أرسلت بصرى وراء طلاب بعض المدارس وهم منصرفون إلى بيوتهم . كان الصخب شديداً، والتدافع ظاهراً، والتصايح بالكلمات النابية مسموعاً ! لم تكن بالشارع أثارة من علم أو دلالة على جد ورشد !
ولست أستكثر على الصبية فرح الانطلاق والأوبة إلى الأصل، ولست أجهل طبيعة المرح فى مقتبل العمل وخفة التكاليف !
ولكنى لم أسترح للطيش البادى والمزح السخيف والألفاظ الماجنة إذا كنا نريد إعداد جيل صاعد فالأمر يتطلب سيرة وسريرة غير ما أرى .
لقد عرفت كثيراً من البرامج العلمية التى تدرس، ولا أزعم أنها قليلة، بل أشعر أن استيعابها أساس صالح لخلق شعب مثقف .
واطلعت على أغلب المقررات الدينية، وقد تكون أقل مما يجب درسه . ومع ذلك فهى لو تم فقهها وتحصيلها أساس حسن لتكوين جيل مؤمن مهذب..
إذن من أين تجىء الشكوى ؟ وما مصدر ما ذكرت من معايب ؟
إن المادة العلمية شىء وأسلوب تقديمها وتلقيها شىء آخر .
إن هذا الأسلوب يرتبط برسالة الأمة، وضرورة تربية النشء على اعتناقها واحترامها .
ومن هنا فالتعليم المنفصل عن التربية جهد ضائع أو جهد تافه النتائج ..
وأذكر أن الدكتور “ حلمى مراد “ وزير التربية الأسبق كان قد ألف لجنة لعلاج هذا الوضع .
وأشهد أن الرجل كان حاد البصيرة عميق الإخلاص، راغباً فى إنشاء جيل أفضل وأقدر على مواجهة غده الثقيل .
ولقد انقسمت اللجنة المؤلفة إلى لجان شتى بذل أعضاؤها جهودهم فى أداء الواجبات المنوطة بهم .
[ ألف الدكتور “ حلمى مراد “ وزير التربية والتعليم الأسبق لجنة لدعم النواحى الدينية فى التعليم العام، وإصلاح مقرراته بما يعين على إنشاء جيل مسلم، وقد أخرج الدكتور من الوزارة (!!) بعد أن أدت اللجنة واجبها، فاستنقذنا هذه المقررات لإحدى الشعب التى اختصت بالجو المدرسى ]
واخترت لنفسى أن أكون فى اللجنة المعنية “ بالجو الذى يسود المدرسة “ لأن التربية المدرسية فى نظرى هى الدعامة الأولى للإفادة من العلم المبذول كما أنها الدعامة الأولى لإمداد أمتنا برجال ذوى معادن صلبة ومواهب راجحة وفضائل بارزة .
وقد انتهت اللجنة الموقرة إلى توصيات كثيرة، أستبيح لنفسى ذكرها آملاً أن ينفع الله بها، وأن تأخذ طريقها إلى الهواء والضياء !!
قالت اللجنة: “ لا نستطيع أن نربى الطالب تربية دينية كاملة إلا إذا هيأنا له جواً روحياً فى مدرسته وفى بيته ليكون هذا المناخ الدينى من وسائل التعلق بهذه القيم والانتفاع بها، وبهذا تتلاقى المعارف الدينية التى تلقاها من مدرسه ومن كتابه بالجو المصبوغ بالصبغة الدينية النقية فتتحول المعرفة النظرية إلى سلوك دينى كما تتحول البذور فى الجو الملائم إلى زهور وثمر “ .
وبذلك يمكن تثبيت العقائد وإلف العبادات وتزكية الأخلاق وتكوين جيل نزاع إلى الحق والخير متعاون على البر والتقوى .
ويتهيأ هذا الجو الدينى المدرسى المنشود بما يأتى:
(1) يبدأ اليوم الدراسى بتلاوة من آيات الذكر الحكيم مجودة أو مرتلة لتشيع فى الجو المدرسى أنسام الطهر الروحى .
(2) تدور كلمة الصباح بالإذاعة بين ثلاث دقائق وخمس دقائق، حول ما سمعه التلاميذ من الآيات المقروءة، وما تفرضه المناسبات الدينية، وما ترشد إليه من فضائل سامية، فى كلمات موجزة موحية .
(3) أن تكون دروس التربية الدينية فى الحصص الثلاث الأولى º ليشعر الطلاب بما للدين من قيمة عليا بين المواد الدراسية، وليكون التلميذ فى ذروة النشاط الفكرى، فيعى ما يسمع، ويقر فى نفسه .
(4) أن تذاع الأناشيد الدينية أو قصة دينية قصيرة فى الفسحة الأولى من اليوم الدراسى .
(5) أن ينظم الجدول المدرسى فيتلاقى ابتداء فسحة الظهيرة مع حلول وقت الظهر وينادى للصلاة ثم يدعى إليها بكلمات تحمس الطلاب لأداء الفريضة .
(6) أن يخرج مدرسو اللغة العربية والتربية الدينية ومعهم إدارة المدرسة ومن شاء من المدرسين الآخرين أمام التلامي، ثم يتجهوا إلى المصلى ليكون هذا العمل الجماعى إشعاراً ملموساً بإقامة الشعيرة فى وقتها .
(7) أن يكون لكل مدرسة مجموعة من الرواد الدينيين يتناسب مع عدد الفصول والطلاب، وهم الراعون لتلاميذهم يوجهونهم إلى مرشدهم ويؤمونهم فى صلاتهم وينظمون إقامة الشعيرة بجدول مخطط له حتى يؤدى الصلاة أكبر عدد من الطلاب، وعليهم أيضاً أن يعدوا تقريراً شهرياً عن سلوك كل تلميذ من تلاميذهم ويرسل التقرير إلى ولى أمره ليحس البيت برعاية المدرسة للدين فيعينها عليها .
(8) أن يخصص يومان فى الأسبوع من فسحة الظهر تدور فيها مناقشات دينية مطبوعة متصلة بحياة التلاميذ ولا تستغرق من وقت الفسحة زمناً طويلاً حتى لا يضيق التلاميذ بها . وفى الأيام الأخرى تذاع مسرحيات دينية قصيرة تتصل بمنهجهم الدراسى ما أمكن ذلك .
(9) أن تتجدد جماعات النشاط الدينى فتكون هناك جماعة للمسرح الإسلامى وغيرها للصحافة الإسلامية وأخرى للتاريخ الإسلامى .. بجانب الجماعات التقليدية كجماعة البر والإمامة وغيرهما .
(10) أن يكون العاملون فى الميدان المدرسى قدوة حسنة تتسم بالإيمان والسلوك الحميد الذى ينعكس على تلاميذهم إيماناً وإخلاصاً وسلوكاً قويماً .
(11) أن نجعل من بعض أيام الجمعة فرصة لالتقاء التلاميذ بأساتذتهم وأولياء أمورهم فى مصلى المدرسة، حيث تلقى عليهم دروس دينية حية تناقش أفكارهم على سعة، لنتيح اشتراك أولياء الأمور فى هذه المناقشة، مما يساعد على نقاء الجو المنزلى، ويوثق الروابط بين البيت والمدرسة .
(12) أن تدور أسئلة التطبيق الدينى الأسبوعى والاختبارات الشهرية والفترية حول الموضوعات التى تثار فى الندوات واللقاءات الدينية لنشد انتباه التلاميذ إليها .
(13) محاسبة المدرسين الذين يستهينون بدروس التربية الدينية فيستبدلون بها حصص المواد الأخرى .
(14) تقسيم طلاب المدرسة إلى أسر إسلامية، وتسمى كل أسرة باسم شخصية إسلامية كبرى، على أن يكون تلاميذ كل أسرة على علم وثيق بمن انتمت إليه أسرتهم، على أن تتبادل هذه الأسر المناشط الدينية وتثار بينهم المنافسات الكريمة فى الجهاد الدينى، على أن يدعى أولياء الأمور لاجتماعات شهرية لهذه الأسر º ليسهموا بجهودهم فى هذا المجال .
(15) استخدام القيادات المؤمنة من الطلاب فى جذب زملائهم إلى الإطار الذى ترسمه المدرسة ليتحرك بنوها فى حدوده، فإن تأثير الطالب على زملائه أعمق من تأثير الأساتذة عليه .
(16) وضع صندوق فى فناء المدرسة تجمع فيه التساؤلات الحرة للطلاب للرد عليها من جماعة الفتوى بالمدرسة .
(17) أن يعنى بالاحتفال بالمناسبات الدينية احتفالاً مخططاً له، لتكون صورة متكاملة تطبع فى نفوس الطلاب الإجلال لهذه المناسبة، ويجعل الهدف من إحيائها ربط الطلاب بشعائر الإسلام ومبادئه، فينبنى الاحتفال على أن تعرض مكتبة المدرسة فى ركن خاص كل ما لديها من تواليف دينية أعدت لهذه المناسبة الإسلامية، كما تقوم بندوات وأناشيد دينية ومسرحيات وأشرطة إسلامية .
(18) أن تزين جدران المصلى والمدرسة بلافتات تجذب الأنظار بجمال إخراجها وحسن اختيار ما يسطر عليها من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة والحكم البالغة والعظات الدينية الموجهة .
(19) الاهتمام باختيار شعار للمدرسة من الآيات والأحاديث، ويدرس الطلاب والطوالب بشتى الوسائل على الالتزام بما فى هذه الشعارات من قيم ومفاهيم، ويمكن أن يختار لمدارس البنات الشعار الذى يدعو إلى البعد عن التبرج والتمسك بأهداف الفضيلة والاحتشام فى الملبس والمظهر .
(20) أن تكون للتربية الدينية ركن فى المكتبة العامة وفى مكتبات الفصول، ويزود هذا الركن بخير ما تخرجه المطابع من الكتب الدينية الحديثة التى تربط بين الدين والحياة وبين الدين والعلم، وتناسب كل مرحلة من المراحل الدراسية .
(21) أن يكون للمصحف الشريف مكان الصدارة فى المكتبة العامة ومكتبات الفصول ومكتبة المصلى .
(22) العناية بالوسائل المعينة التى تساعد التلاميذ على فهم أبواب المنهج الدينى، وتشوقهم إليه، وتؤكد مفاهيمه فى نفوسهم، على أن يشترك الطلاب فى إعدادها .
(23) أن يكون بيد الطلاب فيما يقرر لهم من الكتب كتاب ذو موضوع واحد، يصور بعض البطولات الإسلامية والمعارك الإسلامية وأمجاد الإسلام العسكرية والعلمية، لتكون مثلاً عليا أمام الطلاب .
(24) ينتفع بمجلس الآباء فى دراسة وإنقاذ كل ما يجد من مشكلات فى سلوك الطلاب وعلاقتهم بالمدرسة وتصرفاتهم الخارجية .
(25) أن يحرص الزائرون الرسميون للمدرسة على الصلاة أمام التلاميذ ومعهم، ليترجموا عن العناية والاهتمام بأمر الدين، فتنصرف هذه العناية إلى التلاميذ .
(26) أن نستعين ببعض أولياء الأمور وغيرهم من المثقفين ثقافة دينية واعية، فى إلقاء بعض المحاضرات أو الدروس الدينية ليكونوا من أدوات التأثير وعوامل الاستجابة من الطلاب، مع الاهتمام بما يدور بين الطلبة من تيارات ونزعات قد تنحرف بالعقيدة والوجدان الدينى .
(27) التزام الحشمة والوقار فى الزى بمدارس البنات بين المدرسات والطالبات .
(28) أن تعد المدرسة معرضاً دينياً ينظم كل ما أنتجه الطلاب من وسائل تعليمية دينية، كصور المصلحين الإسلاميين ومناسك الحج والمعارك والغزوات، مع بعض البحوث الدينية التى أعدها الطلاب بإشراف رائدهم، وفى هذا تجسيد للقيم الروحية التى ننشدها لإعداد الجيل الجديد .
(29) إذا أمكن وصل النشاط الطلابى بالجماعات الإسلامية القائمة فى البلاد كان ذلك حسناً على أن يتم تحت إشراف المدرسة .
(30) يوضع اليوم الدراسى فى إطار يحدد أوله ونهايته تحديداً متصلاً بالدين فلا يدخل التلاميذ فصولهم فرادى، ولا ينصرفون منها فرادى، ولكن يجمعون فى صفوف قبل الدراسة والانصراف ليرددوا أناشيد دينية وقومية ذات معنى روحى وخلقى .
(31) أن تقوم المدرسة ببعض الرحلات الدينية التى يزور فيها الطلاب المساجد الكبرى والمتاحف الإسلامية والآثار والمعالم الدينية والتاريخية والمناطق السياحية الدينية، مما يوحى إليهم بأصالة ماضيهم الإسلامى وحضاراتهم المجيدة التى كانت مصدر إشعاع للعالم .
(32) تفتح أبواب بعض المدارس فى كل حى من الأحياء فى جميع المدن بجمهورية مصر العربية تحت إشراف مسئولين، وذلك لتحفيظ القرآن الكريم فى مدة العطلة الصيفية، وأن تخصص مكافآت مغرية لمن يحفظ جزءاً من القرآن، وكلما زاد عدد الأجزاء من القرآن زادت المكافآت .
الحوافز:
(33) خلق الحوافز بين الطلاب المتميزين دينياً من مثل إعفائهم من بعض الرسوم المدرسية أو رسوم الرحلات أو غير ذلك .
(34) أن ترصد نسبة مجزية من حصيلة مجلس الآباء لتأثيث المصلى، وإثابة المجيدين والمسابقات الدينية وإعانة المحتاجين من الطلاب .
(35) أن ترصد المناطق التعليمية مكافآت مالية سخية للطالب المثالى فى السلوك الدينى القيوم ليحفز ذلك غيرهم إلى أن ينهجوا نهجهم ويسلكوا سلوكهم .
(36) إعداد لوحات شرف للممتازين فى تحصيلهم الدينى وسلوكهم المستقيم ولمن يقوم بأعمال فى البر تستلزم التنويه بها والإشادة بمن قاموا عليها .
(37) إعداد شهادات تقديرية للطالبة أو الطالب الذى ينماز بالتحصيل الدينى ويسهم فى أنشطته ويتمسك بحبل الفضائل على أن ترسل هذه الشهادات إلى ذويهم لتبعث فيهم الحماسة للتربية الدينية فى المنزل، وليحرص البيت على النماء الروحى لهؤلاء الأبناء .
وبعد ..
(38) كل ما قدمناه إنما يدعم بالأجهزة الإعلامية الطاهرة النقية، أما إذا بقى الحال على ما هو عليه فى الصحافة والإذاعة والتليفزيون وغيرها من وسائل الإعلام فالجهد ضائع، لأن ما يبنى هنا تهدمه هذه الوسائل هناك .
والله ولى التوفيق .