منذ الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) والعلاقات الأمريكية – السعودية تعاني من تآكل الروابط السياسية بسبب خلط إدارة الرئيس جورج بوش بين المملكة وبين تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن.
وكان من الطبيعي أن تزيد الأشهر الأربعة الماضية من حجم الإساءة إلى هذه الروابط عقب الحملات القاسية التي شنتها وسائل الإعلام الأمريكية ضد النظام السعودي. لقد صورته آلاف المقالات والتعليقات بأنه نظام عدواني لا يفرز سوى العنف والتطرف والتعصب. واعتمد المعلقون الأمريكيون في حملاتهم الهادفة على دراسة نشرتها مجلة (سبكتاتور) البريطانية يوم 22 أيلول -أي بعد مرور عشرة أيام على الحادث- وقعها ستيفن شوارتز، مؤلف كتاب (مثقفون وقتلة). واستخدم الكاتب تعبير (إيديولوجية الإسلامفاشيست) للتدليل على الفارق بين تفكير بن لادن وبين الأصوليين الآخرين في الإسلام. وخلص في استنتاجه بملاحظة مسيئة مفادها أنه (ليس صحيحا أن كل الانتحاريين مسلمون، بل الصحيح أن كل الوهابيين انتحاريون). واستعان شوارتز في آخر مقاله بنصيحة طرحها السيد ولي رضا نصر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا ومؤلف كتاب (التطرف الإسلامي في باكستان) تقول: (إذا كانت الولايات المتحدة جادة في معالجة موضوع الإسلام الراديكالي، فهي ليست مضطرة لمقاومة العراق أو ليبيا, بل عليها أن تركز على السعودية باعتبارها الينبوع الأساسي لإيديولوجية التعصب). وفي ختام الدراسة يدعي شوارتز أن 80% من الجوامع المنتشرة في الولايات المتحدة, حيث يقطن عشرة ملايين مسلم, تقع تحت سلطة العلماء الوهابيين الذين يمثلهم هشام قباني (لبناني - أمريكي).
مؤلف كتاب (نهاية التاريخ) البروفسور فرانسيس فوكوياما استعار منطق شوارتز, وقدمه بطريقة مختلفة عندما اتهم الأصوليين الوهابيين من أمثال بن لادن وأفراد القاعدة بأنهم استهدفوا تدمير رموز العالم العصري من وراء تدمير مبنى التجارة العالمية. ورأى في مقال نشره في مجلة (نيوزويك) أن المهاجمين كانوا ينظرون إلى هذا المبنى كنموذج لانحلال الغرب على مختلف المستويات. وبما أنهم ضد التطور وضد العولمة وضد الحريات الاجتماعية والاقتصادية, نفذوا عملية التدمير بكل هدوء أعصاب. ولكي تساهم صحيفة (صنداي تايمز) بتقوية هذا الخط الإعلامي, نشرت تحقيقا أظهرت فيه الطريق الذي سلكه 13 عنصرا سعوديا اشتركوا في العمليتين الانتحاريتين. وقالت إنهم نشأوا في قرى نائية وفقيرة منتشرة بين أبها والهدى وخميس مشيط وجبال عسير. ويستدل من فحوى التحقيق أن الصحيفة تعمدت التحدث عن المناطق الواقعة على أطراف المملكة, وكيف اختارها ابن لادن لتكون المصدر المثالي للشباب الناقم العاطل عن العمل, كذلك تعمدت في هذا السياق, إبراز خلاصة تقرير وضعه (أف بي آي), وقال فيه أن لدى السعودية أكثر من مئتي إمام يعتبرون من دعاة الخط المتشدد تجاه أمريكا والغرب. واستغلت صحف أمريكية كثيرة هذه الحملة الموجهة ضد المملكة لتذكر بأن السعودية بنت 30 ألف جامع و90 جامعة دينية. وفي عام 1984 أسست دارا لطباعة القرآن الكريم باللغات التالية: العربية والانكليزية والفرنسية والصينية والتركية والأردية والهاوسا. ولقد بلغ مجموع ما طبعته قبل خمس سنوات 55 مليون نسخة تبرعت بِ36 مليون نسخة منها للجاليات الإسلامية في 78 بلدا, إضافة إلى إصدار أشرطة دينية تحت إشراف مجلس العلماء وزعت بواسطة رابطة العالم الإسلامي.
هل وجد الرئيس بوش أسبابا انتخابية ضاغطة حملته على شن حرب صليبية ضد الشر الجديد المتمثل بإسلام ابن لادن؟
وهل اكتشف رئيس وزراء إيطاليا سيلفيو بيرلوسكوني الفرصة لتأكيد قناعته بتفوق الحضارة الغربية على الحضارة الإسلامية؟
وهل عثر شارون على الحجة المطلوبة لتغطية إرهابه البشع ووحشية معركته ضد الشعب الفلسطيني؟