فكرت في الأخوة الذين تخلفوا عن الحضور، هل أجاهلهم، وأتركهم للنسيان! أم أحاول اللقاء بهم.. فقد لا تكون الإشاعات هي السبب في غيابهم ولماذا لا أقابلهم وأصحح لهم هذه الإشاعات؟ إن واجبي ورسالتي لا تتوقف على الأحاديث والمحاضرات، فهذه وحدها تعتبر لسان الدعوة – فأين حركة الدعوة... إن أعداء دعوتي يرسمون الخطة لقوقعتي وإبعادي عن المحيط العام، فكيف أعطيهم هذا السلاح؟ لا بد إذن من الاستمساك والصمود والصبر والحركة والذهاب إليهم. أعود فأقول لنفسي كيف تسعى بنفسك إلى من هو دونك سناً والمفروض أن الأصغر هو الذي يسعى للأكبر! وكيف لو قوبلت ببرود وامتعاض سواء منه أو من أسرته.. كيف يكون الأمر؟
ولكني عدت بذاكرتي إلى وقائع التاريخ الإسلامي، إنني أسعى إلى أخي بقلبي، بحبي، بإخلاصي.. أسعى إليه أحمل له الحق والخير والنور، أسعى إليه أحمل له دعوة ورسالة هي أكبر منه، إنني أثق في مستقبل سعيي إليه أنه سوف يعرف قيمة ذلك حين يشرح الله له صدره {إذهبا إلى فرعون إنه طغى. فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى}. وكان هناك شاب تخرج من الجامعة حديثاً، وكان من حوله مجموعة تحاول أن تشده إليها وتباعد بينه وبيني، بحجة الحرص على مستقبله وغاب الشاب فترة، وتوجست خيفة أن يكون قد تأثر بهم، وعزمت على زيارته في منزله، واقتربت من المنزل وفوجئت به يقف أمامي، فاستقبلني ورحب بي. واستدرك فقال لي قبل أن أسأله: ان الانلفونزا قد حجبته ومنعته من زيارتي. ولم أحاول أن أشير إلى أي شيء آخر، وقلت له: لقد جئت كي أطمئن عليك حين أطال غيابك، وطال الحديث بيننا ثم أعطاني وعداً بزيارتي، وقد وفى بوعده، وبعد تلك التجربة تابعت اتصالي الشخصي بكل من تخلف عن الحضور، فكنت أقابل أحدهم أبدأه بالسلام وأسأله عن أحواله دون أن أتحدث في شيء عن الشائعات من قريب أو بعيد، فإذا تحدث هو فقد أصبح حقي أن أوضح له الأمور في غير إنفعال وغضب، وهكذا كنت أسعى إلى إخواني سليم الصدر طيب النفس، فقد تعودت أن أخرج حظ نفسي مؤمنا بقول الله تعالى {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين}.
وفي الواقع أنني لم يكن يهمني كثيراً أن يخوض في حقنا أحد من هؤلاء الذين لم يضحروا عندنا ولم يسبق لهم أن سمعوا منا ولم يفهموا بعد دعوتنا، فهؤلاء مهما قالوا في حقنا بهتانا وزوراً، فإن هؤلاء معذورون بجهلهم، فهم ضحايا حملات افتراءات وتشويهات وسائل الإعلام وإرهاب السجون والمعتقلات. ولكن الذي يؤلمني جداً هؤلاء الذين سمعوا وتفهموا ثم لووا رؤوسهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكباراً وادعوا زوراً بما لم يحدث ولم يرد على خاطر... هؤلاء هم في الواقع والحقيقة سر البلاء ومكمن الداء. ومع كل هذا فإني أقابل أحدهم فاهش في وجهه وابتسم له دون أن يحس بما أعرفه عنه عساه يراجع نفسه متمثلاً في هذا قول الله تعالى {عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم}.