الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: الإيمان والحياة
المؤلف: يوسف القرضاوي
التصنيف: أسرة
 

الباب الثالث : الإيمان في حياة المجتمع

الفصل السادس - الإيمان والإصلاح

ضرورة التغير النفسي لكل حركة ونهضة ناجحة وصعوبته

(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (الرعد: 11).

إن إصلاح الجماعات والشعوب لا يجيء جزافاً ولا يتحقق عفواً.

إن الأمم لا تنهض من كبوة، ولا تقوى من ضعف، ولا ترتقي من هبوط، إلا بعد تربية أصيلة حقة، وإن شئت فقل: بعد تغيير نفسي عميق الجذور، يحول الهمود فيها إلى حركة، والغفوة إلى صحوة، والركود إلى يقظة، والفتور إلى عزيمة، والعقم إلى إنتاج، والموت إلى حياة. تغيير في عالم الناس أشبه ما يكون «بثورة أو انقلاب» في عالم المادة، تغيير يحول الوجهة والأخلاق، والميول والعادات. تغيير نفسي لابد أن يصاحب كل حركة أو نهضة أو ثورة سياسية أو اجتماعية - ومن غيره تكون النهضة أو الثورة حبراً على ورق، أو كلاماً أجوف يتبدد في الهواء.

سنة قائمة من سنن الله تعالى في الكون، قررها القرآن الكريم في عبارة وجيزة بليغة: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).
ولكن هذا التغيير أمر ليس بالهين اليسير، إنه عبء ثقيل تنوء به الكواهل، فإن الإنسان مخلوق مركب معقد، ومن أصعب الصعب تغيير نفسه أو قلبه، أو فكره.

إن التحكم في مياه نهر كبير، أو تحويل مجراه، أو حفر الأرض، أو نسف الصخور، أو أي تغيير في معالم الكون المادي أسهل بكثير من تغيير النفوس، وتقليب القلوب والأفكار.

إن بناء المصانع والمدارس والسدود والمنشآت سهل ومقدور عليه، ولكن الأمر الشاق حقاً هو بناء الإنسان .. والإنسان القادر على نفسه، المتحكم في شهواته، الذي يعطي الحياة كما يأخذ منها، ويؤدي واجبه كما يطلب حقه، الإنسان الذي يعرف الحق ويؤمن به ويدافع عنه، ويعرف الخير ويحبه للناس كما يحبه لنفسه، ويتحمل تبعته في إصلاح الفساد. والدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتضحية النفس والمال في سبيل الحق.

إن صنع هذا الإنسان أمر عسير غير يسير.

ولكن الإيمان وحده هو صانع العجائب، الإيمان هو الذي يهيئ النفوس لتقبل المبادئ الخيرة مهما يكمن وراءها من تكاليف وواجبات، وتضحيات ومشقات، وهو العنصر الوحيد الذي يغير النفوس تغييراً تاماً، وينشئها خلقاً آخر. ويصبها في قالب جديد، فيغير أهدافها وطرائقها، ووجهتها وسلوكها وأذواقها ومقاييسها، ولو عرفت شخصاً واحداً في عهدين -عهد الكفر وعهد الإيمان- لرأيت الثاني شخصاً غير الأول تماماً، لا يصل بينهما إلا الاسم، أو النسب أو الشكل.

والإيمان كذلك لا يعترف بالمراحل والأعمار التي وضعها علماء النفس والتربية، واشترطوها لنجاح المجهود التربوي.

إنهم يقررون أن هناك سناً معينة هي سن القبول لتكوين العادات، واكتساب الصفات، وتهذيب الطباع والأخلاق، تلك هي سن الطفولة، فإذا كبر المرء أو المرأة على صفات خاصة فهيهات أن يحدث فيها تغيير يذكر، فمن شب على شيء شاب عليه، ومن شاب على شيء مات عليه.

وينفع الأدب الأحداث في صغر

وليس ينفع عند الشيبة الأدب

إن الغصون إذا قومتها اعتدلت

ولن تلين إذا قومتها الخشِب

ولكن هناك شيئاً واحداً تخطى قواعد التربويين والنفسيين. ذلك هو الإيمان، هو الدين، فالإيمان إذا سكن في قلب، وتغلغل في أعماقه، حول اتجاهه، وغير نظرته للكون والحياة، وأحكامه على الأشياء والأعمال، وعدل سلوكه مع الله والناس، ولم يقف في سبيل ذلك فتوة الشباب، ولا كهولة الكهول، ولا هرم الشيوخ.

سحرة فرعون حين آمنوا

هل أتاك حديث سحرة فرعون، الذي قص القرآن علينا قصتهم؟ .. اقرأ هذه الآيات من سورة الشعراء: (فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين * ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين * قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم * يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون * قالوا أرجه وأخاه وأبعث في المدائن حاشرين * يأتوك بكل سحار عليم * فجمع السحرة لميقات يوم معلوم * وقيل للناس هل أنتم مجتمعون * لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين * فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين * قال نعم وإنكم إذن لمن المقربين * قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون * فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون * فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون * فألقي السحرة ساجدين * قالوا آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون * قال آمنتم له قبل أن آذن لكم * أنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون، لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين * قالوا لا ضير، إنا إلى ربنا منقلبون * إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين) (الشعراء: 32 - 51).

وفي سورة طه يحكي الله تهديد فرعون لهم: (فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذاباً وأبقى قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، والذي فطرنا، فاقض ما أنت قاض، إنما تقضي هذه الحياة الدنيا * إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر، والله خير وأبقى) (طه: 71 - 73).

كيف تغيرت شخصياتهم؟ كيف انقلبت موازينهم؟

كانت هممهم مشدودة إلى المال (أئن لنا لأجراً) وكانت آمالهم منوطة بفرعون (بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون).

هذا منطقهم قبل أن يؤمنوا … فلما ذاقوا حلاوة الإيمان كان جوابهم على التهديد والوعيد في بساطة ويقين: (لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات).
بعد أن كان همهم الدنيا صار همهم الآخرة (ليغفر لنا خطايانا) وبعد أن كانوا يحلفون بعزه فرعون صاروا يقولون (والذي فطرنا).
تغير الاتجاه … تغير المنطق … تغير السلوك … تغيرت الألفاظ … أصبح القوم غير القوم … وما ذلك إلا من صنع الإيمان.

تأثير الإسلام في نفسية العرب

وفي القصة القصيرة التي رواها الإمام مسلم في صحيحة برهان مبين على مبلغ أثر الإيمان، ذلك أن رجلاً كان ضيفاً على النبي صلى الله عليه وسلم فأمر له بشاة فحلبت، فشرب حلابها، ثم أمر له بثانية فشرب حلابها ثم بثالثة فرابعة ... حتى شرب حلاب سبع شياه، وبات الرجل، وتفتح قلبه للإسلام، فأصبح مسلماً، معلناً إيمانه بالله ورسوله، وأمر الرسول له في الصباح بشاة فشرب حلابها ثم أخرى لم يستتمه، وهنا قال الرسول صلى الله عليه وسلم كلمته المأثورة: "إن المؤمن ليشرب في معي واحد والكافر ليشرب في سبعة أمعاء".

فيما بين يوم وليلة استحال الرجل من شره ممعن في الشبع، حريص على ملء بطنه، إلى رجل قاصد عفيف قنوع، ماذا تغير فيه؟.. تغير فيه قلبه، كان كافراً فأصبح مؤمناً، وهل هناك أسرع أثراً من الإيمان؟

إن الإيمان الجديد أشعر الرجل بغاية ورسالة، وفروض وواجبات، ونفذ ذلك إلى أعماقه نفوذاً جعله ينسى هم أمعائه، ويعرض عن الإمعان في الطعام والشراب، وليست هذه حادثة فردية، أو واقعة شاذة، فهل يمكن أن ننكر أو ننسى ما فعله الإيمان بأمة العرب جميعاً؟
لقد حار المؤرخون من الغربيين والمستغربين، في فهم السر العجيب الذي حول هذا الأمة من رعاة غنم إلى رعاة أمم، ومن قبائل بداوة إلى أمة حضارة، وهيأ لها سبيل النصر على كسرى وقيصر، وفتح لها باب السيادة على معظم الدنيا القديمة في عشرات من السنين لا عشرات من القرون.

ولكن العارفين لا يدهشون ولا يحارون، فالسر معروف، والسبب معلوم. إن مرده هو «إكسير» الإيمان الذي صبه محمد عليه السلام في نفوس أصحابه، فنقلهم من حال إلى حال، من وثنية إلى توحيد، ومن جاهلية إلى إسلام.

عمر والخنساء بين الجاهلية والإسلام

وحسبنا مثلاً على هذا التحول الخطير رجل وامرأة عرف أمرهما في الجاهلية وعرف أمرهما في الإسلام.

الرجل هو "عمر بن الخطاب" الذي رووا أنه بلغ في جاهليته من انحراف العقل، أن عبد إلهاً من الحلوى ثم جاع يوماً فأكله، ومن انحراف العاطفة، أن وأد بنتاً له صغيرة كانت تمسح الغبار عن لحيته وهو يحفر لها مكانها في التراب.

عمر هذا ينتقل من الجاهلية إلى الإسلام، فيتحرر عقله حتى يقطع شجرة الرضوان التي بايع النبي أصحابه يوم الحديبية تحتها خشية أن يطول الزمن بالناس فيقدسوها، ويقف أمام الحجر الأسود بالكعبة فيقول: أيها الحجر، إني أقبلك وأنا أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنى رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك.

وعمر هذا ... يبلغ من سمو عاطفته، ورقة قلبه، وخشيته لله، ما ملأ صفحات التاريخ بآيات الرحمة الشاملة للمسلم وغير المسلم، بل للإنسان والحيوان، حتى قال: لو عثرت بغلة بشط الفرات لرأيتني مسئولاً عنها أمام الله ... لöمَ لَمْ أسوّö لها الطريق؟

هذا هو الرجل.

أما المرأة فهي الخنساء .. المرأة التي فقدت في جاهليتها أخاها لأبيها «صخراً» فملأت الآفاق عليه بكاءً وعويلاً، وشöعراً حزيناً، ترك الزمن لنا منه ديواناً كان الأول من نوعه في شعر المراثي والدموع:

يذكرني طلوع الشمس صخراً

وأذكره بكل غروب شمس

ولولا كثرة الباكين حِولي

على إخوانهم لقتلت نفسي

ولكننا بعد إسلامها نراها امرأة أخرى ... نراها أماً تقدم فلذات أكبادها إلى الميدان، أي إلى الموت، راضية مطمئنة، بل محرضة دافعة...
روى المؤرخون أنها شهدت حرب القادسية بين المسلمين والفرس تحت راية القائد «سعد بن أبي وقاص»، وكان معها بنوها الأربعة، فجلست إليهم في ليلة من الليالي الحاسمة، تعظهم وتحثهم على القتال والثبات، وكان من قولها لهم: "أي بني، إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، والذي لا إله إلا هو إنكم لبنو رجل واحد كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم، ولا فضحت خالكم، ولا هجّنت حسبكم، ولا غيرت نسبكم، وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، والله تعالى يقول: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) (آل عمران: 200)، فإذا أصبحتم غداً إن شاء الله سالمن فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائكم مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها فتيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها، تظفروا بالغنم في دار الخلد...".

فلما أصبحوا باشروا القتال بقلوب فتية، وأنوف حمية، إذا فتر أحدهم ذكَّره اخوته وصية الأم العجوز، فزأر كالليث، وانطلق كالسهم، وانقض كالصاعقة، ونزل كقضاء الله على أعداء الله، وظلوا كذلك حتى استشهدوا واحداً بعد واحد.

وبلغ الأم نعي الأربعة الأبطال في يوم واحد، لم تلطم خداً، ولم تشق جيباً، ولكنها استقبلت النبأ بإيمان الصابرين، وصبر المؤمنين، وقالت: "الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته".

ما الذي غير عمر القديم وصنع عمر الجديد؟

وما الذي غير خنساء النواح والبكاء إلى خنساء التضحية والفداء؟

إنه صانع المعجزات ... إنه الإيمان!!

المفتاح الفذ لأقفال الحياة

إن الرجوع إلى الإيمان بالله والآخرة هو الأمل الوحيد في خلاص الإنسان مما يعانيه اليوم من مشكلات تهدد الإنسان بالدمار، دمار خصائصه الذاتية، ومقوماته المعنوية، التي كان بها إنساناً، واستحق بها السيادة في الكون والخلافة في الأرض.

إن الإيمان الحق -كما جاء به الإسلام- هو الحل الفذ لعقد الحياة المعاصرة التي استعصت على العلم وعلى الفلسفة، وحار فيها المفكرون والمشرعون وطلاب الإصلاح.

ويطيب لي أن أنقل هنا كلمة مضيئة للداعية الإسلامي الكبير أبي الحسن الندوي، بين فيها كيف طلعت شمس الرسالة المحمدية على العالم فأفاضت عليه نوراً جديداً، وحياة جديدة.

وكيف فتح النبي محمد صلى الله عليه وسلم أقفال الحياة الكثيرة المتعددة بمفتاح الإيمان العجيب، قال الأستاذ في حديث شاعري بينه وبين نفسه عند غار حراء في مكة المكرمة:

"لقد كانت الحياة كلها أقفالاً معقدة، وأبواباً مقفلة، كان العقل مقفلاً أعيا فتحه الحكماء والفلاسفة، كان الضمير مقفلاً أعيا فتحه الوعاظ والمرشدين، كانت القلوب مقفلة أعيا فتحها الحوادث والآيات، كانت المواهب مقفلة أعيا فتحها التعليم والتربية والمجتمع والبينة، كانت المدرسة مقفلة أعيا فتحها العلماء والمعلمين، كانت المحكمة مقفلة أعيا فتحها المتظلمين والمتحاكمين، كانت الأسرة مقفلة أعيا فتحها المصلحين والمفكرين، كان قصر الإمارة مقفلاً أعيا فتحه الشعب المظلوم والفلاح المجهود والعامل المنهوك، وكانت كنوز الأغنياء والأمراء مقفلة أعيا فتحها جوع الفقراء وعري النساء وعويل الرضعاء، لقد حاول المصلحون الكبار والمتشرعون العظام فتح قفل من هذه الأقفال ففشلوا وأخفقوا، فإن القفل لا يفتح بغير مفتاحه وقد ضيعوا المفتاح من قرون كثيرة وجربوا مفاتيح من صناعتهم ومعادنهم فإذا هي لا توافق الأقفال وإذا هي لا تغني عنهم شيئاً، وحاول بعضهم كسر هذه الأقفال فجرحوا أيديهم وكسروا آلتهم.

ففي هذا المكان المتواضع، المنقطع عن العالم المتمدن، على جبل ليس بمخصب ولا بشامخ تم ما لم يتم في عواصم العالم الكبيرة ومدارسه الفخمة ومكتباته الضخمة. وهنا مَنَّ الله على العالم برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي رسالته عاد هذا المفتاح المفقود إلى الإنسانية، ذلك المفتاح هو (الإيمان بالله والرسول واليوم الآخر) ففتح به هذه الأقفال المعقدة قفلاً قفلاً، وفتح به هذه الأبواب المقفلة باباً باباً، وضع هذا المفتاح النبوي على العقل الملتوي فتفتح ونشط واستطاع أن ينتفع بآيات الله في الآفاق والأنفس، ويتوصل مع العالم إلى فاطره، ومن الكثرة إلى الوحدة، ويعرف شناعة الشرك والوثنية والخرافات والأوهام. وكان قبل ذلك محامياً مأجوراً يدافع عن كل قضية حقاً وباطلاً. وضع هذا المفتاح على الضمير الإنساني النائم فانتبه، وعلى الشعور الميت فانتعش، وعاش، وتحولت النفس الأمارة بالسوء مطمئنة لا تسيغ الباطل ولا تتحمل الإثم حتى يعترف الجاني أمام الرسول بجريمته ويلح على العقاب الأليم الشديد، وترجع المرأة المذبة إلى البادية حيث لا رقابة عليها ثم تحضر المدينة وتعرض نفسها للعقوبة التي هي أشد من القتل. ويحمل الجندي الفقير تاج كسرى ويخفيه في لباسه ليستر صلاحه وأمانته عن أعين الناس ويدفعه إلى الأمير لأنه مال الله الذي لا يجوز الخيانة فيه.

كانت القلوب مقفلة لا تعتبر ولا تزدجر ولا ترق ولا تلين فأصبحت خاشعة واعية تعتبر بالحوادث وتنتفع بالآيات، وترق للمظلوم وتحنو على الضعيف.
وضع هذا المفتاح على القوى المخنوقة والمواهب الضائعة فاشتعلت كاللهيب وتدفقت كالسيل، واتجهت الاتجاه الصحيح، فكان راعي الإبل راعي الأمم وخليفة يحكم العالم وأصبح فارس قبيلة وبلد، قاهر الدول وفاتح الشعوب العريقة في القوة والمجد. وضع المفتاح على المدرسة المقفلة وقد هجرها المعلمون وزهد فيها المتعلمون وسقطت قيمة العلم وهان المعلم، فذكر من شرف العلم وفضل العالم والمتعلم والمربي والمعلم، وقرن الدين بالعلم حتى كانت له دولة ونفاق، وأصبح كل مسجد وكل بيت من بيوت المسلمين مدرسة، وأصبح كل مسلم متعلماً لنفسه، معلماً لغيره، ووجد أكبر دافع إلى طلب العلم وهو الدين.

وضعه على المحكمة المقفلة فأصبح كل عالم قاضياً عادلاً وكل حاكم مسلم حكماً مقسطاً، وأصبح المسلمون قوامين لله شهداء بالقسط، ووجد الإيمان بالله وبيوم الدين فكثر العدل وقل الجدل، وفقدت شهادة الزور والحكم بالجور.

وضعه على الأسرة المقفلة وقد فشا فيها التطفيف بين الوالد وولده، والأخ واخوته، والرجل وزوجته، وتعدى من الأسرة إلى المجتمع فظهر بين السيد وخادمه والرئيس والمرؤوس والكبير والصغير، كل يريد أن يأخذ ما له ولا يدفع ما عليه، وأصبحوا مطففين إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون، فغرس في الأسرة الإيمان وحذرها من عقاب الله، وقرأ عليها قول الله (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيباً) (النساء: 1)، وقسم المسئولية على الأسرة والمجتمع كله فقال: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"، وهكذا أوجد أسرة عادلة متحابة مستقيمة ومجتمعاً عادلاً، وأوجد في أعضاءه شعوراً عميقاً بالأمانة وخوفاً شديداً من الآخرة حتى تورع الأمراء وولاة الأمور، وتقشفوا، وأصبح سيد القوم خادمهم، ووالي الأمة كولي اليتيم: إن استغنى استعف وإن افتقر أكل بالمعروف، وأقبل إلى الأغنياء والتجار فزهدهم في الدنيا ورغبهم في الآخرة وأضاف الأموال إلى الله فقرأ عليهم (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) (الحديد: 7)، (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) (النور: 33) وحذرهم من اكتناز وادخار الأموال وعدم الأنفاق في سبيل الله، فقرأ عليهم (والذين يكنِزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم * يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنِزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنِزون) (التوبة: 34، 35).

أبرز رسول الله صلى الله عليه وسلم برسالته ودعوته الفرد الصالح المؤمن بالله، الخائف من عقاب الله، الخاشع الأمين، المؤثر للآخرة على الدنيا، المستهين بالمادة المتغلب عليها بإيمانه وقوته الروحية، يؤمن بأن الدنيا خُلقت له وأنه خُلق للآخرة، فإذا كان هذا الفرد تاجراً فهو التاجر الصدوق الأمين، وإذا كان فقيراً فهو الرجل الشريف الكادح، وإذا كان عاملاً فهو العامل المجتهد الناصح، وإذا كان غنياً فهو الغني السخي المواسي، وإذا كان قاضياً فهو القاضي العادل الفهم، وإذا كان والياً فهو الوالي المخلص الأمين، وإذا كان سيداً رئيساً فهو الرئيس المتواضع الرحيم، وإذا كان خادماً أو أجيراً فهو الرجل القوى الأمين، وإذا كان أميناً للأموال العامة فهو الخازن الحفيظ العليم. وعلى هذه اللبنات قام المجتمع الإسلامي وتأسست الحكومة الإسلامية في بدورها، ولم يكن المجتمع والحكومة بطبيعة الحال إلا صورة مكبرة لأخلاق الأفراد ونفسيتهم، فكان المجتمع مجتمعاً صالحاً أميناً مؤثراً للآخرة على الدنيا متغلباً على المادة غير محكوم لها، انتقل إليه صدق التاجر وأمانته، وتعفف الفقير وكدحه، واجتهاد العامل ونصحه، وسخاوة الغني ومواساته، وعدل القاضي وحكمته، وإخلاص الوالي وأمانته، وتواضع الرئيس ورحمته، وقوة الخادم، وحراسة الخازن، وكانت هذه الحكومة حكومة راشدة ومؤثرة للمبادئ، على المنافع، والهداية على الجباية، وبتأثير هذا المجتمع وبنفوذ هذه الحكومة وجدت حياة عامة، كلها إيمان وعمل صالح، وصدق وإخلاص، وجد واجتهاد، وعدل في الأخذ والعطاء، وإنصاف النفس مع الغير.

وقد ذهلت في حديثي لنفسي، وتمثلت إلى الجماعات الإسلامية الأولى بحملها وتفاصيلها كأني أشاهدها وأتنفس في جوها وانقطعت الصلة بيني وبين العالم المعاصر.

وحانت مني التفاتة إلى هذا العصر الذي نعيش فيه فقلت: إني لأرى أقفالاً جديدة على أبواب الحياة الإنسانية وقد قطعت الحياة مراحل طويلة وخطت خطوات واسعة وتعقدت الحياة والتوت وتطورت المسائل وتنوعت، وتساءلت: هل يمكن فتح هذه الأقفال الجديدة بذلك المفتاح العتيق؟ وأبيت أن أحكم بشيء، هل أختبر هذه الأقفال وأضع عليها المفتاح، ولمست هذه الأقفال بالبنان فإذا هي الأقفال القديمة بتلوين جديد، وإذا المشاكل نفس مشاكل العصر القديم، وإذا المشكلة الكبرى وأساس الأزمة هو الفرد الذي لا يزال لبنة المجتمع وأساس الحكومة، ووجدت أن هذا الفرد قد أصبح اليوم لا يؤمن إلا بالمادة والقوة، ولا يعنى إلا بذاته وشهواته وأنه يبالغ في تقدير هذه الحياة ويسرف في عبادة الذات وإرضاء الشهوات، وقد انقطعت الصلة بينه وبين ربه ورسالة الأنبياء وعقيدة الآخرة، فكان هذا الفرد هو مصدر شقاء هذه المدينة، فإذا كان تاجراً فهو التاجر المحتكر النهم الذي يحجب السلع أيام رخصها ويبرزها عند غلائها ويسبب المجاعات والأزمات، وإذا كان فقيراً فهو الفقير الثائر الذي يريد أن يتغلب على جهود الآخرين بغير تعب، وإذا كان عاملاً فهو العامل المطفف الذي يريد أن يأخذ ما له ولا يدفع ما عليه، وإذا كان غنياً فهو الغني الشحيح القاسي الذي لا رحمة فيه ولا عطف، وإذا كان والياً فهو الوالي الغاش الناهب للأموال، وإذا كان سيداً فهو الرجل المستبد المستأثر الذي لا ينظر إلا إلى فائدته وراحته، وإذا كان خادماً فهو الضعيف الخائن، وإذا كان خازناً فهو السارق المختلس للأموال، وإذا كان وزير دولة أو رئيس وزارة أو رئيس جمهورية فهو المادي المستأثر الذي لا يخدم إلا نفسه وحزبه ولا يعرف غيره. وإذا كان زعيماً أو قائداً فهو الوطني أو الجنسي الذييقدس وطنه ويعبد عنصره ويدوس كرامة البلاد الأخرى والشعوب الأخرى، وإذا كان مشرعاً فهو الذي يسن القوانين الجائرة والضرائب الفادحة، وإذا كان مخترعاً اخترع المدمرات والناسفات، وإذا كان مكتشفاً اكتشف الغازات المبيدة للشعوب، المخربة للبلاد، والقنبلة الذرية التي تهلك الحرث والنسل، وإذا كان فيه قوة التطبيق والتنفيذ لم ير بأساً بإلقاء القنابل على الأمم والبلاد.

وبهؤلاء الأفراد تكوَّن المجتمع وتأسست الحكومة، فكان فيه مجتمعاً مادياً، اجتمع فيه احتكار التاجر وثورة الفقير وتطفيف العامل وشح الغني وغش الوالي، واستبداد السيد وخيانة الخادم وسرقة الخازن ونفعية الوزراء ووطنية (يقصد الكاتب بالوطنية النِزعة الإقليمية التي تجعل كل ولائها لأرضها فحسب) الزعماء وإجحاف المشرع وإسراف المخترع والمكتشف وقسوة المنفذ، وبهذه النفسيات المادية تولدت أزمات عنيفة ومشاكل معقدة، تشكو منها الإنسانية بثها وحزنها، كالسوق السوداء وفشو الرشوة والغلاء الفاحش واختفاء الأشياء والتضخم النقدي، وأصبح المفكرون والمشرعون لا يجدون حلاً لهذه المشاكل، وأصبحوا إذا خرجوا من أزمة واجهوا أزمة أخرى، بل إن حلولهم القاهرة ومعالجتهم المؤقتة هي التي تسبب أزمات جديدة، وتنقلوا من حكومة شخصية إلى ديمقراطية إلى دكتاتورية ثم إلى ديمقراطية، ومن نظام رأسمالي إلى نظام اشتراكي إلى شيوعي، وإذا الوضع لا يتغير لأن الفرد الذي هو الأساس لا يتغير، ويجهلون، أو يتجاهلون، في كل ذلك، أن الفرد هو الفاسد المعوج، ولو عرفوا أن الفرد هو الأساس وأنه فاسد معوج لما استطاعوا إصلاحه وتقويمه لأنهم على كثرة مؤسساتهم العلمية ودور التعليم والتربية والنشر، لا يملكون ما يصلحون به النفوذ، ويقومون اعوجاجه، ويحولون اتجاهه من الشر إلى الخير، ومن الهدم إلى البناء، لأنهم أفلسوا في الروح، وتخلوا عن الإيمان، وفقدوا كل ما يغذي القلب ويغرس الإيمان، ويعيد الصلة بين العبد وربه، وبين هذه الحياة والحياة الأخرى، وبين المادة والروح، وبين العلم والأخلاق، وفي الأخير أدى بهم إفلاسهم الروحي وماديتهم العمياء واستكبارهم إلى استعمال آخر ما عندهم من آلات التدمير التي تبيد شعباً بأسره وتخرب قطراً بطوله، حتى استهدفت الحضارة والحياة البشرية -إذا تبادلت الدول المتحاربة استعمال هذه الآلات- للنهاية الأليمة." ا هِ

إننا لا ننكر أهمية المجتمع الصالح، بل ضرورته لتنشئة الفرد الصالح، ولكن المجتمع إن هو -في الواقع- إلا بناء لبناته الأفراد، فإذا لم تصلح اللبنات في نفسها لم يتصور أن يقوم عليها بنيان سليم.

لبنات المجتمع هي أنا وأنت وهو وهي، فإذا صلحت أنفسنا صلح المجتمع كله، ومفتاح هذا الصلاح النفسي والخلقي شيء واحد هو الإيمان.

دعوى الاستغناء بالعلم المادي

خيل لبعض الناس في وقت من الأوقات - ولا يزال يخيل لبعضهم إلى اليوم _ أن الإنسان يمكنه أن يستغني عن الدين، وأن يعيش «متحرراً» من تكاليف الإيمان، وخاصة في هذا العصر، عصر العلم، الذي استطاع به الإنسان أن «يقهر» الطبيعة وينتصر عليها، ويسخّöرها لمنافعه، فيفجر الصخر، ويحول مسير النهر، ويغوص في أعماق البحر، ويحلق في أعالي الجو، حتى راو يزاحم الكواكب في فضائها، والأقمار في مداراتها، وبعد أن زاحم الحيتان والأسماك في قاع المحيطات ... وحتى قال بعضهم في غرور وصلف: إن الإنسان غداً سيصنع نفسه! .

المكاسب المزعومة من وراء الاكتفاء بالعلم

قالوا: فهو بواسطة هذا العلم يستطيع أن يكيّöف حياته، وينظم شئونه بعيداً عن الإيمان بالله، وبمعزل عن رسالاته، وهو يظن أنه بهذا يكسب عدة أشياء:

أولها: الصحة العقلية والنفسية. فإن عقائد الدين والإيمان بالغيب، تسبب للمثقف العصري قلقاً ذهنياً، ناتجاً عن إيمانه بشيء لا تقوم عليه الأدلة العلمية، ولا تشهد له التجارب الحسية.

ثانيها: الحرية الشخصية: فإن للإيمان بالله ورسالاته قيوداً والتزامات تحد من انطلاق الإنسان، وتقيد من حريته، وتضعه في قفص حديدي محكم، وفقاً لنظرية "الحلال والحرام" التي لا يخلو منها دين. وبهذه الحرية يستمتع الإنسان بطيبات الحياة كلها دون حجر ولا تدخل من سلطة كهنوتية.

ثالثها: العمل للحياة الدنيا وترقيتها: فإن الدين بما فيه من زهد وإقبال على الآخرة، يدير ظهره للدنيا، ويحقر من شأنها، ويتهم العاملين لها بأنهم معرضون عن الله وعن الحياة الباقية. فالدنيا والآخرة عنده ضرتان إذا أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى.

نقض هذه الدعوى

وهذا الزعم الذي نفقت سوقه في الغرب زمنا، ثم صدَّره إلينا عملاؤه -الهواة والمحترفون- من بعد، ليس له أساس من منطق سليم، ولا من علم صحيح، ولا من واقع مجرب. وسنتناول في الصفحات التالية نقض هذه الدعوى، وإبطال هذا الزعم، مستندين إلى المنطق والعلم والواقع، كفى بها أدلة لقوم يعقلون.

مجال العلم غير مجال الإيمان

أولاً: إن للعلم اختصاصاً لا يتعداه، ومجالاً لا يتجاوزه، ذلك هو مجال الماديات والمحسوسات التي تدخلها الملاحظة والتجربة، وهي وحدها التي يمكن التحكم فيها، وإجراء التجارب عليها، واستخلاص النتائج منها، ففي هذه الحدود وما ماثلها يعمل العلم، أما ما عدا ذلك مما وراء الحس، وما وراء المادة، فليس من وظيفة العلم، ولا من اختصاصه، إنما هو وظيفة الفلسفة أو الوحي، فإذا وجد من رجال العلم من يقول: إنني لم أجد دليلاً علمياً على وجود الله أو صدق الرسل أو وجود الملائكة مثلاً، قلنا له: لقد عدوت قدرك، وخنت علمك، حيث ورطته فيما ليس من شأنه، وهل وجدت في مختبرك أن الله غير موجود!

إن العلم منهج صحيح لمعرفة المادة، ولكنه ليس منهجاً صحيحاً لمعرفة ما وراء المادة. إنه يستطيع أن يعرف كيف تسير الأشياء، ولكنه لا يعرف شيئاً عن مسيرها، ولا لماذا سيرها؟

إن العلماء -كما قال صاحب فيض الخاطر- قد اتجهوا بمنهجهم العلمي اتجاهاً صحيحاً نحو «عجلة» العالم يفحصونها ويجربونها ويمتحنونها، ولكنهم لم يتجهوا نحو «محرك» العجلة، وليس في مقدور علمهم وحده -وهو مبني على الحس والتربة- أن يضع أيديهم على محرك العجلة، لأنه لا يرى ولا يدرك بالحس، ولا يدخل المعمل، ولا يجرى في أنابيب الاختبار.

لقد تقدم العلم وتقدم، واعتز بنفسه وملأه الغرور، ومع هذا كله لم يستطع أن يفسر إلا السطح وإلا المظاهر، ما العلة الأولى للخلق؟ من الذي بعث الحياة في الخلية الأولى للعالم؟ كيف تفسر ملايين الحقائق في عجائب الطبيعة؟ وفي عجائب أنفسنا؟

إن أقصى ما يصبو إليه العلم أن يعرف نصف الحقائق، وهو الظاهر والإجابة عن «كيف». أما النصف الآخر، وهو أقوم النصفين، وهو باطن الحقائق والإجابة عن «ما هي» لا كيف هي، فعاجز كل العجز عنه لا يستطيع أن ينبس فيه بحرف.

إن من يؤمن بالعلم وحده، وينكر ما وراءه، ومن يؤمن بالقوانين العلمية، وينكر ما عداها، لا يؤبه بقوله حتى يقول: إني أستطيع أن أفسر العالم من ألفه إلى يائه، فإما أن يفسر الآلة، ولا يفسر محركها، ويفسر تطور الحياة وتدرجها، ولا يفسر كيف وجدت لأول عهدها بالوجود فضرب من السخف، أو هو -على أحسن تفسير- كقول الطفل: لا اعلم، لأنه يريد أن يتعلم.

إن إنكار العلة الأولى للعالم، وعقل العالم الذي يدبره. يلقي على عاتقنا عبئاً لا نستطيع حمله.

"إن العالم في حقيقة أمره يزيد عجائبنا ولا يحلها، هذا الفلكي بعلمه ودقته وحسابه ورصده وآلته، ماذا صنع؟ أبان بأن ملايين النجوم في السماء بالقوة المركزية بقيت في أماكنها أو أتمت دورتها، كما أن قوة الجاذبية في العالم حفظت توازنها، ومنعت تصادمها، ثم استطاعوا أن يزنوا الشمس والنجوم ويبينوا حجمها وسرعتها وبعدها عن الأرض، فزادونا عجباً، ولكن ما الجاذبية؟ وكيف وجدت؟ وما القوة المركزية وكيف نشأت؟ وهذا النظام الدقيق العجيب كيف وجد؟ أسئلة تخلى عنها الفلكي لما عجز عن حلها. وأبان الجيولوجي لنا من قراءة الصخور، كم من ملايين السنين قضتها الأرض حتى بردت؟ وكم آلاف من السنين مرت عليها في عصرها الجليدي، وكيف غمرت بالماء؟ وكيف ظهر السطح؟ وأسباب البراكين والزلازل. وكذلك فعل علماء الحياة في حياة الحيوان، وعلماء النفس في نفس الإنسان، ولكن هل شرحوا إلا الظاهر، وهل زادونا إلا عجباً؟ سلهم كلهم بعد السؤال العميق الذي يتطلبه العقل دائماً وهو: من مؤلف هذا الكتاب المملوء بالعجائب التي شرحتم بعضها وعجزتم عن أكثرها؟ أتأليف ولا مؤلف، ونظام ولا منظم، وإبداع ولا مبدع؟ من أنشأ في هذا العالم الحياة وجعلها تدب فيه؟ من أوجد عقله الذي يدبره؟

"إن النشوء والارتقاء لا يصلح تفسيراً للمبدع، وإنما يصلح تفسيراً لوحدة العالم ووحدة المصدر، وكلما تكشفت أسرار العالم، وتكشفت وحدته ووحدة تدرجه ووحدة نظامه وتدبيره، كان الإنسان أشد عجباً وأشد إمعاناً في السؤال وليس يقنعه بعد كشف العلم عن أسرار العالم وعجزه عن شرحها وتعليلها إلا أن يهتف من أعماق نفسه "إنه الله رب العالمين" (فيض الخاطر ج 4 ص 160، 161).

نتائج العلم تقريبية لا يقينية

ثانياً: إن نتائج العلم ليست -كما يظن بعض الناس- قطعية يقينية، مائة في المائة (100 %) وبصورة دائمة، فإن قابلية الشك والاحتمال قائمة في كثير من نتائج العلم، ذلك أن أساس العلم هو التجربة، والتجربة أساسها الحس، والحواس كثيراً ما تخدعº وهذا ما أقر به المحققون من العلماء.

يقول عالöم أمريكي معاصر هو الأستاذ «ماريت استانلي كونجدن» في مقال له "إن العلوم حقائق مختبرة، ولكنها مع ذلك تتأثر بخيال الإنسان وأوهامه، ومدى بعده عن الدقة في ملاحظاته وأوصافه واستنتاجاته .. ونتائج العلوم مقبولة داخل هذه الحدود، فهي بذلك مقصورة على الميادين الكمية في الوصف والتنبؤ .. وهي تبدأ بالاحتمالات، وتنتهي بالاحتمالات كذلك، وليس باليقين .. ونتائج العلوم بذلك تقريبية وعرضة للأخطاء المحتملة في القياس والمقارنات .. ونتائجها اجتهادية وقابلة للتعديل والإضافة والحذف وليست نهائية" (من كتاب "الله يتجلى في عصر العلم" مقال: "درس من شجيرة الورد").

وتاريخ العلم يبين لنا أن كثيراً من الآراء التي كانت في بعض العصور حقائق علمية، لا تقبل الجدل، ولا تحتمل الشك، دار عليها الفلك دورته، فإذا هي في عصور تالية أغاليظ وأباطيل لا يقوم عليها برهان ولا شبه برهان.

بل إن بعض العلوم الأساسية قد تغيرت أسسها، وتبدلت موازينها كما رأينا ذلك في قرننا العشرين.

يقول الكاتب التركي الأستاذ «بيامي صفا» في بحث له عن «المفهوم الجديد للإنسان» (عن مجلة "المسلمون" 820 - المجلد الثامن العدد الثامن ذو الحجة 1383 هِ - أيار (مايو) 1964م. ترجمة الأستاذ أورهان محمد علي):

"إن إنسان القرن العشرين يعيش في أزمة منذ أن بدأ يدرك خطأ هذا المعنى الذي أضفاه على نفسه، منذ نهاية القرون الوسطى، أي بدأ يدرك خطأ «تأليه» نفسه. وما حركات التجديد في العصر الحديث إلا بداية للنفور الموجه إلى هذا المعنى.

فقد عرف الإنسان عدم كفاية العلم الذي أراد أن يضعه مكان الدين، ومكان موازين القيم المعنوية، فلقد شهد العلم نفسه انهيار أساسين وقاعدتين من قواعده، هذين الأساسين اللذين كانا بمثابة البداهة حتى نهاية القرن الماضي. فكما قال «أورتاكاي كست» في اجتماع جنيف: بأن الفيزياء والمنطق اللذين هما أساسا العلم -العلم الذي قام عليه بناء المدنية الغربية- قد هدما نفسيهما، بنفسيهما: "إن فجاعة الدراما ربما لا تكون ظاهرة لكل عين، لأن عين غير الخبير لا تكشف في قطرة دم تحت الميكروسكوب علامات مرض قاتل. ولكن كل خبير يستطيع أن يقدر بأن الوضع الذي سقط فيه المنطق والفيزياء اليوم لهو أبلغ في الإشارة إلى الأزمة التي تعانيها مدينتنا من جميع فجائع السياسة والحرب، لأن هذين العلمين كانا بمثابة الصندوق الذي يخبئ فيه الغربيون فائضهم من الذهب، استعداداً لاستقبال الأيام المقبلة بأمن وطمأنينة".
وبعد أن شرح العالöم الشهير كيف غير الفيزياء أساسه، وكيف أن المنطق في ظرف خمسين سنة بواسطة أبحاث ودراسة «رسل» و «وايتهيد» و «هليبرت»، قد غير أساسه أيضاً، تابع كلامه: "إن مدنيتنا أصبحت تعلم الآن أن أسسها في حالة إفلاس، ولذلك نراها تشك في نفسها، ولكن ليس من الممكن أن تموت حالاً أية مدنية لمجرد هزة شك، وإنما على العكس فإنني أرى أن المدنيات لا تموت إلا من تصلب المعتقدات وتحجرها. وكل هذه تشير إلى أن شكل مدنيتنا أو بالأصح شكل المدنية التي يبجلها الغرب قد جف وانتهى".

الرسوخ في العلم يهدي إلى الإيمان

ثالثاً - إن العلم ليس خصماً للإيمان، ولا ضداً له، بل هو ميل يهدي إليه، وقد رأينا كثيراً من العلماء الراسخين المنصفين، هداهم علمهم إلى أن وراء هذا الكون قوة عليا تدبره وتنظمه، وترعى كل شيء فيه بميزان وحسب ومقدار، ذلك أن العالöم أقدر من غيره على استبانة ما في هذا الكون من ترابط وتناسق وإحكام، يتجلى في كل خلية من خلايا أحيائه، وفي كل ذرة من ذرات جماداته في خلق السموات والأرض، في اختلاف الليل والنهار، في الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، فيما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها، فيما بث الله في الأرض من الدواب والأحياء، في تصريف الرياح، في السحاب المسخّöر بين السماء والأرض.

ولا عجب أن قرأنا لكثير منن علماء الكون -في الطبيعة والفلك، والرياضيات، والأحياء وغيرها- شهادات ناصعة اعترفوا فيها بوجود الله، وصحة الدين، وهي شهادات تقطع ألسنة الذين يريدون أن يتخذوا من العلم سلاحاً يحاربون به الدين.

إن بعض الذين ينتسبون إلى «العلم» يعيشون بعقلية قرن مضى أو قرنين، ولا يتابعون التطور الهائل الذي حدث في ميدان العلم والفكر في هذا القرن، فهم أول من يستحق اسم «الرجعيين» لأنهم سجناء نظريات انقضى عصرها، وذهبت ريحها، وطرحت في زوايا النسيان. فليسمعوا ما يقول علماء هذا العصر.

يقول الأستاذ «هوشل»:

"كلما اتسع نطاق العلم زادت البراهين الدامغة القوية على وجود خالق أزلي، لا حد لقدرته ولا نهاية، فالجيولوجيون والرياضيون والفلكيون والطبيعيون قد تعاونوا على تشييد صرح العلم وهو صرح عظمة الله وحده".

وأفاض «هربرت سبنسر» في هذا المعنى في رسالته في «التربية» إذ يقول:

"العلم يناقض الخرافات، ولكنه لا يناقض الدين نفسه، يوجد في كثير من العلم الطبيعي الشائع روح الزندقة، ولكن العلم الصحيح الذي فات المعلومات السطحية، ورسب في أعماق الحقائق، براء من هذه الروح، العلم الطبيعي لا ينافي الدين، والتوجه إلى العلم الطبيعي عبادة صامتة، واعتراف صامت بنفاسة الأشياء التي نعانيها وندرسها، ثم بقدرة خالقها، فليس ذلك التوجه تسبيحاً شفهياً، بل هو تسبيح عملي، وليس باحترام مدعى، وإنما هو احترام أثمرته تضحية الوقت والتفكير والعمل، وهذا العلم لا يسلك طريق الاستبداد في تفهيم الإنسان استحالة إدراكه كنه السبب الأول وهو «الله»، ولكنه .. ينهج بنا النهج الأوضح في تفهيمنا الاستحالة بإبلاغنا جميع الحدود التي لا يستطاع اجتيازها، ثم يقف بنا في رفق وهوادة عند هذه النهاية، وهو بعد ذلك يرينا .. بكيفية لا تعادل .. صغر العقل الإنساني إزاء ذلك الذي يفوت العقل..".
ثم أخذ يضرب الأمثلة على ما ذهب إليه فقال:

"إن العالم الذي يرى قطرة الماء، فيعلم أنها تتركب من الأوكسجين والأيدروجين بنسبة خاصة بحيث لو اختلفت هذه النسبة لكانت شيئاً آخر غير الماء، يعتقد عظمة الخالق وقدرته وحكمته، وعلمه الواسع بأشد وأعظم وأقوى من غير العالم الطبيعي الذي لا يرى فيها إلا أنها قطرة ماء فحسب، وكذلك العالم الذي يرى قطعة البَرَد (قطعة الثلج الصغيرة النازلة مطراً) وما فيها من جمال الهندسة، ودقة التصميم، لا شك أنه يشعر بجمال الخالق ودقيق حكمته أكثر من ذلك الذي لا يعلم عنها إلا أنها مطر تجمد من شدة البرد.

وهذا هو الدكتور «دي نوي» الطبيب العالم الذي اشتغل بمباحث التشريح والعلم الطبيعي، يقول:

"كثير من الأذكياء وذوي النية الحسنة يتخيلون أنهم لا يستطيعون الإيمان بالله، لأنهم لا يستطيعون أن يدركوه، على أن الإنسان الأمين الذي تنطوي نفسه على الشوق العلمي لا يلزمه أن يتصور "الله" إلا كما يلزم العالم الطبيعي أن يتصور «الكهرب»، فإن التصور في كلتا الحالتين ناقص وباطل، وليس الكهرب قابلاً للتصور في كيانه المادي وأنه -مع هذا- لأثبت في آثاره من قطعة الخشب" ("عقائد المفكرين في القرن العشرين" للأستاذ العقاد).

وهذا العالم الطبيعي «سر آرثر طومسون» المؤلف الإسكتلندي الشهير يقول:

"إننا في زمن شقت فيه الأرض الصلبة، وفقد فيه الأثير كيانه المادي، فهو أقل الأزمنة صلاحاً للغو في التأويلات المادية" (المرجع السابق).
ويقول في مجموعة «العلم والدين»:

"ليس للعقل المتدين أن يأسف اليوم لأن العالم الطبيعي لا يخلص من الطبيعة إلى رب الطبيعة، إذ ليست هذه وجهته، وقد تكون النتيجة أكبر جداً من المقدمة إذا خرج العلماء بالاستنتاج من الطبيعة إلى ما فوق الطبيعة، إلا أننا خلقاء أن نغتبط لأن العلماء الطبيعيين قد يسروا للنِزعة الدينية أن تتنفس في جو العلم حيث لم يكن ذلك يسيراً في أيام آبائنا وأجدادنا. فإذا لم يكن على الطبيعيين أن يبحثوا عن الله -كما زعم مستر «لانجدون دافيز» خطأ في كتابه البديع عن الإنسان وعالمه- فنحن نقرر عن روية أن أعظم خدمة قام بها العلم، أنه قاد الإنسان إلى فكرة عن الله أنبل وأسمى، ولا نجاوز المعنى الحرفي حين نقول: إن العلم أنشأ للإنسان سماءً جديدة وأرضاً جديدة وحفزه من ثم إلى غاية جهده العقلي، فإذا به في كثير من الأحيان لا يجد السلام إلا حيث يتخطى مدى الفهم، وذلك في اليقين والاطمئنان إلى الله" ("عقائد المفكرين في القرن العشرين" للأستاذ العقاد).

وقد حفلت مكتبات العالم -بمختلف اللغات الحية- بكتب قيّöمة، ألَّفها "علماء" راسخون متبحرون، كلها تهدي إلى الله وتدعو إلى الإيمان به.
وحسبنا -مما كتب بالإنجليزية ونقل إلى العربية- كتابان حازا شهرة عالمية واسعة.

أحدهما: ألَّفه «أ. كريسي موريسون» رئيس أكاديمية العلوم في نيويورك، وعضو المجلس التنفيذي لمركز البحوث القومي في الولايات المتحدة وأحد أقطاب العلوم الكونية في عصرنا، وعنوان كتابه في الأصل «الإنسان لا يقوم وحده »، وقد كتبه رداً على «جوليان هكسلي» في كتابه الإلحادي «الإنسان يقوم وحده» يعني: من غير إله!

وقد ترجم الأستاذ محمود صالح الفلكي كتاب «أ. كريسي موريسون» إلى العربية بعنوان يدل على وجهة العلم في هذا القرن وهو «العلم يدعو للإيمان».

والثاني: كتاب اشترك في تأليفه ثلاثون عالماً من أشهر العلماء المتخصصين في أمريكا. كل واحد منهم كتب فيه مقالاً، بيَّن كيف اهتدى إلى وجود الله والإيمان به، عن طريق علمه واختصاصه، وذلك هو كتاب «الله يتجلى في عصر العلم»، وقد ترجمه إلى العربية الدكتور الدمرداش سرحان (أما اللغة العربية فقد كتبت فيها بحوث ومقالات وكتب شتى منها: (سنن الله في الكائنات) للدكتور محمد أحمد الغمراوي. و (مع الله في السماء) للدكتور أحمد زكي و (قصة الإيمان) للشيخ نديم الجسر. وما كتبه أخيراً الدكتور محمد جمال الدين الفندي والأستاذ عبد الرزاق نوفل، بالإضافة إلى كتابات المرحوم الشيخ طنطاوي جوهري في تفسيره (الجواهر) والمرحوم الدكتور عبد العزيز (باشا) إسماعيل وغيرهما).

هل وراء الإلحاد مكاسب حقيقية؟

أما المكاسب التي يزعم بعض الناس أو يتوهمون أن الإنسان قد حصل عليها -أو على الأقل يستطيع أن يحصل عليها- عن طريق الاكتفاء بالعلم، والانسلاخ من الإيمان، فالواقع أن هذه المكاسب إما وهم عريض وزعم مفترى، وإما خسائر حقيقية في صورة مكاسب عند بعض الناس. ولنناقش هذه المكاسب واحداً بعد الآخر.

دعوى الصحة النفسية والعقلية

أما ما يقال من أن الانخلاع من الدين أيؤدى إلى صحة النفس والعقل، فهو أمر يكذبه الواقع، وينفيه ما نشاهده في دنيا الحضارة الغربية الآلية المادية، التي أخذت زخرفها وازَّينت، وظن أهلها أنهم قادرون عليها، بما أوتوا من العلم التجريبي، والتقدم التكنيكي.
فهذا العالم الغربي «العلمي» الحديث، يعاني من أمراض النفس والعقل ما يسهد عليه ليله، ويكدر عليه نهاره.

وهذا أمر لاحظه وحذر منه الفلاسفة المفكرون، وشاهده وشهد به العلماء المجربون، وأحس به وعبر عنه الأدباء والفنانون، وانتبه إليه وسجله الكُتَّاب الصحفيون.

فمن الفلاسفة والمفكرين تقرأ شهادة الفيلسوف المؤرخ البريطاني المعاصر "توينبي" إذ يقول (نقل ذلك عنه المفكر المعاصر «كولن ولسون» في كتابه «سقوط الحضارة»):

لقد أغرت فنون الصناعة ضحاياها، وجعلتهم يسلمونها قياد أنفسهم ببيعها «المصابيح الجديدة» لهم مقابل «المصابيح القديمة»، لقد أغرتهم فباعوها أرواحهم وأخذوا بدلاً منها «السينما» و «الراديو»، وكانت نتيجة هذا الدمار الحضاري الذي سببته تلك «الصفقة الجديدة» إقفاراً روحياً، وصفه أفلاطون بأنه «مجتمع الخنازير»، ووصفه ألدوس هكسلي بأنه «عالم زاه جديد»!

ويأمل توينبي في نهاية البحث بأن خلاص الغرب لا يكون إلا بالانتقال من الاقتصاد إلى الدين، ولكنه لا يخبرنا كيف سيتم هذا الانتقال، وإنما يؤكد قائلاً: "إن الغربي يستطيع بواسطة الدين أن يتصرف تصرفاً روحياً يضمن سلامته بالقوة المادية التي ألقتها بين يديه ميكانيكية الصناعة الغربية".

فكأن توينبي يجيب بذا على سؤال «ايفان ستراود» كيف تستطيع روحية الإنسان أن تسيطر على ازدهاره المادي؟

ويقول الفيلسوف الشاعر المسلم الدكتور محمد إقبال:

"الرجل العصري بما له من فلسفات نقدية، وتخصص علمي، يجد نفسه في ورطة، فمذهبه الطبيعي قد جعل له سلطاناً على قوى الطبيعة لم يسبق إليه، لكنه قد سلبه إيمانه في مصيره هو.

الإنسان العصري، وقد أعشاه نشاطه العقلي، كف عن توجيه روحه إلى الحياة الروحانية الكاملة، أي إلى حياة روحية تتغلغل في أعماق النفس، وهو في حلبة الفكر في صراع صريح مع نفسه، وهو في مضمار الحياة الاقتصادية والسياسية في كفاح صريح مع غيره، وهو يجد نفسه غير قادر على كبح أثرته الجارفة وحبه للمال حباً طاغياً، يقتل كل ما فيه من نضال سام شيئاً فشيئاً، ولا يعود عليه منه إلا تعب الحياة، وقد استغرق في «الواقع» أي في مصدر الحس الظاهر للعيان، فأصبح مقطوع الصلات بأعماق وجوده، تلك الأعماق التي لم يسبق غورها بعد، وأخف الأضرار التي أعقبت فلسفته المادية، هي ذلك الشلل الذي اعترى نشاطه، والذي أدركه هكسلي (Hyxley) وأعلن سخطه عليه" ("تجديد الفكر الديني في الإسلام" للدكتور محمد إقبال ص 214).

ومن العلماء التجريبيين الذين قضوا جل أعمارهم في المعامل والاختبارات، الدكتور «الكسيس كاريل» أحد أقطاب العلم الحديث الذي يقول في كتابه «الإنسان ذلك المجهول» (ص 187، 188 من الترجمة العربية):

"من العجيب أن الأمراض العقلية أكثر عدداً من جميع الأمراض الأخرى مجتمعة: ولهذا فإن مستشفيات المجاذيب تعج بنِزلائها وتعجز عن استقبال جميع الذين يجب حجزهم" ويقول س. و. بيرس "إن شخصاً من كل 22 شخصاً من سكان نيويورك يجب إدخاله أحد مستشفيات الأمراض العقلية بين آن وآخر"!!

"وفي الولايات المتحدة تبدي المستشفيات عنايتها لعدد من ضعاف العقول يعادل أكثر من ثمانية أمثال المصدورين. ففي كل عام يدخل مصحات الأمراض العقلية وما يماثلها من المؤسسات، حوالي ستة وثمانين ألف حالة جديدة. فإذا استمر عدد المجانين في السير على هذا المعدل، فإن حوالي مليون من الأطفال والشبان الذين يذهبون الآن إلى المدارس والكليات سوف يدخلون إلى المصحات عاجلا أو آجلا!
"ففي عام 1922كان عدد المجانين المودعين بالمستشفيات الحكومية: 340,000 مجنون، كما كان عدد ضعاف العقول والمصروعين المحجوزين في المصحات الخاصة 81,580، وكان عدد مطلقي السراح بشرف كلمة الشرف من ضعاف العقول 10,930. ولا تشمل هذه الإحصاءات الحالات العقلية التي تعالج في المستشفيات الخاصة. وعلاوة على المجانين يوجد في البلاد كلها 500,000 من ضعاف العقول، ولقد كشف الفحص الذي تولته اللجنة الوطنية للصحة العقلية بعناية، عن أن 400,000 طفل على الأقل على مستوى منخفض من الذكاء، إلى درجة أنهم لا يستطيعون الاستمرار في المدارس العامة، والإفادة مما يتلقون من علم ... وحقيقة الأمر أن عدد الأفراد الذين انحطوا عقلياً أكثر من ذلك بكثير. ويقدر أن عدة مئات من الآلاف لم تشملهم الإحصاءات الرسمية مصابون باضطرابات نفسية (هذه الإحصاءات قد مضت عليها سنوات غير قليلة، وقد تضاعفت اكثر من مرة في هذه الفترة الأخيرة). وتدل هذه الأرقام على مدى استعداد الرجل المتحضر للعطب، وكيف أن مشكلة الصحة العقلية تعتبر من أهم المشاكل التي يواجهها المجتمع العصري. فإن أمراض العقل خطر داهم: إنها أكثر خطورة من السل والسرطان وأمراض القلب والكلى، بل والتيفوس والطاعون والكوليرا. فيجب أن يحسب للأمراض العقلية حسابها لا لأنها تزيد عدد المجرمين فحسب، بل لأنها ستضعف حتماً التفوق الذي تتمتع به الأجناس البيضاء (كذا). على أنه يجب أن يكون مفهوماً أنه لا يوجد ضعاف عقول ومجانين بين المجرمين بالكثرة التي يوجدون بها بين أفراد الشعب!!

صحيح أن عدداً كبيراً ممن يعانون من النقائص العقلية موجود في السجون. بيد أنه يجب ألا يغيب عن بالنا أن أكثر المجانين واسعي الثقافة، مازالوا مطلقي السراح!

"ولا شك أن كثرة عدد مرضى الأعصاب والنفوس دليل حاسم على النقص الخطر الذي تعاني منه المدنية العصرية وعلى أن عادات الحياة الجديدة لم تؤد مطلقاً إلى تحسين صحتنا العقلية".

وفي مجال الأدب والصحافة نكاد نقرأ كل يوم جديداً عن السخط والقلق والتوتر الذي يسود الحياة في الغرب، نتيجة للانحراف عن الإيمان بالله والآخرة والاستغراق في المطالب المادية وحدها.

وأكتفي هنا بنموذج مما نشرته صحيفة «الأخبار» القاهرية في يوم واحد:

في يوم 12/2/1960 في «أخبار الأدب» نشرت الصحيفة تحت هذا العنوان «الأفيون والقرف» الخبر التالي:

"البوليس في أمريكا اعتقل عشرات الأدباء والشعراء من «جمعية الأدباء الساخطين» ولم يكن السبب هو الاعتراض على آثارهم الفنية، بل على سلوكهم الاجتماعي، على تعاطيهم للأفيون، ودفاعهم عن هذه المخدرات بصورة عدائية، وعلى أثر اعتقالهم أصدر «ويليام روراك» من الأدباء الساخطين ما يلي: "إن الحياة طعمها مر، وإن الناس في تعب دائم، وإنه لا وسيلة للهرب من «القرف» إلا الاستسلام للأحلام السعيدة، وكسل لذيذ!".

هذا الجيل بلا حدود ولا قيود ولا أمل

وفي اليوم نفسه كتب أنيس منصور تحت هذا العنوان «هذا الجيل بلا حدود ولا قيود ولا أمل» يقول:

"هذه عبارة الكاتب الفرنسي «شارل موليه» في الجزء الثالث من كتابه عن «أدب القرن العشرين والمسيحية» في 500 صفحة، وهو في هذا الكتاب بأجزائه الثلاثة لا يدافع عن المسيحية ولا يهاجمها، ولكن يجعلها حائطاً كبيراً ترجع إليه الحضارة الغربية في محنتها الروحية، وهذا الكتاب هو أحسن الكتب وأشملها عن أدب القرن العشرين، فلم يظهر كتاب شامل عن أدب القرن العشرين إطلاقاً. وإنما كل الكتب التي صدرت هي دراسات خاصة مطولة عن كثير من هؤلاء الأدباء .. ولكن هذه الدراسات الموضوعية قد انفرد بها صابراً مجتهداً شارل موليه.
والمؤلف يعتمد على النصوص الأدبية ولا يطلق حكماً دون أن يكون في يديه وفي جيوبه حيثيات هذا الحكم. وهو لا يخلو للمداولة ويصدر أحكامه، وإنما يصدرها علنا في محكمة النقد الأدبي.

والجزء الثالث هذا قد تناول فيه الآثار العميقة لكل من مالرو، وكافكا، وفركور، وشولوخوف، ومولنيه، وبومبار، وفرانسواز ساجان، ولاديستاس ريمون. ومن رأي المؤلف أن الفيلسوف السياسي الموسيقار الطيار أندريه مالرو هو الذي وضع أصابعه على الخطر الذي ينتظر الإنسانية، فهو وحده الذي أدرك منذ أكثر من ربع قرن محنة الروح الأوروبية. ومالرو هو الذي نفث روح القلق والأسى في الأدب الفرنسي والأوروبي بعد ذلك.

والغريب في هذا الجزء الثالث ما قاله المؤلف عن الأديبة الفرنسية فرانسواز ساجان التي صدرت لها قصتان هما: «مرحبا أيها الحزن» .. و «ابتسامة ما» فهو يرى أن ساجان قد سجلت روح اليأس والمرارة واللامبالاة والتواكل، تلك الروح التي عبر عنها سارتر في أعقاب الحرب الأخيرة. والذي يتذكر ما قال سارتر في الأعداد الأولى من مجلة «العصور الحديثة» يجده يصرخ ويقول: "لقد انتهت الحرب في فرنسا الجائعة، لكن السلام لم يبدأ. إننا نعيش في محنة ما بين الحربين. لقد كذب هؤلاء الذين قالوا: إن السلام من طبيعة الأشياء وان الحرب مسألة عارضة .. فما هذا الذي نحن فيه؟ إنه الحرب والسلام معاً. إنها المحنة دائماً!!".

وهذا الذي قاله سارتر في قصصه وكتبة إنما هو تعميق للإحساس بالمأساة واليأس والمرارة، وقد عبر عنه الشاعر الألماني بروشرت الذي توفي سنة 1947، فقال في قصته «أمام الباب»: نحن جيل بلا رابط ولا عمق. عمقنا هو الهاوية، نحن جيل بلا دين ولا راحة، شمسنا ضيقة، حبنا وحشية، وشبابنا بلا شباب!!

إننا جيل بلا قيود ولا حدود ولا حماية من أحد.

وكان لابد أن تظهر هذه الصورة الشابة المعذبة في طلب الجامعات والمدارس وأعماق الأديرة. ومن هذه الأديرة، ومن الرهبانية القائمة، خرجت فرانسواز ساجان لتعلن في قصتيها: إنني لا أفكر، ولا أستطيع، ولا أطيق أن أبقى وحدي، ولا أريد لأحد أن يكون كذلك، وأريد أن أعيش مثل شيء جديد، ولو كان فيه عذاب، المهم أن يكون جديداً.

وكذلك فعلت سسيل بطلة قصة «مرحبا أيها الحزن». ولم تتردد «دومنيك» طالبة الحقوق وبطلة قصة «ابتسامة ما».

سسيل ودومنيك صورتان لأبناء هذا الجيل الذي يتحرك ويتألم ويروح ويجيء، ويحارب ويصرخ في الظلام، بلا حدود ولا قيود يؤمن بها، ولا أمل في أن يكون لديه أمل". وكفى بهذه الوثائق مستنداً.

الحرية الشخصية وآثارها

أما الحرية الشخصية التي يدعى أنصار الفكر المادي الملحد أنهم ربحوها من وراء «التحرر»من الدين، والإيمان بعقائده الغيبية، وأخلاقه القسرية، فالذي نريد أن نقوله: إن الحرية إذا كان معناها العب من الشهوات بلا حساب، والانطلاق وراء المتع الحسية بلا حياء، والتحلل من عرى الفضائل والأذواق والقيم العليا التي هي أغلى ما ورثته الإنسانية من تاريخها الطويل، فهذه الحرية ليست حينئذ كسباً يسعى إليه، ولا غنماً يحرص عليه، بل هي خسارة جسيمة على البشرية، وهزيمة منكرة للمعاني الإنسانية التي بها صار الإنسان إنساناً.

إن القيود التي يفرضها الدين على الإنسان، لا يريد بها عذابه ولا حرمانه، إنما يريد بها أن يرتفع به من الحيوانية الهابطة إلى الإنسانية الصاعدة، وبذلك ينتصر الجزء السماوي في الإنسان على الجزء الأرضي، ينتصر الروح الشفاف على الجسد الكثيف، ينتصر العقل والإرادة على الشهوة البهيمية أو السبعية.

إن هذا الانتصار على النفس -فضلا عما له من قيمة ذاتية وخلقية- ليمنح النفس لذة أعمق وأبقى من لذة الانطلاق وراء المتع الجسدية التي لا يدوم التلذذ بها أكثر من لحظات قصار، ثم ينطفئ أوارها فإذا هي رماد.

على أن للقيود التي يفرضها الدين على المرء معنى آخر لا تصلح الحياة الاجتماعية إلا به، ذلك أن الحياة لا تخلو من قيود توجبها ضرورة التشابك والزحام، وليس في الإمكان أن يعيش إنسان حراً طليقاً من كل قيد، إلا إذا تصورنا -جدلاً- أنه يعيش وحده في إقليم فسيح كبطل قصة «حي ابن يقظان».

إننا نجد السيارات مقيدة بالسير على الجانب الأيمن من الطريق، والتوقف عند كل إشارة حمراء، والدوران في مناطق معينة وفق تعليمات المرور، وليس هذا انتقاماً من السيارات وأصحابها، وإنما هي تنظيم اقتضاه منع الصدام بين السيارات بعضها البعض، وبين الركبان والمشاة، ولو تصورنا طريقاً خالياً من الناس دائماً، لأمكن أن يسير السائق فيه بسيارته أنى شاء وكيف شاء.

فتدخل الدين هنا في حرية الفرد، ووضع الإشارات الحمراء أمامه في بعض المواقف إنما هو تنظيم «لمرور» الإنسان، وسيره في طريق الحياة. إنما هو عمل على منع «الصدام» بينه وبين غيره من الناس، حماية له من الخطر أن يصيبه هو، أو يصيب غيره من جراء انطلاقه بلا قيود ولا حدود.

وكل مجتمع يخرج على هذه القيود، أو يهون من شأنها، فإنه يعرض نفسه للخطر، ويقرب نفسه من حافة الهاوية، وإن كان لا يدرك هذا إلا بعد تجربة وزمن، تتجلى فيه آثار التحلل وأخطاره بارزة للعيان.

ويكفينا أن نقرأ في الصحف هذه الأخبار:

(أ) أصدرت الجمعية البريطانية لمعالجة الشذوذ الجنسي تقريراً اليوم قالت فيه: إن مليون رجل في بريطانيا -وربما أكثر- مصابون بالشذوذ الجنسي.

(الأهرام القاهرية في 7/5/1965)

(ب) 72 مليون أمريكي يتناولون الخمور، منهم 20 مليوناً يكلفون الدولة بليوني دولار كل سنة، السبب تغيبهم عن العمل.

(الأهرام القاهرية في 3/5/1965)

(جِ) خرجت النساء السويديات في مظاهرة عامة، تشمل أنحاء السويد، احتجاجاً على إطلاق الحريات الجنسية في السويد، اشتركت في المظاهرات حوالي 100,000 (مائة ألف) امرأة

(أخبار اليوم القاهرية في 24/4/1965)

(د) الجريمة في الولايات المتحدة الأمريكية هي وصمة وسبة في الجبين. فسجلات الشرطة تزخر بحوادث النشل من المحلات التجارية أثناء التسوق، وخطف حقائب السيدات، وقاعات المحاكم «موحلة»، بجرائم الاغتصاب، والقتل والسفك.

والخلاصة أنه بأي مقياس ومن خلال أي زاوية، فالإحصاءات مرعبة وأثرها باد في الحياة الأمريكية على مختلف مستوياتها الاجتماعية. فكل ولد من بين ستة يساق إلى محاكم الأحداث لاقترافه جريمة أو جرائم!! سوى جرائم السير، وذلك قبل أن يبلغ الثامنة عشرة من عمره!!
وفي كثير من المناطق السكنية المأهولة العامرة يلزم أكثر من نصف السكان منازلهم بعد غروب الشمس خوفاً من تعرضهم لأي اعتداء أثناء تجوالهم أو مرورهم بسياراتهم..

والثلث ينخلع رعباً عندما يشاهد وجهاً غير مألوف في الحي!!

والخمس ملئ خوفاً واضطراباً حتى أنهم يفضلون النِزوح والهروب، ولكن لا يدرون أين يجدون الأمن.

وترتفع كل سنة وبشكل غير عادي، نسبة الحاملين لرخص نقل وحيازة الأسلحة النارية والبنادق في منازلهم وسياراتهم، وكلاب الحراسة الضخمة الشرسة أصبح وجودها في المنازل أمراً طبيعياً كوجود القطط والجراء المدللة!!

وفوق هذا كله يزداد الشعور بأن الحكومة، على جميع مستوياتها الولائية والفيدرالية، لا تقدر أو لا تريد أو لن تحمي المواطن العادي!! والحالة في أنصع صورها تبدو مستحيلة، ولكن الحقيقة مرعبة تماماً!!

هذا ما توصلت إليه لجنة الرئيس جونسون المشكلة لمحاربة الجريمة بعد 18شهراً من الدراسات المتتابعة والمقابلات المتعددة، وبعد زيارات لا نهاية لها للمحاكم والسجون ومراكز الشرطة. وببساطة ذكرت أن قصة الجريمة كاملة في الولايات المتحدة لا تقدر على وصفها أو أخبارها!! فالإحصاءات التي وضعتها إنما تعكس الجرائم الظاهرة، لأن الجرائم الناجحة بالتعريف هي غير ظاهرة ومغلفه بستار كثيف من السرية لا يقدر على حل رموزها وكشفها أحد!!.

ولكن الملاحظات الجانبية لتقرير اللجنة التي جاء في 300 صفحة، مخيفة للغاية، فالحالة سوداء قاتمة، حتى أنها تكاد تطيح ببناء المجتمع «الجونسوني» العظيم الذي يحلم الرئيس جونسون برؤيته!!

نسبة الجرائم تشطح رأسياً سنة بعد أخرى، ففي عام 1966سجلت اكثر من 3 ملايين سرقة كبيرة، أي أن واحداً من بين 70 مواطناً أمريكياً هو لص كبير!

ويبدو للمواطن العادي أن بداية الحل الوحيد يتطلب:

1.      محو جميع المدن الكبيرة لأنها تفقس سدس القتلة في الولايات المتحدة وثلث اللصوص والنشالين.

2.      حجز ومنع اختلاط المراهقين من الجنسين لأنهم هم أكبر مجموعة سائبة في المجتمع خلقياً وتصرفياً.

3.      تدمير جميع السيارات لأن معدل سرقة السيارات يتجاوز أكثر من نصف مليون سيارة سنوياً.

4.      إزالة الأعمال التجارية والمالية الكبيرة لأنه بعلم هذه المؤسسات أو بدون علمها تشجع الأعمال المالية الاحتيالية، وتقدم فرصاً مغرية للاستثمارات المالية العائدة لملوك الاختلاس والسرقة!!

(الشهاب اللبنانية (العدد 16 من السنة الأولى في 15/9/1967) من مجلة "تايم" الأمريكية في 24 آذار سنة 1967).

العمل والإنتاج للحياة

أما العمل والإنتاج للحياة، وترقية الجانب المادي منها، والسعي لتحقيق حياة طيبة للبشر في الأرض، والزعم بأن الإيمان بالله والآخرة يعوق ذلك أو يؤخره - فنحيل الرد عليه، إلى ما ذكرنا؟ من قبل عن «الإيمان والإنتاج».

علم النفس لا يغنى عن الإيمان

ولابد أن نعرض هنا لشبهة تحيك في بعض الصدور:

إن بعض الناس قد يخيل إليه أن علم النفس الحديث، بمكتشفاته وإمكاناته وعياداته النفسية، وكشفه عن دخائل النفس ومخبآتها بواسطة ما يسمى: «التحليل النفسي» يستطيع أن يعالج الأنفس المريضة وكل العقد المستعصية، ويقوم بالدور الذي كان يقوم به الدين في الماضي، بطريقة علمية مأمونة، مستمدة من واقع الأرض لا من غيبيات السماء! ولن أرد على هذه الدعوى بنفسي، ولن أدع ردها لأحد من علماء الدين ودعاته المتحمسين له، فربما يقال: أنها بضاعتهم، ومن شأن التاجر أن يروج لبضاعته.

ولكن أدع الرد لأقلام كتاب «مدنيين» ليسوا «مشايخ» ولا أحباراً ولا رهباناً، إنما هم قوم يستندون إلى الواقع، ويحكمون بمنطق التجربة، فلا عذر بعد ذلك للواقعين، ولا حجة للتجريبيين.

فلنستمع أولاً إلى الصحفي المصري المعروف محمد زكي عبد القادر، يناقش هذا الموضوع في إحدى «يومياته» بجريدة «الأخبار» القاهرية، فيقول:
"تلقيت هذا الخطاب: استمعت إلى محاضرتكم في كلية الزراعة بجامعة الإسكندرية عن « مشكلات الشباب الجامعي»، وقد ذكرتم أننا حتى الآن لا نعرف شيئاً محدداً عن النفس الإنسانية وأسرارها، وأن علم النفس ومدارسه والعيادات النفسية لم تزد روادها إلا تعقيداً، وأشرتم إلى أن العيادات النفسية كثرت في أمريكا كثرة غير عادية، وأنها مع ذلك لم تؤد إلى النتائج التي كان يرجوها من يلجأون إليها، بل إن الكثيرين خرجوا منها وقد ازدادت أمراضهم النفسية سوءاً.

إني أرى أنكم بذلك حطمتم علماً حيوياً ناجحاً إلى حد ما، فبفضله وفضل التحليل النفسي والعالم فرويد والتنويم المغناطيسي استطاع العلماء أن يصلوا إلى باطن الإنسان ومعرفة أمراضه وعقده وشفى الكثيرون".

هذا هو الخطاب الذي بعث به طالب بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية.

ويجيب الأستاذ عن هذا الخطاب فيقول:

"عرضت لهذا الموضوع، وأنا أتحدث عن نطاق الإيمان المستند إلى وجود قوة عليا مسيطرة، وقلت: إن الإيمان بالله ضرورة يدعو إليها العلم وليست الأديان وحدها. وقلت: إن العلم لم يستطع -ولن يستطيع- أن يحل المشكلات التي يعانيها الإنسان في هذه الدنيا، فهناك حوادث مفاجئة ومآس تقع دون أن تكون لها أسباب مفهومه، ونحن نسندها عادة إلى القدر وإرادة الله ... فلو لم نكن على درجة من الإيمان، ما استطعنا أن نتعزى عنها أو نحتملها .. الأم التي تفقد أولادها .. كارثة الطيران التي تودي بعائلة بأسرها أو تقتل الأب والأم وتترك الأطفال، أو تقتل الأطفال وتترك الأم والأب .. حوادث الغرق والانهيار والأعاصير والزلازل والبراكين .. غضب الطبيعة على أية صورة وقع هذا الغضب .. الأمراض التي لا شفاء لها .. المتاعب النفسية والعقلية والقلبية والجسدية التي يعجز الإنسان عن إيجاد وسيلة للبرء منها .. وعشرات المصابين في المستشفيات والبيوت ومئات المشوهين بالخلقة هنا وهناك .. وكل ما نراه حولنا من مآس يعجز العلم عن إيجاد حل لها، ويعجز الإنسان -بكل ما أوتى من براعة وقوة وسلطان- عن التخلص منها .. كل هذه المتاعب والآلام كيف يتحملها المصابون بها؟ وكيف يتحملها المحيطون بهم إن لم يستشعروا الإيمان بالله، ويتوجهوا له أن ينقذهم مما عجز الإنسان عن إنقاذهم منه؟ كيف يتحملونها إن لم يؤمنوا أن هناك قوى نجهل حكمتها؟ وأن هناك في الدنيا أشياء وتصرفات لا يمكن أن نعيها بما أوتينا من علوم ومقاييس؟ فلا وسيلة لنا أمامها إلا أن نسلّöم بوجودها، ونسلّöم في الوقت نفسه بقصورنا عن أدراك كنهها؟

وليس معنى ذاك أن ننكر العلم ومجاله، بل معناه أن نؤمن بالعلم في أوسع مجالاته، وأن نترك له الحرية يطرق ما يشاء، ويبحث عما يشاء، فإذا وفق فنحن مؤمنون بما بلغه، وإذا لم يوفق فنحن مؤمنون بالقوة العليا، إلى أن يتاح للعلم أن يحل ألغاز المشكلات التي تحيرنا.
إن العلم حتى الآن، بكل ماله من تاريخ ناصع، وانتصارات عظيمة رائعة مجيدة، لم يستطع أن يعرف: كيف تعمل أعضاء الإنسان كلها، وكيف تتصرف وتنشأ وتمرض وتموت؟؟ لقد وفق في علاج كثير من الأمراض، ولكن لم يوفق في علاج كثير آخر منها ... وفق في معرفة بعض وظائف الأعضاء، ولكنه لم يوفق في معرفة سائر الوظائف ... وفق في تشخيص بعض الأمراض، ولكنه عجز عن اقتحام اللغز الأكبر: هل عرف كيف وجد الإنسان؟ .. ولماذا وجد؟ وكيف يموت؟ … ولماذا يموت؟ وماذا بعد الموت؟ وماذا قبل الحياة؟!

كل هذه ميادين لا تزال بكراً، وعلى الرغم من كل الجهود التي بذلت، وعلى الرغم من كل الادعاءات المستندة إلى فهم والمستندة إلى تدجيل وسوء فهم … كل هذه الميادين لا تزال -وستظل إلى ما شاء الله- مجال الإيمان الذي لا يستطيع العلم أن يقتحم منطقته..
ولنأخذ نفس الإنسان، ذلك الجوهر الذي يسعده ويشقيه، يمرضه ويشفيه، يجعله مرحاً كأن الدنيا بين يديه، وفجأة تضيق وكأنها ثقب إبرة .. هذه النفس التي تنحرف وتعتدل، تزكو وتضمر … تكون عبقرية، كأنما يوحى إليها من السماء، وتكون شريرة كأنها لهب من الجحيم … هذه النفس هل عرفناها؟ .. هل حددناها؟ هل صورنا أمراضها واهتدينا إلى علاجها؟ إن علم النفس بكل الجهود المضنية التي بذلها لا يزال يقف عند الشاطئ، ولا تزال نظرياته مجالاً للاختلاف والشك، ولا تزال تتطور جيلاً بعد جيل، وطرائق بعد طرائق…

كان «فرويد» أستاذ هذه المدرسة، وتبعه كثيرون، منوم من سار على منهجه، ومنهم من عارضه، ومنهم من اختلف وإياه في الطريق والنهج .. ترى هل وفق علم النفس حتى اليوم، إلى معرفة النفس؟ .. قد يكون وفق إلى معرفة بعض مظاهرها وانفعالاتها .. قد يكون وفق إلى ردها إلى أسباب تصدق أو تكذب، ولكنه لا يزال جاهلاً هذه النفس.

وقد تعلق الناس بعلم النفس، لأنه علم الحياة، وابتهجوا به وانصرفوا إليه، ظانين أنه سينقذهم من الانحرافات والاندفاعات، من الأمراض العصبية والعقلية، ولكن هل حقق كل ما علقوه عليه من آمال؟ .. هل حقق بعض ما علقوه عليه من آمال! … الجواب -كما قلت في المحاضرة- عند العيادات النفسية الكثيرة المنبثة في أمريكا بعدد أوفر مما في غيرها!! في هذه العيادات مآس لجأ أصحابها إلى المحللين النفسيين يلتمسون عندهم الشفاء … فهل نجحوا؟ … هل شفى اليائسون من الحياة، لأن نفوسهم مضطربة قلقة معقدة؟ .. إن الإحصائيات لا تستطيع أن تؤكد -وحتى في الحالات التي شفى فيها المريض- أن التحليل النفسي -والتحليل النفسي وحده- كان السبب في الشفاء!!
وفي أمريكا بالذات تكثر الأمراض النفسية والعقلية بصورة لا مثيل لها (راجع الإحصائيات التي ذكرها "الكسيس كاريل"، ونقلناها عنه في الصفحات الفائتة). وفي أمريكا هذه توجد عيادات نفسية لا حصر لها، وكل ما يقوله المحللون النفسيون. أو أكثر ما يقولونه لرواد هذه العيادات إذا كانوا شباناً أو فتيات: أن اذهبوا وتصرفوا كما تشاؤون!! إن أمراضكم النفسية سببها الكبت والخوف من التقاليد والأمراض والعار!! فماذا كانت النتيجة؟ .. كانت هذه الانحرافات التي لا حصر لها، وهذا التحليل الذي دمر -أو كاد- الحياة العائلية، ثم لم يمنح أصحابه السعادة التي كانوا ينشدونها!

هذا هو ما قلته … وهو لا يتضمن إنكاراً لفضل علم النفس، ولكنه يتضمن أن علم النفس لم يوفق، حتى الآن، إلى كشف تلك المنطقة الهائلة الرائعة، الصغيرة الكبيرة، منطقة النفس. وأن كل ما بلغه تحليل لبعض الظواهر، وتعليل لبعض التصرفات، فقد يكون صادقاً وقد لا يكون.
إن ما نعلمه عن الحياة وأسرارها، بفضل كشوف العلوم وتفكير المفكرين لا يزال ضئيلاً جداً إذا قيس إلى ما لا نعلمه ولا نستطيع تعريفه ولا تعليله.
هذا النطاق الواسع مما لا نعلم هو مجال الإيمان بالله .. وهذا النطاق الضيق الذي علمناه هو مجال الإيمان بالعلم، ولا تعارض بين الاثنين، بل بينهما التقارب والتكامل.

أمرنا الله أن نسعى ونعرف ونبحث، وبسط أمامنا آفاق الدنيا لنذهب بها كيف نشاء وأطلق فينا شرارة من لدن ذاته العليا، هي العقل .. هذا العقل يجب أن يرود كل المجاهل، ويحاول كشف الألغاز وتيسير الحياة وتوجيهها وجعلها ممكنة ومحتملة، وإيماننا به إيمان بذات الله العليا .. ولكن هذا العقل قاصر، وكل ما ينتجه مهما يكن لن يبلغ حدود الشمول فالشمول من اختصاص الذات العليا.

إيمان بالعلم هو إيمان بالعقل الذي هو شرارة إلهية يجب أن تنطلق من غير حدود، وإيمان بالله هو إيمان بالمصدر والوحي والكل والشمول والأزل والأبد .. وكل من يقول بغير هذا يدعي، ولا يعطي دليلاً على ما يدعي.

علم النفس كغيره من العلوم مجال للاحترام والتشجيع، ولكن أن أعتمد عليه لكي يكشف لي كل غامض هو اعتماد من غير سند، لا من حقيقة ولا مما وصل إليه، ولا مما ننتظر أن يصل إليه." أ. هِ.

الطب النفسي في موكب الإيمان

على أن كثيراً من الأطباء النفسيين قد ثبت لديهم بالتجارب المتكررة أن الإيمان بالله والآخرة من أعظم الأدوية الفعالة في القضاء على الأمراض النفسية، وكثير منهم استعان بالدين في علاج مرضاهم فنجحوا أعظم نجاح، وسجلوا ذلك في بحوث ومقالات وكتب نشروها على الناس.
ولعل أبرز مثل يحضرني الآن هو الطبيب النفسي الأمريكي الشهير الدكتور «هنري لنك» الذي كفر يوماً بالدين الذي ورثه، وخلع معتقداته القديمة كما يخلع المرء نعله، وعاش عدة سنوات ملحداً لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، فعل ذلك باسم العلم الذي رآه في ذلك الوقت يتعارض مع الدين، أو على الأقل، لا يثبته ولا يؤيده. فالعلم -حسب قوله- لا يستطيع أن يثبت وجود الله، كما لا يستطيع أن يثبت عدم وجوده، وبناء على ذلك لا يسع اللبيب إلا أن يقول: "أنا لا أعرف" أي يكون شاكاً أو ملحداً. هذا الرجل الذي جرفه العلم بعيداً عن الدين، عاد عن طريق العلم مرة أخرى إلى الدين، وسجل ذلك في كتاب نشره على الناس وطبع إلى ما قبل سنوات في أمريكا 47 مرة، وقد سمى كتابه «العودة إلى الإيمان».

ولنستمع إليه نفسه يحدثنا عن أسباب عودته وظروفها وكيفيتها فيقول:

"وهاأنذا أسجل أن عودتي إلى حظيرة الإيمان لم تكن وليدة الضائقة المالية التي اكتسحت العالم وقتاً ما، ولو أني أعترف مع ذلك بأن تلك الفترة قد ساعدت على نضوج بعض الحقائق النافعة لي. وما كان تقدم سني أو اقترابي من الشيخوخة -هذان الشبحان اللذان غالباً ما يؤثران على تفكير المرء- هما السبب في عودتي إلى حظيرة الإيمان، فإني مازلت في مستهل الخامسة والأربعين وهي سن تعتبر مبكرة نوعاً ما، ومازلت بحمد الله موفور الصحة، قوي البنية، قادراً على الانحناء عشر مرات متواليات، وسباحة ميل كامل، والتهام كل ما أشتهي من طعام دون خشية أية عواقب.

فعودتي إلى الإيمان لا ترجع إلى تدهور صحتي، ولا إلى ما عساه أن أكون قاسيته من الآلام التي تؤثر على عقلية المريض، فتجرفه في تيار التمني للتخلص من هذه الحياة والإخلاد لحياة أخرى، كلها راحة واطمئنان. كما أنى أقرر أنها لم تأت في أعقاب مصيبة أو كارثة من كوارث الحياة ومشاكلها، بل بالعكس، جاءت بعد أن قضيت ستة عشر عاما في حياة زوجية هانئة، فأنا رجل محظوظ لي ثلاثة أطفال هم مصدر سعادتي وغبطتي، وأحرزت من النجاح أكثر مما كنت أصبو إليه. أما إيرادي فيربو على حاجتي ومطالب أسرتي.

ومن هذا ترى أن هداي لم تصطحبه أية حبكة روائية أو إثارة ما لعواطفي. فلم أمر بتجربة قاسية، ولم تحرك إحساسي كارثة، كما لم يبهر بصري اكتشاف جديد قد يحدث هذا التبدل الذي أسجله الآن.

لقد أتاني الهدى وئيداً حتى أنني لم أتبينه في نفسي خلال مراحله الأولى وما كان مرجع هذا التبدل إلا تلك التجارب المتواصلة التي صادفتني في أثناء ممارستي لمهنتي كطبيب نفساني" (العودة إلى الإيمان ص 14، 15).

فهذا الرجل الطبيب العالم يعلن في ثقة ووضوح أنه لم يعد إلى حظيرة المؤمنين نتيجة لتأثر وقتي، أو انفعال عارض، ولم يعد إلى الإيمان، بناء على نظريات نفسية اعتنقها، أو آراء فلسفية تبناها، فإن النظريات والآراء قابلة للصدق والكذب، ومحتملة للصواب والخطأ، إنما عاد الرجل إلى الإيمان، بناه على تجارب مارسها بنفسه، وعلى ملاحظات متكررة شاهدها بعين رأسه، وهذه التجارب والملاحظات هي أساس علم النفس التجريبي الذي يدرس الظواهر النفسية دراسة تقوم على القياس والاختبار والإحصاء والأرقام، والتي بها أصبحت الدراسات النفسية «علماً» ولم تعد «فلسفة»

وها هو يوضح هذا المعنى ويؤكده، فيقول:

"إن علم النفس الحديث القائم على أساس الرياضيات والأرقام، والذي يطبق على البشر لا على الورق، هو الذي قلب آرائي ومبادئي رأساً على عقب دون أن أشعر بالتطور الذي حل بي من مدة طويلة.

وهنا لا يجوز الخلط بين هذا العلم، وبين التحليل النفسي، الذي أدى إلى ظهور نظريات تأملية لا يمكن تماماً الجزم بصحتها كلها، كالتعبير عن الذات والقمع والأحلام والعقل الباطن واللبيدو («اللبيدو» هي الطاقة الحيوية في الإنسان قصد بها «فرويد» الحرمان الجنسي أو الجانب العقلي للغريزة الجنسية، ولكن « يونج » توسع في معنى التعبير، وأطلقه بصفة عامة على الحيوية بأسرها (المترجم)) وعقدة النقص والتربية التقدمية الخ. وما أقل ما يعرفه الناس عن علم النفس العلمي الذي بلغت دقته الدرجة التي وصلت إليها الكيمياء والطبيعة منذ قرن من الزمان. وبرغم أنهم سمعوا عن اختبار الذكاء أو مقياس الذكاء، إلا أن القليلين منهم هم الذين يدركون أن هناك أكثر من 10,000 اختبار نفسي أجراها رجال علم النفس، وأن معظم هذه الاختبارات تستخدم الآن في الحياة العامة. والقليلون أيضاً يعلمون أن مؤسسة روكفلر قد وهبت جماعة من علماء النفس نصف مليون دولار لاكتشاف اختبارات التعاون المستخدمة الآن بمعظم المدارس. وقد أمضى أساتذة علم النفس في جامعة «مينيسوتا» خمس سنوات في بحث متواصل، حتى اهتدوا إلى استنباط ثلاثة اختبارات لقياس مدى كفاية المرء الآلية، واستعداده الطبيعي لاستخدام الأجهزة الآلية، أنفقت فيها مائة ألف دولار، تبرع بها مجمع الأبحاث الوطني وغيره من المؤسسات.

ويكاد الجمهور الذي ينفق ملايين الدولارات على دراسة الموسيقى لا يعرف شيئاً كذلك عن دقة اختبار «سيشور» لاكتشاف المواهب الموسيقية الفطرية في الإنسان، وقد وضعه بعد بحث مجهد دام خمسة وعشرين عاماً، بمعاونة عدد من رجال علم النفس المساعدين. وقليلون أيضاً هم الذين سمعوا عن الجهاد العنيف الذي بذله أمثال: رودرث وثيرستون، وألبروت وولز وروث وبرنرويتر، وغيرهم في مجال الشخصية وحدها.

وهكذا ظهر تحسن ملحوظ في القدرة على تفهم الشخصية، وترقيتها والتقدم بها، بواسطة الاختبارات المتقدمة الذكر واستخدامها في علاج المرضى بالعيادات الطبية. فقد أجرى اختبار قياس الشخصية وحده على حوالي نصف مليون نفس عام 1935 في عيادات الولايات المتحدة ومدارسها.
هذا الفرع من علم النفس هو الذي أدت مكتشفاته إلى تبديل معتقداتي الدينية، وهي -كما سبق أن أوضحت- تختلف عن تلك النظريات الجذابة الشائعة بين الناس، كما أني قد قدمت إلى هذا النوع من علم النفس العلمي الكثير من المعونة فحازت القبول. وأما مكتشفاتي التي سيرد ذكرها فيما بعد، فلم تكن ممكنة التحقيق بدون تلك التجارب العلمية التي قام بها غيري من العلماء النفسيين، وأما كون النتائج المستخلصة من هذه الدراسات تؤيد بل تطابق بعض المعتقدات الدينية الأساسية، فهذا ما سيلمسه الجميع حتماً بمرور الزمن.

وقد طبقت مكتشفات علم النفس تطبيقاً واسع النطاق على معظم المشكلات الإنسانية، فقد أجرت مصلحة تشغيل المتعطلين بمدينة نيويورك اختباراً نفسياً على 15,321 نفساً من الرجال والنساء المتعطلين في فترة لا تتجاوز ستة عشر شهراً. وفي ضوء هذه الاختبارات أمكن توجيه كل منهم إلى المهنة المناسبة والتدريب المطلوب له حتى يصير لائقاً لهذه المهنة.

وفي كثير من الأحيان كانت النصيحة تقدم استناداً على المشكلات والعقد المكتشفة في شخصية كل منهم، والتي تكون عادة السبب الأساسي في تعطلهم. وقد تكلفت هذه العملية أكثر من مائتي ألف دولار، تبرعت بمعظمها مؤسسة كارنيجي، وجمعية مساعدة العمال العاطلين بمدينة نيويورك، ولما كنت قد عينت مستشاراً خاصاً في هذه العملية، ونيط بي وضع الخطط ومراقبة الدراسات الإحصائية المستخلصة لعشرة آلاف نفس ممن جرى عليهم الاختبار، وقد أجريت عليهم ما قدره 73,226 اختباراً نفسياً، وسجلت تقريراً شخصياً شاملاً لكل فرد منهم. وفي هذا الوقت بالذات بدأت إدراكي لأهمية العقيدة الدينية بالنسبة لحياة الإنسان، ووجدت من نفسي استعداداً لمضاهاة تجاربي السابقة على مرضاي، بالنتائج الباهرة التي أتت بها تلك الاختبارات العظيمة التي توليت الإشراف عليها، وقد استخلصنا من هذه الاختبارات نتيجة هامة، ولو أنها لم تنشر في التقرير النهائي. وهذه النتيجة هي: "إن كل من يعتنق ديناً أو يتردد على دار العبادة يتمتع بشخصية أقوى وأفضل مما لا دين له أو لا يزاول أية عبادة".

وعلى ذلك لم تكن رجعتي إلى الدين رجعة الضال الذي اهتدى إلى دين صائب، أعني أن هذه الرجعة لم تصاحب شعوراً متوقداً أو نعرة عاطفية، لكنها كانت رجعة عن طريق العقل فحسب لسوء الحظ! ولا أظن أن كافة المتدينين يقرون هذه الحقيقة، حتى أنا نفسي لا أعتقد أنها الطريقة المثلى، ففكرتي عن الدين تتضمن بضع معتقدات لا تؤيدها مذاهب دينية معينة، وتنبذ بعض الآراء التي تراها مذاهب معينة جوهرية. إذن ... فما هو الدين؟

الدين هو الإيمان بوجود قوة ما كمصدر للحياة: هذه القوة هي قوة الله، مدبر الكون، خالق السموات، وهو الاقتناع بالدستور الخلقي الإلهي الذي سنه الله في كتبه المتعاقبة، واعتبار التعاليم السماوية أثمن كنِز تغترف منه الحقائق الدينية، وهي أسمى في مرماها من العلوم كلها مجتمعة" (المرجع نفسه ص 23، 26).

والحق أن هذا الرجل -ككثيرين غيره- حين كفر وألحد، لم يكفر بدين الله الحق، وإنما كفر بالتحريفات التي شوهت الدين ومسخته، إنما كفر بدين الكنيسة بما أضيف إليه، وما ابتدع فيه .. وحين آمن وعاد إلى الدين، لم يعد إلى الدين الذي أنكره من قبل، بل عاد إلى دين ترضى عنه فطرته وعقله، وإن لم ترض عنه مذاهب كنسية معينة، وهو ينبذ معتقدات تراها بعض المذاهب جوهرية، ولو أتيح للرجل أن يعرف الإسلام على بصيرة لأيقن أن الدين الذي اهتدى إليه وأعلن عودته إلى حظيرته، إنما هو في الواقع دين الإسلام، دين الفطرة والعقل، دين الحياة والقوة فهذا الدين هو سلاح الأقوياء وليس ملجأ الضعفاء، كما يقول الدكتور في فقرة من كتابه:

"لقد أدت دراستي العميقة للأفراد إلى مشاهدتي ذلك القبس المضيء من نور الهداية. وسواء أكان أمل الإنسان هو الحصول على الوظيفة اللائقة أو الأمن الاقتصادي أو الاطمئنان الاجتماعي أو السعادة الزوجية، فلن يعم الرخاء إلا إذا حارب الناس أسلوب الحياة الراهنة والمجتمع الحالي حرباً لا هوادة فيها توقد جذوتها عدة من المثل العليا العملية الصادقة.

فالدين الذي أتكلم عنه ليس ملجأ الضعفاء، ولكنه سلاح الأقوياء، فهو وسيلة الحياة الباسلة التي تنهض بالإنسان ليصير سيد بيئته المسيطر عليها، لا فريستها وعبدها الخانع" (المرجع نفسه ص 28، 29).

وليس الدكتور هنري لنك وحده الذي عاد إلى الإيمان عن طريق التجربة، والعلم، فهناك غيره كثيرون.

لقد حدثنا الكاتب الأمريكي المشهور «ديل كارنيجي» -مؤلف «دع القلق وابدأ الحياة» وغيره من الكتب- أن موجة الشك والقلق انتابت إيمانه فترة من حياته، وأوشك أن يكون جاحداً ملحداً، يرى أن الحياة تسير بلا غاية، وإلى غير مقصد، ويحسب أن البشر مجردون من الأهداف السامية مثل: حيوانات «الديناصور» العملاقة التي كانت تجوب الأرض منذ مائتي مليون سنة، وأن النوع الإنساني مصيره إلى انقراض يشبه انقراض حيوان الديناصور.

ثم هبت على الرجل نفحة إيمان جعلته يشعر أن الحياة متاهة مضلة، وصحراء قاحلة مهلكة بغير واحة الإيمان.

ومما قاله في هذا الصدد: إنني يهمني الآن ما يسديه إلى الدين من النعم، تماماً كما تهمني النعم التي تسديها إلينا الكهرباء والغذاء الجيد، والماء النقي، فهذه تعيننا على أن نحيا حياة رغدة، ولكن الدين يسدي إلي أكثر من هذا، إنه يمدني بالمتعة الروحية، أو هو يمدني -على حد قول «وليم جيمس»- بدافع قوي لمواصلة الحياة .. الحياة الحافلة، الرحبة، السعيدة، الراضية. إنه يمدني بالإيمان والأمل والشجاعة، ويقصي عنا المخاوف والاكتئاب والقلق ويزودني بأهداف وغايات في الحياة، ويفسح أمامي آفاق السعادة، ويعينني على خلق واحة خصبة وسط صحراء حياتنا.

لقد كان الفيلسوف «فرانسيس بيكون» على حق حين قال:

"إن قليلاً من الفلسفة يجنح بالعقل إلى الإلحاد، ولكن التعمق في الفلسفة خليق أن يعود بالمرء إلى الدين".

إن السطحيين وأنصاف المتفلسفين، والمغرورين بقشور العلم والفلسفة هم الذين يتهورون فيتورطون في اقتراف الخطيئة الكبرى: خطيئة الثورة على الدين، والتمرد على الله، بل الجحود لوجوده سبحانه. ومنهم من يفعل ذلك تظاهراً بالتحرر وطلباً للشهرة. ومنهم من يفعله تبريراً لغرقه في الشهوات، وجريه وراء المتع والملذات، فهو يريد أن يهدم الدين من أساسه، ليسوغ لنفسه السقوط والانحلال، بلا تحرج ولا حياء من الناس، ولا حساب من ضمير.

أما الراسخون في العلم، المتعمقون في الفكر، فهم أعقل من أن يقطعوا أنفسهم عن هذا النور الذي لا يخبو، والزاد الذي لا ينفد، نور الإيمان، وزاد اليقين.

ولا غرو أن رأينا أعلام المشتغلين بالحياة النفسية، فلسفة ونظراً، أو علاجاً وطباً، يعلنون اعتصامهم بالعروة الوثقى، عروة الدين، ويدعون الناس إلى ذلك بصوت جهير.

قال «وليم جيمس» العالم النفسي الشهير بمذهبه في المنفعة العملية:

"إن بيننا وبين الله رابطة لا تنفصم، فإذا نحن أخضعنا أنفسنا لإشرافه -سبحانه وتعالى- تحققت كل أمنياتنا وآمالنا".

وقال: "الإيمان من القوى التي لابد من توافرها، لمعاونة المرء على العيش، وفقدها نذير بالعجز عن معاناة الحياة".

وقال حين كان أستاذاً للفلسفة بجامعة هارفارد:

إن أعظم علاج للقلق -ولا شك- هو الإيمان".

ويعقب على ذلك «كارنيجي» بقوله: "ولا يتحتم أن تتعلم في هارفارد لتدرك هذه الحقيقة، فقد أدركها والداي في بيتهما الريفي المتواضع، فما استطاعت الفيضانات ولا الديون، ولا النوازل أن تنال من روحهما القوية، المستبشرة الظافرة، ويسعني الآن أن أتسمع فيتردد في أذني صوت أمي تترنم بالأغنية التالية، بينما هي تدير شئون المنِزل:

الأمان، الأمان .. يالروعة الأمِان

إذ يسكبه في نفوسنا الرحيم الرحمن

إليك اللهم أدعو أن تحيطني بالأمان

فياضاً غامراً يملأ القلب والجنان .."

يقول «ديل كارنيجي» أيضاً:

"إني لأذكر تلك الأيام التي لم يكن للناس فيها حديث سوى التنافر بين العلم والدين، ولكن هذا الجدال انتهى إلى غير وجعة، فإن أحدث العلوم -وهو الطب النفسي- يبشر بمبادئ الدين. لماذا؟

"لأن أطباء النفس يدركون أن الإيمان القوي، والاستمساك بالدين، والصلاة، كفيلة بأن تقهر القلق والمخاوف والتوتر العصبي، وأن تشفي أكثر من نصف الأمراض التي نشكوها .. نعم إن أطباء النفس يدركون ذلك، وقد قال قائلهم الدكتور «أ. أ. بريل»: "إن المرء المتدين حقاً لا يعاني مرضاً نفسياً قط".

"وعندي أن أطباء النفس ليسوا إلا وعاظاً من نوع جديد. فهم لا يحضوننا على الاستمساك بالدين توقياً لعذاب الجحيم في الدار الآخرة، وإنما يوصوننا بالدين توقياً للجحيم المنصوب في هذه الحياة الدنيا .. جحيم قرحات المعدة، والانهيار العصبي، والجنون … الخ.
يقول الدكتور «كارل يونج» -أعظم الأطباء النفسيين في هذا الجيل بأمريكا- في كتابه «الرجل العصري يبحث عن روح»:

"استشارني في خلال الأعوام الثلاثين الماضية أشخاص من مختلف شعوب العالم المتحضرة، وعالجت مئات من المرضى، فلم أجد مشكلة واحدة من مشكلات أولئك الذين بلغوا منتصف العمر -أي الخامسة والثلاثين أو نحوها- لا ترجع في أساسها إلى افتقادهم الإيمان، وخروجهم على تعاليم الدين .. ويصح القول بأن كل واحد من هؤلاء المرضى وقع فريسة المرض، لأنه حرم سكينة النفس التي يجلبها الدين -أي دين- ولم يبرأ واحد من هؤلاء المرضى إلا حين استعاد إيمانه، واستعان بأوامر الدين ونواهيه على مواجهة الحياة".

لماذا يجلب الإيمان بالله، والاعتماد عليه -سبحانه وتعالى- الأمان والسلام والاطمئنان؟.

سأدع «وليم جيمس» يجيب على هذا السؤال:

"إن أمواج المحيط المصطخبة المتقلبة لا تعكر قط هدوء القاع العميق، ولا تقلق أمنه، وكذلك المرء الذي عمق إيمانه بالله خليق بألا تعكر طمأنينته التقلبات السطحية المؤقتة، فالرجل المتدين حقاً عصى على القلق، محتفظ أبداً باتزانه، مستعد دائماً لمواجهة ما عسى أن تأتى به الأيام من صروف" (عن كتاب "دع القلق وابدأ الحياة").

ونشرت جريدة الجمهورية يوم السبت 29/11/1962، تحت عنوان «العلماء يلجأون إلى الدين لعلاج مرضى الأمراض العقلية»:
"عزاء وسلوان لأولئك الذين تشبثوا بدينهم، ولم يتزعزع إيمانهم في أحلك لحظات المدنية وأنصعها، أقصد تلك اللحظات التي يتشدق فيها دعاة النظريات العتيدة، وفي مقدمتها نظرية النشوء والارتقاء «لداروين» ويتشدقون فيها بأن الدين بدعة، وبأن الإنسان يقف وحده في هذا الكون، كما زعم «جوليان هاكسلي».

إن علماء الأمراض العقلية، لا يجدون اليوم سلاحاً أمضى، وأبعد فاعلية لعلاج مرضاهم من الدين والإيمان بالله .. والتطلع إلى رحمة السماء .. والتشبث بالرعاية الإلهية، والالتجاء إلى قوة الخالق الهائلة عندما يتضح عجز كل قوة سواه!!

لقد بدأت التجربة في مستشفى بولاية نيويورك، وهو مستشفى خاص بمرتكبي الجرائم من المصابين بالأمراض العقلية.
بدأ التجربة بإدخال الدين كوسيلة جديدة للعلاج بجانب الصدمات الكهربائية لخلايا المخ، والعقاقير المسكنة والمهدئة للأعصاب.

وكانت النتيجة رائعة .. إن أولئك الذين تعذر شفاؤهم .. بل فقدوا الأمل فيه، انتقلوا من عالم المجانين إلى عالم العقلاء .. أولئك الذين ارتكبوا أفظع الجرائم وهم مسلوبو الإرادة، باتوا يسيطرون على إرادتهم وتفكيرهم وتصرفاتهم، ويذرفون الدمع ندماً، وكلهم أمل في رحمة السماء ومغفرة الله.

واستسلم العلماء، ورفعوا أيديهم إلى السماء، يعترفون بضعفهم ويعلنون للدنيا أن العلم يدعو إلى الإيمان. وليس أبداً إلى الإلحاد".
ولم يقف الأمر عند الأطباء النفسيين، بل تجاوزه إلى أطباء الأجسام أنفسهم، يرون أن الإيمان بالله ضرورة لنجاح علاج كثير من الأمراض الجسمية والعصبية، وخاصة إذا اجتمع إيمان الطبيب وإيمان المريض، فذلك أجدر أن يقصر مدة العلاج ويقرب حلول العافية.
يقول الدكتور «بول أرنست أدولف» -أستاذ مساعد التشريح بجامعة سانت جونس وعضو جمعية الجراحين الأمريكيين-: "لقد أيقنت أن العلاج الحقيقي لابد أن يشمل الروح والجسم معاً في وقت واحد، وأدركت أن من واجبي أن أطبق معلوماتي الطبية والجراحية، إلى جانب إيماني بالله وعلمي به، ولقد أقمت كلتا الحالتين على أساس قويم، بهذه الطريقة وحدها، استطعت أن أقدم لمرضاي العلاج الكامل الذي يحتاجون أليه .. ولقد وجدت بعد تدبر عميق، أن معلوماتي الطبية وعقيدتي في الله هما الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه الفلسفة الطبية الحديثة (من كتاب "الله يتجلى في عصر العلم" ص 138، 139).

وقد وجدت أثناء ممارستي للطب، أن تسلحي بالنواحي الروحية، إلى جانب إلمامي بالمادة الطبية يمكناني من معالجة جميع الأمراض علاجاً يتسم بالبركة الحقيقية، أما إذا أبعد الإنسان ربه من هذا المحيط، فإن محاولاته لا تكون إلا نصف العلاج، بل قد لا تبلغ هذا القدر.
فما هي الأسباب الرئيسية لما نسميه الأمراض العصبية؟

إن من الأسباب الرئيسية هذه الأمراض: الشعور بالإثم والخشية والحقد والخوف والقلق والكبت والتردد والشك والغيرة والأثرة والسأم. ومما يؤسف له أن كثيراً من المشتغلين بالعلاج النفسي قد ينجحون في تقصي أسباب الاضطراب النفسي الذي يسبب المرض، ولكنهم يفشلون في معالجة هذه الاضطرابات، لأنهم لا يلجأون في علاجها إلى بث الإيمان بالله في نفوس هؤلاء المرضى".

بالتحريفات كان بعض المثقفين في أوطاننا لا يصغون إلا لصوت يجيئهم من الغرب، فإن عليهم أن يستمعوا وينصتوا لتلك الصيحات المخلصة، التي أطلقها أناس ليسوا بالأدعياء المتطفلين على العلم، ولا بالسطحيين المحكومين بالعاطفة، ولا بالخياليين المتعلقين بالأحلام، الذين يسبحون في غير ماء، إنما هم «علماء» متعمقون يحكمون منطق العلم العصري وحده، القائم على الملاحظة والتجربة والاستقراء.
والعجب أن تصدر هذه الصيحات من بلد بلغ القمة في الارتقاء العلمي والغنى المادي، والرخاء الاقتصادي، واستطاع أن يضع أقدام أبنائه على سطح القمر! بلد يؤمن بالمنافع العملية، والحياة الواقعية، لا بالمدن الفاضلة والمثل الأفلاطونية. ولكن أعلامه -كما رأينا- ينادون بضرورة التشبث بالإيمان، وقاية وعلاجاً، وزاداً وسلاحاً، وهداية ونوراً، وصاحباً ودليلاً.

فلنركل بقوة وإلى الأبد تلك الأكذوبة الكبرى، التي يرددها هنا أناس لا يمتازون إلا بصفاقة الوجوه وعمى القلوب: إن العلم يناقض الإيمان، أو يستغني عن الإيمان! هيهات هيهات لما يدعون.

|السابق| [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error