الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: حسن البنا مواقف في الدعوة والتربية
المؤلف: عباس السيسي
التصنيف: سياسي
 

حسن البنا.. والغارة التبشيرية

إنشاء لجان فرعية في شعب الإخوان - حسن البنا في مواجهة أحد المبشرين - من جهود الطالب حسن البنا

حين بدأ حسن البنا دعوته في الإسماعيلية عام 1928، واجهته عدة عقبات:

-                أولها: وجود قوات الاحتلال البريطاني على ضفاف القناة.

-                ثانيها: سيطرة شركة قناة السويس التي يتحكم فيها الأجانب الذين يتحكمون في رقاب الشعب المصري ويسيطرون على أرزاقهم.

-                ثالثها: الكثرة الكاثرة من الشعب المصري التي تنضوي تحت رايات بعض الطرق الصوفية البعيدة كل البعد عن روح الإسلام وحقيقته، بما يزاولونه من أعمال تتنافى مع طبيعة هذا الدين.

-                رابعها: موجة التبشير العارمة التي كان يتزعمها القس زويمر الحاقد على الإسلام.

وتوجه الأستاذ البنا بحكمته وسياسته الرشيدة إلى مواجهة المبشرين بكل قوة، وكان يرمي بذلك إلى إيجاد تعاطف مع عامة المسلمين وبخاصة رجال الطرق الصوفية، فكان توفيق الله حليفه وتم له ما أراد.

وكان المبشرون يذهبون مبكرين في صباح كل يوم إلى عزبة في ضواحي الإسماعيلية، يقدمون للأهالي الفقراء هناك زجاجات من اللبن وأرغفة الخبز (الأفرنجي – الفينو)، وبهذا الأسلوب يبدأون في جذب قلوب هؤلاء البسطاء إليهم وشيئاً فشيئاً تتوثق روابطهم بهؤلاء المبشرين، وفي اللحظة المناسبة يقوم المبشرون باستدراجهم إلى ترك دينهم وتنصيرهم.

وأدرك الأستاذ البنا خطورة الأمر، فجمع الإخوان بالإسماعيلية وتشاوروا في مواجهة هذا الخطر، واقترح عليهم أن يقوموا بشراء زجاجات من اللبن وأرغفة من الخبز وبعض الحلوى للأطفال ثم يقوم الإخوان مبكرين بعد صلاة الفجر ليسبقوا هؤلاء المبشرين إلى هذه العزبة، ويوزعوا هذه الهدايا على المسلمين الفقراء هناك ثم يحذرونهم من ألاعيب المبشرين وأهدافهم.

وفعلا قام الإخوان على قدم وساق بتنفيذ هذا الاقتراح وتوالت هداياهم ومساعداتهم، ومحاضرات التوعية لهؤلاء الفقراء المسلمين، حتى تراجع المبشرون، وقال القس زويمر، حين نجح الإخوان في خطتهم ومسعاهم كلمته العميقة: "لقد دخل الميدان عقل جديد".

***

·              إنشاء لجان فرعية في شعب الإخوان

لتحذير الشعب من الوقوع في خداع المبشرين:

كان من بين مقررات مجلس الشورى العام بالإسماعيلية – حيث لم تكن الدعوة قد انتقلت بعد إلى القاهرة – تكوين لجان فرعية في دوائر الإخوان للعمل على تحذير الشعب من الوقوع في حبائل المبشرين.. وكان هذا القرار على أثر التقارير التي كانت ترد لفضيلة المرشد من شعب الإخوان في مدن القناة عن حوادث التبشير بخاصة محاولات (مدرسة جمعية التبشير البروتستنتي – السلام) بالمنزلة تنصير فتاة مسلمة، وتكرار هذه المحاولات من نفس المدرسة مع خمس تلميذات من بورسعيد بعد تهريبهن.

ولكن الإخوان في هذه المنطقة كشفوا عن هذه الجرائم، واستطاعوا بتوفيق من الله إنقاذ الفتيات المسلمات، وفضحوا الأساليب الشيطانية للمبشرين وطرقهم في الإغراء مستغلين فقر أسر الفتيات وقلة حيلتها لأي نوع من أنواع الكسب.

واتخذ الإخوان – إلى جانب توعية الشعب بالخطر التبشيري – وسائل عملية من جنس وسائل المبشرين بإنشاء مؤسسات اجتماعية لتأهيل البنات وتنظيم دروس لتعليمهن أصول الدين الإسلامي.

ولم يكتف الإخوان بهذه الجهود، فأرسل مجلس الشورى العام عريضة إلى الملك فؤاد يستنهضونه للعمل على مكافحة الحركة التبشيرية في البلاد وحماية شعبنا المخلص (من عدوان المبشرين الصارخ على عقائده وأبنائه وفلذات كبده بتكفيرهم وتشريدهم وإخفائهم وتزويجهم من غير أبناء دينهم، الأمر الذي حظره الإسلام وحرمه وتوعد فاعليه أشد الوعيد)[1].. وطالبوه بعدة وسائل لإنقاذ الأمة من شرور المبشرين هي:

أولاً: فرض الرقابة الشديدة على هذه المدارس والمعاهد والدور التبشيرية والطلبة والطالبات فيها إذا ثبت اشتغالها بالتبشير.

ثانياً: سحب الرخص من أي مستشفى أو مدرسة يثبت أنها تشتغل بالتبشير.

ثالثاً: إبعاد كل من يثبت للحكومة أنه يعمل على إفساد العقائد وإخفاء البنين والبنات.

رابعاً: الامتناع عن معونة هذه الجمعيات بتاتا بالأرض أو بالمال.

خامساً: الاتصال بحضرات الوزراء المفوضين في مصر والخارج حتى يساعدوا الحكومة في تنفيذ خطة الحزم حفظاً للأمن ومراعاة لحسن العلائق)[2].

***

·              حسن البنا في مواجهة أحد المبشرين:

حدثني الأخ الأستاذ محمد الحسناوي من كرام الإخوان في سوريا..

(أنه كان يسير في سوق الكتب والمجلات في دمشق، فاشترى "مجلة الفتح" لصاحبه الأستاذ محب الدين الخطيب. واستهوته قصة في المجلة، ظل يقرأها بشغف، وأحس من أعماقه أن صاحب هذه القصة لا يكون سوى الأستاذ حسن البنا، وفعلا كان صاحب القصة هو الأستاذ البنا حيث كان هو صاحب التوقيع.

وتتلخص القصة، في أن الأستاذ البنا التقى برجل أميّ يعلم في إصلاح الأحذية، ولما أنس الرجل بالشاب (حسن البنا)، ولمس فيه روح التدين عرض عليه مشكلة..

فقال: هناك رجل يزاول التبشير، يأتي إليه ويتحدث إليه مشككاً في عقيدته الإسلامية، كما يذهب هو مع بعض أصدقائه إلى هذا الرجل في موعد أسبوعي يجادلونه فيما يدعي.

فاستأذنه الشيخ البنا في أن يصحبهم إلى هذا اللقاء، وفعلا تم اللقاء في منزل المبشر، وأخبر المبشر الحاضرين: أنه كان من قبل مسلماً من خريجي الأزهر الشريف، ولكن بعد أن قرأ الأناجيل كلها، أدرك أن الدين المسيحي هو الدين الحق، وهذا ما دعاه إلى اعتناق المسيحية عن اقتناع، وإلى العمل على التبشير بها.

-                وهنا بدأ الشيخ حسن البنا يسأل المبشر: هل أنت من خريجي الأزهر؟

-                قال: نعم.

-                فقال الأستاذ البنا: لي سؤال واحد، أن تقرأ علينا مقدمة "سورة النحل"؟

-                قال المبشر وهو يحاول أن يبتسم: هذا سؤال بسيط، هات سؤالا غيره؟!

-                فقال الشيخ البنا: أنا رجل بسيط ولا أعرف غير هذا السؤال، واعتقد أنه سؤال عادي.

-                وحاول المبشر أن يهرب من الرد، ولكن الشيخ البنا ضيق عليه الخناق، وانضم إليه باقي الحضور.

وأخيراً، انهار المبشر وهو يبكي، وكشف عن حقيقته فقال: أنا في الأصل مسلم وقعت فريسة لأحد المبشرين الذي استغل فاقتي وحاجتي، وأوعز إلي أن أتعامل مع فقراء المسلمين بهذا الأسلوب الذي استعمله معي ويستعمله مع عامة الفقراء من المسلمين.

والآن وقد أفقت من غفلتي وعدت إلى رشدي، أريد أن أتوب وأعود إلى الإسلام.

وانتهز الأستاذ البنا هذه الفرصة وقام بتنوير الحضور ونبههم إلى خطورة أساليب المبشرين الماكرة في استدراج البسطاء من المسلمين وتسكيكهم في عقيدتهم الإسلامية السمحاء.

·              من جهود الطالب حسن البنا[3]

إن الفترة التي قام خلالها حسن البنا بدعوته كانت حالكة في تاريخ هذه الأمة.. وأشير هنا إلى أن هذه الحلكة لم تبدأ مع بدء ظهوره على المسرح وإنما كانت الحلكة مطبقة على الأمة من قبل ذلك، وقد بلغ استهتار الإنجليز بمقدرات هذه الأمة  أن تجاهلوا أنها أمة مسلمة ذات مجد وتاريخ ففتحوا للحملات التبشيرية أبواب البلاد، بعد أن مهدوا لها بنشر الجهل والفقر والمرض، وبعد أن اطمأنوا إلى أن تقاليد الحكم في البلاد أصبحت في يد الفئة التي تدين لهم بالولاء والتي هي في حقيقة أمرها غريبة عن هذه البلاد فهي كما قال الشاعر:

 

بلاد قد نرى العربي فيها                                  غريب الوجه واليد واللسان

 

انتشر المبشرون في أنحاء البلاد في الوجهين البحري والقبلي، في المدن والقرى تحت سمع المسئولين من الحكام وبصرهم، بل إن هؤلاء الحكام في المدن والقرى كانوا بحكم تعليمات رؤساهم يسهلون للمبشرين وسائل دخول المدن والقرى كما يسهلون لهم وسائل الاتصال بالأهالي وإجراء ما يشاءون من إجراءات بل وإقامة ما يشاءون من منشآت بل واختطاف من يشاءون من أطفال ونساء، في الوقت الذي يضربون فيه بيد من حديد كل من تسول له نفسه أن يعترض سبيل هؤلاء الغزاة ولو بكلمة معتبرين ذلك اعتداء على الحكومة.. صار هذا الشعب نهباً مباحاً لهؤلاء المبشرين.

ولم تكن وسيلتهم إلى التبشير بالمسيحية عرضا لعقيدتهم وشرحاً لها أمام الناس كما هو المتبادر إلى الذهن من لفظ التبشير، وإنما وسائلهم هي استغلال فقر الناس وحاجتهم وجهلهم فيأخذون هذا الطراز من الناس ويأخذون نساءهم وأولادهم وينفقون عليهم ببذخ على أن يظلوا معهم داخل كنائسهم ويقولوا مثلما يقولون.. أما الشاب من أبناء الأغنياء فكانوا يغرونهم بالنساء.. كانت وسائلهم أخس الوسائل وأحطها.. وقد استمر عملهم هذا في جميع أنحاء البلاد أكثر من سنة ومع هذا لم يخرجوا بمحصول يزيد على عشرات الأفراد من هؤلاء الجهلة الفقراء المدقعين.

ولم تكن هذه الحملات العاتية للتبشير إذن ذات أثر يذكر في نتائجها من ناحية تكفير المسلمين لكنها كانت صورة بشعة متوحشة للاستعمار البريطاني أمام شعب أعزل مغلوب على أمره تضافرت على قهره حكومته مع الإنجليز.. كان الناس يبكون من شدة الغيظ لأنهم يرون بأعينهم من ينتهك حرمة عقيدتهم – وهي أعز ما  يعتزون به – وهم لا يستطيعون أن يدافعوا عن أنفسهم لأن حكامهم جعلوا الدفاع عن النفس في هذه الحالة جريمة يعاقب مرتكبها.

كنا في ذلك الوقت في رشيد – ولم تكن رشيد هدفاً للمبشرين لأنهم درسوا طبيعة البلاد قبل أن يحضروا من أمريكا وفرنسا وبلجيكا وغيرها من بلاد أوروبا فعلموا أن هناك مدنا مغلقة لا أمل لهم فيها حيث لها طبيعة خاصة وتاريخ لا ينسى ومنها رشيد، فلم يحاولوا دخولها.. لكننا كنا نسمع عما يفعلون بالمحمودية وقراها من خطف الأطفال وإغراء الفقراء بالمال وإغراء الشباب بالعبث وبالنساء.. وكان أهل المحمودية يحضرون إلى رشيد فيروون ما يحدث عندهم فيبكون ويبكون.

أما الصعيد فكان مرتعا خصبا لهم، حيث الفقر والجهل والمرض أضعاف ما هو عليه في الوجه البحري، وحيث كان الصعيد في ذلك الوقت يعتبر من المجاهل التي تحتاج إلى من يرتادها ويكشف عن معاناة أهلها المعزولين عن الحياة.. لقد فعلوا فيه الأفاعيل، وكانت أسيوط نقطة ارتكازهم وكان لهم مستشفى يخطفون الأطفال والنساء من القرى وينقلونهم إليه، ولا يستطيع أهل المخطوف أن يروه أو يعلموا عنه شيئا، ما لا يجدون من يشكون إليه.

كاد الناس يفقدون إيمانهم بالله أمام هذه القرى العارمة المتضافرة ثم لا يجدون من يعترض طريقهم، حتى الصحف لم تكن تشير إلى ذلك مع أنها كانت صحافة حرة لكن نفوذ الإنجليز وقانون المطبوعات الذي وضعه الإنجليز، يعطي حكام مصر المتواطئين معهم السلطة في مصادرة أية صحيفة أو وقفها أو سحب الترخيص بها إذا هي تعرضت للمؤامرة المدبرة على إذلال الشعب وتكفيره برضاه أو رغم أنفه، كما أن الأموال الطائلة المعتمدة لحملات التبشير من خزائن أمريكا وإنجلترا وفرنسا ودول أوروبا كانت تنفق على هذه الصحف بسخاء.

يقول حسن البنا – الطالب بدار العلوم في ذلك الوقت – كان صدري يحترق من زفرات الألم كما كادت تحترق صدور الناس من حولي، لكنني فكرت فلم أجد لهذا الألم معنى إذا لم يتحول إلى عمل، ولكن كيف نحوله إلى عمل والحراب مشرعة في وجوهنا من رجال الحكم الذين كان يجب أن يكونوا هم ملاذ الناس، والذين صرنا وإياهم كما قال الشاعر:

 

وقد كان منا إليك الشكا                                   ة فأصبحت أنت الذي تشتكي

 

فكر حسن البنا فرأى أمامه في الأزهر شخصيات يرجي نفعها لما يلمس فيها من غيرة على الدين واستعداد للعمل إذا وجدوا إليه سبيلاً كالشيخ يوسف الدجوي، فاتصل بهذه الشخصيات فوجد فيها تحرقاً إلى العمل لكن الطريق أمامهم مسدود.. ثم لاحت في مخيلته صورة شخصية أخرى لها كيان علمي وأدبي خاص تفردت به دون غيرها.. ولها من ظروفها ما قد يعين على إيجاد بصيص من نور في هذه الحلكة القاتمة.. تلك هي شخصية "أحمد تيمور باشا" ذلك العالم الجليل سليل المجد والصديق الشخصي للملك فؤاد.

استصحب حسن البنا معه عددا ممن استجاب له من هيئة كبار العلماء وطلبوا مقابلة أحمد باشا تيمور في منزله.. فاستقبلهم الرجل أحسن استقبال وكان يعرفهم جميعا عدا هذا الشاب الصغير.. وتقدم هذا الشاب الصغير فتحدث عن الموضوع، حديث الثكلى عن فلذة كبدها ووصف الحال التي تظل البلاد وكيف يعيث المبشرون في البلاد فساداً تحت سمع الحكومة وبصرها بل في حمايتها وانفجر في البكاء حتى أبكى الباشا فأبكى الحاضرين.. وتداول المجتمعون عسى أن يجدوا مخرجا، وجاءت سيرة الملك فؤاد فقال تيمور باشا إنه صديقي وأثق في غيرته على الإسلام وتعددت الاجتماعات ونوقشت أفكار ومقترحات وانتهت إلى قرار بأن أول إجراء لابد منه أن تصدر مجلة تتصدى لهذه المؤامرة وتفضح اعتدائاتها وتستنهض الهمم لمقاومتها.. وبمجهود تيمور باشا وتدخل الملك فؤاد صدرت مجلة الفتح وأسندت رياسة تحريرها إلى الكاتب الإسلامي العظيم الأستاذ محب الدين الخطيب.

وقد حضرت في خاطري الآن قصة كان قد حدثنا بها الأستاذ المرشد، وهي تتصل بأساليب المبشرين في إغراء أبناء الأغنياء من المسلمين بالنساء مما أشرنا إليه قبلا..

وقد حدثني الأستاذ بهذه القصة في معرض حديثه عن كتاب "إحياء علوم الدين" للإمام أبي حامد الغزالي. وكان الأستاذ المرشد يرى أن هذا الكتاب هو أعظم موسوعة علمية إسلامية، وكانت إحدى أمانيه أن تتيح له الظروف شرح هذا الكتاب. وقد شرع فعلاً في ذلك فأعد درسا أسبوعيا في منزله لمجموعة من الإخوان في شرح هذا الكتاب وكان حريصاً على كتابة كل درس يلقيه في كراسة – مما لم يفعله في درس آخر – ولكن الظروف لم تسعفه فقد هبت الأنواء من كل جانب على سفينة الدعوة فعصفت أول ما عصفت بهذه الدروس التي لم تدم إلا بضعة أسابيع ولله الأمر من قبل ومن بعد.

قال الأستاذ: في أوج الحملة التبشيرية – وكنا إذ ذاك بالمحمودية – كان أحد الشبان من أبناء أثرياء المحمودية قد أغرى بإحدى فتيات المبشرين.. ولما كان الشاب مستقيما متدينا فقد أبدى رغبته للمبشرين في الزواج منها، فاشترطوا عليه قبل إتمام الزواج بها أن يتنصر وأن يعمل خادما في الكنيسة.. ففعل ودخل الكنيسة يقضي فيها نهاره وليله ولا يخرج منها أملا في أن ينال رضاهم فيحققوا له رغبته الجارفة.

وفي إحدى الليالي، بينما هو نائم في الكنيسة رأى فيما يرى النائم أنه في الجنة – وفيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر – ثم رأى رجالا ثلاثة عليهم هيبة ووقار قادمين نحوه.. وتقدم أحدهم وسلم وعرف بنفسه كان موسى عليه السلام ثم تقدم الآخر فكان عيسى عليه السلام.. ثم أشارا إلى ثالثهم وقال: أتعرف من هذا؟ قال: لا، قالا: إنه محمد خاتم النبيين وسيد المرسلين قال: فأخذتني رعدة، فقالا: إنما جئنا لنعتب عليك فيما فعلت.. وقال عيسى عليه السلام: كيف ترجع على عقبيك وتتنصر مع أنني أنا أؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم؟

قال الشاب: فاستحييت من النبي صلى الله عليه وسلم وتصببت عرقا مما فعلت بدافع الشهوة والهوس وحاولت الاعتذار والتوبة فلم أستطع أن أنطق فقد ألجم لساني.. فسكن النبي صلى الله عليه وسلم من روعي وقال لي: إذا أردت أن تصحح إيمانك فاصعد إلى أعلى الجنة، وحدد لي شجرة معينة، فستجد أبا حامد الغزالي جالسا في ظلها فتلق عنه كتابه "إحياء علوم الدين".

قال الشاب: فصعدت حتى رأيت أبا حامد فابتدرني بقوله: مرحباً بمن بعث به إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أخذ يفتح "الإحياء" ويشرح لي وكلما شرح لي بابا انكشف عن قلبي غمة حتى استيقظت من النوم وقد غسل قلبي ولم يعد للفتاة التي أحببتها شيء في نفسي، وخرجت من الكنيسة واقتنيت كتاب "الإحياء".

قال الأستاذ: وعكف الشاب على الكتاب فصار شغله الشاغل حتى كاد يحفظه وكنا نرجع إليه في فهم ما يصعب علينا فهمه منه.

وبعد إيراد هذه القصة المعترضة، أرجع إلى سياق الحديث فأقول:

أخذت مجلة الفتح تفضح مؤامرة الإنجليز، فاضطر الإنجليز إلى الانحناء أمام العاصفة وبدأت الحملة التبشيرية الصليبية لأول مرة تواجه مقاومة. وكانت النتيجة العاجلة لفشل المؤامرة أن اضطر الإنجليز لسحب أذنابهم حكام مصر من المعركة فلم يبق في أرض المعركة إلا الصليبيون وجها لوجه.

وتكونت لجنة في القاهرة برياسة الشيخ محمد مصطفى المراغي الذي كان من قبل شيخاً للأزهر لمقاومة التبشير وتكونت لها فروع في المدن والقرى، وتصدت هذه اللجان لمن يسمون أنفسهم بالمبشرين، وما من مرة تقام مناظرة بين الطرفين علنا إلا انهزم المبشرون بالحجة والبرهان، وبعد أن زال عنصر الترغيب والإغراء وعنصر القهر والارهاب.

ولم تستطع الحملة الصليبية المسعورة بعد ذلك أن تثبت في أماكنها إلا أياماً معدودة، فكل يوم تجلو عن البلاد فرقة منهم حتى طهرت منهم البلاد في أشهر معدودات.



[1]  انظر: مذكرات الدعوة والداعية من ص 151 إلى ص 157.

[2]  انظر: مذكرات الدعوة والداعية من ص 151 إلى ص 157.

[3]  عن كتاب "الإخوان المسلمون.. أحداث صنعت التاريخ" للأستاذ محمود عبد الحليم جِ 1 ص 58-64.

|السابق| [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] [25] [26] [27] [28] [29] [30] [31] [32] [33] [34] [35] [36] [37] [38] [39] [40] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error