لم يبتدع الإخوان الأجهزة السرية فقد كانت منتشرة في مصر وفي العالم العربي الإسلامي وكانت ضرورة أملتها ظروف القهر والظلم والحرمان من ممارسة الحرية واستسلام الحكومات للدول المستعمرة فلا ضير على الإخوان إذا سلكوا هذه المسلك لأنهم يلتقون مع الجماهير في رغبتها للتصدي بالقوة لأحلاف الاستعمار من الحكومات علاوة على نزعتهم الدينية والتي وسعت دائرة نشاطهم فامتدت أيديهم لتضرب العدو الصهيوني في فلسطين والاستعمار البريطاني في القتال وتضرب مصالحه .
واتجه الجهاز السري للإخوان المسلمين بكل قوته لضرب المؤسسات الإسرائيلية في مصر عامة والقاهرة بصفة خاصة .. وكان قد تمكن من حصرها وإعداد خطة لتدميرها وقام بسلسلة من الهجمات على المحلات الكبرى وكان الشعب المصري يباركها ويبارك فاعليتها وكانت الأمة العربية والإسلامية تبدى إعجابها بهذا الأسلوب الفريد من نوعه .. ولعل إعجابها بعكس ما كان يذاع عن المذابح التي كان يتولاها اليهود في فلسطين وكانت في الواقع غاية في البشاعة .
لهذا فإن الضربات التي وجهها الجهاز للمصالح اليهودية في مصر كان المصريون والعرب والمسلمون يباركونها .. وعلى العكس من هؤلاء كان موقف الحكومة المصرية ملكا وحكومة وأجهزة وكان أخطر هذه الضربات وكالة أنباء كانت مملوكة لليهود .
* الطريق إلى فلسطين :
ثم فتح أمام الجماعة باب كبير لتمارس فيه رغبتها الجامحة في قتال أعداء الله وتقديم تضحية فقد أغارت العصابات الصهيونية على فلسطين تعمل القتل والسلب في شعبها والتخريب في كل مدنها .. وتهدد المسجد الأقصى أولى القبلتين .. وكانت أخبار المذابح البشعة التي ترتكبها عصابات شتيرن وزفاى تشعل نار الثورة في صدور الجميع بسبب بقر بطون الحوامل وهتك أعراض الفتيات العربيات وتمزيق أطراف الشباب وإحراق البيوت على أهلها ..
كل هذه الأحداث كانت تستحث المواطنين جميعا فضلا عن المسلمين لمجابهة هذا العدو الباغي وهي تعطى المبرر الشرعي للقتال وتطمئن الجماعة إلى أنها قد رشحت لهذه المعركة أسوة بالصحابة الذين كان لهم السبق في تحرير الجزيرة العربية من العصابات اليهودية هذا الوازع الديني كان يسانده وازع عربي ويشد من أزره وطني فلسطين بلد عربي وتشترك مع مصر في حدود بعرض سيناء فالدفاع عن أرضها وشعبها واجب علينا كمسلمين وعرب ومصريين وقد تعاطفت كل الشعوب الإسلامية والعربية مع الجماعة عندما أعلنت أنها ستخرج للدفاع عن الأرض المقدسة في فلسطين وزاد من حماس أفراد الجماعة تعاطف الاستعمار الإنجليزي مع الصهيونية وكذلك تعاطف الشيوعية الدولية معها .. وهما عدوان لدودان للإسلام والمسلمين والعرب والمصريين .
أوليس الإنجليز هم الذين اصدروا وعد بلفور الذي وعد اليهود بمنحهم وطنا قوميا في فلسطين ؟ .. ثم إن إنجلترا بادت بالتصويت في هيئة الأمم لإقامة دولة فلسطينية .. أما روسيا وهي الدولة الحاضنة للشيوعية كانت من الدول السابقة في الاعتراف بالدولة الصهيونية في فلسطين وقد تعهدت بفتح باب هجرة اليهود إليها .
إذن لقد تجمعت كل العناصر التي تدعو الجماعة للجهاد في فلسطين العقيدة والعروبة والوطنية وتعاطف العالم معنا جميعا باستثناء الدول الاستعمارية وكانت الجماعة على ثقة كاملة بالنصر لأن جميع مقوماته كانت ماثلة أمامها الوعود القرآنية الواردة في سورة الإسراء وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهير (( لا تقوم الساعة حتى تقاتل أمتي اليهود وحتى يقول الحجر هذا يهودي خلفي فاقتله يا مسلم )).
وكأن أفراد الجماعة يحسبون أنفسهم المعنيين بهذا الموقف مم دعاهم للإكثار من العبادة والاجتهاد في العمل الصالح والإعداد للقاء هذا العدو .. وكان الجميع يمنون أنفسهم بالشهادة ويمتثلونها أمامهم ويحملون بها .. وأكتفي بسرد بعض ما قاله أحد المشاركين فيها .
* يقول الأستاذ دوح :
كان من حظي مرافقة الأستاذ حسن البنا ومجموعة مصطفاة من أصحابه في رحلتنا عبر سيناء ، لنلحق بأول كتيبة إخوانية سبقتنا قبل أسابيع ، وكانت بقيادة الشهيدين الشيخ محمد فرغلى ، والأخ يوسف طلعت .
وصلنا إلى معسكر النصيرات القائم بين خان يونس وغزة ، واحتفي رجال المعسكر بالقائد الكبير حسن البنا ، وأمضى الرجل بيننا أياماً يفيض علينا بأحاديثه وتوجيهاته ويشحذ من هممنا ، وأحسبه راجع مع قادتنا خطة العمل ، وكانت سياسته تتسم بالتعقل و البعد عن المغامرة ، و الحرص ما أمكن على أرواح شباب الدعوة لأنه كان يلمس فيهم الرغبة الجامحة في التضحية و الاستشهاد .
لبثنا في هذا المعسكر فترة رائعة لا أنساها ، فقد شكلنا مدينة إسلامية نموذجية ... طبقنا فيها توجيهات حسن البنا ، وهي لا تخرج عن الالتزام بالمنهج و السلوك الإسلامي ....
من ذلك أن حسن البنا كان يولى الأخوة في الله كل اهتمامه ، وكان يبدأ بها كل محاضراته وخطبه ... وكان يضرب لنا الأمثال في الماضي ، ثم ينقل إلينا أمثلة من الأخوة الجديدة التي شاعت في صفوف الإخوان ... ولعله في اختياره لاسم الجماعة كان صادقاً كل الصدق في نفسه ومع جماعته ... فحرصنا على تطبيق الأخوة فيما بيننا ... فألغينا كل الفروق الطبقية في معاشنا وملبسنا وسكننا وهي فروق تشكلت في مجتمع كان ينصب الأثرياء و المثقفين وأرباب الشهادات سادة وقادة لغيرهم ، فقمنا بانتزاع هذه الطبقية من صفوفنا ، وزرعنا مكانها القاعدة الإسلامية :" إن أكرمكم عند الله أتقاكم “ ... فمثلاً ارتضينا الشهيد يوسف طلعت قائداً لنا ، وكان يعمل نجاراً ... واشهد للرجل أنه كان أهلاً لهذه المكانة فقد كان يستمتع بكل صفات القائد ، وقد أحببناه من كل قلوبنا وسمعنا وأطعنا لتوجيهاته وأوامره .
ولست هنا بسبيل وصف المعركة ، ولكنني أستطيع أن أقول عنها إننا أعددنا لها ما استطعنا من قوة ودبرنا لها هجوماً بليل ، وكان من نصيبي القيام بنسف البرج الكبير مستعيناً بعبوة ناسفة ، وكان يشاركني في هذه المهمة الخطيرة الأخ سيد عيد ... وانتهت المعركة باستشهاد ستة عشر شاباً من شبابنا ، ولم نتمكن من اقتحام المستعمرة فقد كانت محصنة بصورة محكمة ومعززة بأسلحة حديثة ، ويعمل بها شباب وفتيات أحسن تدريبهم .
وصور التضحيات بالنفس في فلسطين كتب عنها الأحباب والأعداء على حد سواء ، ولسنا بصدد سردها ولكننا نشير هنا إلى ما قام به الإخوان من تضحيات شهد لهم بها القريب و البعيد ، وما كان تكوين الجهاز السري إلا لهذه المهام الجسام ، وما حدث منه في فلسطين حدث مثله في القنال .
ففي معركة التل الكبير أعددنا العدة وأخذنا بالأسباب واكتفينا بثلاثين شاباً ليكونوا في الطليعة اخترناهم من أحسن الشباب إيمانا وأفضلهم تدريباً وأكثرهم حرصاً على القتال .
ولقد عانينا كثيراً ونحن نختار هذا الشباب فقد كان التنافس بينهم شديداً و الحرص على الشهادة كان رائدهم وحافزهم .
وتحت جنح الظلام وفي سرية تامة ، تحركت سيارة كبيرة تحمل الطليعة الأولى تبعتها سيارات تحمل المعدات ومستلزمات الحياة العسكرية لم تتجه السيارة إلى ميدان المعركة مباشرة فقد كان لابد من دورة تدريبية في أماكن مماثلة للميدان ، حيث مكثوا أسبوعين في قرية تابعة لأبى حماد ، ثم في سرية تامة انتقلوا إلى قرية التل الكبير ، وهو المكان الذي هزم فيه عرابي ، فقلنا لننتصر للرجل وجيشه .... وكان أول عمل قمت به هو استكشاف الموقع بنفسي وتم توزيع القوات في مواقعها واطمأننت على كل شئ ، وبت ليلة معهم في الموقع ، وبعد أن رتبت الأمر مع عمر شاهين و القيادات التي تعمل معي ، استأذنتهم في العودة ، وما إن وصلت إلى " القرين " إحدى مدن الشرقية ، حتى وصلتني رسالة عاجلة من التل الكبير تطالبني بالعودة ، ثم استمعنا إلى بيانات من الإذاعة عن وقوع معركة في التل الكبير .
استشهد فيها رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، وحققوا نصراً ظهرت في آيات الرحمن بعد أن ابلوا بلاءً حسناً .
ثم يستكمل الراوي قائلاً :
وعلى الفور قررت الاتصال بكل الجهات الحكومية لأستعين بها للوصول إلى التل الكبير بعد أن علمت أن الطريق الرئيسي قد أغلقه الإنجليز ، فاستجاب المسئول عن الشرقية وأرسل معي قوة من الشرطة ليساعدوني في إنقاذ الطلبة المحاصرين ، ولكن الرجل تراجع في منتصف الطريق فتركته ، وواصلت سيرى تحت جنح الظلام ، وكان معي مجموعة من المقاتلين الذين كانوا معسكرين في أبى حماد .
وصلنا إلى القرية ، وبعد جهد كبير ومساعدة الأهالي وصلنا إلى حيث كان الشباب يتجمعون في بيوت أهل القرية .
كانوا في حالة إعياء شديد ، وحزن كبر لأنهم أمضوا يوماً كاملاً وهم في معركة مع العدو ، ثم إنهم كانوا غير قادرين على المواجهة ثانية قبل أن يلتقطوا أنفاسهم ، وتم سحبهم تحت جنح الظلام إلى “ أبو حماد “ حيث تجمعات أخرى كانت أكثر مأمناً .
ومن " أبو حماد " حاولت الاتصال برئيس الوزراء ووزير الداخلية فلم أفلح ، وتمكنت بعد جهود من الاتصال بمدير الجامعة ، فأخبرته بكل ما حدث وطلبت منه استصراخ المسئولين لإنقاذ الشباب الستة ، وفك الحصار عن القرية ، وقام الرجل بمهمته خير قيام ... وفي اليوم التالي جاءني موفد من الحكومة يخبرني بموافقة الإنجليز على تسليم جثتي الشهيدين ، كما أخبرني بوجود خمسة من الأسرى لدى المعسكرات البريطانية ... هذا الخبر خفف عنى بعض الشيء لأن استشهاد اثنين في معركة كبيرة في مواجهة جيش بأكمله وقتل ضابط كبير وعدد من الجنود ، وإحداث فزع كبير بين الأعداء ، كل هذا في مقابل شهيدين لاشك أن المعادلة مقبولة .
واسمع إلى ما رواه لي أحد الناجين في المعركة يقول :
وصل إلى علمنا أن الإنجليز سيغيرون على القرية لتخريبها ، وعلى الفور انتشرت قواتنا لحماية مدخل القرية ، وكنا في الليلة السابقة قد فجرنا عبوات ناسفة تحت قضبان السكة الحديدية ، ووضعنا بالقرب منها عبوات أخرى ... لم يحدث شئ في هذه الليلة ولكن في صبيحة اليوم التالي وصلتنا أنباء عن تحرك القطار الحربي من بلدة العبادلة في طريقه إلى المعسكر الذي نتربص به ... وبسرعة حملنا أسلحتنا من قنابل ومدافع رشاشة ، ورابطنا في مواقعنا ...دوى انفجار كبير فطرنا فرحاً فقد وقع الصيد في الفخ ... وشاهدنا الجنود الإنجليز وهم يخرجون من المعسكرات لمعرفة حقيقة الانفجار ، ومن قبيل حب الاستطلاع ذهب بعض الجنود المصريين لمشاهدة الحادث ، إلا أن عمر أمرنا بأن نتريث حتى لا نقتل العساكر المصريين وتفتق ذهنه عن حيلة طيبة ... فألقى قنبلة صوتية تفرق على أثرها العساكر المصريين فأعملنا قتلاً في جنود العدو ... وزاد من فرحتنا وصول زميلنا محمد فريد و الذي تولى مهمة تفجير اللغم ، وأخبرنا أن أشلاء الإنجليز تطايرت في الهواء وتناثرت في كل مكان ... جاءت ثلاثة دبابات فاستقبلناها بالقنابل و الرشاشات ففرت هاربة وهي تطلق الرصاص في الهواء ثم جاءت ثلاثة مصفحات فاستقبلناها بوابل من نيراننا .
جن جنون العدو ، وظن أنها كتيبة كبيرة ، وجيش عرمرم ، فأرسلوا نيرانهم في كل مكان دون تفكير ، وأطلقوا قنابل الهاون على المزارع فاشتعلت ناراً .
سمعنا صوت الشهيد عمر شاهين وهو يأمرنا بالانسحاب ، ثم خفت صوته فقد أصيب برصاصة قاتلة ، واستشهد أحمد المنيسى وكذلك استشهد ستة من شباب القرية ، وجدنا أنفسنا محاصرين ن كل جانب وتم أسر ستة من إخواننا الطلبة .
وبعد أن وقع الشباب في السر لقوا ألواناً من العذاب على أيدي دعاة الحرية ودعاة المساواة ... لابد من ذكر بعضها حتى تتشكف لنا حقيقة هؤلاء القوم لنأخذ حذرنا منهم .
ولأترك أحد الذين وقعوا في السر يحكى لنا ما وقع لهم وهو أحمد شعبان قال :
جمعونا وأوقفونا في طابور ، ووقفت في مواجهتنا مجموعة من عساكرهم ، وصوبوا في وجوهنا مدافع رشاشة استعدادً لقتلنا جميعاً فلم نملك إلا الشهادة فتلوناها باطمئنان كامل وفجأة حضر ضابط كبير وأمرهم بالتوقف ... ثم اصدر إليهم أوامر أخرى ... فأمرونا بالتالي لنجرى بخطوة سريعة تجاه المعسكر ، ومن خلفنا كانت تطاردنا سيارات جيب لا نتوقف عن الجري ... ومن حولنا احتشد الآلاف من جنودهم وهم على أهبة الاستعداد ، وعلمنا فيما بعد أن عددهم كان خمسة آلاف جندي كما نشرت صحيفتهم التي تصدر في القناة بعنوان " أخبار القنال " خمسة آلاف في مواجهة خمسة وإمبراطورية في مواجهة قرية ... يا لها من معادلة عجيبة ! .
ويواصل الأسير حديثه :
أمرنا بالتوقف عن الجري ، وفتحت أمامنا أقفاص حديدية كبيرة وتحت التهديد بالقتل أمرونا بالدخول في هذه الأقفاص ، كانت هذه الأقفاص خاصة بكلابهم ... ثم أخرجونا منها على عجل ، ودفعوا بنا إلى غرفة التحقيق .
بدأت مهزلة التحقيق بداية عجيبة ، فقد تقدم منى أحد المحققين وأطفأ سيجارة مشتعلة في يدي وهو يهذي بحقد " مسلم " ... لم تؤلمني السيجارة بقدر ما آلمتني العبارة الحاقدة و التعصب المقيت .
كنا ظمآنين فطلبنا ماء ، جاءنا الجندي بكوب ماء ، وكان يقف بجانبه كلبه فقدم الكوب للكلب وبعد أن لعق منه قدمه لنا فرفضناه ...
نقلونا مخفورين إلى معسكرهم الكبير بالإسماعيلية حيث الحراسة أشد وهو المعسكر الذي يقيم فيه قائد عام جيوشهم الجنرال " أرسكين " ... طوال الطريق لم يتوقف الضرب و الركل و السباب و التهديد بالقتل ! .
ذات يوم جاءنا ضابط كبير من قبل القيادة العامة وقال لنا إن الجنرال " أرسكين " سمح لنا بكتابة رسالة لذوينا ليطمئنوا علينا ، واشترط أن نكتب فيها أننا نعامل معاملة طيبة ، واستجبنا للأمر ولكنا كتبنا رسالة لمدير الجامعة يفهم منها ما نلاقيه من عذاب .
واستقبلنا مقابلة الأبطال ، وكانت الفرحة تغمرنا إلا أن استشهاد الأخ عمر شاهين وأحمد المنيسى كتم أفراحنا ، وأضفي عليها حزن وأسى ، وهذا مثال واحد ، ولكن الملحمة كبيرة وطابور شهدائنا طويل لا نستطيع حصر أسمائهم ، إذ من يوم ما بدأت هذه الملحمة الجهادية و الشهداء يتساقطون إلى يومنا هذا ، لأن ثمن الحرية فضلاً عن المقدسات غال وثمين لا تسترد إلا بدماء الشهداء الذين ضحوا بأنفسهم وأموالهم لينصروا دينهم { ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز } الحج 4. .
وقصة تضحيات الرجال في فلسطين والقنال مشرفة ففي القنال كانت هناك سلسة المعارك الحربية على طول الجبهة الممتدة من بور سعيد إلى السويس أي بطول 16. كيلوا مترا إلا أنها كانت متمركزة في الإسماعيلية والسويس وبور سعيد والقنطرة وكان أبطال هذه المعارك من شباب الإخوان المسلمين الذين تدربوا في الجهاز الخاص أو في حرب فلسطين ومنهم عبد الرحمن القبان الذي استطاع بمفرده نسف قطار حربي بأكمله فضلا عن نسف معسكر أبو سلطان وكانت بإشراف الشهيدين الشيخ محمد فرغلى ويوسف طلعت وكانت مهمتهم نسف مخازن الذخيرة بهذا المعسكر .
وهذه البطولات والتضحيات في فلسطين أو القنال هي التي جعلت من الأسد البريطاني أرنبا وحملت ( تشرشل ) بعد معركة التل الكبير أن يصرح قائلاً : لقد نزل إلى الميدان عنصراً جديداً ، بينما يقول الدكتور محمد صلاح الدين الرجل الذي أعلن إلغاء المعاهدة مع بريطانيا : إنك لا يمكن أن تتصور مدى المكسب الذي أحرزناه في أوروبا وأمريكا بعد معارك القنال و التل الكبير بالذات .
و الغريب في الأمر أن هؤلاء الأبطال الذين ضحوا بكل عزيز من أجل دينهم ووطنهم ومقدساتهم سيقوا إلى السجون و المعتقلات وعذبوا عذاباً شديداً فمنهم من قضى نحبه بسبب هذا التعذيب ، ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً .
ولقد رأى الحكام قبل الثورة وبعدها رؤوساً قد أينعت وعجز عن قطفها الأعداء ، ولكن للأسف ، ما لم يستطع الإنجليز والأمريكان و اليهود أن يقطفوه من هذه الرؤوس قطفها رجال ( الثورة المباركة ) وأكتفي أيضاً برواية بعض شهود العيان يقول :
- مع الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم :
لقد قضيت ليلة هي من أقسى الليالي التي قضيتها في السجن الحربي ، وفي غير السجن الحربي ، لقد بت الليلة الأخيرة مع ستة من أعز وأحب الناس إلى قلبي بت مع الشهداء الستة عبد القادر عودة ، القاضي و المحامى و العالم صاحب أعظم كتاب عن التشريع الجنائي الإسلامي و الشيخ محمد فرغلى العالم و الواعظ وقائدي في حملة فلسطين ، ويوسف طلعت قائدي الثاني في حرب فلسطين ، وإبراهيم الطيب ، وهنداوى دوير وكانا من خيرة المحامين ، و العاملين في حقل الدعوة ، ومحمود عبد اللطيف الذي أسهم في حرب فلسطين ... هؤلاء الرجال الستة أصدرت محكمة الشعب حكمها بإعدامهم شنقاً ... وجئ بهم إلى السجن الحربي ليلة إعدامهم وأفردت لكل واحد منهم غرفة خاصة ، وكانت غرفتي في مواجهتهم ، وقد أضيئت غرفهم طوال الليل ، وكان الحراس يراقبونهم من ثقب صغير في باب الزنزانة ، وقد نزعوا من غرفهم كل شئ مخافة أن يقدموا على الانتحار !.
لقد قضيت هذه الليلة متقلباً بين مشاعر الحزن و الغضب و الحيرة و التصديق و التكذيب فلم يكن يخطر ببالي أن الرؤوس التي صورت في جريدة الجمهورية منذ شهور كان المقصود قطعها ولكن الظروف وقتها لم تسمح فلما حانت الفرصة لم يترددوا في التحايل على قطعها ثم من هم الذين سيقتلون عبد القادر عودة الذي أنقذ رجال الثورة وأولهم جمال من غضب الشعب الذي كان يهتف في الطرقات مطالباً بتنحيتهم فتصدى عبد القادر عودة لهذه المظاهرات وصرفها بحكمته .... ثم الشيخ فرغلى العالم الوقور و الذي لا يخطر على البال أنه يشترك في مؤامرة لقتل عبد الناصر ... والآخرون والذين لا نعرف لهم دوراً في هذه المؤامرة ثم قلت لنفسي وحتى لو ثبت اشتراكهم في مؤامرة لقتل عبد الناصر فعقوبتها القانونية و الشرعية لا تعدو الحكم بالسجن ... فلم تقع المجزرة الرهيبة ؟ ... ثم عدت أسأل نفسي وهل أنا في مأمن من هذا المصير ؟ ... وقد كان رأسي من بين الرؤوس المصورة في صور جريدة الجمهورية وكل هذا الحشد من الأفكار و التخيلات تزاحم على رأسي وأنا أنظر من ثقب الباب إلى الأبواب المضاءة في مواجهتي ... ثم أشرف بصيص من الأمل في نفسي ، فقد تخيلت عبد الناصر وقد أخذته الشفقة على زملائه وإخوانه في الجهاد ، فأعلن الصفح عنهم وتخفيف الحكم ، ولكن كل هذا تبدد قبل مطلع الفجر ، فقد تزاحمت السيارات حول باب " الشفخانة " وسمعت صوت حمزة المنكر وهو ينادى بأعلى صوته على الرجال الستة ... وتدافع نحوهم الجنود ، وابتلعتهم السيارات السوداء ... إلى حيث نفذ فيهم حكم الإعدام رحمهم الله رحمة واسعة ..
هذه الليلة السوداء لن أنساها ما حييت ، وهؤلاء الرجال لن يغيبوا عن خاطري ما عشت ، بل هما ليلتان سوداوان ليلة مذبحة طرة وليلة إعدام سيد قطب ورفاقه ، و الحديث يطول وليس هنا مجاله وأكتفي أن أقدم لك شهيداً منهم قد لا يعرفه كثير من المعاصرين .
- يوسف طلعت رحمه الله :
إنه من رجال الإسماعيلية ، اشتغل بالتجارة في بداية الأمر ، واعتقل مع الإخوان المسلمين أول مرة عام 1936 وشارك رحمه الله في معارك الجهاد في فلسطين ، وجمع السلاح لمحاربة الإنجليز ، وكان في كل مسجد يؤدى فيه الصلاة ينادى على الجماهير فتجتمع إليه فيشرح لهم الجهاد ، ويحثهم على سرعة حمل السلاح و التضحية بالنفس في سبيل الله .
لم يهدأ لرجال المخابرات البريطانية بال ، حيث تتبعت المجاهد تجمع عنه المعلومات ، وتضيق عليه الطرقات يرصدون حركاته ، ويحاولون اغتياله ، ولكنه كثيراً ما نجح في خداعهم ، وكان النصر حليفه ، ورصدوا لمن يقتله أو أحد إخوانه من المال الكثير .
وبعد حادث المنشية اعتقل يوسف طلعت رحمه الله مع من اعتقل وذاق ألوان العذاب وفنون الإيذاء ، فأصيب بكسر في عموده الفقري وكسر ذراعه وشوه جسمه ، وضوعف عليه العذاب حتى كسرت جمجمته .
وقدم البطل للمحاكمة وحكم عليه - ظلماً وعدواناً - بالإعدام وقبل تنفيذ الحكم بلحظات قال البطل وهو مستبشر :" اليوم أقابل ربى وهو عنى راض ، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ... اللهم سامحني وسامح من ظلمني " فرحم الله شهداء الإخوان وغفر لنا ولهم .
لقد كان شعورهم وهم يلاقون رباً كريماً هو بالضبط كما حدث وعبر عن ذلك مرشدهم فضيلة الأستاذ المستشار حسن الهضيبى حين سؤل بعد الحكم عليه بالإعدام : ما شعورك عندما حكم عليك بالإعدام ؟ فأجاب كأني أنتقل من غرفة الجلوس إلى غرفة النوم .
أما الشهيد سيد قطب - رحمه الله - فقد هدد بهتك عرض أخته أمامه ، فلم يفت في عضده ، وعرضت عليه الوزارة فرفضها ، وهو القائل :" إن دماء الشهداء أبلغ في نفوس أتباعه من ألف خطبة يخطبها "
وقال :" إن إصبع السبابة التي تسبح لله في الصلاة تأبى أن تكتب كلمة تأييد لظالم " ونستمر مع موكب الرجال أصحاب التضحيات الغالية ، ونسمع إلى الأستاذ عمر التلمسانى يقول :" لقد أحيا الشهيد روح الجهاد في نفوس أبناء هذا الجيل .
وتأثر الإمام ن وتأثر الشباب وتأثر آباؤهم وكانت مواقف رائعة :
- مع والد أحد الشهداء :
استشهد أحد أبناء الإخوان في فلسطين ، فذهب الإمام إلى والد الشهيد ليعزيه فسمع الناس ورأوا درساً باهراً .
قال الوالد للإمام : إن كنت جئت معزياً فارجع أنت ومن معك
وأما إن كنت جئت مهنئاً فمرحباً بك وبمن معك .
لقد علمنا الجهاد وبين لنا ما فيه من عزة ورفعة ، كما علمنا أنه بالتضحيات تسود المبادئ وتعز الأوطان .
- إنهم رجال :
لقد كان زبانية السجن الحربي يأخذون الإخوان يومياً ويصفونهم صفوفاً ويجبرونهم على أن يغنوا أغنية أم كلثوم :
يا جمال يا مثال الوطنية أجمل أعيادنا الوطنية
بنجاتك يوم المنشية ردوا عليا .....
وكان المحكوم عليهم بالإعدام عام 1954 يقومون بدور ( المايسترو )
وكان منهم الأستاذ الهضيبى .
وفي ذات مرة مرَّ جلاد السجن الحربي حمزة البسيونى وكلابه الثلاثة الشرسة وفي يده ( كرباج ) يلهب به ظهر الإخوان .
حتى وصل إلى الأستاذ الهضيبى ووقف أمامه وقال ك
عجبك هذا يا هضيبى ؟ مبسوط من صوت الإخوان يا هضيبى ؟ النغمة منتظمة يا هضيبى ؟!
فنظر إليه الأستاذ المرشد بجنب عينه وقال له :
اسمع .... اذهب إلى عبد الناصر بتاعك وقل له :
إن كل هؤلاء الإخوان أرواحهم في يد من خلقهم وليست في يده ... وأنهم برءاء من دمه براءة الذئب من دم ابن يعقوب ...!
امشي
فانسحب حمزة وكلابه الثلاثة دون أن ينبس بكلمة ، وعاد الأستاذ إلى العمل ( المايسترو ) كأن لم يكن شئ.
ليس الأمر واقفاً على من ضحوا بأرواحهم في مصر بل هناك أبطال في كل بقعة من بقاع الدنيا أعلن فيها الجهاد ، في سوريا ولبنان و السودان و الصومال ، في البوسنة وكوسوفا وفي الشيشان ، يقول أحد أبطال الشيشان :
إن الشيشانى يولد وعلامة الموت على جبهته فهو يعرف أنه في يوم أو آخر سوف يموت وسلاحه بين يديه ، هذا قدره وهو يعد نفسه منذ طفولته لهذا اليوم المجيد الذي يجمع روحه بأرواح إخوانه ، إن الأماكن ذاتها التي حارب فيها الإمام منصور وحمزة الخزاجى لا تزال هي نفسها التي تجرى الحرب اليوم عليها .
إن الشعب الشيشانى تاريخاً كان معلماً لبقية شعوب القوقاز الجهاد و التضحية واستمرار المقاومة ، لذا فإن نصره سوف يستمر .
و اليوم نرى هذه الصورة المشرقة من رجال ضحوا بأرواحهم في سبيل العقيدة في كردستان وألبانيا وجميع جمهوريات الإسلامية التي ظهرت بعد انهيار الشيوعية ، وغداً سنرى فجراً جديداً بفضل الله ثم بفضل دماء هؤلاء الشهداء الذين بلوها رخيصة ، وستستمر هذه المسيرة بفضل الله حتى ينصر الله دينه بمثل هؤلاء الرجال ليروا النصر في الدنيا كما سيرونه في الآخرة مصداقاً لقول ربنا { إنا لننصر رسلنا و الذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد } غافر 51 ، ولن يتحقق هذا كله إلا بالمنهاج الفريد منهاج الإسلام في التربية على التضحية بالنفس .