يجب أن نفرق بين العقيدة وبين الشبهات التي أثيرت حول بعض أمور العقيدة وتم الرد عليها من علماء الإسلام في وقتها حتى لا تدرس هذه الشبهات على أنها عقيدة ، ومن هذه الشبهات ما أثير حول موضوع الإيمان بصفات الله تعالى وأفعاله . ولقد انقسمت الآراء حول هذه المسألة إلى أربع فرق حررها فضيلة الشيخ حسن البنا بقوله :
ا - فرقة أخذت بظواهر النصوص كما هي ، فنسبت إلى الله وجها كوجوه الخلق ، ويدا كأيديهم ، وضحكا كضحكهم ، وهكذا ، وهؤلاء هم المجسمة والمشبهة ، وليسوا من الإسلام في شيء وليس لقولهم نصيب من الصحة، ويكفي في الرد عليهم قول الله تعالى : "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " (الشورى : 11 ) . وقوله تعالى : " قل هو الله أحد *الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد *" (الإخلاص ) .
2 - فرقة عطلت معاني هذه الألفاظ على وجه يقصدون بذلك نفي مدلولاتها مطلقا عن الله تبارك وتعالى . فالله تبارك وتعالى عندهم لا يتكلم ولا يسمع ولا يبصر ، لأن ذلك لا يكون إلا بجارحة والجوارح يجب أن تنفي عنه سبحانه فبذلك يعطلون صفات الله تبارك وتعالى ويتظاهرون بتقديسه وهؤلاء هم المعطلة . . ويطلق عليهم بعض علماء تاريخ العقائد الإسلامية الجهمية ، ولا أظن أن أحدا عنده مسكة من عقل يستسيغ هذا القول المتهافت ، ولقد ثبت الكلام والسمع والبصر لبعض الخلائق بغير جارحة ، فكيف يتوقف كلام الحق تبارك وتعالى على الجوارح ؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
وهذان رأيان باطلان لاحظ لهما من النظر ، وبقى أمامنا رأيان هما محل أنظار العلماء في العقائد ، وهما رأي السلف ورأي الخلف.
3 –أما السلف رضوان الله عليهم فقالوا : نؤمن بهذه الآيات والأحاديث كما وردت ، ونترك بيان المقصود منها لله تبارك وتعالى ، فهم يثبتون اليد والعين والأعين
والاستواء والضحك والتعجب . . الخ وكل ذلك بمعان لا ندركها ، ونترك لله تبارك وتعالى الإحاطة بعلمها ، ولا سيما وقد نهينا عن ذلك في قول النبي: " تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في الله فإنكم لن تقدروه قدره " . قال العراقي : رواه أبو نعيم في (الحلية) بإسناد ضعيف ، ورواه الأصبهاني في الترغيب والترهيب بإسناد أصح منه ، مع قطعهم -رضوان الله عليهم -بانتفاء المشابهة بين الله وبين الخلق.
وإليك أقوالهم في ذلك :
أ - روي أبو القاسم اللالكائي في ( أصول السنة ) عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة رضي الله عنهما قال : ( اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب : على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله !ذ في صفة الرب عز وجل من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه ، فمن فسر اليوم شيئا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وفارق الجماعة ج فإنهم نم يصفوا ولم يفسروا ، ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا ) . ب - وذكر الخلال في كتاب ( السنة ) عن حنبل وذكره حنبل في كتبه مثل كتاب (السنة والمحنة ) قال حنبل : ( سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تروي ( أن الله تبارك وتعالى ينزل إلى سماء الدنيا ) . و ( إن الله يرى) و ( إن الله يضع قدمه ) وما أشبه هذه الأحاديث ؟ فقال أبو عبد الله : نؤمن بها ونصدق بها ولا كيف ولا معنى ولا نرد منها شيئا ، ونعلم أن ما جاء به الرسول ( حق إذا كان بأسانيد صحاح ، ولا نرد على الله قوله ، ولا يوصف الله تبارك وتعالى بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية ، لجس كمثله شيء ).
ج – وروي حرملة بن يحيى قال : سمعت عبد الله بن وهب يقول : (سمعت مالك بن أنس يقول : من وصف شيئا من ذات الله مثل قوله : " وقالت اليهود يد الله مغلولة " (المائدة : 64)، فأشار بيده إلى عنقه ، ومثل قوله :" وهو السميع البصير " فأشار إلى عينيه أو أذنه أو شيء من يديه ، قطع ذلك منه ؟ لأنه شبه الله بنفسه ثم قال مالك : أما سمعت قول البراء حين حدث أن النبي !بز لا يضحي بأربع من الضحايا وأشار البراء بيده كما أشار النبي صلى الله عليه وسلم قال البراء : ويدي أقصر من يد رسول الله !و فكره البراء أن يصف يد رسول الله !نه إجلالا له وهو مخلوق ، فكيف الخالق الذي ليس كمثله شيء ؟!
د – وروي أبو بكر الأثرم ، وأبو عمرو الطلمنكي وأبو عبد الله بن أبي سلمة : الماجشون كلاما طويلا في هذا المعنى ختمه بقوله : ( فما وصف الله من نفسه فسماه على لسان رسوله سميناه كما سماه ، ولم نتكلف منه صفة ما سواه ، لا هذا ولا هذا ، لا نجحد ما وصف ، ولا نتكلف معرفة ما لم يصف ) .
4 - مذهب الخلف في آيات الصفات وأحاديثها :
قدمت لك أن السلف ، رضوان الله عليهم ، يؤمنون بآيات الصفات وأحاديثها كما وردت ، ويتركون بيان المقصود منها لله تبارك وتعالى ، مع اعتقادهم بتنزيه الله تبارك وتعالى عن المشابهة لخلقه . فأما الخلف فقد قالوا : ( إننا نقطع بأن معاني ألفاظ هذه الآيات والأحاديث لا يراد بها ظواهرها ، وعلى ذلك فهي مجازات لا مانع من تأويلها ، فأخذوا يؤولون (الوجه ) بالذات و ( اليد ) بالقدرة وما إلى ذلك ؟ هربا من شبهة التشبيه . وإليك نماذج من أقوالهم في ذلك :
ا – قال أبو الفرج بن الجوزي الحنبلي في كتابه ( دفع شبهة التشبيه ) : قال الله تعالي: :" ويبقى وجه ربك " ، قال المفسرون : يبقى ربك ، وكذلك قالوا في قوله تعالى" يريدون وجهه" أي يريدونه . وقال الضحاك وأبو عبيدة : " كل شئ هالك إلا وجهه" أي إلا هو . وعقد في أول الكتاب فصلا إضافيا في الرد على من قالوا إن الأخذ بظاهر هذه الآيات والأحاديث هو مذهب السلف ؟ وخلاصة ما قاله أن الأخذ بالظاهر هو تجسيم وتشبيه ؟ لأن ظاهر اللفظ هو ما وضع له ، فلا معنى لليد حقيقة إلا الجارحة، وهكذا وأما مذهب السلف فليس أخذها على ظاهرها ، ولكن السكوت جملة عن البحث فيها ، وأيضا فقد ذهب إلن تسميتها آيات صفات ، وأحاديث صفات تسمية مبتدعة لم ترد في كتاب ولا في سنة ، وليست حقيقية فإنها إضافات ليس غير، واستدل على كلامه في ذلك بأدلة كثيرة لا مجال لذكرها هنا
2 - وقال فخر الدين الرازي في كتابه ( أساس التقديس ) : وأعلم أن نصوص القران لا يمكن إجراؤها على ظاهرها لوجوه :
الأول : أن ظاهر قوله تعالى : " ولتصنع على عيني * يقتضي أن يكون موسى عليه السلام مستقرا على تلك العين ملتصقا بها مستعليا عليها وذلك لا يقوله عاقل .
والثاني : أن قوله تعالى : " واصنع الفلك بأعيننا " يقتضي أن يكون آلة تلك الصنعة هي تلك العين . والثالث ، أن إثبات الأعين في الوجه الواحد قبيح فثبت أنه لابد من المصير إلن التأويل ، وذلك هو أن تحمل هذه الألفاظ على شدة العناية والحراسة .
3- قال الإمام الغزالي في الجزء الأول من كتابه ( إحياء علوم الدين ) عند كلامه على نسجة العلم الظاهر إلى الباطن وأقسام ما يتأتى فيه الظهور والبطون ، والتأويل وغير التأويل :
القسم الثالث أن يكون الشيء بحيث لو ذكر صريحا لفهم ولم يكن فيه ضرر، ولكن يكني عنه على سبيل الاستعارة والرمز ؟ ليكون وقعه في قلب المستمع أغلب . . ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : "إن المسجد لينزوي من النخامة كما تنزوي الجلدة على النار"، ومعناه أن روح المسجد وكونه معظما ، ورمي النخامة فيه تحقير له فيضاد معنى المسجدية مضادة النار لاتصال أجزاء الجلدة . وأنت ترى أن ساحة المسجد لا تنقبض من نخامة ، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار" ، وذلك من حيث الصورة لم يكن قط ولا يكون ، ولكن من حيث المعنى هو كائن ؟ إذ رأس الحمار لم يكن بحقيقته وكونه وشكله بل بخاصيته ، وهي البلادة والحمق ، ومن رفع رأسه قبل الإمام فقد صار رأسه رأس الحمار في معنى البلادة والحمق ، وهو المقصود دون الشكل . وإنما يعرف أن هذا السر على خلاف الظاهر، أما بدليل عقلي أو شرعي . أما العقلي فأن يكون حمله على الظاهر غير ممكن ، كقوله صلى الله عليه وسلم : "قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن " ، إذ لو فتشنا عن قلوب المؤمنين لم نجد فيها أصابع ، فعلم أنها كناية عن القدرة التي هي سر الأصابع وروحها الخفي ، وكنى بالأصابع عن القدرة لأن ذلك أعظم وقعا في تفهم تمام الاقتدار ) .
وقد نعرض لمثل هذا الكلام في موضع أخر من هذا البحث وفيما ذكرناه كفاية . ثم يقارن الإمام البنا بين مذهب السلف والخلف إلى نا وضح أمامك طريقا السلف والخلف ؟ وقد كان هذان الطريقان مثار خلاف شديد بين علماء الكلام من أئمة المسلمين ، وأخذ كل يدعم مذهبه بالحجج والأدلة ، ولو بحثت الأمر لعلمت أن مسافة الخلاف بين الطريقين لا تحتمل شيئا من هذا لو ترك أهل كل منهما التطرف والغلو، وأن البحث في مثل هذا الشأن ، مهما طال فيه القول ، لن يؤدي في النهاية إلا إلى نتيجة واحدة ، هي التفويض لله تبارك وتعالى، وذلك ما سنفصله لك إن شاء الله تعالى . ثم قارن الشيخ البنا-رحمه الله –بين مذهب السلف والخلف فقال :
بين السلف والخلف :
قد علمت أن مذهب السلف في الآيات والأحاديث التي تتعلق بصفات الله تبارك وتعالى أن بمروها على ما جاءت عليه ، ويسكتوا عن تفسيرها أو تأويلها ؟ وأن مذهب الخلف أن يؤولوها بما يتفق مع تنزيه الله تبارك وتعالى عن مسابقة خلقه . وعلمت أن الخلاف شديد بين أهل الرأيين حتى أدى بينهما إلى التنابز بالألقاب العصبية ؟ وبيان ذلك من عدة أوجه :
أولا : اتفق الفريقان على تنزيه الله تبارك وتعالى عن المشابهة لخلقه .
ثانيا : كل منهما يقطع بأن المراد بألفاظ هذه النصوص في حق الله تبارك وتعالىغير ظواهرها التي وضعت لها هذه الألفاظ في حق المخلوقات ، وذلك مترتب على اتفاقهما على نفي التشبيه .
ثالثا : كل من الفريقين يعلم أن الألفاظ توضع للتعبير عما يجول في النفوس أو يقع تحت الحواس مما يتعلق بأصحاب اللغة وواضعيها ، وأن اللغات مهما اتسعت ، لا تحيط بما لجس لأهلها بحقائقه علم ، وحقائق ما يتعلق بذات الله تبارك وتعالى من هذا القبيل ، فاللغة أقصر من أن تواتينا بالألفاظ التي تدل على هذه الحقائق ، فالتحكم في تحديد المعاني بهذه الألفاظ تغرير . وإذا تقرر هذا فقد أتفق السلف والخلف على أصل التأويل ، وانحصر الخلاف بينهما في أن الخلف زادوا تحديد المعنى المراد حيثما ألجأتهم ضرورة التنزيه إلى ذلك حفظا لعقائد العوام من شبهة التسبيه ، وهو خلاف لا يستحق ضجة ولا إعناتا.
وأخيرا يختار الإمام البنا مذهب السلف ويرجحه فيقول : ( ونحن نعتقد أن رأي السلف من السكوت وتفويض علم هده المعاني إلى الله تبارك وتعالى أسلم وأولى بالاتباع ، حسما لمادة التأويل والتعطيل ؟ فإن كنت ممن أسعده الله بطمأنينة الإيمان ، وأثلج صدره ببرد اليقين فلا تعدل به بديلا ؟ ونعتقد إلى جانب هذا أن تأويلات الخلف لا توجب إليكم عليهم بكفر ولا فسوق ، ولا تستدعى هذا النزاع الطويل بينهم وبين غيرهم قديما وحديثا، وصدر الإسلام أوسع من هذا كله ) .
هذا وبعد كل هذا الإيضاح والتفصيل الجيد وجمع الآراء وتمحيصها يأتي من يورد بعض الشبه تلصصا وحملا على ما لا يريده الشيخ ( وهذا شيء معروف القصد فيه والمراد منه ، لا يغمض فهمه على اللبيب أو إدراكه على المتجرد من الأحقاد والأضغان فضلا عن العلماء والباحثين.