إن أدلة الإيمان بالله كثيرة ، وعددها كعدد مخلوقاته ، لأن كل مخلوق يدل على صفات خالقه ، لكن الكافرين لم ينتفعوا بهذه الأدلة ، لأن قلوبهم مريضة ، ليست صالحة لاستقبال الهدى ، كما هو حال القلوب المؤمنة ِ كما بينا سابقاً ِ فترى الكافر: معرضاً عن آيات الله ، ويجادل بالباطل ، قال تعالى : { وَمöنْ النَّاسö مَنْ يُجَادöلُ فöي اللَّهö بöغَيْرö عöلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كöتَابٍ مُنöيرٍ } () (الحج: 8).
وتراه يكابر في آيات الله ، قال تعالى : { وَجَحَدُوا بöهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} (النمل: 14) وتراه يلبس الحق بالباطل ، قال تعالى : { وَلَا تَلْبöسُوا() الْحَقَّ بöالْبَاطöلö وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (البقرة:42) . وتراهم يصدون عن سبيل الله ، قال تعالى : {إöنَّ الَّذöينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبöيلö اللَّهö قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعöيدًا} (النساء : 167) .
ِ التقليد في الكفر :
ومن أهم سمات الكافرين : أنهم وهم يرفضون الإيمان بأدلته الساطعة ِ يستبدلون به الكفر بدون دليل ، اللهم إلا التقليد الأعمى ، قال تعالى : { وَإöذَا قöيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إöلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإöلَى الرَّسُولö قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهö آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} (المائدة: 104).
ِ افتراء الشبهات :
ومن أساليب الكافرين لصد المؤمنين : افتراء الشبهات ، التي قد تؤثر في من يجهل عقيدته ، ولم يتحصن ضد شبهات الملحدين .
ومنها : أن الملاحدة اليوم يرددون ما قاله بنو إسرائيل لموسى ، كما حكاه القرآن : {وَإöذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمöنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} () (البقرة: 55) مع أنهم يؤمنون بوجود العقول المفكرة وبوجود الهواء وبالجاذبية الأرضية التي تجذب كل شيء إلى الأرض ، وبأمواج الإذاعة تأتيهم من أماكن بعيدة، وهم ما شاهدوا شيئاً من ذلك لكنهم رأوا آثار العقول قد ظهرت على سلوك العقلاء ، وأثار الهواء ظهرت بتحريك أغصان الأشجار وغيرها ، وآثار الجاذبية ظهرت بجذب الأشياء إلى الأرض ، وآثار الأمواج ظهرت أصواتاً في جهاز المذياع (الراديو) فآمنوا بالعقول والهواء ، والجاذبية ، والأمواج ، بعد أن شاهدوا آثارها ، فعندما عجزت الأبصار عن الرؤية ، لضعفها ، علمت العقول بوجود المؤثر من آثاره المشاهدة . ولو تخلى الكفار عن استكبارهم بأبصارهم الضعيفة ، العاجزة ، التي لا تستطيع أن ترى الهواء الذي يلامسها ، ولا ترى من في خارج المكان ، وتفكروا ، لوجدوا : أنهم وما في الكون ، من أرضه وسمائه ، ليسوا إلا آثاراً ، وآيات بينات تعرفهم بخالقهم سبحانه .
إن البصر الضعيف ، لا يستطيع أن يحيط برؤية النجوم ، وهي : (زينة السماء الدنيا) فكيف يستطيع أن يحيط بالذي على العرش استوى ، (وما السموات السبع بالنسبة لكرسيه º إلا كسبعة دراهم في ترس() ، وما الكرسي بالنسبة للعرش إلا كحلقة في صحراء) .
وإذا كان بصر الإنسان في هذه الدنيا لا يحتمل النظر إلى الشمس مباشرة، فكيف يتحمل النظر إلى الله جل وعلا؟! { لَيْسَ كَمöثْلöهö شَيْءñ} (الشورى: 11).
وقديماً طلب موسى عليه السلام رؤية ربه { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لöلْجَبَلö جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعöقًا} (الأعراف : 143) .
والناس جميعاً بما فيهم الكفار يصدقون الأطباء ، والخبراء ، والأساتذة ، وهم يخبرونهم بأمور ما شاهدتها أبصارهم ، ذلك لأن المخبرين أهل ثقة عند السامعين.
ولو ترك الكافرون الاستكبار ، لعرفوا ربهم أيضاً ، عن طريق رسله الصادقين ، الذين قدموا من المعجزات ، والبينات ما يجعلهم أوثق أهل الأرض، فيما يقولون عن ربهم .
اشتراط الإجابة :
وهناك من يشترط لإيمانه بالله ، أن يستجيب الله لما يقترحه من مقترحات ، كأن يقول أحدهم : إذا أراد الله أن أؤمن بهº فعليه أن يفعل كذا ، وكذا .. وهذا شبيه بقول الكافرين ، كما حكى عنهم القرآن : { وَقَالُوا لَنْ نُؤْمöنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مöنْ الْأَرْضö يَنْبُوعًا(90)أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةñ مöنْ نَخöيلٍ وَعöنَبٍ فَتُفَجّöرَ الْأَنهَارَ خöلَالَهَا تَفْجöيرًا(91)أَوْ تُسْقöطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كöسَفًا أَوْ تَأْتöيَ بöاللَّهö وَالْمَلَائöكَةö قَبöيلًا } (الإسراء: 90-92) .
ولو جعل الله الطريق إلى الإيمان , هو : أن يستجيب سبحانه لمقترحات الناسº لوجدنا من يشترط لإيمانه أن يجعل الله الليل نهاراً ، والشمس قمراً ، والأرض سماء، والرجال نساءً ، ونجد غيره يشترط عكس ذلك؟ وثالثاً يشترط لإيمانه ، قتل فلان من الناس ، وموت فلان ، وهلاك البلدة الفلانية!! ورابعاً بعكسه!! وعندئذ تفسد الأرض ، والسماء ، قال تعالى : {وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فöيهöنَّ} (المؤمنون:71) .
لقد أقام الله الدلائل الكافية في مخلوقاته ، وخلق لنا أسماعاً ، وأبصاراً ، وأفئدة نعرف بها تلك الدلائل ، وبهذا تقوم الحجة وتسقط الشبهات .