ذكر الصحافى الشهير “ أنيس منصور “ أن العالمة الإنجليزية الدكتورة “ مرجريت برنبريدج “ مديرة مرصد “ جرنيتش “ قد اكتشفت أبعد نجم فى هذا الكون، وقد سمى الفلكيون هذا النجم “ كازار “ وأطلقت عليه الدكتورة المكتشفة “ كازار 172 “ .
هذا الجسم يبعد عنا بمقدار 15600 مليون سنة ضوئية، والسنة الضوئية كما ذكرنا من قبل تساوى (365 يوماً × 24 ساعة × 60 دقيقة × 60 ثانية × 186000 ميل وهى سرعة الضوء فى الثانية الواحدة) .
ورد هذا النبأ فى مجلة الطبيعة، ووصفت الدكتورة المكتشفة هذا النجم بأنه ساطع جداً .
ولهذه العالمة سبق فى ميدان الاكتشاف الفلكى إذ سجلت وجود نجم سماوى آخر فى أبريل الماضى سنة 1973.
ولما سئلت الدكتورة عن اتساع الكون الذى نعيش فى جانب محدود منه قالت: لا أحد يعرف . إن هذه هى حدود معرفتى بالقدر الذى تسمح به عدسة قطرها (120) بوصة، ولو كانت هناك عدسات أكبر أو أجهزة أقدر وأدق لاتسع أمامنا الكون، أكثر وأكثر .
سئلت: هل الله موجود ؟ وكان جوابها: من المؤكد أنه موجود !!
قيل لها: ولكن لماذا ؟ فأشارت إلى السماء وقالت: لهذا !!
ومن قبل ذلك بنصف قرن عندما أعلن “ أينشتين “ نظرية “ النسبية “ سأله بعض الناس: هل الله موجود ؟
وكان الرد: رياضياً موجود !!
وسئل: وكونياً ؟ قال: موجود !
قيل له: لماذا ؟ وكان الجواب: لهذا .. “ وأشار إلى السماء “ .
أقول إن القرآن الكريم أكثر الحديث عن السماء، وهو يبنى الإيمان على التأمل فى الكون والنظر فى سعته ودقته وخصائص مادته واستقامة قوانينه “ والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون “ (الذاريات: 51) “ ولقد جعلنا فى السماء بروجاً وزيناها للناظرين “ (الحجر: 16) “ وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً وهم عن آياتها معرضون “ (الأنبياء: 32)
وهناك إيماءة علمية معجبة مثيرة فى الحديث عن النجوم وأبعادها السحيقة تحسها وأنت تقرأ قوله تعالى: “ فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم “ (الواقعة:76)
إن جملة “ لو تعلمون “ تشير إلى أن هناك حقائق كبيرة فوق مستوى العقل البشرى تتصل بهذه المواقع، ترى على أوضحها الكشوف الفلكية الأخيرة ؟ ربما .. إذا كان الخطاب متجهاً إلى الناس فى عهد ابتداء الوحى .. إنهم لم يروا فى المراصد الحديثة أسرار القبة الزرقاء وما فيها من عجائب .. أما أهل هذا العصر فقد عرفوا، وبهرهم ما عرفوا واضطرت جمهرتهم أن تقول: “ سبحانك ما خلقت هذا باطلاً “ ومع ذلك فنقول إن ما عرفه العلماء الآن شىء تافه بالنسبة إلى ما زوى عنهم، فإن آلاتهم التى اعتمدوا عليها أرتهم القليل وعجزت عن الكثير، ويبقى الخطاب القرآنى موجهاً إلى الأقدمين والمحدثين على سواء “ فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم “ .
إن الكون كبير، وأكبر منه خالقه جل جلاله ..
وأعترف أنى لم أعرف ضآلة الأرض التى نحيا فوقها إلا بعد قراءات يسيرة فى علم الفلك، بعدها فقط فهمت معنى الحديث القدسى “ يا عبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك فى ملكى شيئاً . يا عبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكى شيئاً “ (رواه الترمذى فى القيامة، وغيره) .
أومض فى بصيرتى شعاع عن عظمة الخالق الأعلى جعلنى أردد مع صاحب الوحى الخاتم وأصدق بشر فى الآخرين، هذا التسبيح القانت ما جعلنى أكذب أساطير اليهود والنصارى التى تصف الله بأنه جلس يأكل مع عبده إبراهيم، أو اشتبك فى صراع مع عبده يعقوب !!
قبحاً لهذا اللغو ! .. أكذلك يوصف رب المشارق والمغارب بديع السموات والأرض، جاعل السموات والأرض ؟؟
وعدت إلى القرآن الكريم أنظر إليه بإعزاز، وأتدبر آياته بأدب وأستمع إليه يصف الجاهلين بربهم فيقول:
“ وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون “ (الزمر: 67) .
لكن لماذا التأمل فى السماء وحدها ؟ هل يحتاج اليقين إلى هذا النظر العالى ؟ إن هناك أنفسنا والأرض التى نعيش عليها، يمكننا أن ننظر فيها ِ عن قرب ِ لنعتبر ونتعلم .. “ وفى الأرض آيات للموقنين وفى أنفسكم أفلا تبصرون “ (الذاريات: 21)
كنت أفكر فى مسألة علمية تحتاج إلى استغراق ومراجعة، وكانت طفلتى تلعب قريباً منى تنظر إلىّ ولا يعنيها من تفكيرى شىء .. قلت: أنا وهى نماذج لأربعة آلاف مليون أو أكثر يسكنون هذه الكرة الطائرة فى فضاء الله تدور بقدر حول أمها الشمس ..
لكل فرد من هذه الألوف المؤلفة فكره الخاص، وعالمه الذى يعيش داخله وطريقته فى الفهم والحكم على الأمور .
ترى لو انقطع التيار الذى تنير به هذه الأدمغة، إلام تصير ؟
على كل حال إنه لم ينقطع، وفى كل مخ تلافيفه التى يتحرك بها ويقوم عليها عالمه الخاص . سبحان من أبدع هذا كله، سبحان من احتوت أصابعه قلوب الخلائق جميعاً يصرفها كيف يشاء .
وعدت إلى تعليق الأستاذ أنيس منصور على الكواكب المكتشفة ودلالة السماء على عظمة الله، إنه يقول: “ على الرغم من ضخامة الكون وعظمته وأبعاده التى لا ندرك لها حدوداً فإن هذا الكون أبسط من النفس الإنسانية وأسهل من الجسم الإنسانى، وأصغر من الخلية الحية ..
“ إن عظمة العالم تبرز فى تكوين الحياة نفسها، إن الحياة فى الكائن الحى أروع وأعمق وأعقد وأصعب من نجم ملتهب يدور فى الفضاء السحيق بعيداً عن عيوننا وعدساتنا ..
“ إن المسافة التى بينى وبين القمر أقرب جداً من المسافة التى بينى وبينك، فالذى بينى وبينك صعب وغير مفهوم ..
“ ومن هنا كان أى كائن حى مهما دق وزنه وحجمه أعظم من أى نجم غابر فى الأفق ..
“ لست فى حاجة إلى أدلة على وجود الله نستوردها من السماء ِ وحدها ِ وإنما فى نفسك وجسمك وتحت قدميك توجد أعظم معجزات الخلق والإبداع “ .
وفى هذا الكلام صدق كثير .. ليس من الضرورى أن يكون المرء فلكياً ليعرف عظمة ربه .. إن الرجل العادى يستطيع أن يعرف عن قدرة الله وحكمته وعلمه ورحمته ما ينمى الإيمان فى قلبه ولبه لو أنه نظر فقط إلى ما يأكله .
ولكن ناساً كثيرين “ يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام . والنار مثوى لهم “ (محمد 12)
* * * * *
فى أرجاء الأمة الإسلامية ناس أشباه متعلمين يعلنون إلحادهم دون حياء، ويزعمون أنهم ثوار على الرجعية، عشاق للمعرفة، ضائقون بالأفكار القديمة، معتنقون للأفكار الحديثة !!
وكثيراً ما لقيت فى طريقى صوراً من هؤلاء الناس، فأتفرس فى مسالكهم وأتأمل فى أقوالهم وأحوالهم، ثم أذكر كلمة العقاد رحمه الله: هناك مقلدون فى كراهية التقليد !
أما حديث العلم وتقدمه، والكون وكشوفه فهو تعلة خادعة ينكرها العلم والعلماء ..
وأول ما نلحظه على أولئك الناس نقلهم لكلمات أوحت بها بيئات أخرى وترديدها فى بلادنا دون أى حساب لاختلاف الزمان والمكان والباعث والنتيجة !!
لقد كان الفيلسوف الألمانى “ نيتشه “ ملحداً، وكان كفره بالله شديداً . ومما يؤثر عنه قوله فى الهجوم على الدين “ عندما نستمع فى صباح الأحد إلى دقات الأجراس القديمة نتساءل: أهذا ممكن ؟ إن هذا كله من أجل يهودى صلب منذ ألفى عام كان يقول إنه ابن الله !! وهو زعم يفتقر إلى برهان ..
“ لا جدال أن العقيدة المسيحية ِ هكذا يقول نيتشه ِ هى بالنسبة إلى عصرنا أثر قديم نابع من الماضى السحيق، وربما كان إيماننا بها فى الوقت الذى نحرص فيه على الإتيان ببراهين دقيقة لكل رأى نعتنقه شيئاً غير مفهوم، فلنتصور إلهاً أنجب أطفالاً من زوجة غانية، وخطايا ترجع إلى الله ثم يحاسب هو نفسه عليها خوفاً من عالم آخر يكون الموت هو المدخل إليه ! لكم يبدو كل ذلك مخيفاً، وكأنه شبح قد بعث من الماضى السحيق ! أيصدق أحد أن هذا ما زال يصدق “ ؟
وهذا الطراز من الإلحاد هو الذى يحمل جرثومته بعض الناس، يحسبون أنهم يفتنوننا به نحن المسلمين عن ديننا ويصرفوننا عن رسالتنا ..
وهو طراز يختلط فيه التقليد الأعمى بالنقص المركب، أو حب الظهور بالحقد على المجتمع .. أما الزعم بأن العلم المادى ضد الدين، وأن بحوثه المؤكدة وكشوفه الرائعة تنتهى بإنكار الألوهية فهذا هو الكذب الصراح .. !
بل إن أساطين العلم والفلسفة تشابهت مقالاتهم فى إثبات الوجود الأعلى، وتكاد فى وصفها لله تنتهى إلى ما انتهى إليه القرآن الكريم من توحيد وتمجيد ..
نحن لا ننكر أن خصاماً شديداً قد وقع بين العلم والدين فى أوربا حيث كان القول بكروية الأرض كفراً، والقول بدورانها حول الشمس إلحاداً !!
ولا ريب أن هذه الجفوة المفتعلة بين حقيقة الدين وطبيعة العلم تركت آثاراً سيئة هنا وهناك، بيد أن الاعتماد على هذا فى التجهم للإيمان الحق لا يسوغ، فإن تجريد الدين من الشوائب التى لحقت به، والتزام العلم للنهج السوى فى البحث عن الحقيقة قد انتهى بصلح شريف يذكرنا بقوله جل شأنه:
“ سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شىء شهيد “ (فصلت) .
كانت المادية هى بدعة القرن الماضى، وكان الزعم السائد أنه لا وجود إلا للمادة، وأن ما وراء المادة عدم محض وأن المادة لا تفنى ولا تستحدث، وأن الدين بعد هذا كله أمسى لا مكان له !!
ثم مضت الحقائق العلمية تكشف عن وجهها فإذا مقررات الماضى تنسف من أصولها، يقول الدكتور أبو الوفا التفتازانى: “ كان العلم يتصور الأمور تصوراً مادياً بحتاً إلى أن جاء العالم الشهير “ ألبرت أينشتين “ فغير ببحوثه الطبيعية النظر إلى المادة تغييراً حاسماً، وقد صور الفيلسوف الإنجليزى “ راسل “ ذلك قائلاً: درسنا العالم الطبيعى فوجدنا المادة عند العلم الحديث قد فقدت صلابتها وعفويتها، إذ حللها العلماء إلى مجموعات ذرية كل مجموعة منها تنحل إلى ذرات، وكل ذرة تعود بدورها فتنحل إلى كهارب موجبة وأخرى سالبة، ثم مضى العلماء فى التحليل، فإذا هذه الكهارب نفسها تتحول إلى إشعاعات !!
وختم “ راسل “ كلامه بهذه العبارة “ ليس فى علم الطبيعة ما يبرهن على أن الخصائص الذاتية للعالم الطبيعى تختلف عن خصائص العالم العقلى“.
ونحن نقول: انتساب ذلك الكون الضخم إلى أصول من الأشعة شىء مثير حقاً !! ترى ما الذى كثف النور وجمد حركته ووزعه على ألوف الأشكال التى نراها ؟
إنك لن تعدم سفيهاً يقول لك: تم ذلك من تلقاء نفسه !!
وهذا القائل مستعد أن يقول لك أيضاً: إن الصحف فى عواصم العالم تصدر عن دورها مليئة بالأخبار والتعليقات والصور منسقة الحروف والأرقام تلقائياً من غير ما إشراف ولا إعداد ولا تبويب ولا ترتيب !
لعمرى إن ذلك أدنى إلى التصور من خلق الموت والحياة فى هذا العالم الفخم تلقائياً كما يأفك الأفاكون !!
لكن أى عاقل يحترم نفسه ويقدر علمه يأبى هذا المنزلق .
يقول الدكتور التفتازانى: ولعل هذا ما جعل العلامة “ أينشتين “ يؤثر الإيمان بالله ويرفض الشبهات التى تختلق ضده، وقد دار حوار بينه وبين صحفى أمريكى يدعى “ فيرك “ فى هذا الموضوع قال فيه الرجل العالم بحسم: إننى لست ملحداً !! ولا أدرى: هل يصح القول بأنى من أنصار وحدة الوجود ؟ إن المسألة أوسع نطاقاً من أن تحيط بها عقولنا المحدودة !!
[ ليس هذا العالم ممن يعتنقون مذهب الوحدة الذى يعرفه الهنود، أو بالنحو الذى تسرب من الهندوكية إلى بعض الديانات الأخرى، ولكنه يريد أن يقول: إنه يرى الله فى كل شىء ويلمح صفاته العظمى فى مجالى الكون كله “ هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شىء عليم “ وعذر الرجل أنه لا يعرف الإسلام فيعبر التعبير المأثور .. ]
وعاد الصحفى إلى سؤاله بطريقة أخرى يريد بها هز الإيمان الذى لاذ به هذا العالم، فقال: إن الرجل الذى يكتشف أن الزمان والمكان منحنيان، ويحبس الطاقة فى معادلة واحدة جدير به ألا يهوله الوقوف فى وجه غير المحدود !!
فيرد أينشتين: اسمح لى أن أضرب لك مثلاً: إن العقل البشرى مهما بلغ من عظم التدريب وسمو التفكير عاجز عن الإحاطة بالكون فكيف بخالقه ؟! نحن أشبه ما نكون بطفل داخل مكتبة كبيرة ارتفعت كتبها إلى السقف فغطت جدرانها، ثم هى مؤلفة بشتى اللغات . إن هذا الطفل يعلم أن شخصاً ما كتب هذا الكتب، ولكنه لا يعرف بالضبط من هو، ولا كيف كانت كتابته لها ثم هو لا يفهم اللغات التى كتبت بها !!
وقد يلاحظ الطفل أن هناك طريقة معينة رتبت بها الكتب ونظاماً غامضاً يشمل صفوفها وأوضاعها، نظاماً نحس أثره ولا ندرى كنهه .
إن ذلك القصور هو موقف العقل الإنسانى مهما بلغ من العظمة والتثقيف !!
وعاد الصحفى الأمريكى يسأل: أليس فى وسع أحد حتى أصحاب العقول العظيمة أن يحل هذا اللغز ؟
فأجاب أينشتين مرة أخرى يعلل لماذا هو مؤمن، ولماذا يعجز عن معرفة كنه الله فقال: “ نرى كوناً بديع الترتيب خاضعاً لنواميس معينة، ونحن نفهم هذه النواميس فهماً يشوبه الإبهام فنؤمن بالله ولكن عقولنا المحدودة لا تدرك القوة الخفية التى تهيمن على مجاميع النجوم “ .
لو كانت المواد التى يتكون منها هذا العالم الضخم تتراكم بعضها فوق بعض دون تبصر أو حكمة لدلت كثرتها وحدها على غنى واسع وثراء عريض !! فإن الأبعاد الآلية لهذا الكون مذهلة !!
لكن الأمر أبعد ما يكون عن الجزاف والفوضى .
والبناء العقلى المتغلغل فى الكون من الذرة إلى المجرة يجعلنا نكون عن هذا العالم الدقيق صورة أخرى .
ولن نأتى بهذه الصورة من عند أنفسنا بل من أقوال الفلكى الإنجليزى “ سير جيمس جينز “ الذى ينطق بهذه العبارة المثيرة: “ لقد بدأ الكون يلوح أكثر شبهاً بفكر عظيم منه بآلة عظيمة “ .
إن الروعة لا تكمن فى ضخامة الآلة التى نراها بل فى الطريقة التى تدور بها وتؤدى وظيفتها، فى حبكة الموازنة والضبط والتقدير .
ومن ثم يتجه الإعجاب إلى العقل الواضع الحاسب قبل أن يتجه إلى أثره المحدود .
ولننظر إلى عقلنا الإنسانى بين ما ننظر إليه من صنوف المخلوقات ماذا نرى ؟ إنه كائن ذكى قدير يبدو ويخفى فى أدمغة الألوف المؤلفة من سكان الأرض والأحياء والراحلين، الذين وجدوا والذين سيوجدون، من أين تولد هذا العقل ؟ من الماء والطين كأعشاب الحدائق .. هذا فرض مضحك ولا ريب، إنه نفحة من الخالق الأعلى وحده .
يقول سير جيمس جينز: يجب أن نذكر المقدمات التى يفترضها بعض النقاد من غير علم، فالكون لا يبيح لنا أن نصوره تصويراً مادياً، وسبب ذلك فى رأيى أنه قد أصبح من المدركات الفكرية العميقة أنا واجدون فى الكون دلائل قوة مدبرة أو مسيطرة يوجد بينها وبين عقولنا الفردية شىء مشترك، خير ما نصفها به أنها رياضية (!) لأننا لا نجد الآن أصلح من هذا التعبير “ .
والعلامة الإنجليزى معذور فى وصف الإبداع الإلهى بهذا الأسلوب، لقد راعه وهو فلكى راسخ أن يجد فى نظام الشروق والغروب والدوران والانطلاق دقة تسجد علوم الرياضة فى محرابها، فقال: “ إن التفكير المشرف عليها ليس هو العاطفة أو الأخلاق أو تقدير الجمال، ولكنه الرغبة فى التفكير بطريقة تفكير علمى رياضى !! بل إنه اعتبر العقل الإنسانى أثراً للعقل الكلى الذى توجد فيه على شكل فكر تلك الذرات التى نشأت منها عقولنا، ثم انتهى أخيراً إلى أن الآراء متفقة إلى حد كبير فى ميدان العلم الطبيعى إلى أن نهر المعرفة يتجه نحو حقيقة غير آلية “ أى غير مادية، أى إلى الله الكبير المتعال . “
على هذا النحو يفكر علماء الكون الكبار، ويحكم أئمة العلم الحديث ورواده الكبار، ولذلك شعرت بسخرية أى سخرية عندما قرأت لصحافى “ كبير “ فى بلادنا هذه الكلمة الغبية السمجة: “ إن التقدم العلمى يوشك أن يجعل أخطر الوثائق العقائدية نوعاً من البرديات القديمة التى حال لونها، وبليت صفحاتها، وعدت عليها عوامل الزمن بالتعرية والتآكل وأصبح من الضرورى للإبقاء على أثرها أن يخصص لها مكان فى متاحف التاريخ“.
قلت: ما أوسع الفرق بين منطق العلماء ومنطق الجهلاء فى تناول القضايا وإرسال الأحكام . هل يمحى الإيمان كله بهذه السهولة .
ولقد شعرت كذلك بسخرية أى سخرية عندما رأيت كتاباً بعنوان “ العالم ليس عقلاً “ ألفه شخص ولد فى نجد وقضى أغلب عمره على قهوات القاهرة وبيروت، وتلقى أكثر علمه من الأوراق الشاحبة التى يسطرها بعض المعلولين والمعقدين !
هذا المسخ الذى لم يعمل يوماً فى مرض ولا مختبر للكيمياء أو الفيزياء ينكر الألوهية ويسفه النتائج التى وصل إليها أمثال “ أينشتين “ من قادة المعارف الكونية، طبعاً لأنهم رجعيون وهو تقدمى، ولأنهم قاصرون وهو نابغة .. !!
ولست أتهم كل ملحد أنه صورة للملحدين الصغار فإن هناك بعض العلماء والفلاسفة ِ وإن كانوا قلة ِ تنكروا للإيمان وقواعده وغاياته، بيد أن المتتبع لأقوال هؤلاء يجزم بأن انتسابها إلى العلم تزوير جرىء فهم يخمنون ويفترضون ثم يبنون قصوراً على رمال !
وقد قرأت لبعضهم كلاماً عن بداية الخليقة يثير الضحك، فهم يزعمون أن العناصر فى الأزل السحيق تفاعلت اعتباطاً، وسنحت فرصة لن تتكرر بعد أبداً (!) فتكونت جرثومة الحياة ثم أخذت تنمو وتتنوع على النحو الذى نرى ..
وهذا كلام لا يصدر عن عقل محترم ولا يصفه بأنه علم إلا مخبول !!
وصدق الله العظيم “ ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضداً “.
وأذكر أنى ِ وأنا أناقش بعض الأدلة ِ سألت نفس هذا السؤال: هل أنا كائن قديم أم مخلوق جديد ؟
فكان الجواب القاطع: لقد ولدت سنة كذا، فأنا حادث بلا ريب !! ولكن شبهة ثارت تقول: إنك تخلفت عن مادة الذين هلكوا قبلك، وعندما تموت فستكون أجساد منك ومن غيرك ! فقلت: إذا سلمت بهذا فى الأجساد فلن أسلم به فى روحى أنا .. إن هذه “ الأنا “ المعنوية هى حقيقتى الكبرى، وأنا مستيقن بأنى كائن جديد مستقل وجدت بعد عدم محض، فمن أبرزنى من لا شىء ؟
إننى لست معتوهاً حتى أشك فى بداية وجودى وشعورى، فمن رب هذه المنحة الخطيرة ؟ فتلوت قوله تعالى “ هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً . [ الاستفهام تقريرى أى لقد أتى على الإنسان وقت كان فيه عدماً محضاً . والآيات فى صدر سورة الإنسان ] إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً “ .
وعدت إلى قصة الجسد الذى أحمله فى حياتى وأنضوه بعد مماتى هل هو قديم المادة حقاً ؟ فسألت العلم: كيف يوجد ؟ وهل يمكن أن يتمثل بشراً سوياً هكذا خبط عشواء ؟ فقال العلم: إن الوليد يتخلق أول أمره من التقاء الحيوان المنوى بالبويضة !
فما الحيوان المنوى ؟ كائن دقيق توجد فى الدفقة الواحدة منه قرابة مائة مليون حيوان، كل واحد من هذه الألوف المؤلفة يمثل الخصائص المعنوية والمادية للإنسان من الطول والقصر والسواد أو البياض والذكاء أو الغباء والشدة أو الهدوء .. الخ .
ويبدأ التكون الإنسانى بوصول واحد ِ لا غير ِ من هذه الألوف الكثيفة إلى البويضة وتفنى البقية .
قلت: فلأقف عند نقطة الابتداء هذه لأسأل: من الذى صنع هذه الحيوانات السابحة فى سائلها، الحاملة لخصائص السلالة الآدمية من أجيال خلت ؟
قالوا: غدة فى الجسم !
قلت: غدة أوتيت الذكاء والوعى والاقتدار على خلق مائة مليون كائن من طراز واحد ! مجموعة دراهم من اللحم تتصرف من تلقاء نفسها فى صنع الذكاء أو الغباء، والحلم أو الغضب ؟
ما يصدق هذا إلا مغيب العقل !! وتلوت قوله تعالى:
“ أفرأيتم ما تمنون . أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ؟ “ [ الواقعة: 58 ]
إننا أمام أدوات القدرة الإلهية العليا وهى تبرز مشيئة الخلاق الجليل، وكأنها تقول لنا: إن خلق الله للعالم ليس فيه شائبة غرابة ! أليس يخلق فى كل لحظة تمر ألوفاً من الناس وألوفاً من الدواب، وصنوفاً من النبات ؟؟
إن إبداع الخليقة ليس فلتة وقعت وانتهت، وأمست فى ذمة التاريخ بحيث يستطيع المكابرون أن يجادلوا فيها .. لا .. إن الإيجاد من الصفر يقع أمام أعيننا كل يوم فى عالم الأحياء فلم هذا المراء .
إن بديع السموات والأرض لا يزال يخلق فى كل وقت وفى كل بر صنوفاً من الأحياء الدقيقة والجليلة لا حصر لها، فكيف ينكر ما كان من خلق أول أو ما سوف يكون من بعث وجزاء ؟
“ أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده . إن ذلك على الله يسير . قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة . إن الله على كل شىء قدير “ [ العنكبوت: 20 ] .
ولنفرض جدلاً أن بعض الناس يرى أن الفلك الدوار يجرى فى الفضاء دون ضابط ولا رابط، وأن الوليد الخارج من ظلمات الرحم لامع العين مورد الخد مفتر الثغر، قد صنعه على هذا التقويم الحسن شىء ما فى بطن الأم !!
لنفرض أن بعض الناس ركب رأسه وقال هذا الكلام فما الذى يجعل هذا الزعم السخيف يوصف بأنه علم وتقدمية على حين يوصف منطق الإيمان بأنه جمود ورجعية ؟
سبحانك هذا بهتان عظيم !
لقد آن الأوان لتهتك الأستار عن أدعياء التقدم الذين يمثلون فى الواقع ارتكاساً إنسانياً إلى جاهلية عديمة الشرف والخير مبتوتة الصلة بالعقل وذكائه والعلم وكشوفه ..
ربما شك بعض الناس فى حقيقة الدين الذى يعتنقه أو فى جدواه عليه، فإذا ساور هذا الخاطر أحداً من خلق الله، فإن العربى آخر امرئ يعرض له هذا الظن، بل يقرب من المستحيل أن يساوره .
ذلك أن فضل الإسلام على العرب كفضل الضياء والماء على الزرع .
لا أقول أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، بل أقول أوجدهم من عدم، وجعل لاسمهم حقيقة، وأقام بهم دولة وأنشأ حضارة ..
قد تكون بعض العقائد عقاقير مخدرة للنشاط البشرى، لكن الإسلام لما جاء العرب شحذهم وأثار عقولهم، ووحد صفهم، وطار بهم إلى آفاق مادية وأدبية لم يحلم بها آباؤهم ولا تخيلها أصدقاؤهم أو أعداؤهم، ومضى العرب فى طريق المجد الذى شقه الإسلام لهم فعرفهم للعالم وكان قبل يجهلهم، وأفاءوا على ماضيه القريب ما لا ينكره إلا متعصب كفور !
وارتبطت مكانة العرب الذاتية والعالمية بهذا الدين، فهم يتقهقرون إذا تخلوا عنه ويستباح حماهم . وهم يرتقون ويتقدمون إذا تشبثوا به وتحترم حقوقهم .
على عكس ما عرف فى أمم أخرى لم تستطع التحليق إلا بعدما تخففت من مواريثها الدينية كلا أو جزءاً !!
وقد استطاع مسلمو الجزائر فى هذا العصر أن يستخلصوا حريتهم من براثن عاتية وأن يدفعوا ثمن هذا الخلاص مليوناً ونصف من الشهداء !
وما ينبغى تقريره هنا أن الإسلام وحده كان وقود هذا الكفاح القاسى .. الإسلام بما غرسه فى الأفئدة من إباء.
فلما ظفر الجزائريون باستقلالهم بدءوا يستعيدون عروبتهم التى فقدوها خلال قرن وربع، ووضعت مشروعات لجعل الأفراد والجماعات ينطقون بالعربية ويتفاهمون بها بعدما كادت هذه اللغة تبيد أمام زحف الفرنسية وسيادتها فى الشوارع والدواوين !!
إن الإسلام بالنسبة للعروبة ولىّ نعمتها وصانع حياتها .
وقد اعترف مسيو “ جاروديه “ وهو شيوعى فرنسى عاش ردحاً من الزمان فى جبهة التحرير الجزائرية بأن الدين وحده هو الذى أوقد شرر هذا الكفاح العزيز الغالى وأن الإسلام يستحيل أن يوصف بأنه مخدر الشعوب .
والإسلام لا يجعل من العرب شعباً مختاراً يفضل غيره بسلالة أو دم خاص، كلا كلا، إن الله اختار لعباده تعاليم راشدة وشرائع عادلة، ثم وكل إلى العرب أن يحملوا هذه التعاليم والشرائع ليعملوا بها وليعلموها من شاء ..
والله يأبى كل نعرة عنصرية أو استعلاء قومى .. إنها مبادئ محددة، تنطلق منها أمة ما فتكون بعين الله، أو تند عنها فيدعها لنفسها، بالوفاء لهذه المبادئ تصعد، فإن فرطت هبطت .
ولذلك يقول الله للمنهزمين فى أحد “ ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين “ [ آل عمران: 139 ] فالعلو قرين الإيمان، وينصح الأمة كلها بالطاعة والإصلاح ويتهدد عدوها بالطرد والهوان، ثم يأمرها بالمقاومة ورفض الاستسلام وسيكون المستقبل لها إن هى أبقت حبلها موصولاً بربها “ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم . إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم، فلا تهنوا وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم “ [ محمد: 35 ] .
والتدبر فى هذه الآيات الثلاث يعطى فكرة بينة أن تفضيل أمة ما هو تفضيل سلوك ومنهج، لا تفضيل دم أو لون وأن الإيمان الشريف والاستقامة الواضحة أساس العزة المنشودة وأنه مهما لاقى المسلمون من صعاب وهزائم فلا يجوز أن يقبلوا سلماً مخزياً ولا أن يعطوا الدنية من أنفسهم .
ولهم أن يركنوا إلى الله ولن يذل جانبهم ما آمنوا به وعملوا له .
واليقظة العزيزة التى صنعها الإسلام وهو يبنى الأمة يمكن أن نتابعها فى مرحلتين:
الأولى فى العهد المكى، يوم كان المسلمون قلة تتوقع الضيم ويتجرأ عليها الأقوياء !
لقد أمر المسلمون إبان هذه المحن أن يثبتوا ويشمخوا بحقهم، ويتنكروا لكل هوان ينزل بهم، ويطلبوا ثأرهم ممن اعتدى عليهم، فإن عفوا فعن قدرة ملحوظة لا عن ادعاء مرفوض !!
انظر كيف وصفت سورة الشورى المكية طلاب الآخرة الذين يؤثرون ما عند الله على هذه الدنيا، إنهم “ الذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون والذين إذا أصابهم البغى إذا هم ينتصرون ! وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله والله لا يحب الظالمين “ [ الشورى: 38 ] .
فطلاب الآخرة ِ كما وصفتهم السورة المكية ِ ليسوا الذين يعيشون فى الدنيا أذناباً مستباحين أو ضعافاً مغموصين، أو كما يقول الشاعر يصف قوماً تافهين:
ويقضى الأمر حين تغيب تيم ولا يستأمرون وهم شهود
لا، لا، إن هؤلاء المؤمنين بالدار الآخرة يفرضون أنفسهم على هذه الحياة الدنيا ويكرهون العدو والصديق على أن يحسب حسابهم ويزن رضاهم وسخطهم، ويعلم أن نتائج العدوان عليهم أذى محذور وشر مستطير، لأنهم إذا بغى عليهم ينتصرون، ويلطمون السيئة بمثلها ! وليس ذلك بالنسبة للحق الأدبى للجماعة كلها، بل هو كذلك بالنسبة إلى حق الفرد فى ماله الخاص، فقد سئل النبى صلى الله عليه وسلم:
“ أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالى ..
“ قال: قاتله . قال: أرأيت إن قتلته ؟ ..
“ قال: هو فى النار . قال: أرأيت إن قتلنى ؟ ..
“ قال: فأنت شهيد “ [ مسلم فى كتاب الإيمان ]
هل هذه الوصايا هى التى تخدر الأفراد والجماعات ؟
سبحانك هذا بهتان عظيم !
فإذا تجاوزنا العهد المكى إلى العهد المدنى نجد توجيهاً ينبع من هذه الروح الأبية الشامخة .
إن الهوان جريمة وقضاء الحياة فى ضعف واستكانة مرشح أول للسقوط فى الدار الآخرة .
ومن هنا أثبت القرآن الكريم هذا الحوار بين ملائكة الموت وبين الذين عاشوا فى الدنيا سقط متاع وأحلاس ذل .
“ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم قالوا: فيم كنتم ؟ قالوا: كنا مستضعفين فى الأرض . قالوا: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ؟
أولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً “ [ النساء: 97 ] .
والهجرة المفروضة هنا هى التحول من مكان يهدد فيه الإيمان وتضيع معالمه إلى مكان يأمن فيه المرء على دينه، ولكن حيث استقرت دار الإسلام فلا تحول، وإنما يبقى المسلمون حيث كانوا ليدفعوا عن ترابهم ذرة ذرة ولا يسلموا فى أرض التوحيد لعدو الله وعدوهم .
والآية تحرم قبول الدنية وإلف الاستضعاف، وتوجب المقاومة إلى آخر رمق .
ومما يؤكد هذا المعنى أن القرآن أحصى الطوائف التى تعذر فى هذا التمرد المطلوب على قوى الشر .
ومع استثنائها فإن مصيرها ذكر معلقاً على “ رجاء “ المغفرة والعفو لا على “ توكيد “ ذلك !!
“ .. إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم “ [ النساء: 98 ] .
والتعبير بِ “ عسى “ هنا مثير للقلق، وهى إثارة مقصودة حتى لا يقعد عن مكافحة المعتدين من يقدر على إلحاق أى أذى بهم مهما قل .
ولا يقيم على ضيم يراد به إلا الأذلان عير الحى والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته وذا يشق فلا يرثى له أحد