الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: قذائف الحق
المؤلف: محمد الغزالي
التصنيف: فقه الحج
 

الباب السابع - مع التيار الشيوعى والإلحادى

لا بد للإسلام من خطة إيجابية يواجه الغزو الثقافى بها - 4

المسلم لا يقبل الحياة على أية صورة وبأى ثمن، إما أن تكون كما يبغى، وإما رفضها وله عند ربه خير منها .

ومن صيحات الكرامة والإباء قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد ! [ الترمذى فى الديات، وأبو داود فى السنة ]

وفى حديث آخر من قتل دون مظلمته فهو شهيد ! [ صحيح رواه الشيخان وأصحاب السنن الأربعة وأحمد ]

هل رأيت استنهاضاً للهمم واستنفاراً للنضال، واستثارة للذود عن الدماء والأموال والأعراض أحر من هذه المبادئ ؟!

أيمكن فى منطق العقل والإنصاف أن يوصف هذا الدين بأنه مخدر للشعوب ؟ ألا شاهت الوجوه !!

ومن حقنا أن نتساءل: هل ضمان الخبر يحفظ الكرامة الفردية ويوفر الأمان للجماعات ؟

لا شك أن للعنصر المادى أثراً فى طمأنينة المرء وشد أزره، ولكنه ليس كل شىء فى خلق العزة الشخصية والجماعية ! فرب سجين ملىء البطن خفيض الرأس، ورب طاو حديد البصر جهير الصوت.

قال لى صديق: وضعت الحب للعصافير فى شرفة بيتى، وجلست بعيداً أرقبها وهى تلتقطه بمناقيرها كعادتها .. بيد أنى ارتقبتها طويلاً فلم تهبط، ثم أدركت بغتة أن باب الشرفة مفتوح وأن الحذر عاقها عن الأكل فقمت أغلق الباب وأنا أقول: إن الطعام لا يغنى عن الأمان .
وهذا صحيح، فإن الله لما امتن على قريش بنعمته وبركته قال: فليعبدوا رب هذا البيت الذى أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف .
إن الشبع لا يغنى عن الحرية أبداً، وإن توقير الديمقراطية الاقتصادية يستحيل أن يغنى عن الديمقراطية السياسية .
إن الإنسانية ليست جسداً يعلف ويسمن، ولكنها فطرة تتشوف للانطلاق والتحرر، ولا بد أن يتقرر لها حقها فى النقد والمراجعة وحساب كل ذى منصب مهما جل وإقصاء من تكره وإدناء من تحب ..

واليقظة التى ينشدها الإسلام للشعوب تتضمن الأمرين جميعاً .

ونريد أن نمن على الذين استضعفوا ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم فى الأرض [ القصص: 5 ]

فكيف يتهم الدين بأنه مخدر للشعوب ؟

وربما اتصل بهذه التهمة المتهافتة تصور البعض أن الدين رباط مع الماضى، وأن التطور ينافيه .

ونتساءل نحن: ما هذا التطور ؟

إن الإلحاد ليس تطوراً، بل هو ترديد لكفر الصغار من جهلة القرون الأولى .

من ألوف السنين وقفت قبيلة عاد من رسولها موقفاً كأنما لخصت فيه كل ما يقال فى هذا العصر على ألسنة الشطار، من دعاة الإلحاد أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً إنكم مخرجون . هيهات هيهات لما توعدون . إن هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين . إن هو إلا رجل افترى على الله كذباً وما نحن له بمؤمنين [ المؤمنون: 35، 37 ]

إن التحلل من قيود الدين ليس تجديداً ولا ابتكاراً بل هو خضوع للغرائز الدنيا التى أنامت ألوف الخلعاء والخبثاء من عشرات القرون وجعلتهم يحيون وفق شهواتهم وحدها ! فأى ارتقاء فى هذا المسلك الرخيص ؟!

فى غضون القرن التاسع عشر للميلاد كانت نزعات الإلحاد تغلب على العقل الغربى، وبدا كأن العلم الطبيعى يتجه بالناس وجهة مادية تتنكر للدين وتضيق بتعاليمه، ولما كان الغربيون سادة الدنيا وقتئذ فقد صبغوا الفكر العالمى تقريباً بهذه الصبغة الداكنة ..

وقد تسأل: ماذا كان موقف المتدينين بإزاء هذا الفكر الزاحف ؟

والإجابة أن المسلمين كانوا فى حالة ذهول أنستهم رسالتهم المحلية والعالمية على سواء، فهم لا يريدون من دينهم شيئاً طائلاً ينفعون به أنفسهم بله أن ينفعوا به غيرهم .

وأما بنو إسرائيل فقد شرعوا عقب تقرر الحقوق السياسية فى الأقطار الحديثة يجمعون شملهم ليعيدوا ملك يهوه على الأرض ويستعدوا لحكم العالم من أورشليم وما كان عليهم أن تكتسح ظلمات الشك كل ضمير .. !!


وأما النصارى فلو تفرغوا لمواجهة هذا الخطر لكانوا كالذى يرد الطوفان بالراحتين، فكيف وهم مشغولون بالقضاء على الإسلام المريض !
لذلك نجح الإلحاد فى فرض أفكاره وأحكامه على أغلب ميادين النشاط الإنسانى، وربما سمح للأديان أن تبقى ميولاً فردية واتجاهات أدبية وحسبها ذلك .

على أن القرن العشرين للميلاد أخذ يتجه ِ خصوصاً فى أواسطه ونهاياته وجهة مغايرة، وظهر فى كتابات كثير من العلماء الطبيعيين نزوع واضح إلى الإيمان بالغيب والتسليم بوجود إله حكيم قادر، عالم خبير !

وتدين العلم كسب إنسانى جليل !

والصورة التى تكونت لدى العلماء الطبيعيين عن الله أقرب إلى الحقيقة مما يهرف به كثير من رجال الأديان .. !!

ولو كان للإسلام رجال يحسنون عرضه كما نزل فى أصوله الأولى لكان الإسلام دين الحاضر والمستقبل على سواء، ولكن الفكر الإسلامى وقع فى محنة رهيبة !!

ولست أزعم أن كل العلماء الكونيين نزاعون إلى التدين، فهناك من ضل الطريق !! ولكن تيار الإيمان لو مضى فى طريقه بين هؤلاء دون عوائق سياسية ودون إرهاب خارجى لتغير الوضع، فإن جمهرتهم سوف تدخل فى دائرة الدين بلا ريب !!

والمشكلة التى نواجهها نحن فى بلادنا الإسلامية هى تأخر مثقفينا فى مضمار التقليد !!

فعدد كبير منهم لا يزال يعيش فى العقلية المادية للقرن التاسع عشر .

وعدد آخر قد يعدو هذا النطاق ليرنوا ببصره إلى المسجونين كرهاً داخل بعض المذاهب المادية الحاكمة، وهم قوم كفروا عن إرهاب لا عن اختيار ففيم يقلدون ؟

والغريب أن نفراً من علماء الإسلام يزعمون أن الدين ِ كسائر القضايا الأدبية ِ لا صلة له بالعقل ! أى أن التفكير الإلحادى للقرن التاسع عشر ما زال هو الذى يسيطر عليهم، فأى بلاء هذا ؟

ونحن نناشد أحرار العقول أن يراجعوا أنواع المعرفة التى تعرض عليهم، فإن للاستعمار الثقافى دخلاً فى تلويثها وغشها ..

إن أعظم شىء فى رسالة الإسلام احترامها للعقل البشرى، وحفاوتها بالعلم الطبيعى، وبناؤها اليقين على النظر الصائب فى ملكوت الأرض والسماء .

ولا يوجد كتاب سماوى حث العقل على النظر، وقاد العلم فى مضمار البحث كهذا القرآن الكريم .

إننا بمنطق القرآن نرفض الظنون ونخضع لليقين، نرفض الأوهام ونستكين للحقيقة وحدها ..

إن التدين الذى تعلمناه من كتابنا ليس تحميل العقل ما لا يطيق ولا الهيمان فى عالم الأخيلة .. إنه تدين زكى عملى .

ثم هو يضم إلى هذا الفكر الناضج قلباً سليماً، لا مكان فيه لنية خبيثة أو غرض صغير، على أساس أن الإنسان لا يسيره العلم النظرى قدر ما تسيره مقاصده وآماله ..

ما أكثر ما يكون الذكاء سلاحاً يستعمل فى الخير والشر على سواء، فإذا صدق الإيمان صلح القلب واستقام المنهج ومن يؤمن بالله يهد قلبه إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد 37].

وفى معرفة الكون وخالقه، والنفس وهداها يقول ابن عطاء الله السكندرى هذه الكلمة الحاسمة:

لا ترحل من كون إلى كون، فتكون كحمار الرحى، يسير والمكان الذى ارتحل إليه هو الذى ارتحل منه، ولكن ارحل من الأكوان إلى المكون وأن إلى ربك المنتهى ..

وانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه [ رواه البخارى فى سبعة مواضع من صحيحه، وأخرجه باقى الستة وغيرهم ] . فافهم قوله عليه الصلاة والسلام وتأمل فى هذا الأمر إن كنت ذا فهم “.

يقول الله تعالى والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون . والأرض فرشناها فنعم الماهدون . ومن كل شىء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ففروا إلى الله إنى لكم منه نذير مبين . ولا تجعلوا مع الله إلهاً آخر إنى لكم منه نذير مبين [ الذاريات: 48 ِ 50 ] .

هذه آيات خمس، والثلاثة الأولى منها وصفت الأكوان علوها وسفلها وما أنبتت فيها من حياة وأحياء .

والاثنتان الأخريان انتقلتا من الأكوان إلى المكون فتحدثتا عن وجوده ثم توحيده .

والحق أن الانحصار فى الكون والاحتباس بين مظاهره فواحش عقلية ونفسية لا يرضاها أريب لنفسه، بل ينفر منها أولو الألباب .
إن من له أدنى مسكة يعرف ِ من العالمين ِ رب العالمين ويعرف من الأكوان صاحب هذه الأكوان !!

إن هذا الملكوت الضخم الفخم من ودائع ذراته إلى روائع مجراته شاهد غير كذوب على أن له خالقاً أكبر وأجل .

إنها لجهالة أن يغمط هذا الإله العظيم حقه، وإنها لنذالة أن يوجد بشر ينكره ويسفه عليه .

ولكن خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين !!

والعاقل ينظر فى الكون فيتعلم منه تسبيح الله وتحميده، ويستنتج من قوانين الحياة وأحوال الأحياء ما يستحقه المولى الأعلى من أسماء حسنى وصفات عظمى ..

والناس صنفان: صنف يعرف المادة وحدها ويجهل ما وراءها ولا نتحدث الآن مع هؤلاء، فقد ذكرنا نبأهم فيما مضى .
وصنف مؤمن بالله مصدق بلقائه، ولكنه هائم فى بيداء الحياة، ذاهل وراء مطالب العيش، مستغرق المشاعر بين شتى المظاهر، فهو لا يكاد يتصل بسر الوجود أو يتمحض لرب العالمين .

ومع هذا الصنف المؤمن نقف لنرسل الحديث .

هناك قوم لا تخلص لله معاملاتهم، بل هى مشوبة بحظوظ النفس ورغبات العاجلة، وهؤلاء لن يتجاوزوا أماكنهم ما بقيت نياتهم مدخولة حتى إذا شرعت أفئدتهم تصفو بدءوا المسير إلى الأمام .

وهناك قوم يعاملون الله وهم مشغولون بأجره عن وجهه أو بمطالبهم منه عن الذى ينبغى له منهم، وهؤلاء ينتقلون عن أنفسهم من طريق ليعودوا إليها من طريق أخرى .

إنهم مقيدون بسلاسل متينة مع أنانيتهم فهو يسيرون ولكن حولها، لو حسنت معرفتهم بالله ما حجبتهم عنه رغبات مادية ولا معنوية بل لطغى عليهم الشعور به، وبما يجب له، وتخطوا كل شىء دونه، فلم يهدأوا إلا فى ساحته، ولم يطمئنوا إلا لما يرضيه هو جل شأنه على حد قول ابن فراس:

فليتك تحلو والحياة مريرة             وليتك ترضى والأنام غضاب

وليت الذى بينى وبينك عامر           وبينى وبين العالمين خراب


إذا صح منك الود فالكل هين           وكل الذى فوق التراب تراب


وابن عطاء الله يرى أن العامة يترددون بين مآربهم كحركة بندول الساعة لا تتجاوز موضعها على طول السعى، أو هم على حد تعبيره كحمار الرحى ينتقل من كون إلى كون، والمكان الذى ارتحل إليه هو الذى ارتحل منه .

والواجب على المؤمن أن يقصد وجه الله قصداً، وأن يتفصى تفصياً من ألوف الأربطة التى تشده إلى الدنيا وتخلد به إلى الأرض .

ومن خدع الحياة أن المرء قد يعمل لنفسه وهو يحسب أنه يعمل لله، ولو وضعت بواعثه الكامنة تحت مجهر مكبر لاستبان أن كثيراً من دواعى غضبه ورضاه وسروره وتعبه وراحته يصلها بوجه الله خيط واه على حين تصلها بحظوظ النفس حبال شداد .

وهنا الخطر المخوف أن الهجرة إذا كانت لله فقد مضت وقبلت وإلا فالأمر كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم من هاجر إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه .

والشعور بوجود الله ليس أمراً يتكلف له الإنسان شيئاً، إنه شعور بالواقع !

قد يكون لك حبيب مسافر مثلاً فأنت إذا اشتقت إليه تتخيل صورته وتحاول الأنس بالوهم عن الحقيقة .

ولكن الشعور بالله ليس تقريباً لبعيد ولا تجسيداً لوهم، إنه إيمان بالواقع الذى يعد تجاهله باطلاً كشعورك مثلاً ِ وأنت فى البيت ِ بأنك فى البيت، أو شعورك ِ وأنت فى القطار ِ بأنك فى القطار .


إنه الواقع الذى لا معدى عن الاعتراف به، وبناء كل تصرف على أساسه . إن الألوهية لا تفارق العباد لحظة من ليل أو نهار، ومن ثم فإن الغفلة عن الله غفلة عن الحق المبين .

ِ وإذا كان الأعمى يعجز عن رؤية الأشياء فإن الأشياء لم تزل من مكانها لأن عيناً كليلة لم تتبينها .

ِ وإذا كان الناس فى ذهول عن الحق المصاحب لهم المحيط بهم فذلك عمى تعود عليهم وحدهم معرته .

وقد كثر القرآن الكريم من أشعار الناس بهذه المعانى، وصاح بهم وهم يفرون عنها، إلى أين ؟ فأين تذهبون ؟ أين المذهب والله من ورائهم محيط [ الطارق ] .

قال تعالى: هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شىء عليم . هو الذى خلق السموات والأرض فى ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج فى الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير [ الحديد ] .
هو بصير بما نعمل وهو معنا حيثما كنا ! ألا تعين هذه الحقائق على صدق المعرفة وحöدَّة الشعور بوجوده وإشرافه ؟

ثم ألا يدل ذلك على أن ذكرك لله ليس استحضاراً لغائب ؟ إنما هو حضورك أنت من غيبة وإفاقتك أنت من غفلة !!

ولا بد هنا من توكيد التفرقة بين وجود الله ووجود العالم، فإن بعض الناس يستغلون المعانى التى شرحناها للبس الحق بالباطل .

إن وجود الله مغاير لوجود سائر المخلوقات، وهذا العالم منفصل عن ذاته جل شأنه انفصالاً تاماً .

وقد تسمع بعض الفلاسفة أو بعض المتصوفين يقول: إنه يرى الله فى كل شىء .

وهذا التعبير صحيح إن كان يعنى أنه يرى آثاره وشواهده .

أما إن كان يعنى وحدة الخالق والمخلوق أو وحدة الوجود كما يهرف الكذبة، فالتعبير باطل من ألفه إلى يائه، والقول بهذا كفر بالله وبالمرسلين .
ووصف الإحاطة الإلهية فى هذا المجال وسيلة لا غاية .. وسيلة لتصحيح النية والجهد والهدف وإهابة بالإنسان أن يدير نشاطه البدنى والعقلى على مرضاة الله وحده .

وليت الناس يسعون فى هذا الطريق بنصف قواهم !

ولو أن امرءاً حاول استرضاء الله بنصف الجهد الذى يبذله لكسب المال، أو التمكين فى الأرض لقطع مرحلة رحبة فى طريق الارتقاء الروحى والخلقى، ولو أن امرءاً كره الشيطان ووساوسه بنصف الشعور الذى يكره به الآلام والخصوم لنال من طهر الملائكة حظاً .

إن الله قد يقبل نصف الجهد فى سبيله، ولكنه لا يقبل نصف النية، إما أن يخلص القلب له، وإما أن يرفضه كله.

وقد أسلفنا القول إن الإنسان قد تحتل قلبه مقاصد شتى هى التى تبعثه على الحركة والسكون، وعلى الرضا والسخط، وأن هذه المقاصد تنبعث عن أنانيته لا عن إيمانه بربه وابتغائه ما عنده .

والعلماء المربون يطاردون هذه المقاصد المتسللة إلى القلب ويمنعونها أن تثوى فيه . ولا يتوانون فى مطاردتها حتى تخفى ويطهر القلب منها .
ذلك أن الإسلام دقيق جداً فى تقويم النية الباعثة عليه والغاية المصاحبة له، فمن لم يكن الله وجهته فى هجرته فلا عمل له ولا خير فيه .
فى الحياة الآن ألوف من المدربين والأطباء والمهندسين والضباط والعمال والتجار والموظفين .. الخ يزحمون ظهر الأرض بحركة واسعة المدى، فأما ما كان للتكاثر والتظاهر فسوف يلصق بالتراب، وأما ما كان لله فهو مبارك الثمر ممتد الأثر .

إن البقاء لما قصد به رب السماء من كان يريد حرث الآخرة نزد له فى حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له فى الآخرة من نصيب [ الشورى: 20 ] .

ونعود إلى الصنف المسجون بين عناصر المادة لا يعرف غيرها، إنه ينتقل من عنصر، وينسب مادة إلى مادة، ويجحد ما بعد ذلك .
وقد ناقشنا هؤلاء، ودحضنا ما ساقوا من شبه، ونريد هنا كشف الستر عن بعض دعاوى القوم .

إن وصف الإيمان بأنه حركة رجعية، والإلحاد بأنه حركة تقدمية وصف كاذب، فالكفر قديم قدم الغرائز الخسيسة والأفكار السفيهة .
وتاريخ الحياة يتجاور فيه الخير والشر والصلاح والفساد فمن قال: إن الإيمان طبيعة أيام مضت وانتهى دورها وأن الكفر يجب أن يفسح له الطريق فهو دجال .

كذلك وصف الإيمان بأنه حركة فكر محدود، والإلحاد بأنه حركة عقل ذكى أو وصف الإيمان بأنه منطق الدراسة النظرية، والإلحاد بأنه منطق الدراسة العلمية والبحوث الكونية، هذا كلام خرافى لا حرمة له، فإن جمهرة كبرى من قادة العلم الكونى والدراسات الحيوية يؤمنون بالله ويرفضون الزعم بأن الكون خلق من غير شىء .

والواقع أن الإلحاد يعتمد على الظنون والشائعات، لا على اليقين والبراهين، وأنه لم يثبت فى معمل أو مختبر بأن الله غير موجود .
وكل ما هنالك أن الماديين نسبوا لغير الله من النظام والإبداع ما لا تصح نسبته إلا لله .

ووراء هذا النسب المنتحل ساروا وأيديهم خالية من أى يقين، بل هم كما وصف القرآن الكريم وما يتبع أكثرهم إلا ظناً إن الظن لا يغنى عن الحق شيئاً . إن الله عليم بما يفعلون .

أما الدلائل التى تغرس الإيمان فى القلوب عن طريق التفكير السليم فى هذا الكون الكبير فهى قائمة ناهضة .

|السابق| [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] [25] [26] [27] [28] [29] [30] [31] [32] [33] [34] [35] [36] [37] [38] [39] [40] [41] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error