الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: الإسلام ومشكلات الحضارة
المؤلف: سيد قطب
التصنيف: فقه الحج
 

محتويات الكتاب

طريق الخلاص

          إن البشرية لا تستجيب عادة لمنهج مقروء أو مسموع. إنما تستجيب لمنهج حى متحرك، مجسم، ممثل فى حياة جماعة من البشر، مترجم إلى واقع تراه العين وتلمسه اليد، وتلاحظ آثاره العقول...

          إنها تستجيب للمنهج الإسلامى فى صورة.. مجتمع إسلامى..

          وعلى ما لقيته البشرية من اللأواء والنصب فى هاجرة التيه المقفز الذى سارت فيه بلا دليل.. 

          وعلى كل ما عانته من التجارب القاسية، والتخبط المؤلم، وهى تنهض وتعثر، وتنزف جروحها طوال الطريق..!

          وعلى كل ما يهدد خصائصها من الدمار، ويهدد حياتها من البوار، فى ظل هذه الحضارة المادية التى أقيمت دون علم بالإنسان، ودون مراعاة لخصائصه فى كل زمان!

          وعلى كل ما يدرك العقلاء فيها من جسامة الخطر الذى يتعرض له وجودها ذاته، وتتعرض له خصائصها الثمينة..

          على الرغم من هذا كله، فإنه ليس من عادة البشرية أن تستجيب لمنهج مقروء أو مسموع.. ما لم يتمثل فى صورة ((مجتمع)) يعيش بهذا المنهج، ويعيش له، وتتمثل فيه خصائصه ومزاياه..

          وألف كتاب عن الإسلام. وألف خطبة فى مسجد أو قاعة أو ميدان. وألف فليم فى الدعاية للإسلام. وألف بعثة من الأزهر أو غير الأزهر فى كل مكان.. كل أولئك لا يغنى غناء مجتمع صغير يقوم فى ركن من أركان الأرض، يعيش بمنهج الإسلام، ويعيش لمنهج الإسلام، وتتمثل فيه خصائص هذا المنهج، وتتمثل فيه صورة الحياة فى الإسلام!!

          وأعداء الإسلام العالميون من الصهيونيين والصليبيين المستعمرين يعرفون هذه الحقيقة جيداً. ومن أجل معرفتهم العميقة بهذه الحقيقة، هم قد يسمحون بنشر الكتب عن الإسلام- فى حدود- وبإلقاء الخطب عن الإسلام- فى حدود- وبعرض الأفلام عن الإسلام- فى ندرة!- وبإرسال البعثات  للإسلام- فى رقابة!- ولكنهم لا يسمحون أبداً- بما لديهم من سلطات عالمية ضخمة خافية وظاهرة- بقيام مجتمع إسلامى- ولو صغير- فى ركن من أركان الأرض- ولو فى جزيرة بالمحيط!

          ذلك أنهم يعرفون أن هذه هى الوسيلة الجدية الوحيدة ((لوجود)) الإسلام! وهو قد عانوا من ((وجود)) الإسلام طويلاً. إذ حال بينهم وبين أهدافهم الاستعمارية الاستغلالية للوطن الإسلامى وللمجتمع الإسلامى.. وما صدقوا أن أجهزوا- كما يتصورون- على هذا الجبار. فهم يفزعون من شبحه ولا يريدون له ((الوجود)) الفعلى بحال من الأحوال..

* * *

          ولكن المجتمع الإسلامى- مع هذا كله- هو طريق الخلاص الوحيد للبشرية المهددة بالدمار والبوار..

          إنه الاستجابة الوحيدة لنداء الفطرة فى ساعة العسرة. والفطرة فى ساعة الخطر تتنبه وتعمل، ومهما تكن فى خمار أو دوار!

          إنه ضرورة إنسانية، وحتمية فطرية.. ومن ثم فإن الدوافع لبروزه أقوى من كل قوة معوقة. أقوى من الصهيونية الماكرة والصليبية المستعمرة. وأقوى من الأجهزة المسلطة فى كل زاوية من زوايا الأرض.. وأقوى كذلك من جهل أهل الإسلام بالإسلام، وبلادتهم وانغمارهم فى التيار الجارف العام!

          إنه لا مفر من قيام هذا المجتمع.. المجتمع الإسلامى..

          إنه إن لم يقم اليوم فسيقوم غداً. وإن لم يقم هنا فسيقوم هناك.. ولا نريد أن نتنبأ عن مكان أو زمان، فنحن- البشر- تقف تقديراتنا دائماً عند ستر الغيب المسدل، الذى لا يعلم ما وراءه إلا الله.

* * *

          إلا أن الذى ينبغى أن يقال.. هو التحذير من وقع هذه الكلمات! التحذير من الأمل العريض الذى قد تنشئه فى بعض الصدور!

          إن حتمية قيام هذا المجتمع بوصفه ضرورة إنسانية لإنقاذ الإنسانية. وبوصفه الترجمة العملية للمنهج الإلهى الذى لابد غالب..

          إن هذه الحتمية ليس معناها، أن الطريق إليه نزهة مريحة، ولا أنه هناك على قيد خطوات..

          كلا أن حتمية الميلاد لا تغنى من آلام  المخاض!

          والطريق إلى المجتمع الإسلامى طويل وشاق.. وملئ بالأشواك. وأعسر ما فى هذا الطريق هو أن نرتفع نحن بتصوراتنا، وبأفكارنا، وبأخلاقنا، وبسلوكنا- ثم بواقعنا الحضارى المادى- إلى مستوى الإسلام. ولكنه بعد هذا كله- ضرورة إنسانية. وحتمية فطرية. ولابد له من ميلاد. ولابد للميلاد من مخاض. ولابد للمخاض من آلام!

* * *

          ولابد من معرفة ملامح هذا المجتمع وخصائصه الذاتية بوجه عام، ولابد من تصور طريقة مواجهته للحضارة القائمة ومنشآتها القائمة ومؤسساتها العاملة. وأوضاعها هنا وهناك.

          ولكن متى ينبغى بيان هذا وذاك؟

          فأما المعرفة العامة لملامح هذا المجتمع وخصائصه الذاتية فنعتقد أنها ضرورية منذ الآن، وقد أشرنا إلى بعضها فى ثنايا فصول هذا الكتاب..

          وفى حدود جهدى الخاص: لقد أعددت لهذا بحثاً ضخماً مفصلاً تحت عنوان: ((نحو مجتمع إسلامى)) وبحثاً آخر عن ((خصائص التصور الإسلامى ومقوماته)) وكلاهما يكمل الآخر فى هذا المجال.

          وأما معرفة كيف يواجه المجتمع الإسلامى الحياة الحاضرة، وكيف يتصرف فى أوضاعها القائمة- وعلى الأخص صياغة هذا فى قالب فقهى مقنن- فهذا ما أعتقد أن كل كلام فيه- فى غير الإطار العام- سابق لأوانه.. بل أشبه شئ باستنبات البذور فى الهواء!

          إن محاولة وضع أحكام تشريعية فقهية إسلامية لمواجهة أقضية المجتمع الذى تعيش فيه البشرية، والذى ليس إسلامياً، لأنه لا يعترف بأن الإسلام منهجه، ولا يسلم للإسلام أن يكون شريعته..

          إن محاولة وضع أحكام تشريعية لأقضية مثل هذا المجتمع، ليست من الجد فى شئ. وليست من روح الإسلام الجادة فى شئ. وليست من منهج الإسلام الواقعى فى شئ..

          إن الفقه الإسلامى لا يستطيع أن ينمو ويتطور ويواجه مشكلات الحياة إلا فى مجتمع إسلامى! مجتمع إسلامى واقعى، موجود فعلاً، يواجه مشكلات الحياة التى أمامه، ويتعامل معها، وهو مستسلم ابتداء للإسلام!

          إنه عبث مضحك ان نحاول مثلاً إيجاد أحكام فقهية إسلامية للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية فى أمريكا أو روسيا، فأمريكا أو روسيا كلتاهما لا تعترف ابتداء بحاكمية الإسلام!

          وكذلك الحال بالنسبة لأى بلد لا يعترف بحاكمية الإسلام!

          وكل فقه تراد تنميته وتطويره فى وضع لا يعترف ابتداء بحاكمية الإسلام، هو عملية استنبات البذور فى الهواء.. هو عبث لا يليق بجدية الإسلام!

          إن مشكلات ((المجتمع الإسلامى)) فى مواجهة الحضارة القائمة، ليست هى مشكلات أى مجتمع آخر. إنها ليست مشكلات جاهزة حتى نهيئ لها حلولاً جاهزة.. إنها مشكلات ستنشأ بشكل خاص، وبحجم خاص، وفق ظروف فى عالم الغيب، ووفق ملابسات لا يمكن التكهن بها الآن.. فمن العبث الجرى وراء افتراضات لم تقع بعد، على طريقة ((الأرأيتيين))([1]) التى يمجدها الجادون من مشرعى وفقهاء الإسلام.. 

          كما أن مشكلات المجتمع الحاضر فى مواجهة الحضارة القائمة ليس مشكلات ((مجتمع إسلامى)).. فهذا المجتمع الإسلامى لم يوجد بعد- منذ أن اتخذت شرائع غير شريعة الإسلام لتصريف الحياة- لم يوجد، حتى تكون هذه مشكلاته. والإسلام ليس مطلوباً منه- ولا مقبولاً كذلك- أن يوجد حلولاً فقهية لمجتمع غير إسلامى.. مجتمع أنشأ مشكلاته هذه بسبب أنه لم يعرف الإسلام، أو بسبب أنه هجر الإسلام، إن كان قد عرفه من قبل..

          ففيم الجهد؟ وفيم العناء؟

          إنه ليس الذى ينقص البشرية لقيام مجتمع إسلامى هو وجود فقه إسلامى ((متطور))! إنما الذى ينقصها ابتداء هو اتخاذ الإسلام منهجاً وشريعته شريعة. إن الفقه الإسلامى لكى يتطور، ينبغى أن يجد التربة الذى يتطور فيها. والتربة التى يتطور فيها الفقه الإسلامى هى ((مجتمع إسلامى)) يعيش فى العصر الحاضر، بدرجته الحضارية، يواجه مشكلات قائمة بالفعل! بتكوينه الذاتى.. ومواجهة المجتمع الإسلامى لهذه المشكلات، لن تكون كمواجهة أى مجتمع آخر لها بطبيعة الحال..

          ولكن هذه البديهية- فيما يبدو- لا تبدو واضحة للكثيرين من المخلصين الغيورين على الإسلام ((العقلاء))!

          ومن أجل ذلك نكرر ونعيد ونزيد فى الإيضاح..

          إن كل ما يمكن قوله إجمالاً عن المجتمع الإسلامى.. أنه ليس صورة تاريخية محددة الحجم والشكل والوضع.. أننا فى العصر الحديث لا نستهدف إقامة مجتمع من هذا الطراز، من حيث الحجم والشكل والوضع، إنما نستهدف إقامة مجتمع مكافئ من النواحى الحضارة المادية- على الأقل- للمجتمع الحاضر. وفى لوقت ذاته له روح ووجهة وحقيقة المجتمع الإسلامى الأول، الذى أنشأ المنهج الربانى. باعتباره قمة سامقة فى روحه ووجهته وحقيقته الإيمانية وتصوره للحياة، ولغاية الوجود الإنسانى، ولمركز الإنسان فى هذا الكون، ولخصائصه وحقوقه وواجباته. وقمة سامقة فى تناسقه وتماسكه.. أما الشكل والصورة والأوضاع فتتحد و تتجدد بتطور الزمن، وبروز الحاجات، واختلاف أوجه النشاط الواقعى... إلى آخر الملابسات.. الملابسات المتغيرة المتحركة.. ولكن التى ينبغى أن يكون تحركها- فى المجتمع الإسلامى- داخل إطار المنهج الإسلامى، وحول محوره الثابت، وعلى أساس الإقرار بألوهية الله وحده، وإفراد الله سبحانه بخصائص الألوهية دون شريك وأولى هذه الخصائص هى حق الحاكمية والتشريع للعباد، وتطويعهم لهذا التشريع.

          ومن ثم فإنه ليس ((الفقه)) الإسلامى هو الذى نتقيد به فى إنشاء هذا المجتمع- وإن كنا نستأنس به- إنما هو ((الشريعة)) الإسلامية والمنهج الإسلامى، والتصور الإسلامى العام.

          وهذا يتطلب ابتداء، أن ترتضى جماعة من البشر اتخاذ الإسلام منهج حياة، وتحكيمه فى كل شان من شئون هذه الحياة- أى افراد الله، سبحانه، بالألوهية والربوبية، فى صورة إفراده، سبحانه، بالحاكمية التشريعية- ولحظتئذ- لا قبلها- يوجد ((المجتمع الإسلامى)).. ويبدأ فى مواجهة الحياة القائمة، بينما هو يكيف نفسه، وأوضاعه وحاجاته الحقيقية، ووسائل إشباع هذه الحاجات، متأثراً بعقيدته، وما تنشئه من تصورات خاصة، ومتأثراً بطريقته المنهجية الخاصة فى مواجهة الواقع، والاعتراف بما هو فطرى من هذا الواقع، وما هو ضرورى لنمو الحياة السليمة، مع رفض ما ليس فطرياً ولا ضرورياً للنمو، وما هو ضار ومعطل وساحق لهذا النمو، من ذلك الواقع.. وفى خلال هذه المواجهة- بكل هذه الملابسات- ينشئ أحكامه الفقهية الخاصة، أولاً بأول، فى مواجهة وضعه الخاص..

          وهنا.. يخدم هذا المجتمع الناشئ ما حسبناه وما نزال نحسبه سوء حظ فى انقطاع نمو الفقه الإسلامى!

          قد تكون هذه خدمة يسرها الله لحكمة..

          ذلك أن المجتمع الوليد سيتجه حينئذ مباشرة إلى شريعة الله الأصلية. لا إلى آراء الرجال فى الفقه. لأنه لن يجد فى آراء الرجال- وهى مفصلة لعصور خاصة ولظروف خاصة- ما يساوى قدره، إلا بعمليات ترقيع وتعديل..

          وعندئذ يعمل إلى القماش الأصلى الطويل العريض.. (الشريعة).. ليفصل منه ثوباً جديداً كاملاً، بدلاً من الترقيع والتعديل!

          إن هذه ليست دعوة لإهمال الفقه الإسلامى، وإهدار الجهود الضخمة العظيمة التى بذلها الأئمة الكبار. والتى تحوى من أصول الصناعة التشريعية، ومن نتاج الأحكام الأصلية، ما يفوق- فى نواح كثيرة- كل ما أنتجه المشرعون فى أنحاء العالم.

          ولكنها فقط بيان للمنهج الذى قد يأخذ به المجتمع الإسلامى الذى ينشأ- عندما ينشأ- وبيان لطبيعة المنهج الإسلامى فى إنشاء الأحكام الفقهية. إنشائها فى مواجهة الواقع الفعلى للمجتمع الذى يعترف ابتداء بحاكمية الإسلام.

          إن تلك الثروة الضخمة من الفقه الإسلامى، قد ولدت ونشأت، يوماً بعد يوم، فى مجتمع إسلامى يواجه الحياة بعقيدتها الإسلامية ومنهجه الإسلامى، ويعترف ابتداء بحاكمية الإسلام له، ولا يعترف بحاكمية منهج آخر غير الإسلام- مهما يكن فى سلوكه أحياناً من مجافاة جزئية للإسلام. ولكن الخطأ فى السلوك والانحراف فى التطبيق شئ، وعدم الاعتراف ابتداء بحاكمية المنهج الإسلامى كله شئ آحر.. الأول يقع فى المجتمع الإسلامى ويظل مع ذلك مجتمعاً إسلامياً، يصح أن ينمو فيه الفقه الإسلامى ويتطور. والثانى لا يقع إلا فى مجتمع غير إسلامى. مجتمع لا يصلح بيئة لنمو الفقه الإسلامى وتطوره، لأنه مجتمع جاهلى لا علاقة له بالإسلام، مهما ادعى لنفسه صفة الإسلام!

          وشئ آخر..

          إن الفقه الإسلامى ليس منفصلاً عن الشريعة الإسلامية ليست منفصلة عن العقيدة الإسلامية. والفقه والشريعة والعقيدة ونظام الحياة كل لا يتجزأ فى التصور الإسلامى.. ومحال أن يكون هناك إسلام ولا مسلمون ولا مجتمع مسلم، إذا تمزق هذا الكل الموحد مزقاً وأجزاء!

          وفى أى نظام اجتماعى آخر- غير النظام الإسلامى- تكفى المعرفة بأصول التشريع وطرق الصناعة الفقهية ليصبح للرجل القدرة على وضع الأحكام القانونية..

          أما فى النظام الإسلامى فإن مجرد المعرفة بأصول الصناعة لا يكفى. فلابد من أمرين:

1-                                        مزاولة العقيدة والمنهج فى الحياة العامة للأمة.   

2-                                         مزاولة العقيدة والمنهج كذلك فى الحياة الخاصة للمشروع!

وهذا ما يجب أن نعرفه، ونحذر من مخالفته ونحن نحاول- الآن تنمية الفقه الإسلامى وتطويره. هذه المحاولات التى تبذلها جمهرة مخلصة من رجل الفقه والشريعة فى شتى أنحاء الوطن الإسلامى ممن يريدون أو يشيرون بتنمية الفقه الإسلامى وتطويره، لمواجهة الأوضاع والأنظمة والمؤسسات والحاجات القائمة فى المجتمعات الحاضرة.

إنهم- مع احترامى الكبير لهم والتجاوب مع شعورهم المخلص ورغبتهم المشكورة، وتقديرى للجهد الناصب الذى يبذلونه- يحاولون استنبات البذور فى الهواء.. وغلا فأين هو ((المجتمع الإسلامى))، الذى يستنبطون له أحكاماً فقهية إسلامية يواجه بها مشكلاته؟

المجتمع الإسلامى هو الذى يتخذ المنهج الإسلامى كله منهجاً لحياته كلها. ويحكم الإسلام كله فى حياته كلها، ويتطلب عنده حلولاً لمشكلاته. مستسلماً ابتداء لأحكام الإسلام. ليست له خيرة بعد قضاء الله..

فأين هو هذا المجتمع اليوم؟ أين هو؟ فى أى زاوية من زوايا الأرض؟

إن كل حكم فقهى يوضع الآن لمواجهة مشكلة قائمة فى المجتمعات التى ليست إسلامية، لن يكون هو الذى يصلح ويواجه الواقع فى مجتمع إسلامى. وإذا قامت فلن تكون هى بحجمها وشكلها، ولن تكون طريقة المجتمع فى مواجهتها- وهو إسلامى- هو طريقته فى مواجهتها وهو غير إسلامى، ولأن عوامل شتى، وملابسات شتى، تجعل طبيعة المجتمع الإسلامى وطريقته فى مواجهة الحياة والمشكلات غير طبيعية وطريقة المجتمعات غير إسلامية.

هذه بديهية. فيما أظن..

إن أبا بكر وعمر وعلياً. وابن عمر وابن عباس. ومالكاً وأبا حنيفة وأحمد ابن حنبل والشافعى.. وأبا يوسف ومحمداً والقرافى والشاطبى.. وابن تيمية وابن قيم الجوزية والعز بن عبد السلام وأمثالهم (عليهم رضوان الله).. كانوا- وهو يستنبطون الأحكام-:

أولاً: يعيشون فى مجتمع إسلامى يحكم الإسلام وحده فى شئونه، ويتخذ الإسلام وحده منهجاً لحياته- حتى مع بعض المخالفة الجزئية فى بعض العصور- ويواجهون الحياة بهذا المنهج وبآثاره فى نفوسهم.

ثانياً: يزاولون العقيدة الإسلامية والمنهج الإسلامى فى حياتهم الخاصة، وفى إطار المجتمع الإسلامى الذى يعشون فيه. ويتذوقون المشكلات ويبحثون عن حلولها بالحس الإسلامى..

ومن ثم كانوا مستوفين للشرطين الأساسيين لنشأة فقه إسلامى، وتطوره ليواجه الأحوال المتطورة. فوق استيفائهم طبعاً لشروط الاجتهاد، والتى لا مجال هنا ولا داعى لبيانها لأنها بديهية!

فأما الآن.. فماذا؟؟

إنه لابد أن نحسب بعد الواقع العملى، والواقع النفسى والعقلى، والواقع الشعورى والاعتقادى، عن جو الإسلام والحياة الإسلامية..

ولابد أن نتذكر أن المشكلات التى تواجهها مجتمعاتنا ليست مشكلات مجتمع إسلامى، حتى تستنبط لها أحكاماً فقهية إسلامية!

ولابد أن نحسب حساب الهزيمة العقلية والروحية أمام الحضارة الغربية، وأمام الأوضاع الواقعية.. والإسلام يواجه ((الواقع)) دائماً. ولكن لا ليخضع له، بل ليخضعه لتصوراته هو، ومنهجه هو، وأحكامه هو، وليستبقى منه ما هو فطرى وضرورى من النمو الطبيعى، وليجتث منه ما هو طفيلى وما هو فضولى، وما هو مفسد.. ولو كان حجمه ما كان.. هكذا فعل يوم واجه جاهلية البشرية، وهكذا يفعل حين يواجه الجاهلية فى أى زمان.

إن أولى بوادر الهزيمة هى اعتبار ((الواقع)) أياً كان حجمه هو الأصل الذى على شريعة الله أن تلاحقه! بينما الإسلام يعتبر أن منهج الله وشريعته هى الأصل الذى ينبغى أن يفئ الناس إليه، وأن يتعدل الواقع ليوافقه. وقد واجه الإسلام المجتمع الجاهلى- العالمى- يوم جاء، فعدله وفق منهجه الخاص، ثم دفع به إلى الأمام.

وموقف الإسلام لا يتغير اليوم حين يواجه المجتمع الجاهلى- العالمى- الحديث. إنه يعدله وفق منهجه. ثم يدفع به إلى الأمام.

وفرق بين الاعتبارين بعيد. فرق بين اعتبار ((الواقع)) الجاهلى هو الأصل. وبين اعتبارالمنهج الربانى هو الأصلى..

إننى أنكر وأستنكر استفتاء الإسلام اليوم فى أى مشكلة من مشكلات هذه المجتمعات. احتراماً للإسلام وجديته.. وإلا فأى هزء واستخفاف أشد من أن تجئ لقاض تطلب حكمه، وأنت تخرج له لسانك. وتعلنه ابتداء أنك لا تعترف به قاضياً، ولا تعترف له بسلطان. وأنك لا تتقيد بحكمه إلا إذا وافق هواك! وإلا إذا أقرك على ما تهواه!

إن الإسلام لا علاقة له بما يجرى فى الأرض كلها اليوم، لأن أحداً لا يحكم الإسلام فى حياته، ولا يتخذ المنهج الإسلامى منهجاً لمجتمعه. ولأن أحداً لا يحكم بشريعة الله وحدها، ولا يفرد الله سبحانه بالألوهية وخصائصها، ولا يجعل الكلمة الأولى والأخيرة فى شئون الحياة كلها لله ولشريعة الله.

والذين يستفتون- بحسن نية أو بسوء نية- هازلون! والذين يردون على هذه الاستفتاءات- بحسن نية أو بسوء نية- والذين يتحدثون عن مكان أى وضع من أوضاع البشرية الحاضرة من الإسلام ونظامه، أشد هزلاً.. وإن كنت أعلم عن الكثيرين منهم أنهم لا يعنون الهزل ولا يستسيغونه- لو فطنوا إليه فى شأن الإسلام! إنما يستفتى الإسلام فى الأمر حين يكون الإسلام وحده هو منهج الحياة. ذلك عند قيام المجتمع الإسلامى. المجتمع الذى يتخذ الإسلام شريعته ولا تكون له شريعة سواه- عندما يأذن الله ويشاء.

وثقتنا فى رحمة الله بالبشرية تجعلنا نرجو دائماً أنه- سبحانه- سيأذن بهذا ويشاء..

فقيام هذا المجتمع- كما قلنا وكما نكرر- ضرورة إنسانية، وحتمية فطرية، وتلبية لنداء الفطرة فى ساعة العسرة..

وإن كانت حتمية الميلاد لا تغنى شيئاً عن آلام المخاض..

* * *

ولكن كيف؟ وهذا الواقع البشرى الضخم يواجه الإسلام؟

على الذين يسألون هذا السؤال أن يتذكروا كيف وقع هذا الأمر أول مرة!

لقد وقف رجل واحد يواجه البشرية كلها بمنهج الله، ويقول لها- كما أمر-: إنها فى جاهلية، وإن الهدى هدى الله..

ثم تحول التاريخ.. تحول حين استقرت هذه الحقيقة الهائلة فى قلب ذلك الرجل الواحد. تحول على النحو الذى يعرفه الأصدقاء والأعداء!

هذه الحقيقة التى استقرت فى قلب ذلك الرجل الواحد، ما تزال قائمة قيام السنن الكونية الكبرى.. وهذه البشرية الضالة قائمة كذلك وقد عادت إلى جاهليتها!

وهذا هو الأمر فى اختصار وإجمال..

توجد نقطة البدء. نقطة استقرار هذه الحقيقة فى قلب.. فى عدة قلوب.. فى قلوب العصبة المؤمنة.. ثم تمضى القافلة فى الطريق.. فى الطريق الطويل.. الشائك.. الغريب اليوم على البشرية غربته يوم جاءها الهدى أول مرة- فيما عدا بعض الاستثناءات- ثم تصل القافلة فى نهاية الطريق الطويل الشائك.. كما وصلت القافلة الأولى..

لست أزعم أنها مسألة هينة. ولا أنها معركة قصيرة.. ولكنها مضمونة النتيجة.. كل شئ يؤيدها.. كل شئ حقيقى، وفطرى، فى طبيعة الكون، وفى طبيعة الإنسان.. ويعارضها ركام كثير. ويقف فى طريقها واقع بشرى ضخم. ولكنه غثاء! ضخم نعم.. ولكنه غثاء!

((والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون)).


[1] الذين يسألون: أرأيت لو أن كذا وقع.. فما يكون الحكم؟..

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10]


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

في التاريخ... فكرة ومنهاج 

الإسلام ومشكلات الحضارة 

أفراح الروح 

معالم في الطريق 

هذا الدين 

خصائص التصور الإسلامي 

المستقبل لهذا الدين 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca