بسم الله الرحمن الرحيم
فى هذا الكتاب مقارنة بين: طبيعة دين، وواقع أمة...
اعتمدت فى شرحها على المعروف من مبادئ الإسلام، والمألوف من حياة المنتمين إليه.
وسوف يلمس القارئ بعد الشقة بين ما يجب أن يكون...
وبين ما كان بالفعل.
وسيرى أسباب هذا التفاوت ِ كما تكشف لى ِ من خلال مدارسة التاريخ واستنباء أطواره.
وإذا كنت لم أجنح إلى سرد وقائع وإحصاء أحداث، فإن وضوح الواقع أغنانى عن ذلك الجهد.
وهو واقع ليس بينا فى ذهنى وحدى، بل هو بين فى أذهان جمهرة المشتغلين بالشئون الإسلامية.
إننا نحن المسلمين أمة كبيرة عريقة.
مكثنا طوال عشرة قرون تقريبا، ومكانتنا فى العالم موطدة، ورسالتنا فيه مشهورة.
وليست هذه القرون سواء فى ازدهارها وسنائها..
لقد كانت أخرياتها أشبه بذبالة مصباح أوشك وقوده على النفاد، فهى ترتعش مع هبات النسيم، ولا تبقى مع زئير العواصف.
ومع تربص الأعداء وذهول المدافعين، جاءت القرون الأخيرة، فطوت طيا شنيعا هذه الأمة الكبيرة، وفضت مجامعها، ونكست راياتها، وعاثت فى تراثها، وفعلت به الأفاعيل...!
لكن الأمة الإسلامية مزودة بدين عصى على الفناء، له قدرة على تغيير الروح الهامد، وتجديد الأسمال البالية...
وهى ما زالت تستشفى من سقامها، وتنتقل فى مراحل العافية من طور إلى طور.
وتحاول أن تستعيد قواها كلها، وتستأنف أداء رسالتها الأولى .
ولعلها ِ بتأييد الله ِ بالغة ما تحب.
فإن أمتنا الكبيرة تنتشر فوق بساط من الأرض الطيبة التقت فوقه مقاليد الدنيا ومفاتيح العمران.
وفى قبضة يدها رخاء العالم وشظفه.
ونستطيع الجزم بأنها ِ لو أحسنت استغلال ما تملك ِ فإن سائر الأمم الأخرى تحتاج إليها، ولا تحتاج هى إلى أحد، فإن شرايين الحياة الاقتصادية للقارات الخمس تبدأ منا وتنتهى إلينا.
ثم إن غنانا الأدبى أربى من غنانا المادى، فنحن نحمل رسالة الإسلام! رسالة الحق والخير التى أشرق بها الوجود، واستنار بها الفكر، واستقام بها الضمير، واستفادت منها قديما أجناس من أحمر وأسود، وتبوأت بها هذه الأمة مكانة التوجيه والقيادة أمدا غير قصير...
لكنها فرطت فى الواجب الذى اصطفاها له القدر فهوت! ثم عرفت بعد لأى أسباب زيغهِا فصحت! إلا أن العالم كان قد تغير من حولها تغيرا شاملا، وهو تغير يستجدى الدراسة والتأمل.
ثم إن ما أصابها من هبوط بعد ارتفاع، وتوقف بعد حراك، لم يصبها خبط عشواء، بل له علله الدفينة، وذاك أيضا ما يستدعى الدراسة والتأمل.
ونحن فى هذا الكتاب الوجيز نحاكم جوانب شتى من الواقع المؤسف إلى الأهداف التى احتواها الإسلام، والتى أضاء بها المثل العليا أمام أتباعه، متسائلين: ما سر هذه الكبوة وما سبب هذا التخلف؟؟ وسنرى أننا نحن ِ نحن وحدنا ِ من وراء هذا الانهزام والتقهقر، مثلما تساءل المنهزمون فى معركة أحد فقيل لهم: (أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير) .
إن أمما شتى بدأت تغزو الفضاء بعدما انتصرت على الأرض.
على حين أن جماهير المسلمين ِ بعد رقاد طويل ِ شرعت تفتح عينيها لترى أين تضع قدمها فى أوائل الطريق الطويل..!!
كيف جمدت هذه الأمة؟ وكيف تنطلق؟ وعلى من تقع التبعة؟ وما قيمة مواريثها الروحية والفكرية؟ * وهل هى عائق ينبغي أن يزاح؟ أم مصدر حياة يجب أن ينمى؟ ...
فى هذا الكتاب الموجز إجابات على هذه الأسئلة المتتابعة .
محمد الغزالى