لقد فهم هذا النفر من الشباب وهم حفنة قليلة لا تعد ذات أثر في الحركة الإسلامية التي ينسبون إليها العمالة والخيانة فهم هؤلاء الجهاد على أنه خروج على الحاكم لأنه قد كفر كفراً بواحاً يوجب ذلك أو للدفاع عن أنفسهم ضد حملات الاعتقال والتعذيب واستدلوا بقول الدكتور محمد نعيم ياسين: (كل قول أو تصرف أو اعتقاد يتضمن استحقاق المخلوق للعبادة أو نفي استحقاق الخالق لأن يعبد بأي نوع من العبادة كل قول أو تصرف يتضمن أحد هذين الأمرين يدخل صاحبه في الكفر والردة ويكفر من يدعى أن له الحق في تشريع ما لم يأذن به الله )(ص 37) .
واستدلوا بما رواه البخاري عن عبادة بن الصامت قال (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحاً عندكم فيه من الله برهان ) واستدلوا بآيات الجهاد والقتال كما استدلوا بالآيات القرآنية المشار إليها في بداية البحث وقالوا إن منهجهم في حتمية المواجهة المسلحة هو موقف السلف الصالح وحتى تزول الشبهة لدى هؤلاء الإخوة ومن قرأ أقوالهم من الشباب وحتى لا تكون هناك فتنة نعرض لأمور هي :
الأول : الكفر المخرج عن الملة ومن الذي يحدده ويحكم به .
الثاني : شروط الخروج على الحاكم ومن الذي يتولى ذلك .
الثالث: الجهاد ومتى يكون ومن الذي يعلنه .
الرابع: مواقف الرسول والصحابة في هذه المسألة .
الأول : الكفر المخرج عن الملة
لقد قال البعض بكفر جميع الحكام في المجتمعات الإسلامية وبكفر من لم يكفرهم وقال آخرون بكفر وعمالة من لم يخرج عليهم بالسلاح حسما نقلت عنهم في هذا الفصل .
ويستدل هؤلاء بقول الله تعالى { وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } الأنعام آية 121 .
وبما ورد في الحديث الشريف : ((إلا أن تروا كفراً بواحاً لكم فيه من الله برهان )) إن التفسير الذي يقول به هؤلاء ليس هو منهج الصحابة والأئمة من بعدهم كما يظنون ويقولون .
فلقد شرب قدامة بن عبد الله بن مظعون الخمر وعندما أمر الخليفة عمر بن الخطاب بإقامة الحد عليه زعم أنه لا عقوبة في ذلك طالما اتقى الله وعمل الصالحات واستدل بقول الله تعالى : {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين } ، ولما أوضح له فقهاء الصحابة بحضور الخليفة أن هذه الآية نزلت لتنزيل الحرج في فهم بعضهم لقول الله تعالى :{ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون } ، فقد قال البعض أن الرجس في دمائهم لمداومتهم على الشرب قبل نزول التحريم في الآية 9. فنزلت الآية 93 لنزيل هذا الحرج بالعمل الصالح وقال ابن عباس هي عذر للماضين وحجة على الباقين وأوضح فقهاء الصحابة أنه إن أصر قدامة على أن الخمر حلال يكفر بذلك ويقتل وإن أقر بالتحريم فإن طاعته غيره في المعصية وهي شرب الخمر لا تكفره ويجلد فقط فأوضح أنه علم بالتحريم وحاول أن يهرب من إقامة الحد عليه . فمن أطاع كافراً في عمل من الأعمال التي هي من المعاصي وليست من أعمال الكفر كشرب الخمر أو أكل لحم الخنزير يكون عاصياً ولا يقال في حقه { وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } .
قال ابن تيمية :( من اتبع في العمل فقط فلم يستحل الحرام كان فاسقا أما من اتبع الاعتقاد باستحلال الحرام وتحريم الحلال كان كافراً
وقال ابن العربي : ( إنما يكون المؤمن مشركا بطاعة المشرك إذا أطاعه في الاعتقاد ، فإن أطاعه في الفعل وعقده سليم مستمر على التوحيد والتصديق فهو عاص فافهموه ).
والطاعة الواردة في آية الأنعام شرك لأنها طاعة في الاعتقاد بحل ما ذبح لغير الله حيث كان يزعم أهل فارس أن الميتة حلال وأن الله قد ذبحها من ذهب وكتبوا بذلك إلى العرب فنزلت الآية 121 بسورة الأنعام فالطاعة هنا في الاعتقاد بحل ما حرمه الله .
وفي تفسير قول النبي صلى الله عليه وسلم لعدى بن حاتم عن الأحبار والرهبان : (( كانوا يحلون لكم الحرام فتستحلونه ويحرمون عليكم الخلال فتحرمونه )) قال : بلى يا رسول الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( فتلك عبادتهم من دون الله )) .
قال ابن تيمية : ( هم على وجهين :
(أ) أشخاص يعلمون أن الأخبار والرهبان بدلوا دين الله فاتبعوهم على هذا التبديل فاعتقدوا بتحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله اتباعا لرؤسائهم مع علمهم بمخالفتهم دين الله .
فهذا كفر وسماه النبي صلى الله عليه وسلم شركاً ولو لم يصلوا لهم ويسجدوا لهم .
(ب) أشخاص يكون اعتقادهم بالتحليل والتحريم ثابتاً ولكن أطاعوهم في المعصية كالمسلم يفعل المعاصي ويعتقد أنها معصية فهؤلاء ليسوا أهل كفر وردة (1) .
فمن قال من الحكام لا سلطان للإسلام على حياة المسلمين فهذا كافر مرتد ويدخل هذا في الكفر البواح ومن ظن أنه لا يستطيع تنفيذ حد من الحدود لظروف المجتمع الاقتصادية أو الاجتماعية فلا يملك أحد أن يحكم بردته وكفره مع إنكارنا الشديد له وعدم تصديقنا لدعواه .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ( هذه الأقوال التي يقولونها التي يعلم أنها مخالفة لما جاء به الرسول كفر وكذلك أفعالهم التي هي جنس أفعال الكفار بالمسلمين هي كفر أيضا ولكن تكفير الواحد المعين منهم والحكم بتخليده في النار موقوف على ثبوت شروط التكفير وانتفاء موانعه (1) .
وقال : (من كان في قلبه الإيمان بالرسول وما جاء به وغلط في بعض ما تأوله من البدع فهذا ليس بكافر أصلاً والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة وقتالا للأمة وتكفيراً لها ولم يكن في الصحابة من يكفرهم ) ولقد فطن الإمام حسن البنا لهذا فلم يكفر أشخاصاً بأسمائهم من الحكام أو غيرهم ممن يدخلون المساجد وكان يدعوهم إلى تطبيق شريعة الله ويحذرهم من المخالفة ويذكرهم بقول الله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } .
والكفر البواح الوارد في الحديث النبوي يجيز أن ينازع الحاكم وأن يخرج عليه إذا ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنه قد خرج عن ملة الإسلام وهذا لا يختص به كل شاب كما يفعل بعض شباب اليوم فالحكم بالكفر كما يقول ابن تيمية موقوف على ثبوت شروط الكفر وانتفاء موانعه يقول الإمام النووي : معنى الحديث (( لا تتنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكراً محققاً تعلمونه من قواعد الإسلام فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وأتوا بالحق حيثما كنتم )) .
والنووي يرى أن المعصية تدخل في الكفر البواح ويؤيد رأيه وجود رواية في الحديث فيها : ((إلا أن يكون معصية لله بواحا)) فهل يختص كل فرد بإعلان كفر الآخرين وقتلهم فهذا ما نتناوله في البند التالي .