توجهنا في حديثنا إلى كل فرد من أبناء الوطن مطالبين إياه بالإيجابية وتصحيح المسار كل في نطاق مسئوليته وموقع عمله، ثم توجهنا إلى الأسرة كدعامة أساسية في البناء ودور الرجل والمرأة في تقوية هذه الدعامة لتؤدي دورها البناء، ونتوجه اليوم إلى المجتمع كقاعدة للبناء نريد له أن تكون متينة قوية صلبة ليقوم عليها البناء ويعلو ويستقر.
ولما كنا قد أوضحنا أن فلسفتنا في بناء وطننا لابد أن تكون على أساس الإسلام ومبادئه لذلك لزم أن نوضح معالم المجتمع المسلم ومقوماته ونحن نتوجه إلى أفراد مجتمعنا لنتعاون في إيجاد هذا المجتمع النموذج بإذن الله.
إن المجتمع المسلم الذي ننشده مجتمع فاضل يهدف إلى إقامة الحياة المتوازنة التي تتجلى فيها خصائص الفطرة وتتسق مع دور الإنسان في الحياة، إنه مجتمع متميز في منهجه عن المناهج الاجتماعية حديثها وقديمها، فلا يقصر نظره على مطالب المادة ولا يسعى نحو رفاهية العيش فحسب، ولكنه يقرن ذلك – يؤثر عليه – بأن يمكن الإنسان من عبادة خالقه وأن يرشده في مسلكه في الحياة وأن يصحح اتجاهه في دنياه فيتحقق الخير ويدعو إليه وينأى عن الشر وينهى عنه، ويقيم نظامه وبرامجه على أساس المبادئ الأخلاقية التي تصل بالفرد إلى المستوي الذي يصلح له.
ولا يقتصر المجتمع المسلم في نظرته إلى نفسه، بل يمد النظر إلى الآفاق المظلمة في الأرض، إلى كل مجتمع يشقى بجهله ويتعثر في سعيه ويضل في اتجاهه فيرشد ويدعو ويبين ويصلح حتى يعم الخير في الأرض ويسعد الإنسان في كل مكان.
إن مجتمعات الشرق والغرب في هذا العصر لم تنجح في حل مشكلات الإنسانية، ولم تستطع برغم ما تملك من وسائل أن تحقق السعادة للبشر، فليس الأمر أمر القوت والآلة فحسب، بل وراء ذلك عناصر ضرورية تفقدها ولا تستطيع إليها سبيلاً، فلابد أن يتاح المجال للوحي الإلهي الصادق أن يهدي البشر إلى التي هي أقوم، ويحقق لهم الحياة الطيبة المطمئنة التي تتوازن فيها القوى ويعم الخير والسلام.
يخطئ البعض ويسرع في نفي الصفة الإسلامية عن مجتمعاتنا بسبب عدم تحاكمها إلى شريعة الله أو بسبب انتشار الكثير من المعاصي والمنكرات، وهنا يلزم أن نفرق بين المجتمع وبين الدولة، فلئن كان الاستبداد قد عرف طريقه إلى الحكم في فترات، وإذا كانت المظالم الكثيرة قد أشاعها أصحاب الأهواء وفسدت الأخلاق فإن ذلك لا يعني سقوط المجتمع المسلم.
فالمجتمع المسلم هو هذه الأمة التي التفت حول دينها في أحرج الأوقات وحالك الظلمات، وهي التي تقيم الدين وتصر على تطبيقه حتى عندما ينحرف الحاكمون وتهمل الدولة تطبيق شريعة الإسلام. وقد لمسنا ذلك جليًّا في مجتمعنا المصري في الانتخابات الأخيرة عندما رفع التحالف الإسلامي شعار الإسلام هو الحل، فتجاوبت جماهير الشعب تجاوبًا واضحًا، حال التزوير دون ظهوره في نتائج الانتخابات، ولا يزال ذلك المجتمع قائمًا في كل بيئة إسلامية تصح فيها العقيدة وتنجو عن الأدواء التي بثها أعداء هذا الدين في كثير من الأنحاء، وهذا ما يسعى التيار الإسلامي إلى تصحيحه والوصول إليه.
إن ديننا الإسلام ليس دينًا فرديًا رهبانيًا، ولكنه دين حياة شامل ينظم شئون الحياة في المجتمع، سياسيةً واجتماعيةً واقتصاديةً، فهو لذلك يهتم بالمجتمع وبكل ما يتصل به، فيحميه من العقائد الفاسدة الضالة والنظم الظالمة، ويحرص على إقامة مجتمع يحقق مبادئ الإسلام ويطبق نظرته إلى الوجود ويفسر رأيه في الحياة والأحياء.
وهل يُقبل لمجتمع، غالبيته العظمى تدين بالإسلام، أن تدار شئونه بمبادئ غير الإسلام، أو تعارض مبادئ الإسلام التي نزل بها الوحي؟! وليكن معلومًا أن كل ما يعارض الوحي الإلهي من الاتجاهات والفلسفات، فهو هوى ونزوة تنزع بالفرد والمجتمع إلى الهلاك.
لذلك نرى القرآن ينبه إلى ضرورة التمسك بشرع الله ويحذر من التفريط في أية جزئية منه فيقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ?وَأَنö احْكُمْ بَيْنَهُمْ بöمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبöعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتöنُوكَ عَنْ بَعْضö مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إöلَيْكَ فَإöنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرöيدُ اللَّهُ أَنْ يُصöيبَهُمْ بöبَعْضö ذُنُوبöهöمْ وَإöنَّ كَثöيرًا مöنَ النَّاسö لَفَاسöقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهöلöيَّةö يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مöنَ اللَّهö حُكْمًا لöقَوْمٍ يُوقöنُونَ?(المائدة:49 - 50).
إن الإسلام جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النورº ولرفع الإصرعن المستضعفين وفك الأغلال عن المستعبدين لتحقيق الحياة الطيبة والهداية للتى هي أقوم.
إن للإسلام رأيه في العلاقة بين البشر ونظامه في الثوارت والأموال، ومنهاجه في القيم والمعاملات، وتوجيهه للشباب، وخطته للمرأة، وأسلوبه في الحياة، واتجاهاته في الغايات والاهتمامات، والعبودية الحقة لله تلزم كل مؤمن ومؤمنة بتنفيذ تعاليم الإسلام وهديه: ? وَمَا كَانَ لöمُؤْمöنٍ وَلاَ مُؤْمöنَةٍ إöذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخöيَرَةُ مöنْ أَمْرöهöمْ وَمَن يَعْصö اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبöينًا? (الأحزاب:36).
هل منا من يجهل ما كان عليه المجتمع الجاهلي في جزيرة العرب قبل الإسلام؟! وكيف فقدت فيه أسس الأخلاق السليمة، وفشت فيه أدواء الأثرة، ودبت فيه نوازع السيطرة والاستبداد، وضاعت فيه حقوق الضعاف وأهمل البائسون، ثم كيف تحول هذا المجتمع وصار مجتمعًا فاضلاً حل فيه الإيثار مكان الأثرة، والعدل والإنصاف محل الظلم والاستبداد، والحب والتعاون بدلاً من الحروب والقتال، ووجد الضعيف والمسكين والفقير العناية والرعاية؟؟!.
ومن حكمة الله البالغة أن ربط هذه المعاملات الفاضلة بالعقيدة لضمان استمراريتها وتجدد الدافع لها كعبادة وقربى إلى الله، ومن مثال ربط العقيدة بالتكافل الاجتماعي قوله تعالى:?أَرَأَيْتَ الَّذöي يُكَذّöبُ بöالدّöينö* فَذَلöكَ الَّذöي يَدُعُّ الْيَتöيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامö الْمöسْكöينö * الَّذöينَ هُمْ عَنْ صَلاتöهöمْ سَاهُونَ * الَّذöينَ هُمْ يُرَاؤُنَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ?(الماعون:1-7).
ونرى الإسلام -وهو لازال في أول عهده بمكة- يعالج قضايا اجتماعية مثل تطفيف الكيل والميزان?وَيْلñ لöلْمُطَفّöفöينَ * الَّذöينَ إöذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسö يَسْتَوْفُونَ * وَإöذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسöرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئöكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لöيَوْمٍ عَظöيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لöرَبّö الْعَالَمöينَ?(المطففين:1-6).
إن التيار الإسلامي يدعو أفراد مجتمعنا إلى الالتزام بتعاليم الإسلام وأخلاقه، والتزام منهج الإسلام في بناء المجتمع الفاضل المتعاون والمتكافل الذي يُعتبر الخطوة الأساسية، بل القاعدة المتينة التي يقوم عليها بناء الوطن على أساس سليم من شرع الله ونور الوحي الإلهي.
إن مجتمعنا يشكو من كثير من العلل نريد أن نسعى جميعًا للتخلص منها، وإذا كان النظام الحاكم يتحمل عبئًا كبيرًا في علاج هذه العلل، ولكن أفراد الشعب عليهم أيضًا مسئولية يجب أن يقوموا بها.
إننا نريد أن نضع المجتمع المسلم كقدوة أمامنا نسعى لتحقيقه، وإن الدعائم الأساسية التي يقوم عليها المجتمع المسلم، هي الأخوة والمساواة والحرية والتكافل.
كما أن لهذا المجتمع الإسلامي خصائصَ تميزه عن غيره، فهو مجتمع رباني يقوم على طاعة الله وتحقيق إرادته كما تمثلت في آخر رسالة وأصدق كتاب، وهو كذلك مجتمع إنساني بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى نبيل يفسح جنباته لكل من يؤمن بالحق ويعمل للخير، لا يفرق بين لون أو جنس أو منزلة فالكل لآدم والكل خلفاء في الأرض ما داموا على سنن الهداية والرشاد، ومن خصائص هذا المجتمع الإسلامي أنه يقوم في تطبيق مبادئه ورعاية أهدافه على الالتزام الذي يؤدى فيه كل فرد واجبه عن طواعية ويقين، ويرجع فيه الجميع إلى مبادئ واضحة لا يقصر عن بلوغها أحد، وكل فرد منهم يراقب الله في عمله وواجبه قبل أن تشغله رقابة البشر.
وسنعرض إلى الدعائم الأساسية الواحدة تلو الأخرى وهي الأخوة والمساواة والحرية والتكافلº لنتبين سويًا واجبنا ودورنا في إقامة هذه الدعائم في مجتمعنا المصري.
الدعامة الأولي، وهي الأخوة: دعامة أساسية.. إذ لابد أن تتوثق الروابط والأواصر بين أفراد المجتمعº كي يكون مجتمعًا متماسكًا صلبًا يصمد أمام التحديات التي تواجهنا وما أكثرها، إنَّ الوحدة رمز القوة والطريق إلى النصر، والفرقة رمز الضعف والطريق إلى الهزيمة.
لذلك نرى الإسلام يهتم بآصرة الحب والأخوة بين أفراد المجتمع كل الاهتمام، وقد آخى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين المهاجرين والأنصار، وسجل القرآن هذه المؤآخاة التي أثمرت الإيثار.
ونجد القرآن يوجه نداءاته للمؤمنين بصيغة الجمع،?يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُوا? ثم يحث الإسلام على صلاة الجماعة في المسجد لتقوية الصلة بين الأفراد المسلمين في الحي أو القرية، كما يؤكد على صلة القرابة والرحم في الأسرة، وكذا يوصي بالجار كثيرًا، وعلي الساحة العالمية يصوم المسلمون جميعًا في شهر واحد وهو رمضان، كما يؤدى المسلمون من كل الأجناس فريضةَ الحج ويجتمعون في صعيد واحد يتعارفون ويتبادلون آلامهم وآمالهم.
ونرى الإسلام قادرًا على تهذيب المجتمع الإنساني وإزالة الفوارق الإقليمية والعصبيات القومية والقبلية، ونجد الحب والرحمة والطمأنينة تمتد على طول البلاد التي دخلت في الإسلام واستظلت بظله طالما حافظت على هدايته واستمسكت بمبادئه قرونًا عديدة، ولم يغيرأمرها إلا نبذها لتعاليم الإسلام وافتتانها بمكر الكافرين وما يعرضونه من مبادئ خادعة لا تسلم أهلها إلا إلى ضيق وقيود وهبوط بالإنسانية، كما هو مشاهد في الغرب والشرق الماديين.
والرسول -صلى الله عليه وسلم- يشبه المجتمع المتحاب المترابط بالجسد الواحد فيقول: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" كما يقول -صلى الله عليه وسلم-: "والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم".
ونجد الإسلام يرتب على الأخوة طائفةً من الحقوق والواجبات يقوم بأدائها نحو إخوانه، فيقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة".
ويطلب الإسلام من المسلم أن ينصر أخاه ظالمًا فيمنعه من الظلم، وينصره مظلومًا بأن يدفع عنه الظلم، وتحث السنة النبوية على أمور كثيرة من شأنها أن توثق الروابط بين أفراد المجتمع المسلم.
وفي المقابل نرى أن الإسلام ينهى عن كل شيء من شأنه أن يحدث خلافًا أو فرقةً وتنازعًا، فلا سخرية ولا تنابز بالألقاب ولا غيبة ولا نميمة ولا تجسس، ولا إساءة ظن، وسورة الحجرات تناولت ذلك بتفصيل، وهذا الحديث الجامع لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا لا تحسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا كما أمركم الله تعالى المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام ماله ودمه وعرضه".
والإسلام إذ يوصي بالعلاقات الطيبة والتعاطف والتراحم بين أفراده المسلمين لا يعني أنه يتجاهل الأقليات التي تعيش في مجتمعه من غير المسلمين، ولكنه يوصي بالبر بهم في قوله تعالى:?لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنö الَّذöينَ لَمْ يُقَاتöلُوكُمْ فöي الدّöينö وَلَمْ يُخْرöجُوكُمْ مöنْ دöيَارöكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسöطُوا إöلَيْهöمْ إöنَّ اللَّهَ يُحöبُّ الْمُقْسöطöينَ? (الممتحنة:8) فالمجتمع الإسلامي لا يقف موقف العداء والمناوأة لغير المسلمين، بل يعاملهم بالجانب الإنساني الذي لا يقبل الظلم لأي إنسان مهما كان، فمن الممكن أن يقوم التعاون في المجتمع الإسلامي بين المؤمنين وأهل الكتاب استنادًا للمصالح المشتركة والتعاضد في مواجهة المشكلات والتعاون على جلب المنفعة ودفع المضرة، ولا يؤثر على هذه العلاقة أو يقطعها إلا كيدهم للعقيدة الإسلامية، أو أن يدبروا السوء لجماعة المسلمين.
وكلنا يعلم كيف نزل القرآن يبرئ اليهودي ويدين المسلم في قوله تعالى:?إöنَّا أَنْزَلْنَا إöلَيْكَ الْكöتَابَ بöالْحَقّö لöتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسö بöمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لöلْخَائöنöينَ خَصöيمًا * وَاسْتَغْفöرö اللَّهَ إöنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحöيمًا * وَلا تُجَادöلْ عَنö الَّذöينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إöنَّ اللَّهَ لا يُحöبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثöيمًا?(النساء:105-107).
والمجتمع المسلم لا يقر الطبقية والتفاضل بالمال والجاه ولكن:?إöنَّ أَكْرَمَكُمْ عöنْدَ اللَّهö أَتْقَاكُمْ?.
ولا يقر العنصرية الجنسية والتي لا تزال موجودةً عند بعض الدول غير الإسلامية، وها هو بلال- رضى الله عنه- يأخذ مكانة بين المسلمين، وصار له ذلك الذكر المجيد والمرتبة السابقةº حتى ليقول فيه عمر بن الخطاب"أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا"، وها هو رسولنا -صلى الله عليه وسلم- يقول: "اسمعو وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة".