إن إيجابية المسلم تتحقق على أرض الواقع بوعيه حقيقة الآخرة وإدراكه قيمة الدنيا ومعرفته حقيقة وجوده وطبيعة رسالته فينطلق لينادى الناس بالرسالة حتى وإن خذله الناس وإن تكاتفت ضده قوى البغي وتحالف عليه الأعداء وتكالب عليه الخصوم وتحزب عليه الجميع وإن وجد نفسه وحيداً فريداً ضعيفاً في الميدان ليس بذي سطوة في قومه وليس له نفوذ بين أفراد مجتمعه فهو يسعى سعى الرجل الذي { جاء من أقصى المدينة رجل يسعى } يس 2. ] ينادى قومه { يا قوم اتبعوا المرسلين } يس 2. ]. فلا ينشغل بضعفه وقلة حيلته ولكنه يسرع الخطى من أقصى المدينة ليأتي أمام الكافرين ليعلنها صريحة أمامهم { إني آمنت بربكم فاسمعون } يس 25 ] مضحيا بكل شئ .
ولم يقل الرجل إنهم كفروا برسل الله فما تعنى كلماتي أو قال : لم يؤمن الناس بالرسل أفيؤمنون بكلام ضعيفهم ؟!! الذي خلا من أسباب الوجاهة والسلطان إن هذه الأمور كلها لم تشغل باله فتحرك من أقصى الأرض إلى أقصاها ليعلى كلمة الحق ليزف بعد ذلك إلى السماء شهيداً بعد أن قال ما قال وليعلن على الناس { يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربى وجعلني من المكرمين } يس 26، 27 ]. بعد أن قدم نفسه رخيصة في سبيل الحق الذي يحمله .
إن إيمانه أبى عليه السكوت وعدم التحرك وإن عقيدته أبت عليه الخضوع والاستكانة ولو أنه جلس في بيته وقبع في داره وتلا قرآنه وأدى صلواته وأقام شعائر الله في خاصة نفسه وأولاده فلعل في ذلك مندوحة له عند بعض الناس ولكن أي خسارة سيخسرها هو في ذاته وأي احترام سوف يكنه في نفسه ولرسالته حين يرى نفسه قد ضعف وجبنت ولم ينطق بكلمة الحق ولم يتحرك لينصر دعوة الله في الأرض ولينصر المرسلين من عباد الله عز وجل .
كما أمر سبحانه وتعالى في كتابه { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين } آل عمران 81 ]. إنه الإيمان والنصرة اللذان بها الفلاح مع التصديق بالرسالة { فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون الأعراف 157 ].
إننا مطالبون مع الإيمان بهذا الدين أن نكون { أنصار الله } كما قال عيسى بن مريم للحواريين { من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله } آل عمران 52 ]. إننا في حاجة إلى من يقول نحن أنصار الله لينال عز الدنيا وسعادة الآخرة وعز الدنيا ينال بصدق الإيمان { وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين } آل عمران 139]. والتمكين في الأرض يتحقق بتسخير كل الطاقات أخذاً بالأسباب وسعادة الآخرة تنال بتقوى الله التي يصلح بها العبد ما بينه وبين ربه فيحبه سبحانه وتعالى وحسن الخلق يصلح به ما بينه وبين الناس فيحبه الناس فيجمع بذلك بين حب الله وملائكته في السماء وحب الصالحين ن عباده في الأرض كما أخبرنا بذلك كتاب ربنا : { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل له الرحمن ودا } مريم 96 ]. وبهذا كله تتحقق على أرض الواقع حضارة اليوم الآخر ثمرة هذا المنهج الرباني الذي أسس على التقوى من أول يوم لأن الحضارة كالعمارة لم تأت من عدم بل انبعثت من تصور ونشأت على أسس وأقيمت على جدر فنحن نقصد أولاً وأخيراً الجدار والأساس لا الشكل و البناء و الأثاث { أ فمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أمن أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم } التوبة 1.9 ]. ولا يكون ذلك كذلك إلا بالتضحيات .
لذلك كان الواجب الأول لعمارة الكون ، وبناء حضارة الإسلام الوقوف مع النفس منطلقاً من الداخل إلى الخارج { قد افلح من زكاها وقد خاب من دساها } الشمس 9 وصدق الله حين قال { قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين } الزمر 15 .