الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: الإسلام والطاقات المعطلة
المؤلف: محمد الغزالي
التصنيف: طلابي
 

محتويات الكتاب

الفِقه

الفقه الإسلامى محيط بالحياة الإنسانية من ألفها إلى يائها.

 فمنذ يستهِل المرء صارخا، يتعرض الفقه لولادته، وحضانته، ونفقته، وطهر والدته، وحقوقه على أبيه، وعلى المجتمع.!

 وعندما ينقضى أجله ويتجه إلى الدار الآخرة، يتعرض الفقه لموته، وغسله وكفنه، وميراثه، وسائر شئونه الأخرى.

 وبين حياته ووفاته يتصل الخطاب الإلهى بما يدع وبما يصنع، مفصلا أنواع الحلال والحرام، ومختلف الحقوق والواجبات..

 فلا تكاد ناحية من سلوكه الخاص والعام تند عن عناية الشريعة وهداياتها..

 إن الفقه الإسلامى يشمل أحكاما فوق الحصر.

 وقوانينه الضابطة للأعمال ِ كما تناولت الفرد فى خاصة نفسه ِ تناولت الدولة فى أعم أمورها، حتى يكون إشراف الدين على الإنسان محكما لا ثغرة فيه.

 والينبوع الدافق بهذه الأحكام العتيدة والمتجددة، ينجبس من كتاب الله وسنة رسوله.

 وقبل أن نشرح طبيعة هذا الفقه، وصلاحيته المطلقة لتزكية الحياة وتنميتها وتطهير الإنسانية وترقيتها، نحب أن نومئ فى إيجاز إلى ظاهرة هامة فى ماضينا الفقهى الطويل لا يفهمها بعض الناس..

 إن النصوص والقواعد التى تعتبر دعائم هذا الفقه محدودة يمكن استيعابها.

 لكن أساليب الاجتهاد فى تنزيل صور الحياة عليها، ووزن أعمال المكلفين بها، هى التى وسعت دائرة الفقه توسعة لم يكن منها بد.

 وقد بدا الاجتهاد الفقهى مع ابتداء الإسلام نفسه.

 واختلفت أحكام كثيرة مستفادة من النصوص، أو مبنية على قواعد الإسلام العامة..

ولم يكن محيص من هذا الاختلاف، فإن تفكير البشر ليس على غرار واحد، وتباين الأنظار فى القضية الواحدة شئ مألوف مطرد..

 ربما نشأ الخلاف من طبيعة التفكير الإنسانى عند هذا وذاك.

 فمن الناس من تجده حرفى المنزع فى حكمه وأدائه.

 ومنهم من يتوسع فى فهمه وفق ما يرى من حكمة، ويبصر من غاية..

 وليس هذا الاختلاف عن ذكاء وغباء، كلا، إنه المزاج العقلى لأصناف الناس سوف يبقى معهم ما بقى العمران..

 وربما نشأ الخلاف من طبيعة الكلام المنقول عن الله ورسوله، فإن القرآن حمال أوجه، وفى السنن والأسانيد التى رويت بها كلام طويل..

 والذى يعنينا بعد هذه اللفتة أن نقرر ما يلى:

ا ِ أن ثمرات الاجتهاد الفقهى الصحيح متساوية القيمة.

 2 ِ وأنه لا معنى لصبغ بعضها بصبغة القداسة، فهى جميعا اجتهاد قد يخطئ وقد يصيب.

 3 ِ وأنه لا معنى لإلزام الآخرين باجتهاد أحد، أو تخليد هذا الاجتهاد واعتباره كأنه الإسلام نفسه.

 ويؤسفنا أننا تورطنا فى أخطاء علمية كثيرة تركت أسوأ الأثر فى حاضرنا الفقهى، وكبلته بقيود شنعاء: .

 فقد تنوسى اجتهاد حسن لفقهاء لا يقلون مكانة عن الأئمة الأربعة المشهورين.

 وطويت آراء لا ينقصها التفكير الجيد ولا الإخلاص البين.

 وفرض على الناس أن يحتبسوا داخل النطاق الذى رسمه الفقه التقليدى السائد لهؤلاء الرجال الذين اشتهرت أسماؤهم فقط.

 ثم نظر إلى بقية الفقهاء نظرة ازدراء أو خصومة...!!!

 ومن ثم حرم العالم الإسلامى دهرا من النظر فى فقه ابن حزم وابن تيمية وابن القيم.

 ومن قبل تجوهل الليث والأوزاعي وجعفر والطبرى وزيد وغيرهم.

بل إن فقه المذاهب الأربعة لم يدرس عن أصحابه الكبار، فتسرى حريتهم الذهنية إلى الأتباع المعجبين، بل درس فى كتب رديئة التأليف والإخراج.

 * تعصب مقلدو المذاهب الفقهية لما لديهم، وأضفوا عليها قداسة ورهبة، وكأن كلام الواحد من هؤلاء الأئمة المتبوعين مشابه لكلام الله ورسوله.

 ونسوا أن اجتهاد أى إمام لا يعدو أن يكون رأيا فى فهم النصوص، أو طريقة فى تنزيل الحوادث المستجدة على أحكام الإسلام المعتمدة.

 ورأى إنسان ما، أو طريقته فى الإدراك، لا عصمة لها ولا قداسة..

 إنما العصمة لكلام الله ورسوله..

 وليس لمجتهد أن يغضب من نقاش، ولا أن يحاول إلزام الناس كافة برأيه.

 * انقسم المسلمون فرقا وراء هؤلاء الأئمة، كل فرقة تتبع أمامها الذى اختارته، وتشايعه فى كل ما نسب إليه.

 وهذا غلط! فالأصل أن يتبع الإنسان الحق الذى يظهر له فى أى مسألة...!

 وقد يلتقى مع هذا الإمام فى رأى، ويلتقى مع ذلك الإمام فى رأى آخر..

 أما التزام الاتباع المطلق فى كل شىء لفقيه واحد، فهذا عوج ظاهر.

 ولكن المستغرب فى مواريثنا الفقهية أن رجال القرون الأخيرة ضاعفوا الحجب بين إمام وإمام، وفقه و فقه!! وحرصوا على استدامة الفوارق بين جماهير المقلدين، حتى لكأنهم أتباع عدة شرائع لا أبناء دين واحد..

 * مع أن الزمن لا يقف..

 ومع أنه تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور...!

 ومع أن الجماعة الإنسانية تدخل فى أطوار متباينة من ناحية العلاقات الدولية والأوضاع الإدارية والاقتصادية والسياسية.

 ومع ضرورة بقاء الدين مهيمنا على توجيه القافلة السائرة.

 مع هذا كله، فإن التفكير الإسلامى الفقهى توقف فى أغلب ميادين المعاملات، إن لم يكن جمد فيها كلها...!

وأغلقت أبواب الاجتهاد بضعة قرون، حتى انكسرت أخيرا تحت ضغط الحاجات الملحة..

 وصحب انكسارها فوضى منكرة فى الفهم والتطبيق.

 وليس العيب على من صنعوا هذه الفتوق، إنما العيب على من يريدون بمواتهم الأدبى والخلقى والفكرى أن يقودوا قافلة الإسلام فى هذا العصر الموار..!!

 ***

لقد بلغ من حدة التعصب المذهبى أن بعض الشيوخ لا يبالى ِ فى سبيل نصرة بعض الآراء الفقهية ِ بتنصير قوانين الأحوال الشخصية.

 ولا يعنيه استنقاذ الأسر الإسلامية من أحكام الطلاق المدمرة التى لا تزال تدرس فى جامعة الأزهر..!!

 فلما أفتينا بما يراه بعض الأئمة من أن طلاق الحائض لا يقع، وأن الطلاق المعلق لا يقع، غضب...!

 وقال: تلك مذاهب فقهية بائدة...!!!

 قلت: من الذى أبادها؟؟ إنها أولى بالحياة الآن من المذاهب التى تدرسون.

 بل إننى أفتى بأن الطلاق دون شهود لا يقع، ويعجبنى فى هذا فهم الإمامية للآية الكريمة (فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم).

 وما رواه أبو داوود فى سننه من أن الإشهاد على الطلاق سنة الإسلام...!

 ويحزننى أن أقول: أن هذا الجمود المذهبى أعمى أصحابه عن مصلحة الإسلام نفسه...!!

 وأن بعضهم ليرى القوانين الغربية الكافرة تطبق فى أكثر من ميدان، فلا يجرع، فإذا قيل له: أن المذهب الإسلامى لفلان الفقيه القديم سيطبق، دارت عينه من الرعب..

 لماذا؟ إنه التعصب الغبى.

وقديما كانت النصوص من الكتاب والسنة تؤول أحيانا لمصلحة المذهب الفقهى بدل أن يغير المذهب تبعا لها..!!

 ***

إن الأعصار الأولى للفقه الإسلامى حافلة بالرائع المعجب..

 ولو أنقذنا من البلى ما خلفه الرواة والباحثون لوجدنا أنفسنا أمام نقول وأفهام تستحق الإجلال كله...!

 والواجب أن نستحيى هذا التراث التليد، وأن ندرس الأئمة الأربعة وأضرابهم من الفقهاء، ومن يلى طبقتهم من المفكرين...!

 وأن نمحو ِ بكل حماس وقوة ِ أى تعصب لمجتهد من المجتهدين...!

 يجب أن نقدرهم جميعا، وأن نجيل الطرف فى أفهامهم كلها، لننتفع بما استطعنا منها...!

 وحرية التقليد متروكة لمن يقتفى آثارهم كلا أو بعضا..

 كما أن حرية الاجتهاد مكفولة لمن يطيق الأخذ المباشر عن الله ورسوله..

 إن الحالة التى آل إليها الفقه الإسلامى آذت المسلمين، وشلت نماءهم، ومكنت الغزو الثقافى من اجتياحهم، وهجمت عليهم بألوان من الفكر القانونى أوهت صلتهم بالإسلام نفسه، وجعلتها توشك على الانقطاع والضياع...!

 وأرى أن نلقى شعاعا على طبيعة التفكير الإسلامى فى هذا المجال، ليستبين القارئ مواطن الصلابة والمرونة فيه، فيعرف أين يستحب الوقوف، وأين تجمل الحركة!! قال الشيخ محمد المدنى: " إن الشريعة الإسلامية لها ميادين ثلاثة فى حياة الناس تصول فيها وتجول، ولها فى كل ميدان من هذه الميادين أسلوب يختلف عن أسلوبها فى غيره.

 أما الميادين الثلاثة فهى:

ا ِ ميدان العقائد.

 2 ِ وميدان العبادات.

3 ِ وميدان المعاملات.

 وأما أسلوبها فى كل ميدان من هذه الميادين فهو على الترتيب:

ا ِ أسلوب المخبر الواصف.

 2 ِ وأسلوب المنشئ المجدد.

 3 ِ وأسلوب الناقد المهذب.

***

بيان ذلك: ا ِ أن العقائد ِ التى يفرض علينا الدين أن نؤمن بها ِ ما هى إلا حقائق ثابتة فى نفسها، لها وجود واقعى، وهى تفترق فى هذا عن المبادئ والأحكام التى هى من قبيل الإنشاء، والتى تشرع للناس بعد أن لم تكن، وتتغير أحيانا بتغير الزمان والمكان، وتقبل النسخ فى عهد الرسالة.

 وإذا أردنا أن نعبر عن هذا المعنى بالعبارة الفنية عند علماء الأصل قلنا: إن العقائد من باب الأخبار، والأخبار لا تقبل النسخ، لأن النسخ هو الإزالة والتغيير، والواقع يخبر عنه أو يوصف، ولكنه لا يغير ولا يرفع.

 فالألوهية وصفاتها حقائق ثابتة، والرسالة والوحى والكتب السماوية حقائق ثابتة.

 والبعث بعد الموت، والحساب والثواب والعقاب حقائق ثابتة.

 والجنة والنار، والنعيم، والعذاب، كل ذلك حقائق ثابتة، ليس للدين فيها دور يقوم به إلا دور الكشف عنها، والاستدلال عليها، والاقتناع بها، فلا هو بالذى أنشأها، ولا هو بالذى يبدلها أو يزيلها وينسخها.

 ومن هنا قالوا: أن العقائد لا تقبل النسخ.

 ولا تتغير بتغير الزمان أو المكان.

 ولا يسوغ أن تكون محل اجتهاد.

***

2 ِ أما العبادات فهى تختلف عن العقائد فى أنها انشاءات أنشأها الله تعالى، ورسم حدودها، وهيأها على صورة خاصة، وطلب من عباده أن يعبدوه بها.

 فالصلاة عبادة منشأة مؤلفة من أفعال خاصة وأقوال خاصة على ترتيب خاص.

 والصيام امساك عن الطعام والشراب وجميع الشهوات فى زمان مخصوص.

 والحج مناسك معينة لها رسومها وأوقاتها وأمكنتها وأركانها وشروطها...!

وهكذا..

 ومن الواضح أنها ليست كالعقائد: أى ليست حقائق واقعية، مهمة المشرع أن يكشف عنها، وإنما هى صور ركبها وهيأها ورسمها وأنشأها بعد أن لم تكن.

 وهذا محض حقه باعتباره هو الإله المعبود، فمن حقه أن يشرع لعباده ما يعبدونه به، وعليهم أن يرجعوا إليه فى معرفة ذلك كما وكيفا ومكانا وزمانا.

 ولهذا يقول أهل الشريعة فى احدى قواعدهم المشهورة: " لا يعبد الله إلا بما شرع ".

 فالأصل فى العبادات والقرب أنها ممنوعة حتى يرد من الشارع ما يدل على طلبها، ويبين لنا هيآتها ورسومها الخاصة، ولا يجوز لأحد أن يؤلف عبادة من عنده، أو يتصرف فى صورة من صور العبادة المشروعة، ثم يعبد الله بذلك، وفى هذا يقول القرآن الكريم ناعيا على المشركين: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله).

 وبهذا الأصل أبطلت البدع فى الدين والعبادات وما يتصل بها، فكل من أراد القربة فعليه أن يتقرب إلى الله بما شرعه الله، ومن تقرب إليه بما لم يشرعه ِ ولو كان مظهره طاعة وقربة ِ فإنه مبتدع متلاعب بالدين.

 ومثل ذلك كما لو قال قائل: سأصلى الظهر خمسا بدل أربع، أو أصلى المغرب أربعا بدل ثلاث، أو أجعل الركعة الواحدة ذات ركوعين بدل ركوع واحد، أو اتجه إلى بيت المقدس، أو إلى المدينة بدل اتجاهى إلى الكعبة، أو أصوم شعبان بدل رمضان، أو نحو ذلك، فكل هذا افتئات على الدين وعلى حق المعبود فى أن يرسم طقوس عبادته، ولا يرتضى سواها.

3 ِ وأما موقف المشرع فى ميدان المعاملات، فإنه يختلف اختلافا جوهريا عن موقفه فى كل من ميدان العقائد وميدان العبادات.

 إن الشريعة ليست هى التى أنشأت للناس صور التبادل والتعاون والتعامل، ولكنها جاءت فوجدت صورا يتعامل بها، فكان لها موقف منها، غير موقف الإنشاء والرسم، وغير موقف الإخبار والوصف، وذلك الموقف هو الإقرار، أو التعديل، أو الإلغاء، وهو الذى سميناه فى أول هذا البحث: " أسلوب النقد المهذب ".

 وهى لا تتدخل فى هذا الميدان إلا بمقدار ما تحمى مثلها ومبادئها التى جاءت بها: من العدل، والتيسير، والرحمة، ودفع أسباب التشاحن والبغضاء، وربط أفراد المجتمع برباط من المحبة، والتعاون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان ".

 إذن فالعلماء البصيرون بالإسلام، الفاقهون لمقاصده وغاياته، عليهم أن يمسكوا بدفة التشريع العام، وأن يسنوا من القوانين الملائمة للعصر ما يتمشى مع طبيعة ديننا ويوافق مثله العليا...!

 ولهم أسوة بالأئمة الأولين، فقد أشبعوا حاجات العصور التى عاشوا فيها، بل بلغ من رسوخهم فى الفقه والفتوى أن تصوروا أمورا خيالية وحكموا فيها باسم الإسلام...!

 فكيف يعجز فقهنا اليوم عن توجيه الواقع وكشف غمته!؟ ذلك..

 والفقيه المسلم فى قيادته للجماعة أشبه بربان الباخرة.

 إنه قد يأمر بالاتجاه يمنة أو بالاتجاه يسرة، لا لأنه مغرم بالتناقض، بل لأن التيار الذى يواجهه يقتضيه الانحراف هنا أو هناك..

 وهذا سر ما روى أن بعض الأئمة أفتى فى الأمر الواحد بفتويين مختلفتين.

 إن الأصل الذى صدر عنه واحد، وان اختلف التشريع وتباينت الفتوى.

 قال الإمام الشهيد فى رسالة له: " دعوت قومى أن يختاروا، أو بعبارة أصح وأوضح، أن يبروا بعهدهم مع الله ومع أنفسهم، فيقيموا دعائم حياتنا الاجتماعية فى كل مظاهرها على قواعد الإسلام الحنيف.

 وبذلك يسلم مجتمعنا من هذا القلق والاضطراب والبلبلة التى شملت كل شئ، والتى وقفت بنا عن كل تقدم، والتى حالت بيننا وبين أن نتعرف الطريق السوي إلى علاج أية قضية من قضايانا الكثيرة المعلقة فى الداخل والخارج ِ وقلت: إنه لا سبيل إلى النجاة إلا هذا الاتجاه عقيدة وعملا، بكل ما نستطيع من حزم وسرعة.

 وقد يقال: كيف ذلك والحياة العصرية فى العالم كله لا تقوم على أساس الدين فى أية ناحية من نواحيها؟ بل لقد اصطلحت أمم العالم ِ التى بيدها اليوم مقاليد الأمور وتوجيه مقدرات الأمم والشعوب ِ على فصل الحياة الاجتماعية عن العقائد الدينية، وإقصاء الدين عن كل مرافق الحياة، وحصره بين الضمير والمعبد، فهما وحدهما نافذة المؤمنين التى يتصل منها بالله.

 والذين يقولون هذا القول لم يعرفوا " الإسلام ".

 ولم يدرسوا تعاليمه وأحكامه.

 ولم يفقهوه ِ بعد ِ على طبيعته الصحيحة، ووضعه السليم.

 من أنه دين ومجتمع.

 ومسجد ودولة.

 ودنيا وآخرة.

 وأنه تعرض لشئون الحياة الدنيوية العملية بأكثر مما تعرض للأعمال التعبدية، وأنه قد أقام الشطرين معا على دعامة من سلامة القلب، وحياة الوجدان، ومراقبة الله، وطهر النفس.

 فالدين ِ على هذا ِ جزء من نظام الإسلام، والإسلام ينظمه بهما ينظم الدنيا تماما، ونحن كمسلمين مطالبون بأن يقوم ديننا ودنيانا على أساس القواعد الإسلامية: (ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون).

 ومن هنا فرق الفقهاء ِ فى النظرة التشريعية ِ بين ما هو من قواعد وأحكام العبادات والعقائد، وما هو من قواعد وأحكام المعاملات وشئون الحياة الاجتماعية، فأفسح النظر والاجتهاد فى الثانية ما لم يفسح فى الأولى، حتى لا يكون على الناس فى ذلك حرج ولا مشقة: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر).

 وتحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور.

***

وقد يقال: إن هذا جمود، ورجوع بالعالم إلى الوراء ألف عام أو تزيد...!

 فكيف يعقل أننا نطبق اليوم نظما جاءت لأمة عاشت قبلنا بأربعة عشر جيلا، وفى أرض غير أرضنا، وعلى لون من ألوان الحياة غير ألوان حياتنا!! وأين سنة التطور، وقوانين التقدم والارتقاء!! ونقول لهؤلاء كذلك: إنكم لم تفهموا طبيعة الإسلام الحنيف الذى جاء للناس "فكرة سامية " تحدد الأهداف العليا، وتضع القواعد الأساسية.

 وتتناول المسائل الكلية، ولا تتورط فى الجزئيات.

 وتدع بعد ذلك للحوادث الاجتماعية والتطورات الحيوية أن تفعل فعلها، وتتسع لها جميعا، ولا تصطدم بشئ منها.

 وإذا كان تاريخ التشريع الإسلامى يحدثنا أن ابن عمر رضي الله عنه كان يفتى فى الموسم فى القضية من القضايا برأى، ثم تعرض عليه فى الموسم الثاني من العام القابل، فيفتى برأى آخر، فيحدث فى ذلك، فيقول: ذاك على ما علمنا، وهذا على ما نعلم.

 كما يحدثنا أن الشافعى ِ رضى الله عنه ِ وجمع بالعراق مذهبه القديم، فلما تمصر وضع مذهبه الجديد نزولا على حكم البيئة وتمشيا مع مظاهر الحياة الجديدة، من غير أن يخل بسلامة التطبيق على مقتضى القواعد الإسلامية الكلية الأولى.

 وأصبحنا نسمع: قال الشافعى فى القديم، وقال الشافعى فى الجديد.

 أن نرى تغير رأى الرجل الواحد فى القضية الواحدة بحسب الزمان تارة كما فعل ابن عمر.

 وبحسب المكان تارة أخرى كما فعل الشافعى.

أو بحسبهما معا، كما سمعنا أن عمر رضى الله عنه أمر بعدم القطع فى السرقة عام المجاعة.

 وجاءه رجل يشكو سرقة خدمه، فأحضرهم فأقروا وذكروا أن سبب ذلك أنه لا يقوم بكفايتهم من طعام وملبس...!

 الخ، فتركهم عمر، وتوعد الرجل قائلا: إذا سرق خدمك مرة ثانية قطعت يدك أنت.

 واعتبرها شبهة تدرأ الحد، ولاحظ الظروف والملابسات.

 فهل يقال بعد هذا: أن فى الرجوع إلى النظام الإسلامى رجعية وجمودا.

 وليست فى الدنيا شريعة تقبل التطور، وتساير مقتضيات التقدم، وتتمتع بمعانى المرونة والسلامة والسعة كشريعة الإسلام الحنيف.

 (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون).

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

عقيدة المُسلم 

السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث 

الجانب العاطفي من الإسلام 

الإسلام والطاقات المعطلة 

قذائف الحق 

فقه السيرة 

الإسلام خارج أرضه 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca