الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: من المذبحة إلى ساحة الدعوة
المؤلف: عباس السيسي
التصنيف: سياسي
 

محتويات الكتاب

مفاجأة الافراج

          لم يكن موضوع الإفراج في حسن المسجونين من الإخوان المسلمين بالأمر الذي يشغل بالهم.. إذ أن مجرد التفكير في أمر الإفراج يكون ابتلاء ينكد عليهم حياتهم ويضاعف من آلام السجن ويضنى منهم الصحة والعقل، ويصرف جهدهم وتفكيرهم وجل همهم في انتظار الإفراج، كما يرى ذلك في تصرفات المسجونين السياسيين من غير جماعة الإخوان المسلمين... إذ يترقبون على الدوام الأخبار والأنباء التي تبشرهم بنبأ الإفراج، فهم يتحسسون ويتشممون ما بين سطور الصحف والمجلات فضلا عما يتطلعون إليه من الأنباء التي تأتيهم في الزيارات. وصدق أمير المؤمنين الإمام علي كرم الله وجهه "من لهج قلبه بحب الدنيا التاط قلبه منها ثلاث: هم لا يبرحه – وحرص لا يتركه – وأمل لا يدركه".

          أما الإخوان فإنهم قد عقدوا النية على عقيدة ثابتة لا تتغير ولا تتزعزع، ان الأمر كله لله تعالى، وأن أمر الإفراج سيأتي بإذنه وحده وأن الإفراج في تصور المؤمن كالحياة والموت وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت وأن مقتضى الإيمان في حسن المؤمن هو الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره. لهذا فهم لا يشغلون أنفسهم إطلاقاً حتى ولو جاء قرار الإفراج واحدى أقدامهم خارج السجن. فالإخوان ينظرون إلى كل ما حدث وما سيحدث لهم من قتل وسجن وتعذيب وتشريد على أنه أمر من طبيعة الدعوة. ولهذا كان هتافهم (الموت في سبيل الله أسمى أمانينا).

          وهم يكررون على الدوام في أتون التعذيب (كل مصيبة دون النار فهي عافية) وبهذا الوعي العميق وهذا التبيان للغاية والوضوح هانت الأعوام التي بلغت العشرين عاماً في جحيم عبد الناصر. ولقد تميز الإخوان المسلمون في السجون عن غيرهم بهذه العقيدة الثابتة، فلم يجعلوا الإفراج هدفهم، ورحم الله فضيلة المرشد حسن الهضيبي رحمة واسعة حيث بعث لنا برسالة ونحن في سجن قنا، على أثر تواتر الاشاعات في أوائل حكم الرئيس محمد أنور السادات بالإفراج عن المعتقلين والمسجونين من الإخوان المسلمين... قال في رسالته (أيها الإخوان إذا كان مبلغ همنا هو الإفراج عن الإخوان كأفراد.. فلماذا إذن دخلنا السجون؟! لقد أدخلنا السجون من أجل الدعوة! فالأصل عندنا هو الإفراج عن الدعوة أولا وقبل كل شيء فالإفراج عن الدعوة يعني ضمناً الإفراج عن الإخوان). ولقد حاولت السلطة التي كانت تحكم مصر أن تساوم أفراد الإخوان بين البقاء في السجن أو الإفراج عنهم بشرط التخلي عن الجماعة والعمل للإسلام. فرفض الإخوان التخلي عن عقيدتهم بهذا الإفراج المشروط... إلا أفراداً لا يتجاوز عددهم أصابع اليد.. قد سقطوا في الطريق وقبلوا تأييد الحكومة والتخلي عن الجماعة والعمل الإسلامي – وقالوا: سنطيعهم في بعض الأمر. قل: كل الأمر آت إن كنت ذكياً. ومن شروط التأييد أن يتباعد هذا الإنسان عن مجتمع الإخوان فلا يتعايش معه بل ولا يصلي معهم أيضاً. ثم يبدأ في الانحدار فيتنازل عن الكثير طمعاً في الاسراع بالإفراج عنه، فيطلب منه كتابة تقارير عن الإخوان فرداً فرداً، ترفع إلى المباحث العامة، ومحاولة في التقرب من المباحث يتطوع بالكذب وشهادة الزور.

          ومما سمعناه: أن المشير عبد الحكيم عامر بعث يستأذن عبد الناصر في الإفراج عن أحد هؤلاء المؤيدين فسأله عبد الناصر... لماذا الإفراج عن هذا بالذات؟ فقال له المشير لأن هذا الشخص من المؤيدين الذين خدمونا بتقديم المعلومات المفيدة عن الإخوان داخل السجون – فقال له عبد الناصر.. كيف نفرج عنه وهو يؤدي لنا خدمات كبيرة لا يستطيعها غيره!! إن مثل هذا يجب أن يبقى في السجن كي يساعدنا ورفض عبد الناصر الإفراج عنه!! فهذا المؤيد قد وقع في شرك خطير خسر به كل مقومات وجوده كصاحب دعوة وجندي عقيدة. ومن يهن يهن الهوان عليه.. ما لجرح ميت إيلام.

          وحين استقرت عقيدة الإخوان على ﴿قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ حين استقروا واطمأنوا لهذه العقيدة، فقد وضعوا لأنفسهم داخل السجون منهجاً طويل الأمد في الدراسات الإسلامية والعلمية شغلوا بها أنفسهم ووقتهم، حتى أن بعض الإخوة دخل السجن أمياً لا يعرف القراءة والكتابة وخرج حاصلا على الاعدادية أو الثانوية.

          وذات يوم من الأيام الأخيرة من شهر مارس سنة 1974 أصابني المغص الكلوي وكان لزاماً أن أتوجه من سجن مزرعة طره السياسي إلى مستشفى ليمان طره الذي يبعد حوالي خمسة كيلومترات، فجهزت لذلك سيارة وحرس بقيادة ضابط وجنديين مسلحين ورجل من المباحث (أمن الدولة)، وتوجهنا إلى المستشفى للفحص والعلاج... وإن هي إلا أيام حتى تغيرت الأحوال بأمر الله من حال إلى حال... ففي عصر يوم الخميس 11 ربيع الأول سنة 1394 هِ الموافق 4 من ابريل سنة 1974م وبمناسبة ذكرى مولد الرسول عليه الصلاة والسلام صدر قرار بالإفراج عن المسجونين الذي قضوا نصف مدة العقوبة، وحين وصل أمر هذا القرار إلى سجن مزرعة طره كنت أقوم باعداد طعام العشاء للإخوة في العنبر، وجاءني الأخ الدكتور حلمي صادق حتحوت يهنئني بالإفراج، ولما كان الأخ حلمي لم يتعود المزاح، فقد نظرت إليه صامتاً ما بين مصدق ومستنكر، ولكنه أصر على أن الأمر جاد... وبعد لحظات شاع الخبر وتأكدت من هذا النبأ.

          ولن أتحدث عن المشاهد التي بدت في هذه اللحظات بين الإخوة المفرج عنهم والذين جاوز عددهم السبعين، وبين الإخوة المحكوم عليهم بالمؤبد ولم يتموا نصف مدة العقوبة، ولكني أقرر أن الفرحة عمت الجميع بلا استثناء. وخرجت مع إخواني في حراسة إلى سراي المباحث العامة وهناك التقى بنا المقدم فؤاد علام الذي تحدث في هدوء متمنياً لنا حياة طيبة في ظل الحرية معتذراً عما يكون قد بدر منه من متاعب للإخوان، فأنتم تعرفون الأمور جيداً. وخرجنا من سراي المباحث فرادى بلا حرس ولا سلاح ولا إرهاب.. وتوجهت إلى محطة السكة الحديد وأنا في ذهول، بالأمس القريب كنت محاطاً بالحرس المشدد والسلاح المدجج كنت إرهابياً خطيراً مرعباً... وبين طرفة عين وانتباهتها أصبحت إنساناً عادياً جداً لا سلاح ولا جنود ولا رماح. لم يتغير مني شيء إطلاقاً!! ولن يتغير بإذن الله تعالى، فما هي الغاية من هذا الإرهاب ومن منا صاحب الإرهاب الحقيقي؟ أفتونا يرحمكم الله!!

          أبرقت إلى والدي في رشيد، ونزلت عند أختي في أبي قير... ثم توجهت من أبي قير إلى رشيد. كانت زوجتي في هذا الصباح تجلس كعادتها.. تستعيد الذكريات والدموع تجري والدعاء والمناجاة دأبها منذ الاعتقال، تسأل الله تعالى أن يأتي بالفرج، وبينما هي في هذا المشهد السابح الحزين غائبة في آلامها وأحلامها، إذا بأصوات وضجيج فتخرج فزعة على صورة من الفرح والبشر والسرور.. يا ماما بابا جاي... الأم لا تصدق بل تجري في ذهول.. يا ماما الجرايد كتبت وتلغراف جاء من مصر وبابا موجود في أبي قير.. الأم تقول ربما تكون إشاعات المباحث!! لم تنفرج أساريرها إلا عند ازدحام المنزل بالزوار. السيارة تقترب من رشيد.. بدأت بزيارة والدي بمنزله، الرجل جاوز التسعين كانت زيارة حارة وحزينة.. ثم توجهت إلى منزلي.. وكانت لحظة سابحة، أصارح بأنني لم أتنبه لها تماماً ولا أستطيع أن أرسم لها صورة حيث أن الأمر كان فوق طاقتي البشرية.. ليس ذلك لأنني قد التقيت بأهلي وأسرتي وإخواني؟ لا... ولكن كيف حدث الإفراج؟ كيف حدث ذلك بدون مقدمات – كيف حدث هذا فجأة؟

          نعم كما قلت من قبل أن أمر الإفراج لا يملكه إلا الله تعالى وحده... فهو سبحانه الذي يملك كل المقادير ﴿والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾. ثم كانت استقبالات وحفلات جاوزت كل تصوراتي. حيث قد سبق أن أفرج عني بعد محنة 1954 وعدت إلى رشيد في يناير 1956، فلم يتجاوز عدد الذين استقبلوني في منزلي عشرة من الأصدقاء جاءوا لزيارتي في حذر وخوف، مجرد لحظات للوفاء بلا أحاديث أو تساؤلات، وإذا خرجت من منزلي إلى الشارع فنظرات الناس تصوب إلي كالسهام، وقليل من هؤلاء الذين يتشجعون للتسليم والترحيب، بل إن بعض الكلمات المؤذية كنت أسمعها ترن في أذني فتبعث في نفسي الأحزان، الأحزان على هذا التضليل الذي استقر في الأذهان، وهذا الخوف والفزع الذي قطع الرحم والأوصال. ولم تتغير هذه الصورة المحزنة وهذه المشاهد المؤذية حتى اعتقلت عام 1965.. ولكن الذي حدث بعد الإفراج عني هذه المرة الأخيرة أكبر من كل تخيلاتي من مشاعر طيبة وحفاوة بالغة وعواطف صادقة.

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error