الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: الإسلام ومشكلات الحضارة
المؤلف: سيد قطب
التصنيف: فقه الحج
 

محتويات الكتاب

المرأة وعلاقات الجنسين

          إن التخبط فى النظر إلى المرأة وإلى علاقات الجنسين، والأرجحة العنيفة بين الغلو والتفريط والتقلب من طرف إلى طرف، والشد والجذب الذى لا يستقر على طريق وسط، ولا يتسق مع فطرة ولا خلق.. إن هذا كله لا يقل عن نظيره فى النظرة إلى الإنسان وفطرته واستعداداته.

          ولا يقل أثر الاضطراب والتخبط فى النظرة إلى المرأة وإلى علاقات الجنسين فى حياة المجتمع الإنسانى، عن أثر التخبط والاضطراب فى النظرة إلى الإنسان وفطرته واستعداداته، فكلاهما ينبع من معين واحد : هو الجهل بحقيقة هذا الكائن بنوعيه، ومن الهوى كذلك والضعف، ثم الانقطاع مع هذا الجهل والهوى والضعف عن منهج الله وهداه.

          ولإدراك أهمية هذه المسألة مسألة التخبط فى النظر إلى المرأة وإلى علاقات الجنسين لابد لنا هنا من استصحاب جميع المقدمات التى صدرنا بها الحديث عن ((الإنسان وفطرته واستعداداته)) .. فهى بنصها هناك تنطبق على الموضوع هنا. فلابد أن نكون على ذكر منها، وأن نعيد مراجعتها فى الصفحات السباقة، قبل المضى فى موضوع المرأة ([1]).

          ثم نضيف إلى تلك المقدمات أن الحياة البشرية يستحيل أن تستقيم وتعتدل وتطمئن، إذا كانت علاقة الجنسين غير مستقرة، وإذا كانت تتأرجح تبعاً للنظرة إلى المرأة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، أو إذا كانت تستند إلى الجهل والضعف والهوى.

          إن هذه العلاقة هى التى يقوم عليها بناء العمران- هى وقاعدة النظام الاقتصادى وتوزيع الثروات كما يقوم عليها بناء الأخلاق الإنسانية فى مجالات واسعة متشابكة.. والنظرة إلى هذه العلاقة، وإلى العلاقات الاقتصادية كذلك، فرع عن النظرة إلى ((الإنسان)) التى أفضنا فيها بما تسمح به حدود هذا البحث المجمل فى الصفحات السابقة.. ولكنها تحتاج إلى مزيد من الإيضاح خاص بها لضخامة أهميتها.

          لقد عنى الإسلام منهج الله للحياة الإنسانية بتصحيح النظرة إلى المرأة وبإقامة العلاقة بين الجنسين على أساس من حقائق الفطرة، وبتوضيح هذه العلاقة فى كل فرع من فروعها النفسية والعملية، بحيث لا تضطرب ولا تتأرجح، ولا يكتنفها الغموض فى زاوية من زواياها..

          عنى أولاً ببيان وحدة الزوجين وتساويهما (من الناحية الإنسانية) ليقضى على جميع النظريات الخاطئة التى كانت تزعم أن المرأة جنس منحط بذاته عن جنس الرجل..

          ((يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منها رجالاً كثيراً ونساء ... ))                                                                                               (النساء  : 1 )

          وعنى ثانياً ببيان وحدة الزوجين وتساويهما (من ناحية علاقتهما بربهما وجزائهما عنده) :

          ((فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض ..))  (آلعمران:195) .

          ((إن المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، والقانتين والقانتات، والصادقين والصادقات، والصابرين والصابرات، والخاشعين والخاشعات، والمتصدقين والمتصدقات، والصائمين والصائمات، والحافظين فروجهم والحافظتات، والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً )) ..                   (الأحزاب : 35)

          وعنى ثالثاً ببيان نوع الصلة بين شقى النفس الواحدة، وأهداف هذه الصلة المتنوعة، سواء ما يختص منها بالزوجين، وما يختص منها بالمجتمع الإنسانى كله ..

          ((ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة)) ...                 (الروم : 21)

          ((هن لباس لكم وأنتم لباس لهن )) ...   (البقرة : 187)

          ((نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) .. (البقرة 223)

          وعنى رابعاً بتنظيم الصلة بين الجنسين فى كل أحوالها وأطوارها، وما يشتركان فيه، وما ينفرد به ينفرد به كل منهما وفقاً لتكوينه الفطرى ووظيفته فى المجتمع الإنسانى القائم عليه كليهما..

          ( أ ) فبين حقهما معاً فى أصل الملكية والكسب والميراث مع خصوصية كل منهما فى بعض الفروع. وذلك للقضاء على جميع النظريات والأنظمة الخاطئة التى كانت تحرم المرأة حقها هذا:

          ((للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن)) ...                       (النساء : 32)

          ((للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه  أو أكثر ، نصيباً مفروضاً)) ..                                                                                      (النساء : 7 )

(( ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد، وورثه أبواه فلأمه الثلث، فإن كان له إخوة فلأمه السدس)) ..                                                                 (النساء : 11)

(( وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة، وله أخ أو أخت، فلكل واحد منهما السدس ))

(النساء : 12)

          ((وآتوا النساء صدقاتهن نحلة . فإن طبن لكم عن شىء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً)) .

(النساء : 4 )

          ((ب)) وبين نظام قيام الأسرة، ونظام التعامل بينهما فى الأسرة، وحقوق كل منهما على الآخر، وحقوق الأطفال الناشئين ثمرة التقائهما كذلك.

          فالعلاقة تبدأ زواجاً بمهر .

          ((وأحل لكم ما وراء ذلكم () أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين، فلما استمتعتم به منهن فأتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة. إن الله كان عليماً حكيماً )) .

((النساء : 23)

والمرأة لا تورث كالمتاع ولا تمنع من الزواج بعد وفاة زوجها لتفتدى نفسها من أهل الزوج ولا تمسك بعد الطلاق ضراراً حتى تفتدى نفسها من الزوج كما كان الحال فى الجاهلية :

          ((يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا السناء كرهاً ، ولا تعضلوهن لتبذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف. فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً . وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج، وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً ؟! ))

                                                                   ( النساء 19 20)

          وللرجل القوامة فى البيت وعليه الإنفاق . وله مزاولة حقوق القوامة فى المحافظة على كيان الأسرة من التفكك فى مهب النزوات العارضة، والمحافظة على العش الذى تتعلق به حقوق الأطفال، وحقوق المجتمع البشرى الذى يعتمد على مؤسسات الأسرة فى نموه الاجتماعى ورقيه ..

          ((الرجال قوامون على النساء، بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم. فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله . واللاتى تخافون نشوزهن، فعظوهن، واهجروهن فى المضاجع، واضربوهن، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً. إن الله كان علياً كبيراً ))...                                      (النساء : 34)

          فأما حين يخشى على مؤسسة الأسرة التصدع والانهيار فهناك إجراءات أخرى :

          ((وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها. إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما، إن الله عليماً خبيراً )) ..                                                                                   (النساء : 35)

         

          وحين لا تجدى هذه المحاولة فهناك الطلاق إذن ليبحث كل منهما عن شريك يقيم معه مؤسسة الأسرة على أساس أقوى:

          ((وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته، وكان الله واسعاً حكيماً))...                     (النساء: 130)

          والطلاق شروطه وعدد مراته ونظام المراجعة فيه ونظام النفقة.. كل شئ مبين بوضوح. وليس هنا مكان تفصيله.

          وللأطفال حقوقهم عند تفرق الوالدين:

          ((والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين- لمن أراد أن يتم الرضاعة- وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف. لا تكلف نفس إلى وسعها. لا تضار والدة بولدها، ولا مولود له بولده. وعلى الوارث مثل ذلك. فإن أراد فصالاً([2]) عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما. وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم- إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف- واتقوا الله، واعلموا أن الله بما تعملون بصير...))

(البقرة: 233)

* * *

          ولا نستطيع أن نمضى أكثر من هذا فى تفصيل النظرة إلى المرأة وإلى علاقات الجنسين فى المنهج الإلهى. فقد أفردنا له فصلاً كبيراً فى كتاب((نحو مجتمع إسلامى)). فحسبنا أن نشير إلى أن هذا الأمر مبين بوضوح ودقة وتوكيد- فى كل جزئية من جزئيات- وأنه كله مبنى على حقائق الفطرة فى تكوين الجنس الإنسانى أولاً، وفى تكوين كل من زوجيه ثانياً. وأن توزيع الاختصاصات بينهما مراعى فيه دقائق الفطرة، التى يعلم بها بارئها، ولا يعلم الإنسان عنها إلا قليلاً. فجهالتها بها مطبقة كجهالتنا بالإنسان كله!

ولكن الذى ينبغى توكيده- فى اختصار- هو أن طبيعة نظرة الإسلام إلى الإنسان لا تسمح بأن تكون العلاقة بين الجنسين هى مجرد العلاقة الحيوانية القائمة بين أزواج الحيوان. فالإنسان مخلوق فذ فى تكوينه. فذ فى غاية وجوده. فذ فى مآله ومصيره.. وهذه الخصوصية من شأنها أن تجعل لعلاقات الجنسين فيه غاية أبعد وأشمل وأكبر من غاية الالتقاء الحيوانى واللذة الحيوانية. غاية تتفق مع غاية وجوده كما تتفق مع طبيعة تكوينه، التى ألمحنا إليها فى الصفحات السابقة باختصار([3]).     

          وليس تفصيل المنهج الإلهى لعلاقة الجنسين موضوعنا هنا. إنما موضوعنا هو ذلك التخبط الذى عانت منه البشرية فى أطوارها المختلفة، وهى تشرد عن الله، وتتخذ لنفسها منهاج تقوم على الجهل والهوى والضعف والشهوة فى أطوارها المتلاحقة، ولا تستقر على وضع معتدل هادئ مطمئن فى طور من الأطوار.

          ونجتزئ بالتخبطات التى تداولت المجتمع الأوروبى منذ عهد الإمبراطورية الرومانية- التى على أساسها حضارتها تقوم الحياة الأوروبية المعاصرة- كما فعلنا فى الكلام عن النظرة إلى الإنسان وفطرته واستعداداته.

* * *

          لقد تأرجحت النظرة إلى المرأة بين اعتبارها كائناً منحطاً أشبه بالأشياء منه بالأحياء! إلى اعتبارها شيطاناً رجيماً يوسوس بالشر والخطيئة! إلى اعتبارها سيدة المجتمع والحاكمة فى أقداره وأقدار حاكميه! إلى اعتبارها عاملة عليها أن تكافح وتشقى لتعيش.. ثم تحمل وتضع وتربى!

          كما تأرجحت العلاقة بين الجنسين بين اعتبارها علاقة حيوان بحيوان. إلى اعتبارها دنساً ورجساً من عمل الشيطان. إلى اعتبارها مرة أخرى علاقة حيوان بحيوان!

          أما أن المرأة شطر النفس الإنسانية، وأنها صانعة الجنس البشرى، وأنها حارسة العش الذى تدرج فيه  الطفولة.. وأنها الأمينة على أنفس عناصر هذا الوجود.. ((الإنسان)).. وأن عملها فى إتقان هذا العنصر لا يعدله عملها فى إتقان أى عنصر آخر أو أى جهاز... إلى آخر هذه الاعتبارات الفطرية الإنسانية الكريمة.. فهذا ما لم يعتدل به الميزان قط، فى تلك المناهج الجاهلية.

          وأما العلاقة بين الجنسين أداة لخدمة النوع البشرى، بإنشاء المحضن الآمن النظيف الواعى المتخصص، لإنتاج صناعة البشر- وهى أثمن وأعلى صناعة فى هذه الأرض- واعتبار((الواجب))- لا اللذة- هو عماد هذه العلاقة، لتعلق المستقبل البشرى كله بها، وقيام التمدن البشرى عليها... أما هذا الاعتبار فلم يعتدل به الميزان كذلك قط فى مناهج الجاهلية القديمة أو الحديثة.. 

          وقد مضت الجاهلية الإغريقة القديمة على ذلك النمط، ولا مجال للحديث عنها هنا خوف الإطالة .

(( والذين تسنوا ذروة المجد والرقى فى العالم بعد اليونانيين هم الرومان. وفى هذه الأمة أيضاً نرى تلك السلسلة من الصعود والهبوط. التى قد شاهدناها فى اليونان. فحينما خرج الرومان من عصر الوحشية وظلم الجهل، وظهروا على مسرح التاريخ لأول مرة، كان الرجل رب الأسرة فى مجتمعهم، له حقوق الملك كاملة على أهله وأولاده. بل بلغ من سلطته فى هذا الشأن، أن كان يجوز له حتى قتل زوجته فى بعض الأحيان([4]).  

((ولما تحققت فيهم سورة الوحشية، وتقدموا خطوات فى سبيل المدنية والحضارة، تخففت القسوة فى تلك السلطة، وجعلت الكفة تميل إلى الاستواء والاعتدال شيئاً فشيئاً وإن بقى نظام الأسرة القديم ثابتاً فى حاله.

((ثم أخذت نظرية الرومان فى النساء تتبدل(بعد فترة من شبه الاعتدال والتوازن) برقيهم وتقلبهم فى منازل المدنية والحضارة. وما زال هذا التبديل يطرأ على أنظمتهم وقوانينهم المتعلقة بالأسرة، وعقد الزواج والطلاق، إلى أن انقلب الأمر ظهراً لبطن، وانعكست والحال رأساً على عقب، فبم يبق لعقد الزواج عندهم معنى سوى أنه عقد مدنى(Civil Contract) فحسب، ينحصر بقاؤه ومضيه على رضى المتعاقدين. وأصبحوا لا يهتمون بتبعات العلاقة الزوجية إلا قليلاً. ومنحت المرأة جميع حقوق الإرث والملك، وجعلها القانون حرة طليقة لا سلطان عليها للأب ولا للزوج. ولم تصبح الرومانيات مستقلات بشئون معايشهن فحسب، بل دخل فى حوزة ملكهن وسلطانهن جزء عظيم من الثراء القومى على مسير الأيام. فكن يقرضن أزواجهن بأسعار الربا الفاحشة، مما يعود به أزواج المثريات من النساء عبيداً بهن فى ميادين العمل والواقع! ثم سهلوا من أمر الطلاق تسهيلاً جعله شيئاً عادياً يلجأ إليه لأتفه الأسباب.. فهذا((سنيكا)) الفيلسوف الرومانى الشهير(4ق. م- 56م) يندب كثرة الطلاق، ويشكو تفاقم خطبه بين بنى جلدته فيقول: ((إنه لم يعد الطلاق اليوم شيئاً يندم عليه أو يستحى منه فى بلاد الرومان. وقد بلغ من كثرته وذيوع أمره، أن جعلت النساء يعددن أعمارهن بأعداد أزواجهن!

((وكانت المرأة الواحدة تتزوج رجلا بعد آخر، وتمضى فى ذلك من غير حياء. وقد ذكر((مارشل)) (60- 140م) عن امرأة تقلبت فى أحضان ثمانية أزواج فى خمس سنوات. وأعجب من كل ذلك وأغرب ما ذكره القديس((جروم)) (340- 420م) عن امرأة تزوجت فى المرة الأخيرة الثالث والعشرين من أزواجها، وكانت هى أيضاً الحادية والعشرين لبعلها!

((ثم بدأت تتغير نظرتهم إلى العلاقات والروابط القائمة بين الرجل والمرأة من غير عقد مشروع. وقد بلغ بهم التطرف فى آخر الأمر، أن جعل كبار علماء الأخلاق منهم يعدون الزنا شيئاً عادياً.. فهذا((كاتو)) (Cato) الذى أسندت إليه((الحسبة الخلقية)) سنة 184 قبل الميلاد يجهر بجواز اقتراف الفحشاء فى عصب الشباب. وذاك((شيشرون)) (Cisro) المصلح الشهير يرى عدم تقييد الشبان بأغلال الأخلاق المثقلة، بإطلاق العنان لهم فى هذا الشأن. ولا يقتصر الأمر عليهما، بل يأتى((أبكتيتس)) (Epictetus) الذى يعد من المتصلبين فى باب الأخلاق من فلاسفة الرواقيين(Stoics) فيقول لتلاميذه..         

مرشداً ومعلماً.. (تجنبوا معاشرة النساء قبل الزواج ما استطعتم ولكنه لا ينبغى أن تلومواً أحداً ، أو تؤنبوه، إذا لم يتمكن من كبح جماح شهواته .. ))([5]).

ثم كان من ثمرة هذه الاتجاهات ما سبق أن أثبتناه ([6])، من إحلال عرى المجتمع الرومانى.. ثم دمار هذا المجتمع. وسقوط الدولة الرومانية.

* * *

          ومن هذه الناحية الإباحية المطلقة والشهوانية العارمة، واعتبار اللذة غاية التقاء الجنسين التى لا غاية وراءها..

          ومن هذا الطرف القاصى انتقلت أوروبا أو أرادت الكنيسة نقلها إلى الطرف القاصى الآخر. إلى الرهبنة وإلى الفرار من المرأة، وإلى مهانتها فى الوقت ذاته وازدرائها.

          وقد سبق أن تحدثنا عن الرهبنة وسلطان الكنيسة فى المجتمع الأوروبى واضطرابه وتخبطه، حتى أفلتت منه شاردة إلى تيه الجاهلية الحديثة .

          ونزيد الأمر هنا إيضاحاً فيما يتعلق بالنظرة إلى المرأة خاصة، وإلى العلاقة بين الجنسين فى ظل التصور الكنسى.

          ((فمن نظريتهم الأولية الأساسية فى هذا الشأن، أن المرأة ينبوع المعاصى، وأصل السيئة والفجور، وهى للرجل باب من أبواب جهنم، من حيث هى مصدر تحريكه وحمله على الأثام. ومنها انبجست عيون المصائب الإنسانية جمعاء، فبحسبها ندامة وخجلاً أنها امرأة! وينبغى لها أن تستحى من حسنها وجمالها، لأنه سلاح إبليس الذى لا يوازيه سلاح من أسلحته المتنوعة، وعليها أن تكفر ولا تنقطع عن أداء الكفارة أبداً، لأنها هى التى قد أتت بما أتت من الرزء والشقاء للأرض وأهلها..

          ((ودونك ما قاله ((ترتوليان)) (Tertulian) أحد أقطاب المسيحية الأول وأثمتها، مبيناً نظرية المسيحية ([7]) فى المرأة ..

           ((إنها مدخل الشيطان إلى نفس الإنسان، وإنها دافعة بالمرء إلى الشجرة الممنوعة. ناقضة لقانون الله. ومشوهة لصورة الله أى الرجل )).

((وكذلك يقول ((كرائى سوستام))(chry sotem) الذى يعد من كبار أولياء الديانة المسيحية فى شأن المرأة :

((هى شر لابد منه، ووسوسة جلية، وآفة مرغوب فيها، وخطر على الأسرة والبيت، ومحبوبة فتاكة، ورزء مطلى مموه !

((أما نظريتهم الثانية فى باب النساء، فخلاصتها أن العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة هى نجس فى نفسها يجب أن تتجنب ولو كانت عن طريق نكاح وعقد رسمى مشروع هذا التصور الرهبنى للأخلاق الذى كانت جذوره تكاد تتأصل فى أوروبا من قبل، بتأثير الفلسفة الإشراقية (NEO- Platonism) جاءت المسحية فزادته شدة، وبلغت به منتهاه. وذلك أن أصبحت حياة العزوبة مقياساً لسمو الأخلاق وعلو شأنها، كما صارت الحياة العائلية علماً على انحطاط الأخلاق ومهانة الطباع، وجعلوا يعدون العزوبة تجنب الزواج من أمارات التقوى والورع وذكاء الأخلاق. وأصبح من المحتوم لمن يريد أن يعيش عيشة نزيهة ألا يتزوج أصلاً ، أو لا يعاشر أمرأته معاشرة الزوج لزوجته على الأقل! وكذلك قرروا ووضعوا القوانين فى مؤتمراتهم الدينية إلا بمرأى من الناس، وأو أمام رجلين من رجالهم على الأقل.. وما آلوا جهداً فى أن يثبتوا فى قلوب الناس الشعور ببشاعة العلاقة الزوجية وتنجسها.. وخذ لذلك مثلاً أن كان شائعاً بينهم، أن الزوجين اللذين اتفق لهما أن يبيتا معاً ليلة عيد من الأعياد، لا يجوز لهما أن يعيدا ويشتركا مع القوم فى رسومهم ومباهجهم، كأنى بهم يرون أنهما قد اقترفا سلبهما حق المشاركة فى حفل دينى مقدس عندهم.. وقد بلغ من تأثير هذا التصور الرهبنى، أن تكدر صفو ما بين أفراد الأسرة والعائلة من الأواصر. وحتى ما بين الأم والولد منها. إذ أمسى كل قرابة وكل سبب ناتج عن عقد الزواج يعد إثماً وشيئاً نجساً !

((وهاتان النظريتان ما وضعتا من مكانة المرأة وحطتا من شأنها فى حقول الأخلاق والاجتماع فحسب، بل كان من مفعولهما القوى، ونفوذهما البالغ فى القوانين المعينة، أن أصبحت الحياة الزوجية مبعث حرج وضيق للرجال والنساء بجانب، وبجانب آخر انحطت منزلة المرأة فى المجتمع فى كل ناحية من نواحى الحياة))([8]).

* * *

ثم انفلتت أوروبا من ربقة الكنيسة وتصوراتها الكنسية، وشردت عن  الله وعن الدين كله، ومضت فى شرودها آبقة من كل ما يربطها بالله وبالدين: صحيحة وزائفة على السواء !

وفى خلال القرن التاسع عشر ظهر داروين وفرويد وكارل ماركس جميعاً .

وكانت إيحاءاتهم وتوجيهاتهم كلها منصبة على تحقير الإنسان بشتى الطرق. مرة بحيوانيته المطلقة على يد داروين. ومرة بوحله الجنسى المطلق على يد فرويد. ومرة بسلبيته وضآلة دوره تجاه  المادة والعوامل الاقتصادية على يد كارل ماركس.

وكل هذه الايحاءات والتوجيهات كما تؤثر فى النظرة إلى الإنسان ذاته، تؤثر كذلك فى النظرة إلى المرأة وإلى العلاقات بين الجنسين بصفة خاصة. وتحطم كل قوائم الأخلاق. وتطلق الجنسين حيوانين يتلمسان الشهوة واللذة لذاتهما.. حتى الهدف الحيوانى من حفظ النوع بالنسل لم يعد الناس فى أوروبا وأمريكا ينظرون إليه إلا على أنه قد يحد من حرية الاختلاط الجنسى، ويحمل الذكر والأنثى تبعات لا يريدان أن يتحملاها! فأصبح همهما معاً هو التخلص من آثار اللذة بعد الالتقاء الجنسى، بمنع الحمل، أو بالإجهاض أو بوأد الوليد. (وسنتحدث عن هذا بشىء من التفصيل فى فصل تال))..

المهم هنا أن نقرر جموح النظرة إلى المرأة، بعد انفلات أوروبا من نير الكنيسة والتصورات الكنسية، وشرودها إبان هذا عن الله وعن منهجه فى الحياة، والفصل بين اللذة الجنسية فى علاقات الجنسين وأهدافها الإنسانية ثم أهدافها الحيوانية أيضاً !

((قالت لى إحدى الفتيات الأمريكيات فى معهد المعلمين ((جريلى كولورادو)) فى أثناء مناقشة عن الحياة الاجتماعية فى أمريكا :

((إن مسألة العلاقات الجنسية مسألة بيولوجية بحتة، وأنتم الشرقيون تعقدون هذه المسألة البسيطة بإدخال العنصر الأخلاقى فيها. فالحصان والفرس، والثور والبقرة، والكبش والنعجة، والديك والفرخة .. لا يفكر أحد منها فى حكاية الأخلاق هذه، وهو يزاول الاتصال الجنسى. ولذلك تمضى حياتها سهلة بسيطة مريحة !!!

((وكانت إحدى المدرسات فى المعهد المركزى لتعليم اللغة الإنجليزية للغرباء بمعهد ويلسون للمعلمين بواشنطون، تلقى على مجموعة من طلبة أمريكا اللاتينية الذين يعدون فى هذا المركز لتلقى الدراسة باللغة الإنجليزية درساً فى تقاليد المجتمع الأمريكى. وفى نهاية الدرس ألت طالباص من جواتيمالا عن ملاحظاته عن المجتمع الأمريكى.. فقال لها : لقد لاحظت أن فتيات صغيرات فى سن الرابعة عشرة وفتياناً صغاراً فى سن الخامسة عشرة يزاولون علاقات جنسية كاملة.. وهذا وقت مبكر جداً لمزاولة هذه العلاقات .. وكان ردها فى حماسة :

((إن حياتنا على الأرض جد قصيرة. وليس هناك وقت نضيعه أكثر من الرابعة عشرة..)([9])

وقد اخترت هذين النموذجين بالذات من مئات الأمثلة التى شاهدتها هناك. لأن صاحبتيهما مدرستان، وتأثير المدرسة فى نشر هذه الإيحاءات أوسع من تأثير أى شخص آخر.

ومع هذه الإباحة المطلقة أو بسبب هذه الإباحية المطلقة لم تعد العلاقات الجنسية الطبيعية المباحة الرخيصة تشبع الميول الجنسية، فانتشر الشذوذ الجنسى، بالميل إلى الجنس الآخر سواء فى عالم الفتيان، أو فى عالم الفتيات، ويحتوى تقريراً ((كنزى)) عن ((السلوك الجنسى عند الرجال، والسلوك الجنسى عند النساء ))، إحصاءات دقيقة وعجيبة عن هذا الشذوذ.

وأذكر بقدر ما يسمح الحياء وأدب الكتابة مشاهدة شخصية فى أحد فنادق واشنطن:

((كنت مع زميل مصرى ننزل فى هذا الفندق بعد وصولنا إلى الولايات المتحدة الأمريكية بيومين اثنين وقد أنس إلينا عامل المصعد الزنجى لأننا أقرب إلى لونه، ولأننا لا نحتقر الملونين - - فجعل يعرض علينا ((خدماته)) فى ((الترفيه)) .. ويذكر ((عينات))ن من هذا الترفيه. بما فيها ((الشذوذات)) المختلفة..

((وفى أثناء العرض جعل يقص علينا أنه كثيراً ما يكون فى إحدى الحجرات ((زوج)) من الفتيان أو الفتيات. ثم يطلبان إليه أن يدخل إليهما زجاجة كوكا كولا .. دون تغيير لوضعهما عند دخوله !!!

((ولما بدأ علينا الاشمئزاز والاستغراب ، وقلنا له :

((أما يخجلان ؟

((أجاب بدوره متعجباً لاشمئزازنا وتعجبنا وسؤالنا عن الخجل :

((لماذا؟ إنهما يرضيان ميولهما الخاصة، ويمتعان أنفسهما.. وعلمت فيما بعد من المشاهدات الكثيرة أن المجتمع الأمريكى لا يستنكر على إنسان أن يرضى لذته بالشكل الذى يروق له. طالماً أن ليس هناك إكراه .. ومن ثم فلا جريمة .. حتى فيا لا يزال القانون على الورق يعد جريمة .. ))([10]).

والحال فى أوروبا وبخاصة فى بلاد الشمال لا يفترق كثيراً عن الحال فى أمريكا. أما أثر هذا الانحلال فى حياة المجتمع، وفى تدمير ((الإنسان)) وتحطيم المجتمع الإنسانى، وفى تهديد الحضارة الإنسانية الراهنة بانزواء، كما انزوت حضارة الرومان القديمة، فسنتحدث عنه فى فصل تال.

* * *

والكنيسة؟ ما شأنها مع هذا الانحلال الجارف؟ ورجال الدين ما شأنهم مع المجتمع الجديد؟

إن كثيرين مممن لم يعيشوا بعض الوقت فى أوروبا أو أمريكا أو ممن عاشوا هناك ولكنهم لم يتعمقوا وراء الظواهر كثيراً ما تخدعهم كثرة الكنائس وانتشارها وبخاصة فى الولايات المتحدة حيث تقوم فى البلد الصغير الذى لا يتجاوز تعداده عشرة آلاف نسمة أكثر من عشرين كنيسة أحياناً .. وكثيراً ما تخدعهم كثرة مظاهر الاحتفالات الدينية والمراسم والأعياد الدينية.. وكثيراً ما تخدعهم كثرة الأحزاب التى تحمل أسماء ((المسيحية)).. ثم كثيراً ما يخدعهم ما يكتبه ويذيعه رجال الدين من كتب ومقالات وبحوث وإذاعات فى موضوعات الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعلمية البحتة أحياناً ..

كثيراً ما يخدعهم هذا كله فيحسبون أن للدين شأناً فى أوروبا وأمريكا. وأن لرجال الدين أثراً فى الحياة الاجتماعية هناك .. وهذه نظرة سطحية لا تدرك حقيقة ما هو واقع هناك.

إن الكنيسة بعد أن ذاقت مرارة الإهمال، ووحشة البعد عن الحياة الاجتماعية، بعد شرود الناس منها منذ عصر النهضة، وخاصة منذ عصر التنوير، ثم عصر الفلسفة الوضعية المادية قد عادت تلهث وراء المجتمع، وتتعلق بأهداب الناس. لا لتقود المجتمع ولا لتنقل الناس إلى الدين . ولكن لتجرى وراء المجتمع، ولتتملق شهوات الناس !

عادت لتقيم فى الكنائس بعد القداس حفلات مختلطة للجنسين يشرب فيها النبيذ، وتدور حلقات الرقص، وتعرض فيها ألعاب التسلية، ويتخاصر فيها الفتيان والفتيات المخمورين، ويلتذون نشوة المخاصرة والعناق حتى الفجر.. كل أولئك لاجتذاب الشبان والشواب إلى الكنيسة!

لقد جربت الكنيسة حين وقفت بالباطل فى وجه ميول النسا الفطرية، كيف خرجوا عليها وداسوها وأهملوها. فعادت الآن تتجنب أن تقف بالحق فى وجه شهواتهم ونزواتهم، فيدوسوا عليها ويهملوها !

لقد عادت أوروبا إلى حياة الرومان القديمة التى تسمح للآلهة والأرباب أن تنطق بالرجز على ألسنة الكهان، وأن تكون مواسمها مواسم بهجة ولذة ومتاع .. وذلك دون أن يسمحوا لها بالتدخل فى شئون حياتهم أو توجيهها وجهة تنافى اللذة والمتاع.

ويخدغ بعض الناس هنا فيحسبون أن للكنيسة نفوذاً فى حياة الناس. وأن للدين هناك وجوداً جدياً يستحق الاحترام. ويحسبون أن ((مرونة)) الكنيسة و((ثقافتها)) هناك هى التى ضمنت لها هذا النفوذ، وضمنت للمسيحيةن أن تبقى بعد أعاصير عهد النهضة والتنوير والمادية.. وهو مجرد وهم لا يقوم على معرفة ما هو واقع هناك.

ولكن رجلاً أوروبياً مستنيراً مدركاً مثل (ليوبولد فايس) الذى أسلم واهتدى وسمى نفسه ((محمد أسد)) لا يخدعه ما يخدع بعض الناس هنا .. لأنه عاش هناك. فيقرر فى كتاب ((الإسلام على مفترق الطرق)) ما قررناه ، وما تضمنته مشاهداتنا الكثيرة فى أمريكا عن هذا الأمر بالذات.

يقول :

((لقد سيطر على الغرب الحديث فى أوجه نشاطه وجهوده اعتبارات من الانتفاع العملى (المادى) ومن التوسع الفعال فقط . وقد كان هدفه الذاتى إنما هو المعالجة والاكتشاف لكوامن الحياة، من غير أن ينسب إلى تلك الحياة حقيقة أدبية فى ذاتها. أما قضية ((معنى الحياة)) والغاية منها، فقد فقدت منذ زمن بعيد فى نظر الأوروبى الحديث جميع أهميتها العملية )) (ص30).

((إن الاتجاه الدينى مبنى دائماً علىالاعتقاد بأن هناك قانوناً أدبياً مطلقاً شاملاً، وأننا نحن البشر -  مجبرون على أن نخضع أنفسنا لمقتضياته، ولكن المدنية الغربية الحديثة لا تقر الحاجة إلى خضوع ما إلا لمقتضيات اقتصادية، أو اجتماعية، أو قومية. إن معبودها الحقيقى ليس من نوع روحانى. ولكنه ((الرفاهية)). وإن فلسفتها الحقيقية المعاصرة إنما تجد قوة التعبير عن نفسها عن طريق الرغبة فى القوة.. وكلا هذين موروث من المدنية الرومانية القديمة..))(ص33).

((كانت الفكرة التى تقوم عليها الإمبراطوية الرومانية الاجتياح بالقوة، واستغلال الأقوام الآخرين لفائدة الوطن الأم وحده . وفى سبيل الترفيه عن فئة ممتازة لم ير الرومان فى عنفهم سوءاً ولا فى ظلمهم انحطاطاً . وإن (( العدل الرومانى)) الشهير كان عدلاً للرومانيين وحدهم. ومن البين أن اتجاهاً كهذا، كان ممكناً فقط على أساس ادراك مادى خالص للحياة وللحضارة. إدراك مادى هذبه على التأكيد ذوق فكرى. ولكنه على كل حال بعيد عن جميع القيم الروحية. إن الرومانيين فى الحقيقة لم يعرفوا الدين . وإن آلهتهم التقليدية لم تكن سوى محاكاة شاحبة للخرافات اليونانية.. لقد كانت أشباحاً سكت عن وجودها حفظاً للعرف الاجتماعى. ولم يكن يسمح لها قط بالتدخل فى أمور الحياة الحقيقية. بل كان عليها أن تنطق بالرجز على ألسنة عرافيها إذا سئلت مثل ذلك ولكن لم يكن ينتظر منها أن تمنح البشر شرائع خلقية.

((تلك كانت التربة التى نمت فيها المدنية الغربية الحديثة .. ولقد عملت فيها بلا شك مؤثرات أخرى كثيرة فى اثناء تطورها. ثم إنها بطبيعة الحال قد بدلت وحورت فى ذلك الإرث الثقافى الذى ورثته عن رومية فى أكثر من ناحية واحدة.. ولكن الحقيقة الباقية أن كل ما هو اليوم حقيقى فى الاستشراف الغربى للحياة والأخلاق، يرجع إلى المدنية الرومانية.. وكما أن الجو الفكرى والاجتماعى فى رومية القديمة كان نفعياً بحتاً، ولا دينياً على الافتراض بل على الحقيقة فكذلك هو فى الغرب الحديث .. ومن غير أن يكون لدى الأوروبى برهان على بطلان الدين المطلق ، ومن غير أن يسلم بالحاجة إلى مثل هذا البرهان، ترى التفكير الأوروبى الحديث بينما هو متسامح فى الدين، وأحياناً يؤكد أنه عرف اجتماعى ترك على العموم ، الأخلاق المطلقة خارج نطاق الاعتبارات العملية.

((إن المدنية الأوروبية لا تجحد الله البتة، ولكنها لا ترى مجالاً ولا فائدة لله فى نظامها الفكرى الحالى.. فقد اصطنعت فضيلة من العجز الفكرى فى الإنسان أى من عجزه عن الإحاطة بمجموع الحياة وهكذا يميل الأوروبى الحديث، إلى أنسب الأهمية العملية فقط إلى تلك الأفكار التى تقع فى نطاق العلوم التجريبية، أو تلك التى ينتظر منها على الأقل أن تؤثر فى صلات الإنسان الاجتماعية بطريقة ملموسة.. وبما أن قضية وجود الله لا تقع تحت هذا الوجهن ولا تحت ذاك، فإن العقل الأوروبى يميل بداءة إلى اسقاط ((الله) من دائرة الاعتبارات العملية)). (ص36-37).

ويقرر الأستاذ أبو الحسن الندوى هذه الحقيقة باختصار فى كتابه القيم ((ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين)) فى قوله : -

((ديانة أوروبا اليوم، المادية، لا النصرانية. فمما لا شك فيه أن دين أوروبا اليوم الذى يملك عليها القلب والمشاعر، ويحكم على الروح هو ((المادية)) لا ((النصرانية)) كما يعلم ذلك كل من عرف النفسية الأوروبية عن كثب، لا عن كتب، بل وعن كتب أيضاً. ولم ينخدع بالمظاهر الدينية، التى تزيد أبهة الدولة، والتى يجد فيها الشعب ترويحاً للنفس وتنوعاً.. ولم ينخدع بزيارتهم للكنائس، وحضورهم فى تقاليدهم))... (ص154)

ولا بأس بعد رسم هذه الصورة بقلم الكاتبين الواعيين -  أن أضيف إليها فقرة مما كتبته عن مشاهداتى الخاصة فى كتاب (أمريكا التى رأيت) ([11]) عن موضوع الكنيسة والمجتمع بالذات، فى مسألة المرأة والعلاقات بين الجنسين .. فقد يزيد فى جلاء الوهم الذى يراود الزائرين العابرين، أو المخدوعين فى المظاهر والعناوين ..

((ليس أكثر من الأمريكان تشييداً للكنائس، حتى لقد أحصيت فى بلدة واحدة، لا يزيد سكانها على عشرة آلاف، أكثر من عشرين كنيسة، وليس أكثر منهم ذهاباً إلى الكنائس فى ليلات الأحد وأيامه، وفى الأعياد العامة وأعياد القديسين المحليين. وهم أكثر من ((الأولياء)) عند عوام المسلمين!

((وبعد ذلك كله ليس هناك من هو أبعد من الأمريكى عن الشعور بروحية الدين واحترامه وقداسته. وليس أبعد من الدين عن التفكير الأمريكى وشعوره وسلوكه .

((وإذا كانت الكنيسة مكاناً للعبادة فى العالم النصرانى على تفاوت فإنها فى أمريكا مكان لكل شىء إلا للعبادة. وإنه ليصعب عليك أن تفرق بينها وبين أى مكان آخر معد  للهو والتسلية، أو ما يسمونه بلغتهم time (fun) good ومعظم قصادها إنما يعدونها تقليداً اجتماعياً وضرورياً، ومكاناً للقاء والأنس، ولتمضية ((وقت طيب)) وليس هذا شعور الجمهور وحده، ولكنه كذلك شعور سدنة الكنيسة ورعايتها.

((ولمعظم الكنائس ناد يتألف من الجنسين شباناً وشواب ويجتهد راعى كل كنيسة أن يلحق بالكنيسة أكبر عدد ممكن. وبخاصة أن هناك تنافساً كبيراً بين الكنائس المختلفة بالمذاهب والنحل. ولهذا تتسابق جميعاً فى الإعلان عن نفسها بالنشرات المكتوبة، وبانوار الملونة على الأبواب والجدران، للفت الأنظار، وبتقديم البرامج اللذيذة المشوقة، لجلب الجماهير، بنفس الطريقة التى تتبعها المتاجر، ودور العرض السينمائى والتمثيل. وليس هناك من بأس فى استخدام أجمل فتيات المدينة وأرشقهن وأبرعهن فى الغناء والرقص والترويح.. تماماً كما تقف فتيات فى ثياب شديدة اللمعان والإثارة- أو فى((مايوه))- فى مداخل وطرقات دور السينما لجذب الأنظار..

((وهذه- مثلاً- محتويات إعلان عن حفلة كنيسة، كانت ملصقة فى قاعة اجتماع الطلبة فى إحدى الكليات،لجذب طلبة الكلية وطالباتها إلى كنيسة معينة فى المدينة الجامعية الصغيرة:

((يوم الأحد- أول أكتوبر سنة 1950- فى الساعة السادسة مساء..

((عشاء خفيف. ألعاب سحرية. ألغاز. مسابقات. تسلية. رقص)).

((وليس فى هذا أى غرابة. لأن راعى الكنيسة لا يحس أن عمله يختلف فى شئ عن مدير المسرح، أو المدير المتجر.. النجاح أولاً وقبل كل شئ.. ولا تهم الوسيلة.. وهذا النجاح يعود عليه بنتائجه الطيبة: المال، والجاه، فكلما كثر عدد الملتحقين بكنيسته عظم دخله وزاد كذلك احترامه ونفوذه فى البلدة. لأن الأمريكى بطبيعته يؤخذ بالضخامة فى الحجم والعدد. وهى مقياسه الأول فى الشعور والتقدير..

((كنت ليلة فى إحدى الكنائس ببلدة(جريلى) بولاية(كولورادو) فقد كنت عضواً فى ناديها، كما كنت عضواً فى عدة نواد كنيسة فى كل جهة عشت فيها ما بين واشنطن فى الشرق وكاليفورنيا فى الغرب. إذ كانت هذه ناحية هامة من نواحى المجتمع، تستحق الدراسة عن كثب، ومن ((الباطن)) لا من ((الظاهر)) وكنت معنياً بدراسة المجتمع الأمريكى..

((وبعد أن انتهت ((الخدمة الدينية)) فى الكنيسة، واشترك فى التراتيل فتية وفتيات من الأعضاء من الأعضاء، وأدى الآخرون الصلاة .. دلفنا من باب جانبى إلى ساحة الرقص الملاصقة لقاعة (الصلاة) .. يصل بينهما باب .. وصعد ((الأب)) إلى مكتبه، وأخذ كل فتى بيد فتاة، وبينهم وبينهن أولئك الذين واللواتى، كانوا وكن يقومون بالترتيل ويقمن

((وكانت ساحة الرقص مضاءة بالأنوار الحمراء والأضواء الزرقاء، وقليل من المصابيح البيضاء.

((وحمى الرقص على أنغام ((الجرامفون)) وسالت الساحة بالأقدام والسيقان، والتفت الأذرع بالخصور والتقت الشفاه والصدور.. وكان الجو كله غراماً.. حين هبط الأب من مكتبه، وألقى نظرة فاحصة على المكان ومن فى المكان، وشجع الجالسين والجالسات ممن لم يشتركوا فى الحلبة، على أن ينهضوا فيشاركوا.. وكأنما لحظ أن المصابيح البيضاء تزيد نسبتها فتفسد ذلك الجو ((الرومانسى)) الحالم، فراح فى رشاقة الأمريكانى وخفته، يطفئها واحداً واحداً، وهو يتحاشى أن يعطل حركة الرقص، أو يصدم ((زوجاً)) من الراقصين، فى الساحة.. وبدا المكان بالفعل أكثر ((رومانسية)). ثم تقدم إلى ((الجرامفون)) ليختار أسطوانة للرقص، تناسب ذلك الجو، وتشجع القاعدين والقاعدات على المشاركة فيه.

((واختار)) ..

((اختار أغنية أمريكية مشهورة اسمها (outside) But, baby it is cold (ولكن الجو يا صغيرتى بارد فى الخارج ) ..

((وهى تتضمن حواراً بين فتى وفتاة عائدين من سهرتهما. وقد احتجزها الفتى فى داره، وهى تدعوه أن يدعها تمضى لتعود إلى دارها، فقد تأخر الليل، وأمها تنتظرها، وكلما تذرعت بحجة أجابها بتلك ((اللازمة)) (ولكن الجوي يا صغيرتى بارد فى الخارج... )

((وانتظر الأب، حتى رأى خطوات((بناته وبنيه)) تنساب على موسيقى تلك الأغنية المثيرة. وبدا راضياً مغتبطاً. وغادر ساحة الرقص إلى داره، تاركاً لهم ولهن إتمام هذه السهرة اللذيذة.. البريئة.. على أن يسلم مفتاح الكنيسة فى داره آخر ((زوج)) ينصرف من الكنيسة. فالانصراف يكون تباعاً حسب مزاج كل زوج !!!

((وأب)) آخر يتحدث إلى صاحب لنا عراقى من الطلبة، توثقت بينه وبينه عرى الصداقة، فيسأله عن ((مارى)) زميلته بالكلية لم لا تحضر إلى الكنسية الآن؟ ويبدى أنه لا يعنيه أن تغيب فتيات الكنيسة جميعاً وتحضر ((مارى)). وحين يسأله الشاب عن سر هذه اللهفة، يجيب (الأب).. إنها جذابة . وإن معظم الشبان إنما يحضرون وراءها!

((ويحدثنى شاب من شياطين الشباب العرب العراقيين الذين كانوا يدرسون فى أمريكا.. وكنا نطلق عليه اسم ((ابو العتاهية)) وما أدرى إن كان ذلك يغضب الشاعر القديم أو يرضيه! إن ((صديقته)) كانت تنتزع نفسها من بين أحضانه أحياناً، لأنها ذاهبة للترتيل فى الكنيسة.. وكانت إذا تأخرت لم تنج من إشارات ((الأب)) وتلميحاته، إلى جريرة ((أبى العاهية)) فى احتجازها عن حضور الصلاة! .. هذا إذا جاءت من غيره .. فأما إذا استطاعت أن تجره وراءها، فلا لوم ولا تثريب!

((ويقول لك هؤلاء ((الآباء)): إننا لا نستطيع أن تجتذب هذا الشباب إلا بهذه الوسائل. ولكن أحداً منهم لا يسأل نفسه: وما قيمة اجتذابهم إلى الكنيسة.. وهم يخوضون إليها مثل هذا الوحل، ويقضون ساعاتهم فيه؟ أهو الذهاب إلى الكنيسة هدف فى ذاته؟ أم إثارة التهذيبية فى الشعور والسلوك؟ من وجهة نظر ((الآباء)) التى أوضحتها فيما سلف مجرد الذهاب إلى الكنيسة هو الهدف. وهو وضع لمن يعيش فى أمريكا مفهوم !

((ولكنى أعود إلى مصر ، فأجد من يتحدث أو يكتب عن الكنيسة فى أمريكا. وعن سماحتها فى مقابلة الخطأ والانحراف. وعن نشاطها فى تطهير القلوب والأرواح. وعن استبقاء سلطان الدين بهذه الأساليب المتطورة، التى لا تتشدد فيهرب منها الناس. ((ولله فى خلقه شئون))([12]).

* * *

          وهكذا يتضح من هذا الاستعراض المجمل على طوله مدى التخبط والاضطراب فى النظرة إلى المرأة وعلاقات الجنسين، فى تاريخ أوروبا. ومدى التأرجح بين الطرفين المتباعدين. هذا التأرجح الذى لم يعتدل به الميزان قط، لوضع كل شطر من شطرى النفس الواحدة فى مكانه الحقيقى ولإدراك دور المرأة الحقيقى، ومكانها الطبيعى. والذى شقى به الجنسان، وشقيت به البشرية وما تزال تشقى حتى يأذن الله ، فتتسلم زمام الحضارة البشرية يد أمينة، موصولة بالله ومنهجه للحياة..



[1] من ص 37 إلى ص5. .

[2] فصالاً: فطاماً للطفل.

[3] يراجع هذا الموضوع بتوسع كاف فى كتاب((الحجاب)) للسيد أبى الأعلى المودودى. وكذلك فى كتاب((الإنسان بين المادية والإسلام)) لمحمد قطب.  

[4] وبيع أولاده كذلك

[5] عن كتاب (الحجاب) للأستاذ المودودى ص20 23 .

[6] ص 54-56 .

[7] الأولى أن تعبر دائماً ((بالنظرية الكنيسية)) لبعد ما بين حقيقة النصرانية ، والتصورات الكنيسية)) .

[8] كتاب الحجاب ((للأستاذ المودودى)) ص25- 28

[9] من كتاب (أمريكا التى رأيت)

[10] من كتاب ((أمريكا التى رأيت)).

[11] تحت الطبع .

[12] من كتاب ((أمريكا التى رأيت)).

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error