ويضرب القرآن المثل الحي لأولئك الذين صدقوا في إيمانهم وقاتلوا مع أنبيائهم فلم يعجزوا عند الابتلاء وتأدبوا وهم مقبلون على الموت بالأدب الإيماني في هذا المقام مقام الجهاد فلم يزيدون على أن يستغفروا ربهم وأن يجسموا أخطاءهم فيروها (إسرافاً) في أمرهم وأن يطلبوا من ربهم الثبات والنصر على الكفار وذلك في قوله تعالى : { وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين } آل عمران 146- 147 ].
مجاهدون لم تضعف نفوسهم أمام الموت ولا تتضعضع قواهم ولا تلين عزائمهم ولا يستكينون أو يستسلمون وفي هذا الموقف لم تشغلهم الدنيا لذلك لم يطلبوا نعمة ولا ثراء بل لم يطلبوا ثوابا ولا جزاء لقد كانوا أكثر أدبا مع الله وهم يتوجهون إليه بينما هم يقاتلون في سبيله فلم يطلبوا منه سبحانه إلا غفران الذنوب وتثبيت الأقدام والنصر على الكفار فحتى النصر لا يطلبونه لأنفسهم إنما يطلبون هزيمة الكفر وعقوبة الكفار إنه الأدب اللائق بالمؤمنين في حق الله الكريم
كذلك أعطاهم الله من عنده كل شئ أعطاهم كل ما يتمناه طلاب الدنيا وزيادة وأعطاهم كذلك كل ما يتمناه طلاب الآخرة ويرجونه { فأتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة } وشهد لهم المولى بالإحسان فقد أحسنوا الأدب وأحسنوا الجهاد وأعلن المولى حبه لهم وهو أكبر نعمة وأكبر ثواب { والله يحب المحسنين } آل عمران 134 ].
ولقد ترجم هذه المعاني إلى حياة ترى ومواقف مشهودة نماذج من الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا .