبر و العظات :

فى أحداث هذا القسم الأخير من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم  تلوح قصة الحقيقة الكبرى فى هذا الوجود   !.. الحقيقة التى يسقط عندها جبروت المتجبرين وعناد الملحدين ’ وطغيان البغاة و المتألهين ’ إنها الحقيقة التى تمتد صفحة هذا الوجود المائج كله بغاشية الإنتهاء و الفناء ’ وتصبغ الحياة البشرية بصبغة العبودية و الذل لقهار السموات والأرض حقيقة تسربل بها ( طوعاً أو كرها ) العصاة و الطائعون ’ والرؤساء و المتألهون ’ والرسل و الأنبياء و المقربون و الأصفياء ’ والفقراء ودعاة العلم و الإختراع  !.. إنها الحقيقة التى تعلن على مدى الزمان و المكان  ’ وفى أذن كل سامع وعقل مفكر : أن لا ألوهية إلا لله وحده ’ وأن لا حاكمية إلا لذاك الذى تفرد بالبقاء ’ فهو الذى لا مرد لقضائه ولا حدود لسلطانه ولا مخرج عن حكمه ولا غالب  على أمره . أى حقيقة تنطق بهذه الدلالة نطقاً لا لبس فيه ولا غموض أعظم من حقيقة الموت وسكرة الموت إذ قهر الله بهما سكان الدنيا كلها منذ فجر الوجود الى أن تغيب شمسه   ’ لقد مر فى معبر الدنيا كثير من أولئك  المغترين الذين غرقوا فى شبر من القوة التى أوتوها ’ او العلوم التى فهموها ’ أو المخترعات التى إكتشفوها ’ ولكن هذه الحقيقة الكبرى سرعان ما إنتشلتهم وألقت   بهم  فى   بيداء العبودية وأيقظتهم الى صحو التذلل لقيوم السموات و الأرض مالك الملك  كله  ’ فقدموا الى الله عبيداً أذلاء خاضعين  .  كل نفس ذائقة الموت    !.....

إطلاق  لا قيد فيه   ’ عموم لا مخصص له  ’ وشمول ليس للدنيا كلها أن تجعل له حداً ’ فليأت دعاة العلم الجديد ’ والرقى الحديث ومتوثبوا الغزو الفضائى فليجمعوا أمرهم و ليضفروا جميع إمكاناتهم المختلفة وليحشدوا كل أقمارهم المصنوعة ومراكبهم المشروعة فليستعينوا بذلك كله على أن يزيحوا عن أنفسهم شيئاً من سلطان هذا الموت الذى قهرهم واستذلهم ’ وليبطلوا بذلك ولو جزء من هذا التحدى الإلهى : كل نفس ذائقة الموت ’ فإن فعلوا ذلك فإن لهم حينئذ أن يشيدوا لأنفسهم صروحاً عالية من الجبروت و الطغيان و التأله والكفران ’وإلا فأحرى بهم أن يتفرغوا للتأمل فى تلك القبور التى سيغسيبون فى أحشائها و التربة التى سيمتدون تحتها ’ وفى القبضة التى سوف لن ينجوا من حكمها .

ولقد كان من اليسير على الله عز وجل أن يجعل مرتبة رسوله صلى الله عليه وسلم فوق مستوى الموت وآلامه ’ ولكن الحكمة الإلهية  شاءت أن يكون قضاء الله تعالى فى تجرع كأس الموت وآلامها عاماً لكل أحد مهما كانت درجة قربه من الله جل جلاله ’ حتى يعيش الناس على معنى التوحيد وحقيقته ’ وحتى يدركوا جيداً أن كل من فىالسموات والأرض إلا آتى الرحمن عبدا  ’ فليس لأحد أن يتمطى ليعلو بنفسه على مستوى العبودية بعد أن عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم  خاضعاً لحكمها ونزل به قضاؤها  وليس لأحد أن لا يكثر من ذكر الموت وسكرته بعد أن عانى حبيب الله تعالى من برحائه و غشيته آلامها  ’ وهذا المعنى هو ما أوضحه كلام الله جل جلاله :( إنك ميت وإنهم ميتون ) وقوله تعالى :( وما جعلنا لأحد من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون  ؟! كل نفس ذائقةالموت ونبلوكم بالشر و الخير فتنة وإلينا ترجعون  )وإذاً فنحن فى هذا القسم الأخير من سيرته عليه الصلاة و السلام أمام مشهد لحقيقتين هما دعامتا الإيمان بالله عز وجل  ’ بل هما دعامتا  الحقيقة الكونية كلها  : حقيقة توحيد الله عز وجل  ’ وحقيقة العبودية الشاملة التى فطر الله الناس كلهم عليها ولا تبديل لحكم الله وأمره .

 

والآن فلنستعرض ما يوجد فى  ثنايا هذا البحث من الدروس و الأحكام :

أولاً:- لا مفاضلة فى حكم الإسلام إلا بالعمل الصالح :

فقد كان زيد ابن حارثة رقيقاً وهو والد أسامة هذا ’ وهو فى أصله مولى ’ وكان أسامة كما قلنا فتى صغيراً بين الثامنة عشر و العشرين من العمر ’ ومع ذلك فلا الصغر ولا الرق القديم منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يجعله أميراً على عامة الصحابة فى غزوة مهمة كبرى  !.. ولئن وجد المنافقون فى هذا مثاراً للتعجب أو الإستنكار ’ فإن شريعة الإسلام لالا تستغرب ذلك ولا تستنكره ’ فما جاء الإسلام إلا ليحطم مقاييس الجاهلية التى كانوا يتفاضلون بها ويتفاوتون  ’ ولعل النبى صلى الله عليه وسلم وجد فى أسامة ميزة جعلته أولى من غيره بإمارة الجيش فى هذه الغزوة ’ وليس على المسلمين فى هذه الحال إلا السمع و الطاعة وإن أمر عليهم عبد حبشى ’ ولذلك كان أول عمل  قام به أبو بكر الصديق رضى الله عنه فى خلافته هو إنفاذ جيش أسامة ’ وخرج رضى الله عنه فشيع جيشه بنفسه ماشياً وأسامة راكباً ’ فقال له أسامة : يا خليفة رسول الله  لتركبن أو لأنزلنّ ’ فقال أبو بكر : والله لا نزلت ولا ركبت ’ وما على أن أغبر قدمى ساعة فى سبيل الله  ؟ ولقد رجع أسامة رضى الله عنه من هذه الغزوة منصوراً ظافراً وكان فى تسيير ذلك الجيش نفع عظيم للمسلمين .

 

ثانياً:- مشروعية الرقية وفضلها :

وهى العويذ ’ ودليل ذلك ما رويناه من حديث البخارى ومسلم أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات ومسح عنه بيده  ... الخ  ’ وقد كان صلى الله عليه وسلم يرقى أصحابه بالقرآن  آناً ’ وبالأذكار و الأدعية الأخرى ’ روى  مسلم عن عائشة رضى الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  إذا اشتكى منا إنسان مسحه بيمينه ثم قال : أذهب الباس رب الناس ’ واشف أنت الشافى لا شفاء إلا شفاؤك ’ شفاءً لا يغادر سقماً ’ وروى البخارى ومسلم عن عائشة رضى الله عنها  أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرا على نفسه بالمعوذات وينفث ’ فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عنه بيده رجاء بركتها ’ ومن أوضح الأدلة على مشروعية الرقية بالقرآن الكريم  قوله تعالى :( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين  ’ ولا يزيد الظالمين إلا خساراً  ) .
والفرق بين الدعاء و الرقية ’ أن الرقية تزيد عليه المسح باليد و النفث بالفم ’ وهو النفخ بدون ريق فى الأصح .   ثم إنه ذهب مالك و الشافعى وأحمد واسحاق وأبو ثور الى جواز أخذ الأجر على الرقية ’ وفصل أبو حنيفة فمنعها على تعليم القرآن وأجازها على الرقية ودليل ذلك حديث البخارى ومسلم أن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  كانوا فى سفر ’ فمروا بحى من أحياء العرب فاستضافوهم فلم يضيفوهم ’ فقالوا لهم هل فيكم راقö ’ فإن سيد الحى لديغ أو مصاب ’ فقال رجل منهم نعم ’ فأتاه فرقاه بفاتحة الكتاب ’ فشفى الرجل فأعطى قطيعاً من غنم فأبى أن يقبلها  ’ وقال : حتى أذكر ذلك  للنبى صلى الله عليه وسلم ’ فأتى النبى صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له ’ فقال : يا رسول الله ’ والله ما رقيت إلا بفاتحة الكتاب ’ فتبسم وقال: وما أدراك أنها رقية ؟ ثم قال : خذوا منهم واضربوا لى بسهم معكم ’ وقد نقل النووى و الحافظ ابن حجر وغيرهما الإجماع على مشروعية الرقى عند إجتماع ثلاثة شروط :

أن يكون بكلام الله تعالى ’ أو بأسمائه وصفاته ’ وأن يكون باللسان العربى أو بما يعرف معناه  من غيره ’ وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بذات الله تعالى .

وقد دلت على هذه الشروط أحاديث صحيحة مثل ما رواه مسلم عن عوف ابن مالك الأشجعى قال : كنا نرقر فى الجاهلية ’ فقلنا يا رسول الله  كيف ترى فى ذلك   ؟ فقال : اعرضوا علىّ  رقاكم ’ لا بأس بالرقى ما لم يكن  فيه شرك   .

السحر و الرقية منه  :

ولقد كان من أهم ما رقى رسول الله صلى الله عليه وسلم  نفسه بالمعوذات منه ’ السحر الذى سحره به لبيد ابن عاصم فى الحديث الذى رواه الشيخان ’ ولقد ذكر العلماء أن جمهور المسلمين على إثبات السحر وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة ’ ودليله هذا الحديث ’ وذكر اله تعالى له فى كتابه ’ وأنه مما يعلم وذلك   لا يكون إلا فيما له حقيقة ما ’ وقوله سبحانه وتعالى عنه :( فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه ) والتفريق بين المرء وزوجه شىء حقيقى كما هو معروف   .
وقد يستشكل بعضهم هذا الذى نقول لسببين :

الأول - كون السحر بحد ذاته حقيقة ثابتة ’ إذ هو فيما يتوهمه البعض أمر مناف لقضية التوحيد وانحصار التأثير لله وحده .

الثانى - أن يقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قد سحر ’ فذلك مما يحط فى أوهامهممن منصب النبوة ويشكك الناس فيها .

و الحقيقة أنه لا إشكال فى الأمر البتة ’ أما الجواب عن الوهم الأول : فهو أن  إعتبار  السحر حقيقة ثابتة لا يعنى كونه مؤثراً بذاته بل هو كقولنا السم له مفعول حقيقى ثابت ’ والدواء له مفعول حقيقى ثابت ’ فهذا كلام صحيح لا ينكر ’ غير أن التأثير فى الأمور  الثابتة إنما هو لله تعالى  ’ وقد قال الله تعالى عن السحر ( وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله  ) فقد نفى الله عز وجل  عن السحر التأثير الذاتى  ولكنه أثبت له فى نفس الوقت مفعولاً ونتيجة منوطة بإذن الله  تعالى .

وأما الجواب عن الوهم الثانى : فهو أن السحر الذى أصيب به رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان متسلطاً على جسده وظواهر جوارحه كما هو معروف ’ لا على عقله وقلبه واعتقاده ’ فمعاناته من آثار أى مرض من الأمراض التى يتعرض لها الجسم  البشرى لأى كان ’ ومعلوم أن عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم لا تستلزم سلامته من الأمراض و الأغراض البشرية المختلفة .

قال القاضى عياض : وأما ما جاء فى  الحديث من أنه صلى الله عليه وسلم كان يخيل إليه أنه يفعل الشىء وهو لا يفعله ’ فليس فى هذا ما يدخل عليه صلى الله عليه وسلم  داخلة نقص أو عيب فى شىء من تبليغه أو  شريعته ’ لقيام الدليل  و الإجماع على عصمته من هذا ( أى مما يدخل داخلة نقص  فى تبليغ الشريعة ) وإنما هذا فيما يجوز طروّه من أمور الدنيا التى لم يبعث بسببها ولا فضل من أجلها ’ وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر ’ فغير بعيد أن يخيل إليه من أمورها مالا حقيقة له ثم ينجلى عنه كما حصل .
قلت : وهو كما حصل للمريض عند شدة الحمى ’ فمن الأعراض الطبيعية لذلك أن تطوف بالذهن أخيلة وأوهام غير حقيقية  لشدة وطأة الحرارة  ’ والأمر فى ذلك وأشباهه من الأعراض البشرية التى يستوى فيها الأنبياء و الرسل مع غيرهم من الناس .

على أن خبر سحره صلى الله عليه وسلم  إنما يدخل فى جملة الخوارق التى أكرمه الله تعالى بها  فهو ليس مثار نقيصة له ’ وإنما هو دليل إكرام الله تعالى  له وحفظه إياه ’ فقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم  وظل يكثر من الدعاء حين شعر بهذه الأعراض فى جسمه الى ان أطلعه الله على المكيدة التى صنعها له لبيد ابن الأعصم فى السر ’ فذهب الى حيث كان قد طوى الرجل أمشاطه وأسباب سحره فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ذلك وإليك نص الحديث :

روى البخارى ومسلم  عن عائشة رضى الله عنها قالت : سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من  بنى زريق يقال له لبيد ابن الأعصم حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  يخيل إليه أنه كان يفعل  الشىء وما فعله ’ حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة وهو عندى ’ لكنه دعا ودعا ’ ثم قال يا عائشة أشعرت أن الله أفتانى فيما استفتيته فيه ’ أتانى رجلان فقعد أحدهما عند رأسى و الآخر عند رجلى ’ فقال أحدهما  لصاحبه ما وجع الرجل  ؟ فقال : مطبوب ( أى مسحور )  قال : من طببه : قال : لبيد ابن الأعصم ’ قال : فى أى شىء   ؟ قال : فى مشط ومشاطة وجف طلع نخل ذكر ’ قال : وأين هو  ؟ قال : فى بئر ذروان  ’ فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم  فى ناس من أصحابه ... فجاء فقال : يا عائشة كأن ماءها نقاعة الحناء ’ وكأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين  !.. قلت يا رسول الله : أفلا أستخرجه ’ قال : لقد عافانى الله فكرهت أن أثير على الناس فيه شراً ’ فأمر بها ( أى البئر ) فدفنت .

فأنت ترى أن هذا الحديث دليل إكرام وعصمة من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم  أكثر من كونه دليل أذى قد أصابه فى جسمه أو أى جانب يتعلق ببشريته .

بقى أن أحداً قد يستشكل قائلاً :  فكيف تتميز المعجزة الإلهية إذاً عن السحر ومظاهره ما دام أن له حقيقة  ؟

والجواب أن المعجزة التى تحصل على يد النبى إنما تكون مقترنة بدعوى النبوة و التحدى بها كدليل على صدق دعواه ’ وليس السحر كذلك  ’ فلا يمكن أن يتم على يد الساحر  مع دعوى أنه نبى ’ هذا إلا أن سلطان السحر محدود ’ فهو وإن كان له حقيقة  كما قلنا ’ غير أن حقيقته لا تتجاوز حدوداً معينة  ’ ولا يمكن التوصل به الى قلب الحقائق وتبديل جاهر  الشياء ’ ولذلك عبر الله سبحانه وتعالى عن السحر الذى صنعه سحرة فرعون بقوله :( فألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ) .
فعبر عما رآه موسى من صنيعهم بالخيال ’ أى فالحبال لم تنقلب فىالحقيقة الى ثعابين بسحرهم الذى فعلوه ’وإنما الذى إتجه إليه السحر هو أبصار المشاهدين  فقط ’ فهى التى سحرت لا الحبال و العصى ’ وهذا ما أوضحته الآية الأخرى وهى قوله تعالى :( سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤوا بسحر عظيم  ) ’ وإذا تأملت فى هذا الذى نقول ’ علمت أنه لا تنافى بين ما ذكرناه  من أن السحر حقيقة ثابتة ’ وقول الله تعالى ( يخيل إليهمن سحرهم أنه تسعى ) إذ أن إنقلاب الحبال ثعابين تسعى خيال ’ أما تأثير العين بهذا  الخيال وضعفها عن رؤية الحقيقة فذلك هو مفعول السحر وحقيقته لما أصاب العين هذا الذى أصابها ’ وهذا التحقيق يؤكد لك أن مناط السحر دائماً هو جسم الإنسان أو حواسه وجوارحه ’ تظهر بسببه بعض المرئيات أو المحسوسات على غير حقيقتها .

 

ثالثاً : مظاهر فضل أبى بكر رضى الله عنه :

وفيما أسلفناه من قصة مرضه صلى الله عليه وسلم أربع دلائل على أن أبا بكر رضى الله عنه من المزية و الفضل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم :

الأولى :- حينما بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم  خطابه بقوله :( عبد خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده  ) فقد ادرك أبو بكر ما يعنيه صلى الله عليه وسلم ولذلك الذى استشعره رضى الله عنه من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم  ’ فقد جاء فى بعض طرق هذا الحديث عن أبى سعيد الخدرى أنه لما بكى أبو بكر لقول الرسول صلى الله عليه وسلم  قلت فى نفسى : ما يبكى هذا الشيخ أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرنا عن عبد خيّر فاختار  ؟ قال : فكان رسول اله صلى الله عليه وسلم هو المخير ’ وكان أبو بكر أعلمنا به .

الثانية :- قوله عليه الصلاة و السلام : إن آمن الناس علىّ فى ماله وصحبته أبو بكر .... الحديث ’ وإنها لكلمات خالدات ما سجل مثلها لغير أبى بكر رضى الله عنه  .

الثالثة :- ما  ذكرناه من رواية مسلم عن عائشة رضى الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم قال لها : أدعى لى أبا بكر أباك وأخاك  حتى أكتب كتاباً فإنى أخاف أن يتمنى متمن  ويقول قائل : أنا أولى ’ ويأبى الله و المؤمنون إلا أن يكون أبا بكر . وإن هذا الحديث ليعبر  بمثابة النص على استخلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم له من بعده ’ ولئن كانت الحكمة الإلهية اقتضت أن لا يأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم  على اصحابه عهداً بذلك وأن لا يسجل لهم  كتاباً به ’ فكل ذلك كى لا يصبح توارث الحكم و الخلافة متبعة من بعده ’ وفى ذلك من مفسدة القضاء على إتباع شروط الصلاح فى الحاكم ما هو غير خاف على أحد   .

الرابعة:- استخلافه رضى الله عنه للصلاة بالناس  فى مكانه ’ ولقد رأيت مدى شدته فى تعيين أبى بكر لذلك ورده الشديد على عائشة رضى الله عنها فيما راجعته به .

ولئن كنا نقول أن هذه المزايا الثابتة فى صحاح الأحاديث لأبى بكر رضى الله عنه هى التى رجحت مبايعة المسلمين له بالخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم’ فهذا لا يغض من خصائص ةميز الصحابة والخلفاء الاخرين خصوصاً علىّ ابن أبى طالب رضى الله عنه ’ فقد رأيت أنه صلى الله عليه وسلم فى غزوة خيبر قال : لأعطينهذه الراية غداً لرجل يحبه الله ورسوله ’ فذهب الناس يتساءلون فى تلك الليلة من سيكون صاحب الراية’ فكان صاحبها هو علىّ رضى الله عنه .ولقد إنتهى أمر الخلافة وأبرم المسلمون الحكم فيها عقب وفاته صلى الله عليه وسلم  دون أن يستلزم ذلك أى تفرق أو شقاق بينهم من وراء حدود المذاكرة و المناقشة التى لابد منها  وظل كل من أبى بكر  وعلىّ رضى الله عنهما مظهراً ولساناً ناطقاً بفضل الآخر . ولا ريب أن من تافه القول  و العمل أن نعمد  بعد مرور أربعة عشر قرناً على ذلك التاريخ فنضيع الوقت ونستثير الشحناء و البغضاء ’ فى سبيل القول بأن هذا كان أولى بالخلافة أم ذاك ’ مع أن أصحاب العلاقة أنفسهم لم يقم بينهم أى شقاق من هذا القبيل ’ وما مضوا الى لقاء ربهم إلا وهم ينبضون بقلب واحد حباً وتضامناً .

 

رابعاً: النهى عن إتخاذ القبور مساجد :

ولقد رأيت من صيغة الحدديث الدال على ذلك شدة النهى و المبالغة فى التحذير من الإقدام على هذا العمل ’ قال العلماء : وإنما نهى النبى صلى الله عليه وسلم  عن إتخاذ قبره وقبر غيره مسجداً خوفاً من المبالغة فى تعظيمه والإفتتان به ’ فربما أدى ذلك الى الكفر كما جرى لكثير من الأمم السابقة .
وتتحقق صورة النهى عنه بأن  يشاد فوق القبر مسجد فيصبح ما حول القبر مصلى بذلك للناس ’ أو بأن يصلى عند القبر ويتخذ مسجداً ’ والعلماء فى حكمهم على الصلاة عند القبور  بين محرم ومكره و الذين قالوا بالكراهة شددوا بها عندما  تكون الصلاة عند القبر أى بأن يكون القبر بين المصلى و القبلة ’ ولكنها صحيحة على كل ’ لأن الحرمة تستلزم البطلان فيكون حكمها كخكم الصلاة فى الأرض المغصوبة قال الإمام النووى : ولما احتاج الصحابة رضوان اله عليهم و التابعون الى الزيادة فى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كثر المسلمون ’ وامتدت الزيادة الى أن أدخلت بيوت أمهات المؤمنين فيها ’ ومنها حجرة عائشة رضى الله عنها  مدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم  وصاحبيه أبى بكر وعمر  رضى الله عنهما  ’ بنوا على القبر حيطاناً مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر فى المسجد فيصلى  إليه العوام  ويؤدى الى ىالمحذور ’ ثم بنوا جدارين على ركنى القبر الشماليين وحرفوهما حتى إلتقيا ’ حتى لا يتمكن أحد من  استقبال القبر .

 

خامساً :- شعوره صلى الله عليه وسلم وهو يعانى سكرة الموت :

وإنا لنستطيع أن ندرك شعوره صلى الله عليه وسلم  وما كان قد إنصرف إليه تفكيره وهمه فى تلك الساعة مما ذكرناه ’ فقد رأينا أنه بينما  كان الناس مصطفين لصلاة فجر يوم الإثنين إذا بالستر المضروب على حجرة عائشة رضى الله عنها قد كشف ’ وبرز رسول الله صلى الله عليه وسلم  من ورائه فنظر إليهم وهم فى صفوف الصلاة  ثم تبسم يضحك ’ حتى نكص أبو بكر  على عقبيه ليصل الصف وكاد الناس أن يفتنوا فى صلاتهم فرحاً برسول الله صلى الله عليه وسلم  ولكنه أشار بيده إليهم أن أتموا صلاتكم  ثم دخل الحجرة وأرخى الستر .

لقد كان تفكيره إذا منصرفاً تلك الساعة الى أمته وإلى ما سيكون عليه حالهم من بعده ..... وإنك لتشعر من نظرته الباسمة الى أصحابه وهم يقفون خاشعين بين يدى الله تعالى  بمعنى الحب العظيم يفيض به فؤاده صلى الله عليه وسلم لهم ’ بل وإنك لتجد فى إبتسامته مظهراً لما كان يخفق قلبه به من حبهم والدعاء لهم و التوجه إليهم .

لقد أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ( بأبى هو وأمى ) وهو يمر بآخر دقائق عمره أن يتزود من أصحابه رضوان الله عليهم بآخر نظرة ’ وأن يطمئن الى الحق الذى تركهم عليه  و الهداية التى أرشدهم إليها ... فأراد منهم ما طابت به نفسه وقرت به عينه ’ حتى غلب ذلك المشهد آلام الموت السارية فى جسده فغلبها ’ وإذا بالبشر و السرور و الرضا يطفح كل ذلك على وجهه ’ حتى خيل للصحابة أنه صلى الله عليه وسلم قد نشط من أوجاعه وعوفى من آلامه .

ولكنهم ما عرفوا إلا أخيراً أنه ما وقف ينظر إليهم تلك النظرة لينقلب بها الى سكرة الموت ’ وهى آخر لوحة تسجل فى ذهنه لمشهد أصحابه ’ بل وأمته كلها ’ كى تكون هى العهد الباقى بينهم وبين الله عز وجل ’ ولتكون هى الهمزة  الواصلة بين لحظة الوداع لأمته فى الدنيا ولحظة الإستقبال لها فى الآخرة على حوضه الموعود .

ولقد شاءت إرادة الله وحكمته أن يكون هذا المشهد هو الصلاة   !..... وأن تكون هى العهد الأخيِِِِر .
فيا أخى المسلم : العهد العهد الذى فارقك عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ وهو راضö  يتبسم  .

|السابق| [46] [47] [48] [49] [50] [51] [52] [53] [54] [55] [56] [57] [58] [59] [60] [61] [62] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

فقه السيرة النبوية 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca