تيسير فقه السلوك في ضوء القرآن والسنة
في الطريق إلى اللَّه
التِِوكِِل
من الدستور الإلهي
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
(وتوكل على الله، وكفى بالله وكيلاً) (النساء: 81، الأحزاب: 3، 48).
(وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين) (المائدة: 23).
(ومن يتوكل على الله فهو حسبه) (الطلاق: 3).
(فإذا عزمت فتوكل على الله، إن الله يحب المتوكلين) (آل عمران: 159).
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه، لا نبغي غيره رباً، ولا نتخذ غيره ولياً، ولا نبتغي غيره حَكَماً، ولا نشرك به ولا معه أحداً ولا شيئاً، لا اله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.
وأزكى صلوات الله وتسليماته على سيدنا وإمامنا، وأُسوتنا وحبيبنا محمد، الذي كانت صلاته ونُسُكه ومحياه ومماته لله رب العالمين، لا شريك له، كان كله لله، إذا تكلم فللَّه، وإذا صمت فللَّه، وإذا غضب فللَّه، وإذا رضي فللَّه، وإذا أحب فللَّه، وإذا أبغض فللَّه، إذا أعطى أو منع أو سالم أو حارب فللَّه، ولا شيء غير الله، وقد علَّمنا أن ندعو الله فنقول: ( اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئاً نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه ).
ورضي الله عن أصحابه، الذين أخلصوا دينهم لله، وأخلصهم الله لدينه، فهاجروا لله، وآووا ونصروا لله، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، وكان الله ورسوله والجهاد في سبيله أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم وإخوانهم وعشيرتهم وأموال اقترفوها، وتجارة يخشون كسادها، ومساكن وأوطان يرضونها .. ورضي الله عمن سار على دربهم إلى يوم الدين.
أما بعد ..
فهذه الصفحات تتحدث - أخي القارئ - عن شُعبة عظيمة من شُعَب الإيمان، وعن مقام رفيع من مقامات الربَّانيين، هو مقام " التوكل على الله "، تعالى شأنه، الذي حثَّ عليه القرآن الكريم بأساليب شتَّى، وصور متنوعة، وكذلك السُنَّة النبوية المشرفة. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم نموذجاً للمؤمن " المتوكل " على ربه حق توكله، كما وُصöف بذلك في بعض كتب أهل الكتاب.
وهذه الشعبة، أو هذا المقام أو الخُلُق الربَّاني، من المقامات التي تدخل فيها خلط وخبط، وسوء فهم عريض، حتى التبس التوكل بالتواكل واطراح الأسباب، ورويت في ذلك حكايات عن بعض الصوفية، فيها مبالغات تخرج عن منهج الوسطية التي جاء بها الإسلام، كما تخرج عن نظام السنن التي أقام الله عليها هذا الخَلْق، وربطها بشبكة الأسباب والمسببات.
ونحن على منهجنا الذي التزمناه لا نحيد عنه، وهو الاستمساك بما جاء في القرآن وصحيح السُنَّة، ففيهما النجاة من كل هلكة، والسلامة من كل انحراف، والاهتداء إلى ما يحب الله ويرضىº ففيهما الحياة والنور كما قال تعالى: ( وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا، ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا، وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض، ألا إلى الله تصير الأمور ) (الشورى: 52، 53).
أرجو أن تجد أخي القارئ في هذه الصحائف ما يوضح لك الغاية، وما يضيء لك السبيل، ويساعدك على أن تثق بربك، وتضع يدك في يده، متوكلاً عليه، وكفى بالله وكيلاً .. وأن تجتهد في رعاية الأسباب المشروعة، كما أمرك الله، وأن تدع النتائج إلى مسبب الأسباب، ورب الأرباب، فالكون كله بيده، والمرجع إليه وحده: ( ألا له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين ) (الأعراف: 54).
ونختم هذه التقدمة بما قاله نبي الله شعيب لقومه: ( وسع ربنا كل شيء علماً، على الله توكلنا، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين) (الأعراف: 89).
الدوحة في المحرَّم 1415 هِ - يونيو ( حزيران )1994م
الفقير إلى عفو ربه
يوسف القرضاوي