ثم بين رحمه الله جهود المجمعيات الإسلاميةعلى هذا الطريق، ولفت النظر إلى جهود الإخوان المسلمين إلى منهجهم التربوي والعملي، وإلى غاياته المثمرة في !نشاء جيل فريد يصل ما انقطع من جيل العمالقة الذي قامت عليه النهضات، فقال . رحمه الله:
تعددت الجمعيات الإسلامية، وتعددت ا لأغراض وميادين الجهاد تبعا لذلك، وكلها والحمد لله نافع مفيد يعود على الإسلام والمسلمين بالخير والفائدة إن شاء الله، فكل هذه الجمعيات تعمل لنشر الثقافة الإسلامية وتعمل لمحاربة الأمية، وتعمل لإنشاء الملاجئ والمشافي والمدارس، وتعمل للصدقة والبر والمواساة، وتعمل للوعظ والتذكير والمحاضرة، كل ذلك حسن وجميل نحب أن يكثر وأن يزداد وأن يؤدي إلى الغاية المقصودة منه، ولكن الأمة الناهضة التي تطلب سبيل الحياة وبناء المستقبل في أشد الحاجة إلى نوع آخر من أنواع العلاج والمجاهدة قد يكون أجدى وأقرب السبل الموصلة إلى الغاية.
هذا النوع من أنواع العلاج”التربية" وصياغة نفوس الأمة على نسق يضفن لها مناعة خلقية قوية، ومبادئ فاضلة ثابتة، وعقائد صادقة راسخة، فإذا وفقت هيئة من الهيئات الإسلامية العاملة إلن هذه الناحية هِ ق نواحي الجهاد أفادت الأمة أكبر فائدة في كل مظاهر نهضتها ودلتها على أخصر طريق ج نحقق بها آمالها وأمانيها.
ولهذه الغاية أولا قامت جمعية الإخوان المسلمين. إنها تقوم بالدرس والمحاضرة وتقوم بالتأسيس والإنشاء، وقد أبل ت في ذلك بلاء حسنا فقامت بإنشاء مساجد ومدارس ومصانع ومعاهد ولكن الغاية الأولى أسمى من ذلك هي إنشاء النفوس وبناء صرح الأخلاق وتثبيت العقائد الصادقة التي تدفع إلى جلائل الأعمال. إن الأمة التي ب تعرف حقوقها لا تفرط فيها ولا يجرؤ الناس على الاعتداء عليها، ولئن حدث دلك تحت ضغط الظروف والحوادث، أو في سنات الغفلة والجهالة فإن معرفة الأمة بحقها المسلوب تجعلها في دأب على المطالبة به، فلا ينسئ ولا يضيع، وإن الأمة التي تشربت نفسها بالعزة، والشعور بالكرامة لا يقربها إنسان لأنه يعلم أن خسارته بمصادمة هذا الشعور الأبي أعظم من ريحه فهو دائما على حذر، وإنما تهون الأمة على الناس إذا هانت على نفسها قبلهم. ومن لا يكرم نفسه لا يكرم. وإن الأمة التي يقوى فيها خلق الإيثار والتسامح حتى يؤديها ذلك إلى الحب والوحدة لا يشق صفوفها دخيل، ولا ينال منها معتد شيئا، لأن الوحدة قوة ليس فوقها قوة.
وإن الأمة التي تعلم أن لها ربا واحدا هو المتصرف في آجالها وأرزاقها ونفعها وضرها ولا متصرف في ذلك غيره، وأن لها جزاء على مناصرة الحق ومقارعة الباطل لا تخشى أحدا إلا الله، ولا تحزن على ما تضحي به في سبيل الوصول إلى الحق والإنصاف، ولا يصعب عليها أن تسخو بكل ما تملك في سبيل الغايات الشريفة والأغراض النبيلة. والإسلام مجتمع كل هذه الفضائل فحسب الأمة أن تكون مسلمة حقيقة، وأن تتعرف الإسلام الصحيح، وأن يكون الإسلام في أنفسها عقائد مستقرة، ومشاعر متمكنة، لتكون المثل الأعلى في الفضائل والكمالات، فليعلم الإخوان المسلمون أن هذه مهمة جماعتهم، وأن الغاية الأولى لهم تكوين نفوسهم على مبادئ الإسلام الصحيح، فكل من خالف هذه المجادى فليس منهم في شيء. لجس الأخ المسلم ذليلا ولا مهينا وليس أنانيا ولا شحيحا، وليس خائنا ولا كاذبا، وليس جبانا ولا رعديدا، لا يخشى إلا ربه، ولا يخاف إلا ذنبه، ولا يعمل إلا لله وحده، يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، ولا يعطي الدنية في دينه، ولا الذلة من نفسه، فمن لم يكن كذلك فليس من جماعة الإخوان المسلمين، وعليه أن يعمل على تطهير نفسه أو يلتمس لها لونا آخر من ألوان الجماعات.