الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: الإيمان والحياة
المؤلف: يوسف القرضاوي
التصنيف: أسرة
 

الباب الثاني : أثر الإيمان في حياة الفرد

الفصل الثالث - سكينة النفس

(هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم). (الفتح: 4)

لا سعادة بلا سكينة

منذ أعوام قرأت في مجلة «المختار» كلمة ناضرة لأحد الأطباء اللامعين في أمريكا، قال فيها:

"وضعت مرة وأنا شاب جدولاً لطيبات الحياة المعترف بها، فكتبت هذا البيان بالرغائب الدنيوية: الصحة، والحب، والموهبة، والقوة، والثراء، والشهرة، ثم تقدمت بها في زهو إلى شيخ حكيم.

فقال صديقي الشيخ: جدول بديع، وهو موضوع على ترتيب لا بأس به، ولكن يبدو لي أنك أغفلت العنصر المهم الذي يعود جدولك بدونه عبثاً لا يطاق، وضرب بالقلم على الجدول كله، وكتب كلمتي : "سكينة النفس" وقال: هذه هي الهبة التي يدخرها الله لأصفيائه، وإنه ليعطي الكثيرين الذكاء والصحة، والمال مبتذل، وليست الشهرة بنادرة، أما سكينة القلب، فإنه يمنحها بقدر.

وقال على سبيل الإيضاح: ليس هذا برأي خاص لي، فما أنا إلا ناقل من المزامير، ومن أوريليوس، ومن لادنس، هؤلاء الحكماء يقولون: خل يا رب نعم الحياة الدنيا تحت أقدام الحمقى، وأعطني قلباً غير مضطرب!

وقد وجدت يومئذ أن من الصعب أن أتقبل هذا، ولكن الآن بعد نصف قرن من التجربة الخاصة، والملاحظة الدقيقة، أصبحت أدرك أن سكينة النفس هي الغاية المثلى للحياة الرشيدة، وأنا أعرف الآن أن جملة المزايا الأخرى ليس من الضروري أن تفيد المرء السكينة، وقد رأيت هذه السكينة تزهو بغير عون من المال. بل بغير مدد من الصحة، وفي طاقة السكينة أن تحول الكوخ إلى قصر رحب، أما الحرمان منها فإنه يحيل قصر الملك قفصاً وسجناً" أ . هِ

هذا كلام رجل يعيش في أمريكا بلد الرفاهية والغنى، بلد الذهب والعلم، بلد الحرية والانطلاق. قاله الرجل بعد ممارسة وتجربة وخبرة بالحياة، فلم يجد في الحياة نعمه أغلى ولا أفضل ولا أيمن من سكينة النفس، وطمأنينة القلب. وهو كلام حكيم نسجله وننتفع به. والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها.

لا سكينة بلا إيمان

سكينة النفس -بلا ريب- هي الينبوع الأول للسعادة، ولكن كيف السبيل إليها إذا كانت شيئا لا يثمره الذكاء ولا العلم ولا الصحة والقوة، ولا المال والغنى، ولا الشهرة والجاه، ولا غير ذلك من نعم الحياة المادية؟

إننا نجيب مطمئنين: أن للسكينة مصدراً واحداً لا شريك له، هو الإيمان بالله واليوم الآخر، الإيمان الصادق العميق، الذي لا يكدره شك، ولا يفسده نفاق.

هذا ما يشهد به الواقع الماثل، وما أيده التاريخ الحافل، وما يلمسه كل إنسان بصير منصف، في نفسه وفيمن حوله.

لقد علمتنا الحياة أن أكثر الناس قلقاً وضيقاً واضطراباً، وشعوراً بالتفاهة والضياع هم المحرومون من نعمة الإيمان، وبرد اليقين.
إن حياتهم لا طعم لها ولا مذاق، وإن حفلت باللذائذ والمرفهات، لأنهم لا يدركون لها معنى، ولا يعرفون لها هدفاً، ولا يفقهون لها سراً، فكيف يظفرون مع هذا بسكينة نفس، أو انشراح صدر؟

إن هذه السكينة ثمرة من ثمار دوحة الإيمان، وشجرة التوحيد الطيبة، التي تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها.

فهي نفحة من السماء ينزلها الله على قلوب المؤمنين من أهل الأرض، ليثبتوا إذا اضطرب الناس، ويرضوا إذا سخط الناس، ويوقنوا إذا شك الناس، ويصبروا إذا جزع الناس، ويحلموا إذا طاش الناس.

هذه السكينة هي التي عمرت قلب رسول الله يوم الهجرة، فلم يعره هم ولا حزن، ولم يستبد به خوف ولا وجل، ولم يخالج صدره شك ولا قلق (فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفورا ثاني اثنين، إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه: لا تحزن إن الله معنا) (التوبة : 40).
لقد غلبت على صاحبه الصديق مشاعر الحزن والإشفاق، لا على نفسه وحياته، بل على الرسول، وعلى مصير الرسالة، حتى قال والأعداء محدقون بالغار: يا رسول الله، لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا! فيقول الرسول مثبتاً فؤاده: "يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما"؟!
هذه السكينة روح من الله، ونور، يسكن إليه الخائف، ويطمئن عنده القلق، ويتسلى به الحزين، ويستروح به المتعب، ويقوى به الضعيف، ويهتدي به الحيران.

هذه السكينة نافذة على الجنة يفتحها الله للمؤمنين من عباده: منها تهب عليهم نسماتها، وتشرق عليهم أنوارها، ويفوح شذاها وعطرها، ليذيقهم بعض ما قدموا من خير، ويريهم نموذجاً صغيراً لما ينتظرهم من نعيم، فينعموا من هذه النسمات بالروح والريحان، والسلام والأمان.

أسباب السكينة لدى المؤمن

قد يسأل سائل: لماذا كان المؤمن أولى الناس بسكينة النفس، وطمأنينة القلب؟ ولماذا لا يجد الإنسان السكينة في العلم والثقافة والفلسفة، وفيما أنتجه التقدم العلمي من وسائل وأدوات يسرت العيش وجملت الحياة؟

والجواب عن ذلك: يحوجنا إلى شيء من البسط والتفصيل، لبيان الأسباب والسنن النفسية التي جعلت المؤمن -دون غيره- أحق الناس بالسكينة والاطمئنان.

واليك البيان:

استجابة المؤمن لنداء الفطرة

إن أول أسباب السكينة لدى المؤمن أنه قد هدى إلى فطرته التي فطره الله عليها، وهي فطرة متسقة كل الاتساق مع فطرة الوجود الكبير كله. فعاش المؤمن مع فطرته في سلام ووئام، لا في حرب وخصام.

إن في فطرة الإنسان فراغا لا يملؤه علم ولا ثقافة ولا فلسفة، وإنما يملؤه الإيمان بالله جل وعلا.

وستظل الفطرة الإنسانية تحس بالتوتر والجوع والظمأ، حتى تجد الله، وتؤمن به، وتتوجه إليه.

هناك تستريح من تعب، وترتوي من ظمأ، وتأمن من خوف. هناك تحس بالهداية بعد الحيرة، والاستقرار بعد التخبط، والاطمئنان بعد القلق، ووجدان المنزل والأهل بعد طول الغربة، والضرب في أرض التيه.

فألقت عصاها وأستقر بها النوى

كما قر عيناً بالإياب المسافر

فإذا لم يجد الإنسان ربه -وهو أقرب إليه من حبل الوريد- فما أشقى حياته، وما أتعس حظه، وما أخيب سعيه!

إنه لن يجد السعادة، ولن يجد السكينة، ولن يجد الحقيقة ... لن يجد نفسه ذاتها. (كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم) (الحشر: 19).
فتصور إنساناً يعيش دون أن يجد نفسه، وهو في رأي نفسه، وفي نظر الناس بشر عاقل، سميع بصير، بل لعله جامعي مثقف، ولعله -فوق ذلك- "دكتور" كبير في العلوم والآداب!

وكيف يجد نفسه من لم يعرفها؟ وكيف يعرفها من حجب عنها بالغرور والكبر؟ أو شغل عنها باتباع الشهوات، والإخلاد إلى الأرض، والغرق في لذائذ الحس، ومطالب الجسد والطين؟

إن الإنسان خلق عجيب، جمع بين قبضة من طين الأرض، ونفخة من روح الله. فمن عرف جانب الطين، ونسي نفخة الروح، لم يعرف حقيقة الإنسان.

ومن أعطى الجزء الطيني فيه غذاءه وريه مما أنبتت الأرض. ولم يعط الجانب الروحي غذاءه من الإيمان ومعرفة الله، فقد بخس الفطرة الإنسانية حقها، وجهل قدرها، وحرمها ما به حياتها وقوامها.

قال ابن القيم (في كتابه «مدارج السالكين») - رحمه الله:

"في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله.

وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله.

وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته، وصدق معاملته.

وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه، والفرار إليه.

وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه، ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه.

وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه، ودوام ذكره، وصدق الإخلاص له، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة أبداً".

وهذا ليس كلام عالم فحسب، بل كلام ذائق مجرب، يقول ما خبره وأحس به في نفسه، وما رآه ولاحظه في الناس من حوله.

إنها الفطرة البشرية الأصيلة التي لا تجد سكينتها إلا في الاهتداء إلى الله والإيمان به، والالتجاء إليه.

إنها الفطرة التي لم يملك مشركو العرب في جاهليتهم أن ينكروها مكابرةً وعناداً (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله) (العنكبوت: 61. وقد تكرر هذا المعنى في عدة سور).

وقد يتراكم على هذه الفطرة صدأ الشبهات أو غبار الشهوات. وقد تنحرف وتتدنس باتباع الظن أو اتباع الهوى، أو التقليد الجاهل للأجداد والآباء، أو الطاعة العمياء للسادة والكبراء. وقد يصاب الإنسان بداء الغرور والعجب فيظن نفسه شيئاً يقوم وحده، ويستغني عن الله!!
بيد أن هذه الفطرة الأصيلة تذبل ولا تموت، وتكمن ولا تزول. فإذا أصاب الإنسان من شدائد الحياة وكوارثها ما لا قبل له به، ولا يد له ولا للناس في دفعه، ولا رفعه، فسرعان ما تزول القشرة السطحية المضللة، وتبرز الفطرة العميقة الكامنة، وينطلق الصوت المخنوق المحبوس، داعياً ربه، منيباً إليه، كما قال تعالى: (وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه) (الإسراء: 67).

هذه الفطرة حقيقة أجمع عليها الباحثون في تاريخ الأمم والأديان والحضارات، فقد وجدوا الإنسان منذ أقدم العصور يتدين ويتعبد ويؤمن بإله، حتى قال أحد كبار المؤرخين: "لقد وجدت في التاريخ مدن بلا قصور ولا مصانع ولا حصون، ولكن لم توجد أبداً مدن بلا معابد".
والانحراف الكبير الذي أصاب البشرية في تاريخها الطويل، لم يكن بإنكار وجود الله والعبودية له، إنما كان بتوجيه العبادة لغيره، أو إشراك آلهة أخرى معه من مخلوقات الأرض أو السماء.

ولهذا كانت مهمة رسل الله كافة في جميع الأعمار، هي تحويل الناس من عبادة المخلوقات إلى عبادة الخالق، وكان نداؤهم الأول إلى قومهم: (أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) (النحل: 36) (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) (ذكر القرآن هذا القول على لسان نوح وهود وصالح وشعيب في سورة الأعراف الآيات: 59، 65، 73، 85، وقد تكرر معناه في عدة سور).

ومن هنا عنى كتاب الله الخالد - القرآن الكريم -في الدرجة الأولى- بالدعوة إلى توحيد الله، وإفراده بالعبادة، والاستعانة والتوكل والإنابة. لا بإثبات وجوده سبحانه، فإن هذا الوجود -على وجه عام- مسلَّم به ومفروغ منه، ولا يجادل فيه إلا قلة مغمورة في كل عصر، لا يقام لها وزن. ولا تسمع لها دعوى.

ولقد قرأت لبعض الملاحدة الذين اشتهروا بالشك في الدين والتشكيك فيه، كلمات عجيبة، يطالب فيها قراءه ألا يصدقوه إذا كتب هو نفسه وبقلمه ما ينفي عنه الإيمان، أو يخلع عليه الإلحاد.

يقول: "لو أردت من نفسي وعقلي أن يشكا لما استطاعا، ولو أرادا مني أن أشك لما استطعت. ولو أني نفيت إيماني بالقول لما صدقت أقوالي، فشعوري أقوى من كل أقوالي! ماذا لو أن إنساناً قال: إنه لا يحب نفسه أو لا يحب الحياة، فهل تصدقهº أو هل يصدق هو كلامه؟ هل يمكن أن ننفي أنفسنا أو إحساسنا بها بالكلام؟ إن الحقائق الكبيرة لا تسقطها الألفاظ. كذلك الإيمان بالله والأنبياء والأديان من الحقائق القوية التي لا يمكن أن تضعفها أو تشكك فيها الكلمات التي قد تجيء غامضة أو عاجزة لأن فورة من الحماس قد أطلقتها.

إن إيماني يساوي: أنا موجود إذن أنا مؤمن -أنا أفكر إذن أنا مؤمن- أنا إنسان إذن أنا مؤمن!".

والذي قال هذه الكلمات سود بعدها صفحات كثيرة كلها كفر وشك وضلال بعيد. ولكن هذا الاعتراف الذي سجله بهذه الصراحة وبهذه القوة، يدل على أن الإيمان -كما قلنا- فطرة أصيلة لا تقاوم ولا تهزم.

والذي يعنينا هنا أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش من غير إيمان، ولا أن يحيا من غير إله يعظمه ويقدسه، ويخافه ويرجوه، ويعبده ويتوكل عليه. وإن لم يسم معبوده إلها، ولم يسم الخضوع له عبادة.

وإني آسي أشد الأسى لأولئك المساكين الذين صادروا فطرتهم وغلظ حجابهم، وأظلمت قلوبهم فلم تنفذ إليها أشعة الإيمان.
أولئك الأشقياء المطموسين الذين يجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.

إني آسي لهؤلاء مرتين:

آسي لهم لأنهم دخلوا الحياة ثم خرجوا منها، ولم ينعموا بأطيب ما فيها وأعظم ما فيها وهو الإيمان.

إنهم بؤساء محرومون حقاً. إن الناس يقولون عن الإنسان إذا فاته شيء مهم من مسرات الدنيا: ضاع نصف عمره. فكيف بمن فاته روح الحياة، وحياة الروح؟ كيف بمن حرم قلبه بشاشة الإيمان؟

لقد خسر المساكين أنفسهم، خسروا وجودهم، خسروا الحياة وما بعد الحياة، خسروا الخلود، خسروا كل شيء، لأنهم خسروا الإيمان، وما أصدق ما ورد في بعض الآثار الإلهية عن الله تعالى أنه يقول لعبده: "عبدي اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء".
ورحم الله العبد الصالح الذي قال: "إلهي ماذا وجد من فقدك؟! وماذا فقد من وجدك؟! لقد خاب من رضي دونك بدلاً، وخسر من بغى عنك حولاً".
ثم آسي لهؤلاء الملاحدة المحرومين مرة أخرى، حين أراهم خلعوا رداء العبودية لله، فوقعوا في العبودية لغير الله.
لقد ظن هؤلاء في أنفسهم، وزعموا لغيرهم، أنهم "تحرروا" من كل عبودية، وأنهم نبذوا الخضوع للإله نبذ النواة، وأطرحوا الإيمان بالرب وراء الظهور.

وكذبوا. فالواقع أنهم استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، استبدلوا بالعبودية للخالق، العبودية للمخلوق، واستبدلوا بالإله الواحد آلهة شتى، واتخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله.

فلا واحد منهم إلا وهو عبد لأكثر من سيد، وخاضع لأكثر من إله، فهمه شعاع، وقلبه أوزاع.

أين هذا من المؤمن الذي رفض كل الآلهة الزائفة من حياته، وحطم كل الأصنام من قلبه، ورضي بالله وحده رباً، عليه يتوكل، وإليه ينيب، وبه يعتصم، وإليه يحتكم، فلا يبغي غير الله رباً، ولا يتخذ غير الله ولياً، ولا يبتغي غير الله حكماً؟

فليت شعري أي الفريقين خير مقاماً، وأهدى سبيلاً، من عرف الله فلم ينحن لأحد سواه، أم من جحد الله فصار عبداً لأكثر من إله؟ (أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار؟) (يوسف: 39) (ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون، ورجلاً سلماً لرجل، هل يستويان مثلاً؟ الحمد لله، بل أكثرهم لا يعلمون) (الزمر: 29).

تمثل الآية المشرك بعبد يملكه أكثر من سيد، وهم شركاء متشاكسون، كل يريد منه غير ما يريده الآخر، ويوجهه إلى غير وجهته، فهو حائر معذب بين إرضاء هذا وذاك.

أما المؤمن فمثله مثل عبد خالص لرجل واحد، لا شركة فيه ولا مشاكسة، فهو يعرف سيده، ويعرف ما يرضيه، وكيف يرضيه.
وإذا كانت الآية في شأن المشرك والموحد، فقد أثبت الواقع أن كل ملحد مشرك، وإن كان الفرق أن المشركين يعبدون مع الله آلهة أخرى والملحدون يعبدون من دون الله آلهة شتى.

اهتداء المؤمن إلى سر وجوده

إن في أعماق كل إنسان أصواتا خفية تناديه، وأسئلة تلح عليه منتظرة الجواب الذي يذهب به القلق، وتطمئن به النفس. ما العالم؟ ما الإنسان؟ من أين جاءا؟ من صنعهما؟ من يدبرهما؟ ما هدفهما؟ كيف بدءا؟ كيف ينتهيان؟ ما الحياة؟ ما الموت؟ أي مستقبل ينتظرنا بعد هذه الحياة؟ هل يوجد شيء بعد هذه الحياة العابرة؟ وما علاقتنا بهذا الخلود؟

هذه الأسئلة التي ألحت على الإنسان من يوم خلق، وستظل تلح عليه إلى أن تطوى صفحة الحياة، لم تجد -ولن تجد- لها أجوبة شافية إلا في الدين.

الدين وحده هو الذي يحل عقدة الوجود الكبرى، وهو المرجع الوحيد الذي يستطيع أن يجيبنا عن تلك الأسئلة بما يرضي الفطرة، ويشفي الصدور.
والإسلام -خاصة- خير دين أجاب عن هذه الأسئلة إجابة شافية، ترضي الفطرة النيرة، والعقل السليم، بل إجابة تنبع من أعماقهما، بل أعلن القرآن أن هذا الدين هو الفطرة الأصيلة نفسها: (فأقم وجهك للدين حنيفاً، فطرة الله التي فطر الناس عليها) (الروم: 30) فلو تركت الفطرة الإنسانية ونفسها بلا مؤثر خارجي، لانتهت إلى الإسلام نفسه. في هذا جاء الحديث الصحيح عن رسول الإسلام "كل مولود يولد على الفطرة، وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه".

تقول الفطرة والعقل: إن الناس لم يخلقوا من غير شيء، ولم يخلقوا هم أنفسهم، ولم يخلقوا مما حولهم: ذرة في الأرض أو السماء، ويقول القرآن: (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون * أم خلقوا السموات والأرض) (الطور: 35، 36).

وتقول الفطرة والعقل: لابد -إذن- من خالق لهذا الإنسان العجيب ولهذا الكون العريض، ولابد أن يكون هذا الخالق واسع العلم، بالغ الحكمة، نافذ المشيئة، عظيم القدرة. ويقول القرآن: (ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو، فأنى تؤفكون * كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون * الله الذي جعل لكم الأرض قراراً والسماء بناء وصوركم فاحسن صوركم ورزقكم من الطيبات، ذلكم الله ربكم، فتبارك الله رب العالمين) (غافر: 62 - 64).

وتقول الفطرة والعقل: إن هذا الخالق الحكيم لابد أن يكون وراء تنظيمه لهذا الكون، ووضع الإنسان فيه غاية وحكمة، وتعالت حكمته أن يكون خلق هذا كله عبثاً. ويقول القرآن: (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين * ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون) (الدخان: 38، 39).

وهذا الحق الذي به خلقت السموات والأرض هو ما يستشفه العقل، وتحس به الفطرة -وإن يكن إحساساً غامضاً- أن لهذا الإنسان في الوجود رسالة، وأن وراء هذه الحياة -حياة الابتلاء والفناء- حياة أخرى، هي الغاية وإليها المنتهى، يجزى فيها المحسن بإحسانهº والمسيء بإساءته، حتى لا يستوي الخبيث والطيبº والبر والفاجر، وهذا ما تقتضيه الحكمة. ويقول القرآن: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً، ذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار * أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار؟) (سورة ص: 27، 28). (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون) (المؤمنون: 115).

وتشعر الفطرة والعقل أن لهذا الخالق العظيم -بحكم خلقه لعباده، وإمدادهم بنعم لا تحصى- حقاً عليهم: أن يعرف فلا يجحد، ويشكر فلا يكفر، ويطاع فلا يعصى، ويفرد بالعبادة فلا يشرك به. وينادى القرآن الناس جميعاً: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون * الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم، فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون) (البقرة: 21، 22).

ويبين القرآن الغاية من خلق السموات والأرض عامة، ومن خلق الجن والأنس خاصة، فيقول: (الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنِزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً) (الطلاق: 12). (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون * ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون) (الذاريات: 56، 57).

بهذه الأجوبة القرآنية اهتدى المؤمن إلى سر وجوده، ووجود العالم كله. لقد عرف الله فعرف به كل شيء، وحل به كل لغز، واهتدى به إلى كل خير. فالعالم مملكة الله، وكل ما فيه من آثار رحمة الله، والإنسان خليفة الله، خلق لعبادة الله، وتحمل أمانة الله، والحياة هبة من الله، والموت قدر من الله، والدنيا مزرعة لطاعة الله، والآخرة موعد الحصاد والجزاء من الله. والسعيد من اهتدى بهدى الله، والشقي من أعرض عن ذكر الله.

والإنسان مبتلى ومسئول في هذه الدار الفانية، ليصقل ويعد للخلود في تلك الدار الباقية، والموت هو القنطرة التي تصل ما بين الدارين.
إن الذي أفنى الفلاسفة فيه أعمارهم، وأذابوا فيه شموع حياتهم، دون إن يجنوا ثمرة تشبع جوعهم الفكري، قد حصله المؤمن في دعة وهدوء. فعرف: من أين جاء؟ ولم جاء؟ والى أين يذهب؟ ولم يحيا؟ ولم يموت؟ وماذا ينتظره هناك؟ عرف ذلك من مصدره الذي لا يضل ولا ينسى، من وحي الله عز وجل. ومن عرف حقيقة الوجود من رب الوجود، فقد هدي إلى صراط مستقيم.

حضرت الوفاة بعض الملاحدة من الفلاسفة المتشككين، فهاله الموت وما بعده. فأنشد يقول:

لعمرك ما أدري -وقد أذن البلى

بعِاجل ترحالي- إلى أين ترحالي؟

وأين محل الروح بعد خروجِه

عن الهيكل المنحل، والجسد البالي؟

وبلغ ذلك بعض الصالحين، فقال:

وما علينا من جهله؟ إذا كان لا يدري إلى أين ترحاله؟ فنحن ندري إلى أين ترحالنا وترحاله، قال تعالى: (إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم) (الانفطار: 13، 14).

لقد جاء الدين بما يكمل الفطرة، ويأخذ بيد العقل، ولم يجيء بما يصادم الفطرة أو يناقض العقل.

ما أحست به الفطرة في غموض، جاء الدين فبينه أحسن بيان وأتمه، وما اهتدى إليه من العقل في إجمال واشتباه جاء الدين ففصله أحسن التفصيل، ومحا عنه الاشتباه، ونفي أوهام العقل، وأغاليط الحس، ووضح الغاية ورسم الطريق.

والفطرة ليست تفكيراً خالصاً، ولا شعوراً محضاً، إنها مزيج من التفكير والشعور، والدين قد جاء يخاطب الفطرة كلها. يخاطب التفكير والشعور معاً. يخاطب العقل والقلب جميعاً. والذين يعتمدون على سلطان العقل وحده في الوصول إلى عقيدة سليمة راسخة، وفكرة كلية واضحة تفسر هذا الوجود، وتحل ألغازه، قد جاوزوا بالعقل حدوده واختصاصه، وأهملوا جانباً هاماً في الفطرة الإنسانية هو جانب الشعور والوجدان، جانب القلب كما أغلقوا على أنفسهم باباً واسعاً ما كان أحوجهم إليه، وما أضل سعيهم بغيره. هو باب الوحي.

إن العقل -مهما أوتى من الذكاء والقدرة على التجربة والقياس والاستنتاج- محدود بحدود الطاقة البشرية، مقيد بقيود المكان والزمان والوراثة والبيئة، فلا غنى له أبداً عن سند ومعين، يسدده إذا أخطأ، ويهديه إذا ضل، ويرده إلى الصواب إذا شرد، وهذا السند هو الوحي، الذي هو أساس الدين.

إن الوحي قد أراح الإنسان من عناء البحث فيما يبدد طاقته دون الظفر بما يشبع ويغني، وأعفاه من تجشم رحلات طويلة وشاقة، والسير في دروب معتمة وملتوية، لا يدرى إلام تنتهي به؟ وقدم له ما ينبغي أن يعلمه -وما يستطيعه- عن مبدأ الوجود ومنتهاه، وعلته وأسراره، قدمها إليه خالصة سائغة، سالمة من جدل المجادلين، وتعمقات المتفلسفين، وتخرصات المتكلفين.

وليت شعري ما الذي يستطيع أن يعلمه الإنسان عن وجوده هو، وعن وجود العالم الكبير من حوله، وعن صاحب هذا الملك الكبير -سبحانه- لو مشى في الطريق وحده، دون دليل من وحي الله؟

إنه سيضرب في بيداء لا يعرف فيها طريقاً، ولا يجد فيها غير السراب يحسبه ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، ويسبح في بحار من الظلمات لا يهتدي فيها إلى بر ولا قرار، كالتي حدثنا الله عنها في كتابه: (أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور) (النور: 40).
أجل حاول كثير من المفكرين في القديم والحديث أن يحلوا ألغاز الوجود، ويظفروا بطمأنينة النفس عن طريق الفلسفة البشرية بعيداً عن هدى الله، ووحي السماء، فأفلسوا وعجزوا.

قال الفخر الرازي (في كتابه "أقسام اللذات") بعد أن حصل أفكار المتقدمين والمتأخرين، وطاف بدائرة المعارف الفلسفية والكلامية لعصره: "لقد تأملت الكتب الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تروي غليلاً. ولا تشفي عليلاً. ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن .. ومن جرب مثل تجربتي، عرف مثل معرفتي".

وعبر بعضهم عن صرعى الفلسفة والتفلسف فقال:

لقد طفت في تلك المعاهد كلها

وسرحت طرفي بين تلك المعالم

فلم أر واضعاً كف حائِِِر

على ذقن أو قارعاً سن نِادم

وتمنى أحدهم في آخر عمره: لو رزق إيماناً كإيمان العجائز! حتى إيمان العجائز لم يظفر به المتفلسفون.

وهكذا أفلست الفلسفات البشرية أن تمنح القلب الإنساني طمأنينته التي هي أول عنصر لسعادته، ومحال أن يسعد إنسان يؤرق الشك ليله، ويكدر القلق نهاره.

وعرف المنصفون أن أهدى السبل وأقربها وآمنها للظفر بالطمأنينة إنما هو سبل الوحي الإلهي المعصوم. إنه «المصل الواقي» من الشك المحطم، والقلق المفزع (فاستمسك بالذي أوحي إليك، إنك على صراط مستقيم) (الزخرف: 43). (فتوكل على الله، إنك على الحق المبين) (النمل: 79).

والحق المبين هو الذي اتضحت أعلامه واستبان طريقه، وزال عنه الغموض واللبس والاختلاف والريب.

وشعور الإنسان واعتقاده أنه (على الحق المبين) وأنه (على صراط مستقيم) شعور لا يظفر به غير المؤمن بوحي الله وهداه.

أما الذي شرد من هدى الله ورسالاته، فهو (كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران، له أصحاب يدعونه إلى الهدى: ائتنا، قل: إن هدى الله هو الهدى) (الأنعام: 71).

إن الوحي وحده هو السبيل الفذة للوصول إلى اليقين في قضايا الوجود الكبرى. وبغير الوحي لن يكون يقين، وبغير اليقين لن تكون سكينة، وبغير السكينة لن تكون سعادة.

بالوحي يبلغ المؤمن درجة علم اليقين، وقد يرتقى روحه ويشف ويرف حتى يشارف عين اليقين أو حق اليقين.

وفي هذا قال بعض السلف: لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً! ذلك لأنه آمن بما أخبر به الوحي إيماناً تجلت به حقائق الوجود لعين قلبه، كأنه يراها بعيني رأسه، ويشهدها حاضرة ظاهرة، كالشمس في الضحى، ليس دونها سحاب ولا ضباب.

قال بعض السلف: "رأيت الجنة والنار حقيقة".

قيل له: وكيف رأيتهما وأنت في الدنيا؟

قال: "رآهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيتهما بعينيه، ورؤيتي لهما بعيني رسول الله صلى الله عليه وسلم آثر عندي من رؤيتهما بعيني، فإن بصري قد يزيغ عند رؤيتهما أو يطغى، أما بصر الرسول فما زاغ وما طغى".

نجاة المؤمن من عذاب الحيرة والشك

وبهذا الإيمان البسيط العميق الذي جاء به الوحي، وأيده العقل، واقتضته الفطرة، وشهد له كل سطر، بل كل كلمة في كتاب الوجود المفتوح - سلم المؤمن من الشك والاضطراب، واستراح من البلبلة والحيرة، الذهنية والنفسية، التي يتجرع غصصها الجاحدون المرتابون.
بهذا الإيمان الواضح المريح، حل المؤمن ألغاز الوجود الكبرى، حين عرف مبدأه ومصيره، وغايته ومهمته، بل عرف مبدأ الوجود كله ومنتهاه وغايته وهدفه. فانحلت عقد الشك من نفسه، وزالت علامات الاستفهام الكبيرة من حياته.

لقد عرف أن له ربا -هو رب كل شيء- هو الذي خلقه فسواه، وكرمه وفضله، وجعله في الأرض خليفة، وكفل له رزقه، وسخر له ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، فاطمأن إلى ربه، ولاذ بجواره واعتصم بحبله، فأوى بهذا الإيمان إلى ركن شديد، ولاذ بقرار مكين، واستمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها.

وعرف أن هذه الحياة القصيرة التي يعيشها الناس ممزوجة الخير بالشر، والعدل بالظلم، والحق بالباطل، واللذة بالألم، ليست هي الغاية، ولا إليها المنتهى، إنما هي مزرعة لحياة أخرى هي خير وأبقى. تجزى فيها كل نفس بما كسبت، وتخلد فيما عملت، فاستراح المؤمن بذلك من التساؤل العريض عن الحياة والموت، وما سرهما؟ وماذا بعدهما؟ استراح المؤمن من ذلك، حين علم وأيقن أنه خلق للخلود الأبدي، وإنما ينقله الموت من طور إلى طور، أو من دار إلى دار.

وعرف المؤمن أنه لم يخلق في هذه الحياة عبثاً، ولم يترك سدى، فبعث الله إليه رسله بالبينات، هداة ومعلمين، مبشرين ومنذرين، ليهتدي الناس إلى الحق، ويستبينوا معالم الطريق، ويعرفوا ما يرضي الله فيتبعوه، وما يسخطه فيتقوه، وليقيموا بين الناس موازين القسط، ويحكموا بين الناس فيما اختلفوا فيه، وليكونوا أمثلة رفيعة -تحس وترى- يتخذها الناس أسوة حسنة لصوالح الأعمال، ومكارم الأخلاق.
وعرف المؤمن أنه ليس غريباً على الكون الكبير من حوله، ولا معزولاً. عنه، إنه بإيمانه لم يعد وحده. إن الكون كله معه، ففطرة هذا الكون هي الإيمان. هي التسبيح والسجود للرب الأعلى، الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى (تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن، وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم، إنه كان حليماً غفوراً) (الإسراء : 44).

إن هذه المكاسب الهائلة التي غنمها المؤمن، واجتنى ثمارها، وقطوفها الدانية، لا يقدرها حق قدرها إلا من حرمها، أو تأمل بعين بصيرته حال من حرمها.

فالجاحدون بالله، أو المرتابون فيه، وفي لقائه يوم الحساب، يحيون حياة لا طعم لها ولا معنى. حياة كلها قلق وحيرة، كلها علامات استفهام. كلها أسئلة لا تجد لها عندهم جواباً.

إنهم لا يوقنون بشيء يطمئنون إليه. ويستريحون له في قضية وجودهم أنفسهم، ووجود الكون كله من حولهم. من أين جاءوا؟ ومن جاء بهم؟ ولماذا جاء بهم؟ وإلى أين يذهبون بعد هذه المرحلة القصيرة، التي لم يفهموا لها سراً، ولم يعرفوا لها غاية؟ وما هذا الكون؟ وما مبدؤه؟ وما غايته؟ وما علاقتهم به؟

إن عقولهم المحدودة لا تستطيع أن تجيبهم إجابة تسفي الصدور، وتنقع الغلة، وتمحو بنورها الشك والحيرة والاضطراب.
ربما يهتدون في يوم إلى جواب عن هذه الأسئلة الحائرة المحيرة، ثم يعودون في اليوم الثاني فينقضون ما أبرموا، ويحلون ما عقدوا، ويتبرأون مما قالوا.

ولا يثبتون على قرار، ولا يستقرون على فكرة، ولا يدومون على وجو أو طريق:

كريشة في مهب الريح طائرة

لا تستقر على حال من القلق

نرى ذلك قديماً في مثل قول ابن الشيل البغدادي في قصيدته الرائية:

بربك أيها الفلك المدار

أقصد ذا المسير أم اضطرار؟

إلى أن يقول متسائلاً عن علة هذا الوجود:

فماذا الامتنان على وجود

لغير الموجدين به الخيار؟

وكانت أنعماً لو أن كوناً

نخير قبله أو نستشِار؟

وما دام وجوده قد تم بغير استشارة له، ولا اختيار منه، فليعلن سخطه على هذا الوجود الذي ليس -في نظره- إلا بلاء جرته عليه شهوة عارضة أمه وأبيه، وفي هذا يقول:

قبِح الله لذة، لأذانِِا

نالِها الأمهات والآباء

نحن لولا الوجود لم نألف

الفقد فإيجادنا علينا بلاء

وفي مثل ذلك يقول عمر الخيام:

لبست ثوب العمر لم أستشِر

وحرت فيه بين شتى الفكر

وسوف أنضو الثوب عني ولم

أدر لماذا جئت؟ أين المفر؟

فقد لبس ثوب الحياة دون أن يستشار، ويؤخذ رأيه، كأنه لو استشير لكان رأيه وتدبيره لنفسه أفضل من تدبير ربه له. ثم هو يخلع هذا الثوب بالموت، ولا يدرى شيئاً عن سر وجوده، ولا ما بعد وجوده.

ويقول أبو العلاء المعري في فترات شكه وحيرته:

نفارق العيش لم نظفر بمعرفة

أي المعاني بأهل الأرض مقصِود؟

لم يعطنا العلم أخباراً يجيء بها

نقل ولا كوكب في الأرض مرصود

ويقول:

أصبحت في يومي أسائل عن غدي

متحيراً عن حالِه متندسِِا

أمِِا اليقين فلا يقين وإنمِِا

أقصى اجتهادي أن أظن وأحدسا

ويقول:

سألتموني فأعيتني أجابتكم

من ادعى أنه دار فقد كذبا

وهذا الشك الذي حرم معه اليقين والاستقرار على رأي، قد كدر عليه الحياة، وجعله ينظر إليها نظرة متشائمة سوداء. فتسمعه يقول:

ضحكنا وكان الضحك منا سفاهة

وحق لسكان البسيطة أن يبكوا

تحطمنِِا الأيام حتى كأننِِا

زجاج، ولكن لا يعاد له سبك

بل يمتنع عن الزواج حتى لا يجني على ذريته، كما جنى عليه أبوه وأمه:

وأرحت أولادي فهم في نعمة الِ

عدم التي فضلت نعيم العاجل

وتغلب عليه النظرة الجبرية للإنسان فيقول:

ما باختياري ميلادي ولا هرمي

ولا حياتي، فهل لي بعد تخيير؟

ويقول:

جئنا على كره ونرحل رغما

ولعلنِِا ما بين ذلك نجبر

وحديثاً قال إيليا أبو ماضي في قصيدته التي سماها "الطلاسم" :

جئت لا أعلم من أين، ولكني أتِيت

ولقد أبصرت قدامى طريقا فمشِيت

وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت

كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟

لست أدري!

أجديد أم قديم أنا في هذا الوجِود؟

هل أنا حر طليق، أم أسير في قيود؟

هل أنا قائد نفس في حياتي أم مقود؟

أتمنى أنني أدري، ولكن .....

لست أدري؟

وطريقي ما طريقي، أطويل أم قصير؟

هل أنا أصعد، أم أهبط فيه وأغِور؟

أأنا السائر في الدرب أم الدرب يسير؟

أم كلانا واقف، والدهر يجري؟

لست أدري؟

أتراني قبلما أصبحت إنساناً سِِوياً

كنت محواً ومحالاً أم تراني كنت شيا؟

ألهذا اللغز حل، أم سيبقى أبِِديا؟

لست أدري … ولماذا لست أدري؟؟

لست أدري؟

إن هذا الشك والاضطراب والقلق الذي يتقلب على جمره الحائرون المرتابون في وجود الله وحكمته، وعدله ورحمته، وجزائه في الآخرة ووحيه إلى رسله -هذا الشك ليس شيئاً هيناً، إنه عذاب أليم، وكوة من الجحيم فتحت على أهله، تلفحهم بنارها، وتشوي قلوبهم بحميمها، وكلما خف لهيبها هبت عليهم عواصف الشك من جديد، فاشتعلت النار، ليذوقوا العذاب.

إن هذا القلق أمر لا مناص لهم منه، إنه سيحرمهم سكون النفس، وهدوء الضمير. سيقض عليهم مضاجعهم، وينغص عليهم حياتهم، ويؤرق عليهم ليلهم، ويكدر عليهم نهارهم، إنهم يعيشون كما قال الله (معيشة ضنكاً) (طه: 124).

وضوح الغاية والطريق عند المؤمن

غير المؤمن يعيش في الدنيا تتوزعه هموم كثيرة، وتتنازعه غايات شتى، هذه تميل به إلى اليمين، وتلك تجذبه إلى الشمال، فهو في صراع دائم داخل نفسه، وهو في حيرة بين غرائزه الكثيرة، أيها يرضي. غريزة البقاء، أم غريزة النوع، أم المقاتلة، أم ... أم ... الخ.
وهو حائر مرة أخرى بين إرضاء غرائزه وبين إرضاء المجتمع الذي يحيا فيه، وهو حائر مرة ثالثة في إرضاء المجتمع، أي الأصناف يرضيهم، ويسارع في هواهم، فإن رضا الناس غاية لا تدرك.

إذا رضيت عني كرام عشيرتي

فلا زال غضباناً علي لئامها

والعكس بالعكس طبعاً، إذا رضي اللئام غضب الكرام.

وهنا يذكرون الحكاية المشهورة، حكاية الشيخ وولده وحماره: ركب الشيخ ومشى الولد وراءه، فتعرض الشيخ للوم النساء، وركب الولد ومشى الشيخ، فتعرض الولد للوم الرجال، وركبا معاً فتعرضا للوم دعاة الرفق بالحيوان، ومشيا معاً والحمار أمامهما، فتعرضا لنكت أولاد البلد، واقترح الولد ا.ن يحملا الحمار ليستريحا من لوم اللائمين، فقال له الأب الشيخ: لو فعلنا لأتعبنا أنفسنا، ولرمانا الناس بالجنون حيث جعلنا المركوب راكباً. يا بني لا سبيل إلى إرضاء الناس.

ومن في الناس يرضي كل نفس

وبين هوى النفوس مدى بعيد؟

وقد استراح المؤمن من هذا كله، وحصر الغايات كلها في غاية واحدة عليها يحرص وإليها يسعى، وهي رضوان الله تعالى، لا يبالي معه برضى الناس أو سخطهم، شعاره ما قال الشاعر:

فليتك تحلو والحياة مريِِرة

وليتك ترضى والأنام غضاب

وليت الذي بيني وبينك عامر

وبيني وبين العالمين خِِراب

إذا صح منك الود فالكل هين

وكل الذي فرق التراب تراب

كما جعل المؤمن همومه هماً واحداً، هو سلوك الطريق الموصل إلى مرضاته تعالى والذي يسأل الله في كل صلاة عدة مرات أن يهديه إليه، ويوفقه لسلوكه، (اهدنا الصراط المستقيم ) (الفاتحة: 6)، وهو طريق واحد لا عوج فيه ولا التواء (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) (الأنعام: 153).

وما أعظم الفرق بين رجلين، أحدهما عرف الغاية، وعرف الطريق إليها، فاطمأن واستراح، وآخر ضال، يخبط في عماية، ويمشي إلى غير غاية، لا يدرى إلام المسير؟ ولا أين المصير؟ (أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أمن يمشي سوياً على صراط مستقيم) (الملك: 22).
واستهان المؤمن في سبيل هذه الغاية بكل صعب، واستعذب كل عذاب، واسترخص كل تضحية، بل قدمها راضياً مستبشراً، ألا ترى إلى خبيب بن زيد وقد صلبه المشركون؟ وأحاطوا به يظهرون الشماتة فيه، يحسبون أنه ستنهار أعصابه، أو تضطرب نفسه، ولكنه نظر إليهم في يقين ساخر، وأنشد يقول:

ولست أبالي حين أقتل مسلماً

على أي جنب كان في الله مصرعي

وذلك في ذات الإله، وإن يشأ

يبارك على أوصال شلو ممِِزع

ألا ترى إلى الرجل من الصحابة ومن تبعهم بإحسان كيف كان يخوض عباب المعركة، والموت يبرق ويرعد، وهو يقول: (وعجلت إليك رب لترضى) (طه: 84).

ألا تسمع لأحدهم وقد نفذ الرمح في صدره حتى وصل إلى ظهره، فما كان منه إلا أن قال: فزت ورب الكعبة.

وفي غزوة الأحزاب، وقد ابتلي المؤمنون، وزلزلوا زلزالاً شديداً إذ جاءهم الأعداء من فوقهم ومن أسفل منهم، وإذ زاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وظن الناس بالله الظنون، وكشف المنافقون النقاب، فقالوا: ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً.

في هذا الجو الرهيب كان موقف المؤمنين هو موقف السكينة والطمأنينة الذي عهد منهم، والذي سجله الله لهم في كتابه: (ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً) (الأحزاب: 22).

ما الذي وهب هؤلاء المجاهدين السكينة، والقتال مستعر الأوار؟ ومنحهم الطمأنينة والموت فاغر فاه؟ إنه الإيمان وحده، وصدق الله (هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم، ولله جنود السموات والأرض، وكان الله عليماً حكيماً) (الفتح: 4) (قل إن الله يضل من يشاء، ويهدي إليه من أناب * الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، إلا بذكر الله تطمئن القلوب) (الرعد: 27، 28).

لقد عرف المؤمن الغاية فاستراح إليها، وعرف الطريق فاطمأن به، إنه طريق الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين إنه (الصراط المستقيم) الذي يهدي إليه محمد، صلى الله عليه وسلم، (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض) (الشورى: 52، 53).

وبهذا الصراط المستقيم، كان المؤمن في أخلاقه وسلوكه مطمئناً غير قلق، ثابتاً غير متقلب، واضحاً غير متردد، مستقيماً غير متعوج، بسيطاً غير معقد، لا يحيره تناقض الاتجاهات، ولا يعذبه تنازع الرغبات، ولا يحطم شخصيته الصراع الداخلي في نفسه. أيفعل أم يترك؟ أيفعل هذا أم ذاك؟

إن له مبادئ واضحة، ومعايير ثابتة، يرجع إليها في كل عمل وكل تصرف، فتعطيه الإشارة، وتفتح له الطريق فيقدم، أو تضيء له النور الأحمر، فيعرف الخطر ويحجم، وحسبه كتاب ربه هادياً، ورسوله معلماً: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم) (المائدة: 15، 16).

وإن له -مع ذلك- لضميراً يقظاً، وقلباً نيراً، يستفتيه في المتشابهات فيفتيه، ويرجع إليه في الملمات فيهديه، فهو كالإبرة "الممغنطة" تعرف اتجاهها دائماً وتشير إليه: "واستفت قلبك، وإن أفتاك الناس وأفتوك وأفتوك".

المقياس الخلقي عند المؤمن واضح ثابت ينحصر في رضى ربه وطاعة أمره، واجتناب نهيه، معتقداً أن في ذلك سعادة أولاه وأخراه، وخيره وخير البشرية جميعاً. فهو عند حدود الله وقاف. وهو لأمر ربه مسارع مطواع، مهما يكن في ذلك من خسران منفعة عاجلة، أو قهر لشهوة طاغية، أو مقاومة لعاطفة قوية أو غريزة قاهرة أو عادة غالبة.

هذا هو شأن الإيمان القوي الصادق، وهذه بعض ثمراته.

وفي القصة التالية العجيبة -لأب وابن مؤمنين- مثل رائع لليقين الذي لا يعرف الشك، والمسارعة التي لا تعرف التردد أو الحيرة أو التخاذل في أمر الله.

شيخ كبير، اشتاق إلى الولد، ودعا ربه، فأوتيه على الكبر، وبشرته به السماء، (بغلام حليم) فتعلق به قلبه، وأفرغ فيه كل ما لديه من حنان وحب، وظل ينمو فينمو معه حب أبيه، ويشب فيشب معه الأمل والرجاء فيه، وإذا الحكمة الإلهية تأبى إلا أن تصهرهما في امتحان قاس عسير. أن يقرب :لأب إلى الله قرباناً، فيذبح ولده، ويذبح معه حبه ورجاءه وأمله. فهل توقف الوالد عن الأمر؟ أو حتى تردد بين نداء العاطفة ونداء الإيمان؟ بين صوت الوحي من فوقه، وصوت الأبوة ينبثق من حناياه؟ وهل تمرد الابن على أمر يتعلق برقبته؟ أو حتى اصطرعت في نفسه العوامل المتضادة من حب الحياة، والامتثال لأمر الله؟.

كلا. لقد كان يقينهما أكبر من نوازع النفس، وعوامل التردد، فأسلم الوالد ولده. وأسلم الولد عنقه.

تلك هي قصة إبراهيم الخليل، وابنه إسماعيل عليهما السلام.

وليس هناك أصدق ولا أروع من تصوير القرآن لهاتين النفسيتين المؤمنتين، ومدى طمأنينتهما في أحلك ساعات الشدة، ومبلغ الثبات الخلقي الراسخ الذي بدا في تضحية الأب العظيم، وصبر الابن الكريم.

قال تعالى في شأن إبراهيم وولده إسماعيل: (فبشرناه بغلام حليم * فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى، قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين * فلما أسلما وتله للجبين * وناديناه أن يا إبراهيم * قد صدقت الرؤيا، إنا كذلك نجزي المحسنين * إن هذا لهو البلاء المبين * وفديناه بذبح عظيم * وتركنا عليه في الآخرين * سلام على إبراهيم * كذلك نجزي المحسنين * إنه من عبادنا المؤمنين) (الصافات: 101، 111).

وفي هذا الختام سر القصة كلها، ومفتاح ما سجلته من بطولة وفدائية، (إنه من عبادنا المؤمنين).

العبودية لله وحده، والإيمان به وحده (إنه من عبادنا المؤمنين) (الصافات: 111) العبودية لله تعني: التحرر من التبعية لكل من سواه وما سواه، فلا خضوع لمخلوق في الأرض أو في السماء. حتى الشيطان الوسواس الخناس ليس له سبيل على عباد الله (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) (الإسراء: 65).

والعبودية لله تعني: الانقياد لحكمه سبحانه، مع رضا النفس، وتسليم القلب، دون أدنى حرج أو ارتياب، لثقته بأن تدبير الله له خير من تدبيره لنفسه وأنه تعالى أرحم به من أمه وأبيه، وأنه سبحانه أعلم بما يصلحه ويزكيه.

والمؤمن الصادق هو الذي عرف لهذه العبودية حقها، فوجه وجهه للذي فطر السموات والأرض حنيفاً، وحطم الأصنام كلها من قلبه، ورفض الطواغيت كلها من حياته، ولم يرض غير الله رباً، ولم يتخذ غير الله ولياًº ولم يبتغ غير الله حكماº اتضحت لعين بصيرته الوجهةº واستقام أمامها الطريقº لا لبس ولا غموضº ولا عوج ولا أمت: (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً، وما كان من المشركين * قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين * قل أغير الله أبغي رباً وهو رب كل شيء) (الأنعام: 161 - 164).

وبهذا الاتجاه الواضح انحلت العقد في نفس المؤمن وفي حياته. فقد عرف الطريق فسلكها على بصيرة، غير هياب ولا متردد، ولا قلق ولا مرتاب. طريق الرجوع إلى أمر الله، والاستسلام الكامل لحكم الله، واليقين بأن خيري الدنيا والآخرة في اتباعه والرضا به (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) (الأحزاب: 36) (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا، وأولئك هم المفلحون) (النور: 51).

أجل هم المفلحون: مفلحون في الآخرة بدخول الجنات ورضوان من الله أكبر. ومفلحون في الدنيا بما أنعم الله عليهم من سكينة الأنفس. وطمأنينة القلوب، وانشراح الصدور.

أنس المؤمن بالوجود كله

والمؤمن يعيش موصولاً بالوجود كله، ويحيا في أنس به، وشعور عميق بالتناسق معه، والارتباط به، فليس هذا الكون عدواً له، ولا غريباً عنه، إنه مجال تفكره واعتباره، ومسرح نظره وتأملاته، ومظهر نعم الله وآثار رحمته.

هذا الكون الكبير كله يخضع لنواميس الله كما يخضع المؤمن، ويسبح بحمد الله كما يسبح المؤمن.

والمؤمن ينظر إليه نظرته إلى دليل يهديه إلى ربه، وإلى صديق يؤنسه في وحشته..

وبهذه النظرة الودود الرحبة للوجود، تتسع نفس المؤمن، وتتسع حياته، وتتسع دائرة الوجود الذي يعيش فيه.

فليس هناك أوسع من صدر المؤمن وقلبه الذي وسع العالمين، المنظور وغير المنظور، عالم الشهادة وعالم الغيب، ووسع الحياتين: الدنيا والآخرة، حياة الفناء، وحياة الخلود، ووسع الوجودين: الوجود المحدث الفاني، والوجود الواجب الباقي، الوجود الأزلي الأبدي، وجود الله جل جلاله.

وليس هناك أضيق من صدر الملحد والشاك في الله والآخرة، إن حياته أضيق من سجن، بل من "زنزانة" في سجن، إنه يعيش معزولاً عن الأزل والأبد، عن الأمس والغد. لا يعرف إلا يومه، ولا يعرف من يومه إلا لذاته المحسة، وهو يعيش معزولاً عن الوجود العريض، لا يرى منه إلا شخصه وشخوصاً محدودة أخرى، ولا يرى من شخصه إلا جسمه المادي، ودوافعه الحيوانية.

هذه حقيقة ثابتة، وسنة ماضية، منذ أهبط الله آدم وزوجه إلى الأرض ثم قال لهما (فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً) (طه: 123، 124).

فإذا رأيت بعض هؤلاء المعرضين عن هدى الله في بحبوحة من العيش المادي، والنعيم الحسي، فلا يخدعنك ذلك عن حقيقة حالهم، فإن الضنك الحقيقي في أنفسهم. وإذا ضاقت النفس، وضاق الصدر، ضاقت المعيشة وضاقت الحياة كلها. وإذا اتسعت النفس، اتسعت الحياة. وقديماً قال الشاعر:

لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها

ولكن أخلاق الرجال تضيق!

إن دائرة الوجود بالنسبة للحيوان دائرة ضيقة محدودة بحدود معدته وكرشه، وما يملؤها من كلأ ومرعى. ولا التفات إلى ما وراء ذاك.
وقريب من ذلك الطفل، فوجوده ينحصر في أمه وثدييها، فإذا كبر قليلاً اتسع فشمل أباه وأخوته ومسرح لعبه، فإذا نما شيئاً فشيئاً، بدأت تتسع دائرة حسه، ثم انتقل -كلما قارب الرشد- من المحسوس إلى غير المحسوس. فبدأ يدرك المعاني الكلية والمعقولات المجردة.
فالإيمان بالله وبالغيب هو الذي يرتفع بالإنسان من الحيوانية إلى الإنسانية ومن الطفولة إلى الرشد، لأنه يرتفع بالإنسان من المحسوس إلى المعقول، ومن المنظور إلى غير المنظور، ومن عالم الشهادة إلى عالم الغيب.

إن المؤمن يعيش في سعة من نفسه وقلبه، ولو لم يكن في سعة من عيشه، فطبيعة الإيمان توسع النفس والقلب والحياة لأنه يصل صاحبه بالوجود كله، ظاهره وباطنه، علوية وسفليه. وما يبصر منه وما لا يبصر. ماضيه وحاضره ومستقبله. يصله بالسموات والأرض ومن فيهن. يصله بالملائكة وحملة العرش والقوى الروحية من جنود الله التي لا يعلمها إلا هو. يصله بحملة النور الإلهي، وأصحاب الرسالات السماوية من لدن آدم أبي البشر إلى محمد صلى الله عليه وسلم، يصله بالصديقين والشهداء والصالحين من كل أمة، ومن كل عصر، يصله بالآخرة والبعث والحساب والجنة والنار، وباختصار: يصله بالوجود ورب الوجود، الأول والآخر، والظاهر والباطن .

النفس المؤمنة نفس رحبة واسعة، وكيف لا وهي تعيش في وجود سعته السموات والأرض، والعرش والكرسي، والدنيا والآخرة، والأزل والأبد؟.
والنفس المؤمنة رحبة واسعة، لأنها تعيش في نور يهديها سبيلها، ويكشف لها من حولها، ومن شأن النور أن يوسع الدائرة التي يحيا فيها الإنسان على عكس الظلام، فإن الذي تكتنفه الظلمة لا يرى ما حوله ولا من حوله. بل لا يرى الشيء وهو بجواره تكاد تلمسه يداه، بل لا يرى نفسه، ولا شيء أقرب إليه من نفسه، فإذا لاح له شعاع خافت بدأ يرى نفسه، أو شيئاً مما حوله. فإذا قوي هذا النور وانتشرت أشعته العريضة، أضاء له دائرة أوسع، وعلى قدر قوة هذا النور وقوة البصر عند الإنسان تكون سعة الدائرة التي يدركها البصير.
سئل الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن قوله تعالى: (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه) (الزمر: 22) فقال: "إن النور إذا دخل في القلب اتسع وانفسح".

فالقلب يتسع وينفسح وينشرح بنور الإيمان واليقين، كما يضيق وينكمش بظلمة الإلحاد والشك والنفاق: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً) (الأنعام: 125).

المؤمن يعيش في معية الله

والمؤمن لا يعتريه ذلك المرض النفسي الوبيل، الذي يفتك بالمحرومين من الإيمان، ذلك هو مرض الشعور بالوحدة المقلقة، فيحس صاحبه أن الدنيا مقفلة عليه، وأنه يعيش فريداً منعزلاًº كأنه بقية غرقى سفينة ابتلعها اليم، ورمت به الأمواج في جزيرة صغيرة موحشة يسكنها وحده، لا يرى إلا زرقة البحر وزرقة السماء، ولا يسمع إلا صفير الرياح، وهدير الأمواج.

وأي عالم أشد على النفس من هذا العالم، وأي إحساس أمر من هذا الإحساس؟ إن أقص ما يصنعه السجان بالسجين أن يحبسه في سجن انفرادي (زنزانة) ليحرمه من لذة الاجتماع، وأنس المشاركة والاختلاط، فما بالنا بمن وضع نفسه دائماً في تلك الزنزانة، وعاش فيها بمشاعره وتصوره وحده، وإن كانت الدنيا تضج من حوله بخلق الله من بني الإنسان؟! .

والمختصون متفقون على أن هذا المرض من أخطر أمراض النفس، لما يجلبه على صاحبه من عزلة وفقدان للثقة بمن يتعاملون معه، إذ يعتقد أن كل من حوله دونه، وأنهم يخالفونه في كل مقومات الحياة، وأينما التفت لا يجد غير نفسه، وقد مثل بعضهم حالة هذا المريض بإنسان قد سجن في غرفة جميع جدرانها مراء (مرايا) فأينما ينظر لا يجد إلا نفسه، وأن هذه الغرفة التي سجن فيها لا أبواب لها، ولا منافذ بها، فأين السبيل إلى الهرب منها؟.

فهل يستطيع مثل هذا الإنسان أن يعمل أو ينتج، أو أن يظل محتفظاً بوعيه وقدرته على الفهم والتركيز؟ وهل يمكن لمثله أن يظفر بالسكينة والاطمئنان؟ الجواب طبعاً: لا.

بل قال المختصون في علاج هذه الأمراض: إن لهذا المرض النفسي آثاراً عضوية تظهر على جسم صاحبه، كما تظهر في حركاته وتصرفاته. فقد يصيبه الدوار ويتصبب عرقه، وتسرع نبضات قلبه، كأنه خائف من عدو قاهر، أو مقدم على موقف عصيب وقد يتخبط في حركاته ومشيه كأنه يريد الهرب.

ويقول الدكتور «موريس جوبتهيل» مدير إدارة الصحة العقلية بنيويورك: "إن مرض إحساس الإنسان بوحدته لمن أهم العوامل الأساسية للاضطرابات العقلية".

ولم يدخر الأطباء وعلماء النفس وسعاً في البحث عن علاج ناجع لهذا المرض، وبذلوا في ذلك جهوداً جمة، وأجروا تجارب كثيرة، وحاولوا محاولات مخلصة حتى انتهى رأي المنصفين منهم أخيراً إلى أن العلاج الأمثل لهذا المرض هو اللجوء إلى الدين، والاعتصام بعروة الإيمان الوثقى، وإشعار المريض بمعية الله والأنس به.

فهذا الإيمان القوي هو خير دواء لعلاج هذا المرض الخطير، كما أنه خير وقاية من شره.

قال الدكتور «فرانك لوباخ» العالم النفسي الألماني: مهما بلغ شعورك بوحدة نفسك فاعلم أنك لست بمفردك أبداً. فإذا كنت على جانب من الطريق فسر وأنت على يقين من أن الله يسير على الجانب الآخر (من مقال للأستاذ عبد الرزاق نوفل).

واعتقاد المسلم أكبر من هذا وأعمق. إنه يؤمن أن الله معه حيثما كان، وليس على الجانب الآخر من الطريق، إن الله سبحانه يقول في الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني" ويقول في كتابه العزيز: (فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم وإن يتركم أعمالكم) (محمد: 35).

ويقول أديب غربي من كلمة يستقبل بها عاماً جديداً: قلت للرجل الواقف على باب العام: أعطني نوراً أستضيء به في ظلمات الطريق، قال: ضع يدك في يد الله فإنه يهديك سواء السبيل.

إن شعور المؤمن بأن يد الله في يده، وأن عنايته تسير بجانبه، وأنه ملحوظ بعينه التي لا تنام، وأنه معه حيث كان، يطرد عنه شبح الوحدة المخيف، ويزيح عن نفسه كابوسها المزعج.

كيف يشعر بالوحدة من يقرأ في كتاب ربه (ولله المشرق والمغرب، فأينما تولوا فثم وجه الله، إن الله واسع عليم) (البقرة: 115) (وهو معكم أينما كنتم، والله بما تعملون بصير) (الحديد: 4)؟ إنه لا يشعر إلا بما شعر به موسى حين قال لبني إسرائيل (إن معي ربي سيدين) (الشعراء: 62) وما شعر به محمد في الغار حين قال لصاحبه: (لا تحزن إن الله معنا) (التوبة: 40).

إن شعور المؤمن بمعية الله وصحبته دائماً يجعله في أنس دائم بربه، ونعيم موصول بقربه، يحس أبداً بالنور يغمر قلبه، ولو أنه في ظلمة الليل البهيم. ويشعر بالأنس يملأ عليه حياته وإن كان في وحشة من الخلطاء والمعاشرين، ينشد ما قاله العبد الصالح يناجي ربه:

إن قلبا أنت ساكنه

غير محتاج إلى السرج

وجهك المأمول حجتنا

يوم يأتي الناس بالحجج

 

المؤمن يعيش في صحبة النبيين والصديقين

والمؤمن لا يشعر أنه في عزلة عن إخوانه المؤمنين. إنهم، إن لم يكونوا معه في عمله أو مسجده أو داره - يعيشون دائماً في ضميره، ويحيون في فكره ووجدانه، فهو إذا صلى -ولو منفرداً- تحدث باسمهم (إياك نعبد وإياك نستعين) (الفاتحة: 5) وإذا دعا دعا باسمهم (اهدنا الصراط المستقيم) (الفاتحة: 6) وإذا ذكر نفسه ذكرهم "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" (هذا في التشهد الذي يتكرر في الصلوات المفروضة وحدها تسع مرات يومياً عدا السنة والنوافل) وإنه لأوسع مدى من أن يعيش مع مؤمني عصره وحدهم، بل انه ليتخطى الأجيال، ويخترق العصور والمسافات، ويحيا مع المؤمنين وإن باعدت بينه وبينهم السنون والأعوام، ويقول ما قال الصالحون: (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) (الحشر: 10).

المؤمن يشعر أنه يعيش بإيمانه وعمله الصالح مع أنبياء الله ورسله المقربين. ومع كل صدّöيق وشهيد وصالح من كل أمة وفي كل عصر: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً) (النساء: 69).
وأي إنسان أسعد ممن يرافق هؤلاء ويرافقونه؟ إنها ليست مرافقة جسد وصورة، ولكنها مرافقة روح ووجدان، وفكر وقلب، وكفى أنه «معهم» وليس خلفهم، ولا قريبا منهم .. ولا يحسبن امرؤ من الناس أن مرافقة هؤلاء للمؤمن شيء هين ضئيل، أو أمر خيالي موهوم، فإنه لفرق كبير دين إنسان تاريخه هو تاريخ شخصه أو أسرته، أو حزبه مثلاً، فهو قريب القاع، سطحي الجذور، وإنسان تاريخه هو تاريخ الإيمان والهدى من عهد آدم، تاريخه هو تاريخ نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد من أولي العزم من الرسل، ومن غيرهم من أصحاب النبوات والرسالات منذ بعث الله رسولاً، وأنزل كتاباً، فهو يستلهم هذا التاريخ المؤمن الحافل في كل ما ينِزل به من أحداث، وما يعرض له من مشكلات، وما يقف في سبيله من عوائق، ويجد فيه الأسوة والهداية كما يجد فيه السلوى والعزاء، كما يجد فيه الأنس والود، ومن كل ذلك يأخذ الزاد لفكره، والنور لقلبه، والمدد لإرادته.

الصلاة والدعاء من بواعث السكينة

ومن أسباب السكينة النفسية التي حرمها الماديون، ونعم بها المؤمنون، ما يناجي به المؤمن ربه كل يوم من صلاة ودعاء.
فالصلاة لحظات ارتقاء روحي يفرغ المرء فيها من شواغله في دنياه، ليقف بين يدي ربه ومولاه ويثني عليه بما هو أهله، ويفضي إليه بذات نفسه: داعياً راغباً ضارعاً.

وفي الاتصال بالله العلي الكبير قوة للنفس، ومدد للهزيمة، وطمأنينة للروح.

لهذا جعل الله الصلاة سلاحاً للمؤمن يستعين بها في معركة الحياة، ويواجه بها كوارثها وآلامها، قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة، إن الله مع الصابرين) (البقرة: 153) وكان محمد رسول الله إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، ولم تكن صلاته مجرد شكل أو رسم يؤدى، وإنما كانت استغراقاً في مناجاة الله، حتى أنه كان إذا حان وقتها قال لمؤذنه بلال في لهفة المتشوق واشتياق الملهوف: "أرحنا بها يا بلال" ... وكان يقول "جعلت قرة عيني في الصلاة".

وقد أعجبني ما كتبه «ديل كارنيجي» (في كتاب: "دع القلق وابدأ الحياة" ص 301 و 302) عن الأثر المبارك للصلاة في النفس البشرية، وهو يريد الصلاة بمعناها العام المشترك بين الأديان جميعاً، وهو الدعاء، والتضرع والابتهال إلى الله، قال: "ولا يقعد بك عن الصلاة والضراعة والابتهال أنك لست متديناً بطبعك، أو بحكم نشأتك، وثق أن الصلاة سوف تسدي إليك عوناً أكبر مما تقدر، لأنها شيء عملي فعال، تسألني: ماذا أعني بشيء عملي فعال، أعني بذلك أن الصلاة يسعها أن تحقق لك أموراً ثلاثة لا يستغني عنها إنسان سرواء أكان مؤمناً أو ملحداً:

1.      فالصلاة تعينك على التعبير بأمانة ودقة عما يشغل نفسك، ويثقل عليها، وقد بينا فيما سلف أن من المحال مواجهة مشكلة مادامت غامضة غير واضحة المعالم، والصلاة أشبه بالكتابة التي يعبر بها الأديب عن همومه، فإذا كنا نريد حلاً لمشكلاتنا وجب أن نجريها على ألسنتنا واضحة المعالم، وهذا ما نفعله حيث نبث شكوانا إلى الله.

2.      والصلاة تشعرك بأنك لست منفرداً بحل مشكلاتك وهمومك. فما أقل من يسعهم احتمال أثقل الأحمال وأعسر المشكلات منفردين، وكثيراً ما تكون مشكلاتنا ماسة أشد المساس بذواتنا فنأبى أن نذكرها لأقرب الناس إلينا، ولكننا يسعنا أن نذكرها للخالق عز وجل في الصلاة.

والأطباء النفسيون يجمعون على أن علاج التوتر العصبي، والتأزم الروحي يتوقف -إلى حد كبير- على الإفضاء بمبعث التوتر ومنشأ الأزمة إلى صديق قريب، أو ولي حميم. فإذا لم نجد من نفضي إليه كفانا بالله ولياً.

3.      والصلاة بعد هذا تحفزنا إلى العمل والإقدام، بل الصلاة هي الخطوة الأولى نحو العمل، وأشك في أن يوالي امرؤ الصلاة يوماً بعد يوم، دون أن يلمس فائدة أو جدوى، أو بمعنى آخر، دون أن يتخذ خطوات مثمرة نحو تحسين حالته، وتفريج أزمته، وقد قال « الكسيس كاريل» (مؤلف كتاب "الإنسان .. ذلك المجهول" والحائز على جائزة نوبل) "الصلاة هي أعظم طاقة مولدة للنشاط عرفت حتى الآن، فلماذا لا ننتفع بها؟" أ. هِ.

وإذا كان هذا شأن الصلاة بعامة، فإن الصلاة الإسلامية أزكى وأعمق أثراً، بما فيها من طهارة بدنية منشطة، وما فيها من قرآن يتلى، وهو كتاب الخلود، وما فيها من إيحاء الجماعة التي رغب الإسلام فيها، وحث عليها.

أي سكينة يشعر بها المؤمن حين يلجأ إلى ربه في ساعة العسرة ويوم الشدة، فيدعوه بما دعا به محمد من قبل: "اللهم رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منِزل التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، أنت الأول، فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر، فليس فوقك شيء، وأنت الباطن، فليس دونك شيء، اقض عنى الدين، وأغنني من الفقر" (رواه مسلم).

وأي طمأنينة ألقيت في قلب محمد رسول الإسلام يوم عاد من الطائف دامي القدمين، مجروح الفؤاد من سوء ما لقي من القوم - فما كان منه إلا أن رفع يديه إلى السماء يقرع أبوابها بهذه الكلمات الحية النابضة التي دعا بها محمد ربه، فكانت على قلبه برداً وسلاماً: "اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي ...".

 

المؤمن لا يعيش بين (لو) و (ليت)

وان من أهم عوامل القلق الذي يفقد الإنسان سكينة النفس وأمنها ورضاها هو تحسره على الماضي وسخطه على الحاضر، وخوفه من المستقبل.
إن بعض الناس تنِزل به النازلة من مصائب الدهر، فيظل فيها شهوراً وأعواماً، يجتر آلامها ويستعيد ذكرياتها القاتمة، متحسراً تارة، متمنياً أخرى. شعاره: ليتني فعلت، وليتني تركت، لو أنى فعلت كذا لكان كذا، وقديماً قال الشاعر:

ليت شعري، وأين مني "ليت"؟

إن "ليتا" وان "لوا" .. عناء

ولذا ينصح الأطباء النفسيون، والمرشدون الاجتماعيون، ورجال التربية، ورجال العمل، أن ينسى الإنسان آلام أمسه، ويعيش في واقع يومه، فإن الماضي بعد أن ولى لا يعود.

ما مضى فات، والمؤمل غيب

ولك الساعة التي أنت فيها

وقد صور هذا أحد المحاضرين بإحدى الجامعات بأمريكا تصويراً بديعاً لطلبته حين سألهم: كم منكم مارس نشر الخشب؟ فرفع كثير من الطلبة أصابعهم، فعاد يسألهم: وكم منكم مارس نشر نشارة الخشب؟ فلم يرفع أحد منهم إصبعه، وعندئذ قال المحاضر: بالطبع لا يمكن لأحد أن ينشر نشارة الخشب، فهي منشورة فعلاً .. وكذاك الحال مع الماضي: فعندما ينتابكم القلق لأمور حدثت في الماضي، فاعلموا أنكم تمارسون نشر النشارة!!.

وقد نقل هذا التصوير «ديل كارنيجي» كما نقل قول بعضهم: لقد وجدت أن القلق على الماضي لا يجدي شيئاً تماماً كما لا يجديك أن تطحن الطحين، ولا أن تنشر النشارة، وكل ما يجديك إياه القلق هو أن يرسم التجاعيد على وجهك، أو تصيبك بقرحة في المعدة (دع القلق ص: 173).
ولكن الضعف الإنساني يغلب على الكثيرين، فيجعلهم يطحنون المطحون ويبكون على أمس الذاهب، ويعضون على أيديهم أسفاً على ما فات، ويقلبون أكفهم حسرة على ما مضى.

وأبعد الناس عن الاستسلام لمثل هذه المشاعر الأليمة، والأفكار الداجية هو المؤمن الذي قوي يقينه بربه، وآمن بقضائه وقدره، فلا يسلم نفسه فريسة للماضي وأحداثه، بل يعتقد أنه أمر قضاه الله كان لابد أن ينفذ، وما أصابه من قضاء الله لا يقابل بغير الرضى والتسليم، ثم يقول ما قال الشاعر:

سبقت مقادير الإله وحكمه

فأرح فؤادك من "لعل" ومن "لو"

وقول الآخر:

ولست براجع ما فات مني

بلهف ولا بليت ولا لو أني

إنه لا يقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن يقول: قدر الله وما شاء فعل، فإن "لو" تفتح عمل الشيطان (رواه مسلم) كما علمه الرسول صلى الله عليه وسلم.

إنه يوقن أن قدر الله نافذ لا محالة، فلم السخط؟ ولم الضيق والتبرم؟ والله تعالى يقول: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على الله يسير * لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم، والله لا يحب كل مختال فخور) (الحديد: 22، 23).

وفي غزوة أحد التي قتل فيها سبعون من المسلمين، نعى القرآن على طائفة من المنافقين ومرضى القلوب، وضعاف الإيمان، عاشوا بين "لو" المتندمة و"ليت" المتحسرة، فيقول: (وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، يقولون: هل لنا من الأمر من شيء؟ قل إن الأمر كله لله، يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك، يقولون: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا، قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم) (آل عمران: 154).

ويرد على أولئك الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا: (لو أطاعونا ما قتلوا، قل فادرأوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين) (آل عمران: 168).
المؤمن لا يقف موقف هؤلاء المنافقين، ولا موقف إخوانهم من الكفار الذين نهى القرآن عن التشبه بهم في تحسراتهم الأسيفة، وتمنياتهم الحزينة (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم، والله يحيي ويميت، والله بما تعملون بصير * ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة، خير مما يجمعون * ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون) (آل عمران: 156 - 158).

إن شعار المؤمن دائماً: "قدر الله وما شاء فعل .. الحمد لله على كل حال" وبهذا لا يأسى على ما فات، ولا يحيا في خضم أليم من الذكريات، وحسبه أن يتلوا قوله تعالى: (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله، ومن يؤمن بالله يهد قلبه، والله بكل شيء عليم) (التغابن: 11) وهذا يسبغ عليه أيضاً نعمة الرضا الذي سنتحدث عنه فيما يلي.

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error