حدثني أحد الإخوة أن زائراً من الشباب جاءه فاستقبله مرحباً به في حجرة الجلوس، وعاد ليقدم له التحية، فرآه غاضباً مهموماً، وحين استفسر منه عن السبب؟ قال له: إنني مستاء لوجود هذه الصورة المعلقة في هذه الحجرة، ألم تعلم أن الصور حرام؟ فقلت له أني أعلم أن المقصود بالصور المحرمة هي تلك التي على شكل الأصنام والتماثيل التي يقدسها الناس، وكذلك الصور العادية للأولياء والزعماء التي يفتتن بها، أما الصور الشخصية أو العلمية أو الإخبارية أو الصور الجنائية التي تساعد على اكتشاف الجرائم في السلم والحرب، فإنها توزن بقدر ما تؤدي من خير أو شر، مثلها الأفلام التي تعرض على الشاشة والتليفزيون سواء بسواء. وقلت: إنه قد تعددت الأحاديث الصحيحة الصريحة في الحكم بتحريم التصوير وصنع التماثيل واستعمال أي شيء منها إذا كان في ذلك تصوير لحيوان أو طير أو نحو ذلك مما تسري فيه الحياة... ولكن ورد استثناء لهذا الحكم بالتحريم وثبتت أدلة تبيح بعض ألوان التصوير مثل: تصوير ما ليس فيه روح أو استعمال صورة، والصور المقطوعة التي نقص منها مالا تقوم به حياة الحي، وما كان رقما في ثوب ولعب البنات.
ومما تجدر الإشارة إليه أن الصور الفوتوغرافية ليست محرمة، لأنها كما قال العلماء حبس لخيال الإنسان لا إنشاء صورته، إذ أن هذه الصور عبارة عن إبراز الخيال، فهي من صنع الإنسان، وشبه التحريم أقل سمو، والقول بجوازها ليس هناك ما يمنع منه إلا كانت الحرمة لأمر عارض كإبراز عورة أو وضع غير لائق عن طريق هذا التصوير. هذا ونحب أن نلفت إلى أن ما أجمعت النصوص على تحريمه واتفق العلماء مجتمعين على أنه المقصود بما ورد من النصوص في النفير من التصوير والحكم عليه بالتحريم، وهو التماثيل: أي الصور المجسمة وما كان له ظل. يراجع كتاب فتاوى شرعية للشيخ مخلوف جِ 1 ص 186 وكتاب البدعة للشيخ عزت عطية ص 463. وعبثا حاولت أن أقنعه أن يفرق بين الحالتين وانقلبت الزيارة إلى مناقشة وجدال ومراء، ثم انصرف تاركا خلفه مشكلة.
وأقول له أن كل مسلم تعرف على آداب الزيارة لما حدثت مثل هذه المشاكل الخلافية فالضيف والضيافة لهما أصول ولهما آداب، وليست الصور التذكارية المعلقة في حجرات الاستقبال إلا واحدة من صور الحياة التي يعيشها المجتمع البعيد عن روح الإسلام. وإن كان بعض الأمر يحتاج إلى نصيحة لازمة، فإن للنصيحة أيضاً أسلوب، فيجب أن تكون في الوقت المناسب والمكان المناسب، وأن تكون مع هذا تلميحاً لا توضيحاً لا تجريحاً، وأن تكون عاقبتها خير ومفيدة. هذا فضلاً عن أن الإنسان يدخل بيت أخيه ليسره فلا يضره. ولقد علمنا الله تعالى آداب الزيارة لتكون لنا عبرة وآية فقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون. فإن لم تجدوا فيها أحد فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم}.
إن الإسلام ينظم حياة المسلم في كل مجالات الحياة وكل شئونها بحكمة ودقة ورقة أيضاً لقوم يفقهون.