إن المؤمنين حقاً هم الذين يحسنون إدراك العواقب ، وهم الذين يعلمون أن ما في أيديهم من مال أو عرض من أعراض الدنيا ، إنما هو إلى زوال أنفقه أو أمسكه ، ولكنه يبغي ما عند الله تعالى إذا أنفق في مرضاته قال الله تعالى { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم } البقرة 261 .
و الذين يحسنون صنعاً هم أولئك الذين يدركون أن الإنفاق في سبيل الله هو لمرضاة الله تعالى ، وهو لا ينقص من المال شيئاً على وجه الحقيقة ويعلمون علم اليقين أن الإمساك عن الإنفاق إنما يكون بهمز الشيطان ولمزه وتخويفه الناس من الفقر ، قال الله تعالى { الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً والله واسع عليم } البقرة 268 .
و الذين يصفون إيمانهم من الشوائب والأغيار ، هم الذين يخشون عذاب الله ويتجنبون ما يوقعهم فيه ، ويعلمون أنه مما يوقع في عذاب الله إمساك المال أو كنزه ومنعه من أصحاب الحقوق فيه ، بل يوقنون بأن التضحية به هي الأصل ، قال الله تعالى { و الذين يكنزون الذهب و الفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون } التوبة 34-35 .
و الذين لا يحبون أن تضيع منهم الفرص ، ولا يرغبون في أن يشعروا بالندم على ما فات ، أولئك الذين يبادرون إلى الإنفاق في سبيل الله و التضحية بالمال ، قال الله تعالى في خطابه للذين آمنوا { و أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها و الله خبير بما تعملون } المنافقون 1.-11
إن مفهوم التضحية في كلمة الإمام البنا هو بذل المال في سبيل الله ، وهكذا ينفق المال في سبيل الله ، وسبيل الله باب واسع في الإنفاق ، وكانت الجماعة تعطى فيه لليتامى والأرامل وتقيم المشروعات الاقتصادية الصغيرة و المتوسطة وترصد كثيراً مما تغله تلك المشروعات لسبيل الله تعالى.
وفقه التضحية في سبيل الله إنما يعرف قيمته ويدرك المكانة التي يكون فيها عند الله من أنار الله بصيرته ، ففقه الحياة الدنيا على حقيقتها وعلم أنها معبر للحياة الآخرة ودار ممر إلى دار المقر ، عندئذٍ قد ينفق ماله كله في سبيل الله تعالى ، ولا يبقى لأهله شيئاً أو يبقى لهم القليل ، كما حدث من أبى بكر الصديق رضى الله عنه ، وكما حدث من كبار الصحابة رضوان الله عليهم .
أخرج ابن اسحق بسنده عن أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنها قالت :
لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج معه أبو بكر رضى الله عنه أي في الهجرة احتمل أبو بكر ماله كله معه خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم فانطلق بها معه .
قالت : والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه !!
- قالت : قلت : كلا يا أبت إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا قالت وأخذت أحجاراً فوضعتها في كوة البيت الذي كان أبى يضع ماله فيه ثم وضعت عليه ثوبا ثم أخذت بيده فقلت : يا أبت ضع يدك على هذا المال .
قالت : فوضع يده عليه فقال : لا بأس إذا كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن وفي هذا بلاغ لكم .
- تقول أسماء رضى الله عنها : لا والله ما ترك لنا شيئا ولكن أردت أن أسكت الشيخ بذلك .
أخرجه الإمام أحمد وقال الهيثمي : رجال أحمد رجال الصحيح غر ابن إسحاق .
فهذه أضواء على مفهوم التضحية كما تحدث عنها الإمام البنا في كلمته الوجيزة .
وكان رحمه الله في هذه الكلمة يشجع المسلمين على بذل النفس والمال والوقت والحياة وكل شئ في سبيل الغاية يشجعهم على ذلك ليقاوموا عدوا محتلا لأرض الوطن في مصر وفي العالمين العربي والإسلامي ولكي يواجهوا اليهود وما يدبرونه من كيد وحرب للاستيلاء على فلسطين وكانت مقدمات ما قام به اليهود في فلسطين توحي بالنتائج .
ولقد ضحى الإخوان بأنفسهم وأموالهم وأوقاتهم وبكل شئ يملكونه ويقدرون عليه من أجل مقاومة اليهود وطرد الإنجليز من مصر
والتضحية بالمال في سبيل الله تعالى من أنواع التضحية ذات الشأن الكبير في إحقاق الحق وتأمينه وتأمين أهله والمنادين به إذ لا يخفي على أحد ما للمال من أهمية في حياة الإنسان .
والنصوص الإسلامية التي تطالب المؤمنين بالتضحية بالمال في سبيل الله وإنفاقه في أوجهه التي أمر الإسلام بها أو ندب إليها إنها نصوص ليست بالقليلة في الكتاب الكريم والسنة النبوية المطهرة مما سيذكر بعضه في هذا المجال .
والتضحية بالمال أنواع :
- منها بذل المال في تجهيز الجيوش المجاهدة في سبيل الله ،
- ومنها تأمين الاحتياجات المتوقعة لهذه الجيوش في المستقبل القريب أو البعيد ،
- ومنها تأمين احتياجات المسلمين في حالة السلم ،
- ومنها بذل لدفع ضرر عن المسلمين في الحاضر أو في المستقبل ،
- ومنها بذله في وجوه الخير والبر عموما .