إن المجاهدين من المسلمين الأوائل كانت الجنة تنسيهم الهموم و المصائب ، وتحملهم على الصبر عند المكاره ، فعن أم حارثة بنت سراقة أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا نبي الله ألا تحدثني عن حارثة ، وكان قبل يوم بدر قد أصابه سهم غرب ، فإن كان في الجنة صبرت ، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء قال : يا أم حارثة إنها جنان في الجنة ، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى )
وعن عبد الله بن أبى أوفي رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( اعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف )
وعن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ألا أخبركم بخير الناس وشر الناس ؟ إن من خير الناس رجلاً عمل في سبيل الله على ظهر فرسه أو ظهر بعيره أو على قدمه حتى يأتيه الموت ، وإن من شر الناس رجلاً يقرأ كتاب الله تعالى لا يرعوى بشيء منه )
وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( عينان لا تمسهما النار : عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله )
وعن سهل بن حنيف رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( من سأل الله تعالى الشهادة بصدق بلَّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه )
وعن المقداد بن معد يكرب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( للشهيد عند الله ست خصال : يغفر له في أول دفعة ن ويرى مقعده من الجنة ، ويجار من عذاب القبر ، ويأمن من الفزع الأكبر ، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها ، ويزوج اثنين وسبعين زوجة من الحور العين ، ويشفع في سبعين من أقربائه )
وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال : لما قُتöل عبد الله بن عمرو بن حزام يوم أحد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا جابر ألا أخبرك ما قال الله عز وجل لأبيك ؟ قلت : بلى ، قال : ما كلم الله أحداً إلا من وراء حجاب وكلم أباك كفاحاً فقال : يا عبدي تمنى علىّ أعطك ، قال : يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية ، قال : إنه سبق القول منى أنهم إليها لا يرجعون قال : يا رب فأبلغ من ورائي ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً } آل عمران 169 الآية.
- الفرق بين رجلين :
ولكن لضعف اليقين في الآخرة ، وشدة تعلق الإنسان بالدنيا ، يكره المرء الجهاد ، يقول ربنا { ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت } محمد 2. .
هذا الذي وصفه المولى هو قلب مريض وسبب المرض هو اقتراف الذنوب وعلاجها بالتوبة الصادقة التي تصقل القلب حتى يصفو فإذا ما صفا القلب وطهر صار سليماً ، أحسن استقبال وحي الله عز وجل ، وبذل كل غال وثمين طاعة لله ورضاء له ولكي يستمر هذا الصفاء القلبي يجب أن نراعى :
أولاً : قطع علائق الدنيا ، وإخراج حب غير الله من القلب ، فأحد أسباب ضعف حب الله قوة حب الدنيا ، فبقدر ما يأنس القلب بالدنيا ينقص حبه وأنسه بالله ، و الدنيا والآخرة ضرتان ، لذلك كان سبب الغثائية في أمتنا الإسلامية كما بين الحديث الشريف : حب الدنيا وكراهية الموت ، وإذا أحب المرء الدنيا وكره الموت فإن معنى ذلك أن كرهه للجهاد أشد لأنه أحد الأسباب الموت الذي يكرهه كما يعتقد .
ثانياً : معرفة الله تعالى ، لأنه إذا حصلت المعرفة تبعها المحبة ، ولا يوصل إلى هذه المعرفة إلا التفكر و التدبر ، وتفاوت الحب إنما يرجع إلى تفاوت المعرفة ، و الجهل بالله سبب كل بلاء وكفر ، و المعصية ليست دليلاً على عدم حب الله ، ولكن دليلاً على عدم كمال ذلك الحب ونقصانه ، و الدليل على ذلك قصة الصحابي النعمان الذي كان يؤتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحده إلى أن أتاه يوماً فحده فلعنه رجل وقال : ما أكثر ما أوتى به !! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله ) فلم تخرجه المعصية عن المحبة وإنما تخرجه عن كمالها .
فالإنسان إما أن يعيش لدنياه فتصبح أكبر همه ، أو يعيش لآخرته فيعمل لها ويضحي من أجلها ، وذلك كله يرجع إلى العقيدة الصحيحة قوة وضعفاً لأن العقيدة هي صانعة الرجال .
وما أعظم الفرق بين رجلين ، يعيش أحدهما وهو يعتقد في نفسه أنه مجرد حيوان من فصيلة راقية ليس له قبل حياته جذور وليس بعد موته امتداد ، وليس له في حياته صلة بالوجود الكبير أكثر من صلة القرود به .
ويعيش الآخر وهو يعتقد أنه خليفة الله في الأرض ، ونائبه في إقامة الحق ، وإفاضة الخير ، وإشاعة الجمال في هذا الكون ، ويشعر أن الكون كله في خدمته و الملائكة في حراسته ، وأن رب الوجود في معيته ، وأنه من فصيلة الذين أنعم الله عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء والصالحين ، وأن وجوده لا ينتهي بالموت ، ودوره لا ينتهي بالقبر ، فإنما خلق للخلود الأبدي الذي لا ينقطع ولا يزول هذا هو المجاهد بحق .
لذلك يجب على كل مسلم أن يحصن نفسه ، ويطهر قلبه ، ويحاسب جوارحه العين على ما ترى ، والأذن على ما تسمع ، و اليد على ما امتدت ، و الرجل على ما سعت ، و البطن على ما حوت ، بل يكون حارساً لخواطره حذراً من إهمالها والاسترسال معها ، فإن أصل الفساد كله يكون من قöبَلها ، لذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس ).
ويقول الإمام البنا : إن رجل القول غير رجل العمل ، ورجل العمل غير رجل الجهاد ، ورجل الجهاد فقط غير رجل الجهاد المنتج الحكيم الذي يؤدى إلى أعظم النتائج بأقل التضحيات ، إن كثيرين يستطيعون أن يقولوا ولكن قليل من هذا الكثير يثبتون عند العمل ، وكثير من هذا القليل يستطيعون أن يعملوا ولكن قليل منهم يقدرون على حمل أعباء الجهاد الشاق و العمل العنيف ، وهؤلاء المجاهدين هم الصفوة القلائل من الأنصار قد يخطئون الطريق ولا يصيبون الهدف إن لم تتداركهم عناية الله ، وفي قصة طالوت بيان لما أقول ، فأعدوا أنفسكم وأقبلوا عليها بالتربية الصحيحة والاختبار الدقيق وامتحنوها بالعمل القوى البغيض لديها ، الشاق عليها ، وافطموها عن شهواتها ومألوفاتها وعاداتها إننا كي نحقق الآمال الكبار التي ننشدها في حاجة إلى أصحاب النفوس العالية ذات الإرادة القوية و الوفاء الثابت والإيمان الصادق و التضحية الكريمة بكل غال ليعلوا المبدأ وتبقى القيمة ويستمر فيض القرآن يروى الظمأى إليه .