بعض الأطعمة يورث من يتناوله صداعا فى الرأس، واسترخاء فى الأعضاء، وانقباضا عن الأعمال..
وبعض ألوان المعرفة يترك فى النفوس من التطير والخمول مثلما تتركه هذه الأغذية الرديئة فى الأجسام.!!
وحقيق بنا أن نبحث مصادر المعرفة التى توجهنا، وأن نتدبر فعلها فى مشاعرنا وأفكارنا...!
لا، بل نستيقن أولا مبلغ ما فيها من حق! فمن يدرى؟ ربما كانت وهما لا سناد له...!
وما أكثر الأوهام التى تسير الناس، وتجعلهم ينشطون إلى سراب خادع، أو يرعبون من خيال مختلق.
والمجتمع الاسلامى من أزمنة متطاولة ضللته أحكام خاطئة، واستولت عليه صور ذهنية وقلبية ما أنزل الله بها من سلطان.
فكم من أشياء درست على أنها دين، فإذا محصتها وجدت أنها هراء، أو وجدتها اجتهادا محدودا لأحد الباحثين ليست له قداسة الدين، ولا حرمة الخروج عليه...!
وحرام أن تحبس أمة ضخمة فى تفكير رجل واحد قد يخطئ وقد يصيب.
وحرام أن توصف فى محبسها هذا بأنها تلتزم حدود الإسلام.
خذ مثلا هذه المسألة الفقهية الجزئية، نسوقها هنا شرحا لمقصدنا.
يرى ابن حزم أن ابن الزنا، والقرشى، سواء فى إمامة الناس فى الصلاة! إذ لا تفاضل بينهم إلا بالقراءة والفقه وقدم الخير والسن فقط...!
قال: وكره مالك إمامة ولد الزنا...!
ولا وجه لهذا القول، لأنه لا يوحيه قرآن، ولا سنة صحيحة، ولا سقيمة، ولا إجماع، ولا قياس، ولا قول صاحب!! وعيوب الناس إنما تكون فى أديانهم وأخلاقهم، لا فى أبدانهم، ولا فى أعراقهم، قال الله عز وجل: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم).
واحتج بعض المقلدين لمالك ِ فى تحريم إمامة ابن الزنا ِ قالوا: يفكر من خلفه فيه فيلهى عن صلاته!! قال ابن حزم: وهذا كلام فى غاية الغثاثة والسقوط.
ولا شك أن فكر المأموم فى أمر الخليفة لو صلى بالناس، أو الأحدب إذا أمهم أكثر من فكره فى ولد الزنا...!
ولو كان لشئ مما ذكروه حكم فى الدين، لما أغفله الله على لسان رسوله: (وما كان ربك نسيا).
ثم روى ابن حزم عن الحسن البصرى قال: ولد الزنا وغيره سواء.
وعنه أيضا قال: ولد الزنا بمنزلة رجل من المسلمين يؤم ِ فى الصلاة ِ وتجوز شهادته إذا كان عدلا...!
وعن عائشة أم المؤمنين أنها سئلت عن ولد الزنا فقالت: ليس عليه من خطيئة أبويه شئ: (ولا تزر وازرة وزر أخرى).
وعن الزهرى قال: كان أئمة من ذلك العمل ِ يعنى من الزنا ِ .
وعن سفيان الثورى عن حماد سألت إبراهيم عن ولد الزنا والأعرابى والعبد والأعمى هل يؤمون؟ قال: نعم إذا أقاموا الصلاة.
وعن معمر قال: سألت الزهرى عن ولد الزنا هل يؤم؟ قال: نعم وما شأنه؟ وروى أن أبا هريرة لما وصف ابن الزنا بأنه شر الثلاثة ِ يعنى أبويه معه ِ قال عبد الله بن عمر: بل هو خير الثلاثة..!!
ونحن لا يعنينا البت فى هذه المسألة بقدر ما يعنينا الفزع من أن الأمة الإسلامية تستقر فيها أحكام لا دعامة لها من القرآن، ولا من السنة، ولا من القياس، ولا من الإجماع..
إذن كيف استقرت هذه الأحكام؟ ولماذا ألزم الناس بتهيبها على أنها من حدود الله؟ وهبها رأى مجتهد فما قيمة رأى لا يعتمد على شئ مما ذكرنا؟ وما الفرق بينه وبين الآراء المخالفة له سواء عاصرته أم جاءت بعده على مر القرون...!؟؟
إننا أحوج الأمم إلى غربلة الأحكام والعادات والموروثات التى تشيع بيننا، ومقاضاتها إلى اليقين من كتاب ربنا وسنة نبينا...!
وأحسب أن هذه الغربلة ستجئ قريبة من النتيجة التى ذكرها الشاعر:
لو غربل الناس كيما يعدموا سقطا * لما تحصل شئ فى الغرابيل!!
***
لقد نهانا الله عن إتباع الظنون العائمة، أو احترام الخرافات القائمة.
وأفهمنا أننا مسئولون عن حواسنا حتى لا يفتنها عن الحق خداع، ولا يجرها إلى الباطل تقليد.
(ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع و البصر و الفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا) وقال فى تفكير أهل الكتاب: (ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا).
وقال فى تفكير عبدة الأوثان (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس).
وقال: (وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا).
ونحن نريد أن يكون الغذاء الروحى والعقلى للأمة الإسلامية نابعا من اليقين، بعيدا عن الأباطيل، مستقيما مع مناهج الاستدلال العلمى التى يحترمها أولوا الألباب...!!
وفى ميدان العلم حقائق بلغت حد اليقين، وفيه نظريات أقرب إلى الرجحان، وتعتبر موضع قبول محدود...!
وكذلك الأمر فى موضوعات الدين.
بيد أننا إذا نظرنا إلى الأوراق المشحونة بما يسمى علوم الدين، وجدنا شيئا كثيرا جدا مما يبرأ منه الإسلام، ولا يعترف به من قريب أو بعيد..
وهذا الخبط ينتقل من صحائفه إلى الناس فيكون بعثرة لقواهم، أو تقييدا لها.
ذلك أنهم ينصاعون إليه لنسبته السماوية، وهو فى الحقيقة مصنوع فى الأرض، ولم ينزل من السماء...!
ولما كانت الحماسة للعمل، والرغبة فى إجادته تتولدان عن العقائد الشائعة، والأفكار العامة.
فمن حقنا أن ننظر: ما الذى يكون هذه العقائد وينشئ تلك الأفكار؟؟