الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: قذائف الحق
المؤلف: محمد الغزالي
التصنيف: فقه الحج
 

الباب السابع - مع التيار الشيوعى والإلحادى

لا بد للإسلام من خطة إيجابية يواجه الغزو الثقافى بها - 2

ولقد كنت أسأل نفسى: نحن نكافح هذه القوانين المستوردة من الخارج وما تتضمنه من فساد وإلحاد، فكيف دخلت بلادنا، وماذا كان موقف العلماء منها يوم جاءت، ولöم لمَ يموتوا دون تحكيمها فى مجتمعنا ؟

ثم علمت أن موتنا الأدبى هو الذى مهد لقبولها واستقرارها .. ومع نهضتنا الإسلامية الحالية بدأت تشريعات جنائية ومدنية تستقى من ينابيع الإسلام الأصيلة، ولا ريب أننا نملك أعظم ثروة تشريعية فى القارات الخمس غير أنها دفينة فى صحائف مهجورة ومصبوبة فى قوالب قديمة، ونستطيع أن نسترشد بها فى إقامة صرح قانونى إسلامى شامخ ..

ويبقى قبل ذلك وبعده أن يزدهر الفقه الدستورى عندنا، ويتخلص من أوهام العصور المتخلفة ورعايا حكام الجور ..

يبقى أن تتحول كلمة الخلافة الراشدة مفصلة: إن رأيتم خيراً فأعينونى وإن رأيتم شراً فقومونى .. إلخ .. إلى مواد مفصلة لدستور إسلامى يمنع الطغيان، وينعش الأمم، ويضع سياجاً متيناً حول كل حق خاص أو عام ..

وقبل أن نحتقر كلمة ديمقراطية ونجبه قائليها نقدم العوض الإسلامى عنها وعن آثارها القريبة والبعيدة .

وأى حرج فى أن ننتفع بتجارب الماضى الطويل عندنا وعند غيرنا ونحن نضع الدساتير ؟

وما يقال فى الجانب السياسى يقال فى الجانب الاقتصادى ..

إن ديننا يروع بما حوى من تعاليم تحقق الأخوة وتضمن الكرامة وتحارب الجوع والذل والبطالة والضياع .. ثم إنه حرم الاحتكار والاستغلال والربا والترف .

وجملة النصوص القرآنية والأحاديث النبوية فى هذا الميدان تكون صورة اجتماعية زاكية راقية .

ولا نقول: تكوّن مذهباً اجتماعياً مستقلاً، فإن الآثار الإسلامية الموصولة بهذا الشأن لا تعدو أن تكون فروعاً من الشجرة الكبيرة التى تضم تعاليم الإسلام جمعاء، أو بتعبير آخر هى بعض شعب الإيمان التى تبلغ الستين أو السبعين شعبة ..

والجهد الإسلامى الواجب: إذا كان الإنسان يوفر الكرامة للإنسان، فما هى العناصر التى يستجمعها، لإنشاء بيئة تنبت العز، ولمنع البيئة التى تنبت الهوان ؟ وكيف يصوغ هذه العناصر قوانين ضابطة لأحوال الأمم ؟

إذا كان الإسلام يمقت الفقر ويحب الاستغناء، فما هى العناصر التى يحشدها ليستغل خبرات الأرض فى البر والبحر ؟ وكيف يجند الهمم للكدح والكفاح ؟ ثم كيف يصوغ ذلك كله قوانين تحيل الجماعة الإسلامية إلى خلية ناشطة منتجة ؟

إن المسلمين ظلوا أمداً:

ِ يحتفون بالأنساب أكثر مما يحتفون بالأعمال .

ِ ويؤخرون العلم ويقدمون الحظ .

ِ ويريقون الأوقات على مصاطب اللغو والثرثرة أكثر مما يستغلون الأوقات فى الجد .

ِ وتحكمهم تقاليد ابتدعوها أكثر مما تحكمهم مواريث الدين ذاته ..

بل جعلوا العلم بالدين وظيفة الهمل والمغموصين .. فكان العقاب الأعلى لهذه الخيانات الباطنة والظاهرة أن سقطت الأمة الإسلامية على الصعيد العالمى هذا السقوط الذريع، وانسحب ذلك على دينها، فلم يصدق الناس أنه رحمة للعالمين .. !!

لقد بذلنا ِ أول العهد بالتأليف ِ جهداً حسناً فى سبيل تقديم الإسلام متجاوباً بل متبنياً لآمال الشعوب فى الكرامة والتقدم، وأمطنا اللثام عن نصوص كانت موجودة بداهة، ولكن العيون كانت تتجاوزها .

وربما أخطأنا فى الشرح والاستنتاج ِ والخطأ خليقتنا ِ لكن هذه الكتابات إذا جردناها من حرارة الشباب وسكبنا عليها قليلاً من برودة الشيخوخة، أمكن استخلاص المادة التى تسن منها قوانين تشرف الأمة الإسلامية وترفع كفتها ..

إن الإنكليز فى سبيل صد الشيوعية وصلوا إلى تأميم الطب، وكفالة العيش لكل عاطل حتى يجد العمل.

وغيرهم ابتكر ضروباً من الاشتراكية سدت الباب سداً أمام اليسار المغرى، فهل يغنى عنا أن نقول: فى الإسلام ما يكفى ويشفى دون أن نترجم تعاليمه إلى دساتير وقوانين ؟

ولكى نعرف كيف يتصرف غيرنا ليخدم نفسه ويحقق غرضه ننقل هذه الكلمات من رسالة عن المخطط الشيوعى للدكتور إبراهيم دسوقى أباظة جاء فيها: ينفرد المخطط الشيوعى بخاصة نفاذة، فهو يجمع عند الماركسى الحق بين التواء الأسلوب وصدق العقيدة، فكل ما يوصل إلى الغاية تسوغه الغاية وإن كان يصدم مرحلياً بجوهرها، وكل ما يحمل إلى الهدف يبرره الهدف، وإن بدا مناهضاً لمنطقه ..

ِ وهكذا التحق المراكسة بالوطنية وهم العالميون ! ..

ِ وانتعلوا نزعة القومية وهم اللاقوميون ! ..

ِ واعتصموا بحبل الدين وهم الملحدون !

ويقول: وبين دول العالم الثالث لم يعد الدين أفيون الشعوب ِ لمكانة الدين فى شعوب هذا العالم ِ وإنما أصبح الشعار المرفوع: الدين لله والشيوعية للجميع ..

أو كما قال قسيس أحمر “: ننظم حياتنا هنا كما نحب فإذا جاءت الآخرة نظرنا كيف نتصرف!! ..

وعلى هذا الأساس تحرك الحزب الشيوعى فى إيطاليا وفرنسا، وفى السودان واليمن الجنوبى ولا يزال بعضنا يدافع عن التراث الإسلامى بتفكير عصر المماليك !!

وحتى نعرف عدونا وما يصنع نقرأ هذه الكلمات إن الإعلام الشيوعى اكتسب منذ السنوات الأولى للثورة الحمراء قدرات لم تعرف من قبل، إذ أصبح قوة مؤثرة فى صنع الفكر وتوجيه الحركات الثقافية فى أنحاء العالم .. ويكفى للتدليل على حجم هذا الإعلام ما ورد فى إحصاءات الأمم المتحدة أخيراً أن الاتحاد السوفيتى يحتل المركز الأول فى إنتاج الكتب إذ يصدر يومياً 3700000 كتاب، أى ما يوازى ربع إنتاج العالم ويبلغ ما تنتجه المطابع السوفيتية فى الدقيقة الواحدة 20500 نسخة، ولعل فى هذا الأرقام ما يكفى، بل ما يصرخ بالمراد .
ترى ماذا تنتج المطابع الإسلامية ؟ لا رقم يذكر هنا، لأنه لا مجال للمقارنة، إننا نحن المؤلفين المسلمين نلتقط أنفاس الحياة بأعجوبة !
ويستطرد الدكتور أباظة فيقول: ونجاح الاتحاد السوفيتى فى إدراك هذا المستوى العالى من الإنتاج الإعلامى يعود إلى ما تقرر خلال الأيام الأولى لقيام الثورة فقد أصدرت الحكومة فى 29 / 12 / 1917 مرسوماً حددت فيه مبادئ ونظم نشر الكتاب .

ويعتقد الشيوعيون أن الصحافة والكتب من أهم وسائل الثورة الثقافية أو بتعبير آخر من أهم وسائل الانقلاب الفكرى الذى ينشدونه ولا شك أن الكتب والرسائل المؤلفة بذكاء من أمضى الأسلحة فى القضاء على الأفكار والنظرات المعارضة، وبث الآراء والتصورات الماركسية .
وتقول الأرقام إن عدد الجرائد فى الاتحاد السوفيتى 7937، ويبلغ مجموع النسخ من كل طبعة 120 مليون ويصدر منها فى العام الواحد 26 مليار و 655 مليون نسخة .

أما عدد المجلات فقد بلغ 4704 يصدر منها فى كل طبعة 132 مليون نسخة وبديهى أن هذا الإنتاج الضخم يتوزع على روسيا وغيرها من المؤسسات الشيوعية فى أرجاء العالم، وهو يطبع باللغات المحلية واللهجات الوطنية .

ذاك ما تبذله لتوضيح وجهة نظرها دولة تحتل الصف الأول فى التسلح العسكرى، وإذا كانت الأمور قد تذكر بأضدادها فلا بأس من إيراد هذه النكتة..
كتبت يوماً كلمة أشرح فيها اعتماد الإسلام على الإقناع فى نشر تعاليمه وأنه ما يلجأ إلى السيف إلا حيث يلقى السيف .

وهذه الكلمة جزء من فصل طويل فى كتابى الاستعمار أحقاد وأطماع .

وفوجئت بعد نشر هذه الكلمة بكاتب لا أعرف ما هو يتهمنى بالضعف والاستسلام لآراء المستشرقين،

ويقول: إن الإسلام يعتمد على القوة فى انطلاقه !

فقلت: زعم أولاد البلد أن أصم وكسيحاً ومفلساً ركبوا زورقاً لينقلهم إلى الشاطىء الآخر للنهر، وبينما الزورق فى وسط الأمواج قال الأصم: كأنى أسمع دبيب نملة على الشاطىء، فرد الكسيح: صه وإلا ركلتك فى الماء، وأجاب المفلس: الذى تعرف ديته أقتله ..

أى قوة تتحدث عنها أيها المسكين ؟ ولنفرض جدلاً أن الإسلام يملك قوة تجعله المتفرد بالسلطان على الأرض !! هل يعنى ذلك أن الدعوة ليست وسيلته الفذة ؟ وأن اعتماده الأعظم ليس على وسائل الإعلام ؟ إنه ما يلجأ إلى القوة إلا يوم تكون كسراً للعدوان، وحطماً للطغيان وكفكفة لشرور المغرورين وناشدى العلو والفساد فى الأرض ..

لكن المغفلين كثيرون، والطامة الكبيرة أن يملك هؤلاء السفهاء قدرة على الكلام فى الإسلام ومناوشة علمائه !!

ونعود إلى موضوعنا: إن شرح الإسلام بصورة عامة، وشرح الجانب الاجتماعى والاقتصادى منه بصورة خاصة يحتاج إلى بصر بالحياة المعاصرة وقضاياها المعقدة ومبلغ تغلغل الدولة فى شئون الأفراد والجماعات، بل ويصر بما تضمنه الإسلام من نصوص وآثار وما توحى به هذه النقول من دلالات قريبة وبعيدة ..

ثم صوغ ذلك قيماً ومبادئ وقوانين سهلة سائغة، على أن يساند هذا البلاغ تطبيق ناجح ونموذج عملى محترم !!

وبقى أن نعرف عن الشيوعيين شيئاً آخر .. دعاواهم العريضة عن منطقهم العلمى وفلسفتهم الواقعية، ولا أعرف مفلساً أكثر حديثاً عن ثروته الطائلة من الشيوعى الملحد الذى يكثر الحديث عن أسانيد كذبه ودلائل زيفه ..

لا شىء هنالك غير جرأة فى اتهام الناس بالرجعية والجمود .

واتهام المؤمنين بأنهم مخرفون نقلة أوهام ليس جديداً فى تاريخ الدنيا، إنه ذات الاتهام الذى كان يقوله عرب الجزيرة لصاحب الرسالة من أربعة عشر قرناً حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا: إن هذا إلا أساطير الأولين (الأنعام: 25)

والشيوعية نفسها فى ميدان التطبيق الاقتصادى نظام فاشل، فإنتاجها الزراعى أقل من غيره، وإنتاجها الصناعى أردأ من غيره، والقول بحتمية الحل الاشتراكى لون من السفسطة والكذب العام .

وقد قلنا إنها نظام سياسى نجح فى قتل المعارضة لأن أرزاق الناس جميعاً تجرى من بين أصابع الحاكمين ..

وقد أصابنا مس من الفكر الشيوعى فى حياتنا الاجتماعية فإذا اليوم ينعق فى ساحات كانت قبل عامرة، لم تجن الجماهير غير الشؤم والفزع والخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ..

إن العقل العلمى قد ينقص كثيراً من المتدينين أما أنه ينقص الدين نفسه فلا ثم لا .. كيف والتفكير فريضة إسلامية، والنظر الواعى إلى الكون والناس ركن ركين فى الإيمان .

إن الجو الصحو الدافئ هو وحده الذى ينمو فيه الإسلام ويزدهر، فإذا تقاصر الشعاع وانتشر الغيم شرع الإسلام يرحل !

وربما بقيت جماهير تتعلق بأذياله وهو مول ذاهب، لكن الظن لا يغنى من الحق شيئاً، والأثر لا يغنى عن العين نفسها ..
وبعض الناس أقلقه من الشيوعية أنها تذهب بما يملك وهو كثير كثير وما ننظر إلى أولئك ونحن نحارب الشيوعية، وإنما ننظر فى المقام الأول إلى هذا الإلحاد الحقود الأعمى المخاصم لله وأنبيائه جميعاً، المتبرم بالوحى الأعلى وتوجيهاته للناس .

ونحب بالمنطق العلمى أن يعرف القاصى والدانى أن الله حق، وأنه مشرف على العالم يدير أمره ويهب له وجوده، ويحسب على كل عاقل مسالكه، وما قدم وما أخر الله لا إله إلا هو الحى القيوم .

 

* * * * *


دار بينى وبين أحد الملاحدة جدال طويل، ملكت فيه نفسى وأطلت صبرى حتى ألقف آخر ما فى جعبته من إفك، وأدمغ بالحجة الساطعة ما يوردون من شبهات ..

قال: إذا كان الله قد خلق العالم فمن خلق الله ؟

قلت له: كأنك بهذا السؤال أو بهذا الاعتراض تؤكد أنه لا بد لكل شىء من خالق !!

قال: لا تلقنى فى متاهات، أجب عن سؤالى .

قلت له: لا لف ولا دوران، إنك ترى أن العالم ليس له خالق، أى أن وجوده من ذاته دون حاجة إلى موجد، فلماذا تقبل القول بأن هذا العالم موجود من ذاته أزلاً وتستغرب من أهل الدين أن يقولوا: إن الله الذى خلق العالم ليس لوجوده أول ؟

إنها قضية واحدة، فلماذا تصدق نفسك حين تقررها وتكذب غيرك حين يقررها، وإذا كنت ترى أن إلهاً ليس له خالق خرافة، فعالم ليس له خالق خرافة كذلك، وفق المنطق الذى تسير عليه .. !!

قال: إننا نعيش فى هذا العالم ونحس بوجوده فلا نستطيع أن ننكره !

قلت له: ومن طالبك بإنكار وجود العالم ؟

إننا عندما نركب عربة أو باخرة أو طائرة تنطلق بنا فى طريق رهيب، فتساؤلنا ليس فى وجود العربة، وإنما هو: هل تسير وحدها أم يسيرها قائد بصير !!

ومن ثم فإننى أعود إلى سؤالك الأول لأقول لك: إنه مردود عليك، فأنا وأنت معترفان بوجود قائم، لا مجال لإنكاره، تزعم أنه لا أول له بالنسبة إلى المادة، وأرى أنه لا أول لها بالنسبة إلى خالقها .

فإذا أردت أن تسخر من وجود لا أول له، فاسخر من نفسك قبل أن تسخر من المتدينين ..

قال: تعنى أن الافتراض العقلى واحد بالنسبة إلى الفريقين ؟

قلت: إننى أسترسل معك لأكشف الفراغ والادعاء الذين يعتمد عليهما الإلحاد وحسب، أما الافتراض العقلى فليس سواء بين المؤمنين والكافرين ..
إننى ِ أنا وأنت ِ ننظر إلى قصر قائم، فأرى بعد نظرة خبيرة أن مهندساً أقامه، وترى أنت أن خشبة وحديدة وحجرة وطلاءة قد انتظمت فى مواضعها وتهيأت لساكنيها من تلقاء أنفسها ..

الفارق بين نظرتينا إلى الأمور أننى وجدت قمراً صناعياً يدور فى الفضاء، فقلت أنت: انطلق وحده دونما إشراف أو توجيه وقلت أنا: بل أطلقه عقل مشرف مدبر ..

إن الافتراض العقلى ليس سواء، إنه بالنسبة إلىّ الحق الذى لا محيص عنه، وبالنسبة إليك الباطل الذى لا شك فيه، وإن كل كفار عصرنا مهرة فى شتمنا نحن المؤمنين ورمينا بكل نقيصة فى الوقت الذى يصفون أنفسهم فيه بالذكاء والتقدم والعبقرية ..

إننا نعيش فوق أرض مفروشة، وتحت سماء مبنية، ونملك عقلاً نستطيع به البحث والحكم، وبهذا العقل ننظر ونستنتج ونناقش ونعتقد .
وبهذا العقل نرفض التقليد الغبى كما نرفض الدعاوى الفارغة، وإذا كان الناس يهزءون بالرجعيين عبيد الماضى ويتندرون بتحجرهم الفكرى، فلا عليهم أن يهزءوا كذلك بمن يميتون العقل باسم العقل، ويدوسون منطق العلم باسم العلم، وهم للأسف جمهرة الملاحدة .. !!

لكننا نحن المسلمين نبنى إيماننا بالله على اليقظة العقلية والحركة الذهنية، ونستقرئ آيات الوجود الأعلى من جولان الفكر الإنسانى فى نواحى الكون كله .

فى صفحة واحدة من سورة واحدة من سور القرآن الكريم وجدت تنويهاً بوظيفة العقل اتخذ ثلاث صور متتابعة فى سلم الصعود، هذه السورة هى سورة الزمر، وأول صورة تطالعك هى إعلاء شأن العلم والغض من أقدار الجاهلين: قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب .

ثم تجىء الصورة الثانية لتبين أن المسلم ليس عبد فكرة ثابتة أو عادة حاكمة بل هو إنسان يزن ما يعرض عليه ويتخير الأوثق والأزكى فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب (الزمر: 9) .

ثم يطرد ذكر أولى الألباب للمرة الثالثة فى ذات السياق على أنهم أهل النظر فى ملكوت الله الذين يدرسون قصة الحياة فى مجالاتها المختلفة لينتقلوا من المخلوق إلى الخالق ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع فى الأرض ثم يخرج به زرعاً مختلفاً ألوانه ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يجعله حطاماً إن فى ذلك لذكرى لأولى الألباب “(الزمر: 21) .


وظاهر من الصور الثلاث فى تلك الصفحة من الوحى الخاتم أن الإيمان لمبتوت الصلة بالتقليد الأعمى أو النظر القاصر أو الفكر البليد .
إنه يلحظ إبداع الخالق فى الزروع والزهور والثمار، وكيف ينفلق الحمأ المسنون عن ألوان زاهية أو شاحبة توزعت على أوراق وأكمام حافلة بالروح والريحان، ثم كيف يحصد ذلك كله ليكون أكسية وأغذية للناس والحيوان، ثم كيف يعود الحطام والقمام مرة أخرى زرعاً جديد الجمال والمذاق تهتز به الحقول والحدائق، من صنع ذلك كله ؟

قال صاحبى وكأنه سكران يهذى: الأرض صنعت ذلك !!

قلت: الأرض أمرت السماء أن تهمى والشمس أن تشع وورق الشجر أن يختزن الكربون ويطرد الأوكسجين والحبوب أن تمتلئ بالدهن والسكر والعطر والنشا ؟؟

قال: أقصد الطبيعة كلها فى الأرض والسماء !

قلت: إن طبق الأرز فى غذائك أو عشائك تعاونت الأرض والسماء وما بينهما على صنع كل حبة فيه، فما دور كل عنصر فى هذا الخلق ؟ ومن المسئول عن جعل التفاح حلواً والفلفل حريفاً أهو تراب الأرض أم ماء السماء ؟

قال: لا أعرف ولا قيمة لهذه المعرفة !!

قلت: ألا تعرف أن ذلك يحتاج إلى عقل مدبر ومشيئة تصنف ؟

فأين ترى العقل الذى أنشأ والإرادة التى نوعت فى أكوام السباخ أو فى حزم الأشعة ؟؟

قال: إن العالم وجد وتطور على سنة النشوء والارتقاء ولا نعرف الأصل ولا التفاصيل !!

قلت له: أشرح لكم ما تقولون ! تقولون: إنه كان فى قديم الزمان وسالف العصر والأوان مجموعة من العناصر العمياء، تضطرب فى أجواز الفضاء، ثم مع طول المدة وكثرة التلاقى سنحت فرصة فريدة لن تتكرر أبد الدهر، فنشأت الخلية الحية فى شكلها البدائى ثم شرعت تتكاثر وتنمو حتى بلغت ما نرى!! هذا هو الجهل الذى أسميتموه علماً ولم تستحوا من مكابرة الدنيا به !!

أعمال حسابية معقدة تقولون إنها حلت تلقائياً، وكائنات دقيقة وجليلة تزعمون أنها ظفرت بالحياة فى فرصة سنحت ولن تعود !! وذلك كله فراراً من الإيمان بالله الكبير !!

قال وهو ساخط: أفلو كان هناك إله كما تقول كانت الدنيا تحفل بهذه المآسى والآلام، ونرى ثراء يمرح فيه الأغبياء وضيقاً يحتبس فيه الأذكياء، وأطفالاً يمرضون ويموتون، ومشوهين يحيون منغصين ..

قلت: لقد صدق فيكم ظنى، إن إلحادكم يرجع إلى مشكلات نفسية واجتماعية أكثر مما يعود إلى قضايا عقلية مهمة !!
ويوجد منذ عهد بعيد من يؤمنون ويكفرون وفق ما يصيبهم من عسر ويسر ومن الناس من يعبد الله على حرف، فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة     (الحج:11) .

قال: لسنا أنانيين كما تصف نغضب لأنفسنا أو نرضى لأنفسنا، إننا نستعرض أحوال البشر كافة ثم نصدر حكمنا الذى ترفضه ..
قلت: آفتكم أنكم لا تعرفون طبيعة هذه الحياة الدنيا ووظيفة البشر فيها، إنها معبر مؤقت إلى مستقر دائم، ولكى يجوز الإنسان هذا المعبر إلى إحدى خاتمتيه لا بد أن يبتلى بما يصقل معدنه ويهذب طباعه، وهذا الابتلاء فنون شتى، وعندما ينجح المؤمنون فى التغلب على العقبات التى ملأت طريقهم وتبقى صلتهم بالله واضحة مهما ترادفت البأساء والضراء فإنهم يعودون إلى الله بعد تلك الرحلة الشاقة ليقول لهم: يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون (الزخرف: 68)

قال: وما ضرورة هذا الابتلاء ؟

قلت: إن المرء يسهر الليالى فى تحصيل العلم، ويتصبب جبينه عرقاً ليحصل على الراحة، وما يسند منصب كبير إلا لمن تمرس بالتجارب وتعرض للمتاعب، فإن كان ذلك هو القانون السائد فى الحياة القصيرة التى نحياها على ظهر الأرض فأى غرابة أن يكون ذلك هو الجهاد الصحيح للخلود المرتقب ؟

قال ِ مستهزئاً ِ: أهذه فلسفتكم فى تسويغ المآسى التى تخالط حياة الخلق وتصبِير الجماهير عليها ؟ قلت: سأعلمك ِ بتفصيل أوضح ِ حقيقة ما تشكو من شرور، إن هذه الآلام قسمان: قسم من قدر الله فى هذه الدنيا، لا تقوم الحياة إلا به، ولا تنضج رسالة الإنسان إلا فى حره، فالأمر كما يقول الأستاذ العقاد: تكافل بين أجزاء الوجود، فلا معنى للشجاعة بغير الخطر، ولا معنى للكرم بغير الحاجة، ولا معنى للصبر بغير الشدة، ولا معنى لفضيلة من الفضائل بغير نقيصة تقابلها وترجح عليها ..

وقد يطرد هذا القول فى لذاتنا المحسوسة كما يطرد فى فضائلنا النفسية ومطالبنا العقلية، إذ نحن لا نعرف لذة الشبع بغير ألم الجوع، ولا نستمتع بالرى ما لم نشعر قبله بلهفة الظمأ، ولا يطيب لنا منظر جميل ما لم يكن من طبيعتنا أن يسوءنا المنظر القبيح .. “

وهذا التفسير لطبيعة الحياة العامة ينضم إليه أن الله جل شأنه يختبر كل امرئ بما يناسب جبلته، ويوائم نفسه وبيئته، وما أبعد الفروق بين إنسان وإنسان، وقد يصرخ إنسان بما لا يكترث به آخر ولله فى خلقه شئون، والمهم أن أحداث الحياة الخاصة والعامة محكومة بإطار شامل من العدالة الإلهية التى لا ريب فيها .

إلا أن هذه العدالة كما يقول الأستاذ العقاد: لا تحيط بها النظرة الواحدة إلى حالة واحدة، ولا مناص من التعميم والإحاطة بحالات كثيرة قبل استيعاب وجوه العدل فى تصريف الإرادة الإلهية . إن البقعة السوداء قد تكون فى الصورة كلها لوناً من ألوانها التى لا غنى عنها، أو التى تضيف إلى جمال الصورة ولا يتحقق لها جمال بغيرها، ونحن فى حياتنا القريبة قد نبكى لحادث يعجبنا ثم نعود فنضحك أو نغتبط بما كسبناه منه بعد فواته“ .

تلك هى النظرة الصحيحة إلى المتاعب غير الإرادية التى يتعرض لها الخلق .

أما القسم الثانى من الشرور التى تشكو منها يا صاحبى فمحوره خطؤك أنت وأشباهك من المنحرفين .

قال مستنكراً: أنا وأشباهى لا علاقة لنا بما يسود العالم من فوضى ؟ فكيف تتهمنا ؟

قلت: بل أنتم مسئولون، فإن الله وضع للعالم نظاماً جيداً يكفل له سعادته، ويجعل قويه عوناً لضعيفه وغنيه براً بفقيره، وحذر من اتباع الأهواء واقتراف المظالم واعتداء الحدود .

ووعد على ذلك خير الدنيا والآخرة من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون“.

فإذا جاء الناس فقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وتعاونوا على العدوان بدل أن يتعاونوا على التقوى فكيف يشكون ربهم إذا حصدوا المر من آثامهم ؟

إن أغلب ما أحدق بالعالم من شرور يرجع إلى شروده عن الصراط المستقيم، وفى هذا يقول الله جل شأنه: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير (الشورى: 20)

إن الصديق رضى الله عنه جرد جيشاً لقتال مانعى الزكاة، وبهذا المسلك الراشد أقر الحقوق وكبح الأثرة ونفذ الإسلام، فإذا تولى غيره فلم يتأس به فى صنيعه كان الواجب على النقاد أن يلوموا الأقدار التى ملأت الحياة بالبؤس ؟!

قال: ماذا تعنى ؟

قلت: أعنى أن شرائع الله كافية لإراحة الجماهير، ولكنكم بدل أن تلوموا من عطلها تجرأتم على الله واتهمتم دينه وفعله !!
ومن خسة بعض الناس أن يلعن السماء إذا فسدت الأرض، وبدلاً من أن يقوم بواجبه فى تغيير الفوضى وإقامة الحق يثرثر بكلام طويل عن الدين ورب الدين .. !!

إنكم معشر الماديين مرضى تحتاج ضمائركم وأفكاركم إلى علاج بعد علاج ..

وعدت إلى نفسى بعد هذا الحوار الجاد أسألها: إن الأمراض توشك أن تتحول إلى وباء، فهل لدينا من يأسو الجراح ويشفى السقام أم أن الأزمة فى الدعاة المسلمين ستظل خانقة ؟

 

* * * * *

|السابق| [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] [25] [26] [27] [28] [29] [30] [31] [32] [33] [34] [35] [36] [37] [38] [39] [40] [41] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

عقيدة المُسلم 

السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث 

الجانب العاطفي من الإسلام 

الإسلام والطاقات المعطلة 

قذائف الحق 

فقه السيرة 

الإسلام خارج أرضه 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca