الدين كما نعلم رأسه الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ولما كان الجهاد هو
بذل الجهد والطاقة في إعلاء كلمة الله ونصرة دينه والذود عن حياض المسلمين وحقوقهم وحرياتهم تعددت أوجه الجهاد فجهاد الحجة والبيان وجهاد القوة والرجال كما يكون بالمال ولما كانت الدنيا دار بلاء كان الجهاد كذلك { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين } محمد - 31 ] يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ((جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم )) .
لذلك كان الجهاد هو التجارة الرابحة في الأجر كما أنه من أسباب العز والنصر { يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلك خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجرى من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين } الصف 1. - 13 ] وإلا كان الذل والصغار كما أخبر المصطفي صلى الله عليه وسلم بأنه : (( ما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا سلط الله عليهم ذلاً لا ينزعه حتى يراجعوا دينهم )) ولذلك كان الصحابة منهم الباذل لماله حمية دينية أو منهم البائع لنفسه لعلمهم { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفي بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم } التوبة 111] .
فالرسول صلى الله عليه وسلم بمجرد أن حث المؤمنين على الجهاد في سبيل الله في غزوة العسرة وكان زمن مجاعة وجهد قال عثمان بن عفان رضى الله عنه : على مائة بعير بأحلاسها وأقتابها ثم لما حثهم أخرى قال عثمان : على مائة بعير بأحلاسها وأقتابها قم جاء بصرة دنانير كادت كفه تعجز عنها فوضعها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلبها يقول : ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم غفر الله لك يا عثمان ما قدمت وما أخرت .
أما عبد الرحمن بن عوف فقد قدمت عير له من الشام تقدر بسبعمائة بعير تحمل طعاماً وثياباً وأدما فتصدق بها كلها في سبيل الله كما تصدق عمر بشطر ماله رضوان الله عليهم أجمعين والحديث في هذا الباب يطول عن إنفاق الصحابة رضوان الله عليهم المال في سبيل الله .
ولأن المال بمثابة الترس للإسلام يستجلب به العدد والعتاد وسائر وسائل الجهاد وليدفع به صولة أهل الكفر والإلحاد والعناد فهو المحور الذي تدور عليه رحى الحرب ويستعان به في الطعن والضرب فالمسلم يجاهد بنفسه وماله وقد فرض الله في أموال الأغنياء نصيبا مفروضا يصرف في الجهاد والمجاهدين في سبيل الله فيجوز أو يستحب للتاجر أن يصرف زكاته في هذه الحالة إلى المجاهدين في سبيل الله وفي المال حق سوى الزكاة فمن كان عنده زكاة وجب أن يساهم بقدر استطاعته كل حسب مقدرته والدرهم بسبعمائة درهم وعند الله أضعاف كثيرة وصدق الله إذ يقول : { لكن الرسول والذين أمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وألئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون أعد الله لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم } التوبة 88- 89 .
إن الله سبحانه قد يربى بالابتلاء كما أنه سبحانه قد يبتلى بالنعم والمؤمن الحق هو الذي لا يفرح بالنعمة إلا على أساس أنها توصل إلى مرضاة الله وأن المال قد يكون ابتلاء إذا أقبل وقد يكون ابتلاء إذا أدبر وقد يكون نعمة إذا أقبل وقد يكون نعمة إذا أدبر والمثل الأعلى هو ألا تجعل المال في إقباله وإدباره إلهاً يعبد من دون الله وأن نسموا بأنفسنا وألا نجعلها من عبيد المال وأن نحررها من رق الذهب والفضة وذلك بأداء حق الله والإنفاق في سبيله .
عن أبى واقد الليثى قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوحي إليه أتيناه يعلمنا مما أوحى إليه فجئته ذات يوم فقال الله عز وجل يقول (( إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولو كان لابن آدم واديا من ذهب لأحب أن يكون له ثان ولو كان له الثاني لأحب أن يكون له الثالث ولا يملأ جفون ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب )) .
ويقول صلوات الله عليه ((خلقان يحبهما الله عز وجل وخلقان يبغضهما الله عز وجل فأما اللذان يحبهما الله فحسن الخلق والسخاء وأما اللذان يبغضهما الله فسوء الخلق والبخل وإذا أراد الله بعبد خيراً استعمله في قضاء حوائج الناس )) .