الإسلام ِ فى كياننا الحسى والمعنوى ِ موضوع وشكل، وحقيقة وعنوان...!
هو ِ بالإضافة إلى وجودنا ِ الدعائم الوثقى، والأصباغ الملونة، ِ وبالإضافة إلى حركتنا ِ القدرة الدافعة والوجهة المنشودة..!!
وتوضيحا لهذا الكلام لابد من شرح وجيز للمجال الروحى الذي يعمل فيه الإيمان.
وبيان لمدى الفراغ الذى يملؤه في مقاصدنا الداخلية ونشاطنا الخارجى على سواء.
المسلم إنسان يؤمن بالله الواحد الصمد، ويصوغ حياته وفق أوامره ونواهيه.
ويوقن بأن المبتدأ منه، والمنتهى إليه، فهو يجعل له ما بينهما....!
ويحكمه فى شئونه كلها لأنه أولا لا يرضى غيره حكما، ثم لأنه يلتمس الرضوان والسعادة من وراء هذه الطاعة التامة والتسليم المطلق..
ورباط المؤمن بالله يلقى فى روعه، أنه حزبه، وأنه وليه، وأنه تابعه المخلص الوفى...!
وأن سره وعلنه، وقلبه، ولبه، لمولاه وحده، مقتديا فى ذلك بنبيه محمد الذى علمه ربه أن يقول: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين).
وقد تتعرض هذه العلاقة للضعف والقوة، والغموض والوضوح، غير أنها موجودة أبدا.
وهى فى امتدادها الواجب، أو فى نموها الذى تبلغ به تمامها، تستحوذ على الإنسان كله، ولا تبقى فيه فضلة لأحد..
والشواهد على هذا الكلام فوق الحصر من كتاب الله وسنة رسوله.
ولكنى أختار هنا حديثا رقيقا رواه البخارى بروايته، ولا مراء عندى فى صحته لأنه متفق أتم الاتفاق مع سائر الآيات والسنن.
وهذا الحديث قدسي من رواية الرسول عن ربه.
" من عادى لى وليا فقد آذنته بالحرب...!
وما تقرب إلى عبدى بشئ أحب إلى مما افترضت عليه.
ولا يزال العبد يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه.
فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به، وبصره الذى يبصر به، ويده التى يبطش بها، ورجله التى يمشى بها..
ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بى لأعيذنه..
وما ترددت فى شئ أنا فاعله ترددى فى قبض نفس عبدى المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته...!
".
ولنتناول فقرات هذا الحديث بالشرح السريع: إن الجملة الأولى ظاهرة المعنى، فإنه حق على الله أن يحمى من آواه فى كنفه، وأن يعلن سخطه على من تعرض للصالحين من عباده.
وولاية الله قد تعنى درجة مرموقة من التقوى والاستقامة، يستحق أهلها النصرة والرعاية...!
بيد أن المؤمنين جميعا لا يحرمون من هذا الوصف العزيز ما دام يقينهم نقيا.
(ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم).
ولموالاة الله منهج مبين، لا يؤذن لأحد أن يتزيد فيه، ولا أن ينتقص منه، هو أداء الفرائض التى فصلت تفصيلا أحصى ما يحبه الله من خلقه، وما يرضاه لهم، ويرضى به عنهم..
فإن توسل امرؤ إلى الله بغير هذا، وزعم أنه جاء بما يحبه الله فهو كاذب..
والفرائض المبينة فى الكتاب والسنة معروفة.
والمهم أنها متكاملة، أى أن الكل منها ِ بتعبيرنا المعاصر ِ قاطعا من الحياة العامة تعمل فيه وتتكفل بإصلاحه.
فإذا أديت كلها على وجهها المشروع، استقينا من معانى الخير والحق التى نهضت عليها هذه الحياة.
فالصلاة كفيلة بتزكية النفس وتنقية معدنها من الشوائب، أو هذا شأنها كما أن وظيفة الطعام تغذية الجسم...!
فإذا أصيب الجسم بديدان تمتص الغذاء وتبطل الثمرة، فليس العيب فى الطعام وأثره المقصود، إنما العيب فى العلل التى أبطلت فائدته...!
والزكاة كفيلة بسلامة المجتمع، وإعانة الجوانب المائلة فيه، وبث روح التعاطف بين أفراده..
والأمر بالمعروف كفيل باستحياء معنى الحق واستدامة هيبته، وإشراب الأمة احترامه والعمل به.
والحكم بما أنزل الله كفيل بحسم الشر، واستئصال مادته، وإشاعة الأمان والثقة حول الدماء والأموال والأعراض.
والمشى فى مناكب الأرض، ابتغاء رزق الله من شتى موارده، كفيل بتوفير الغنى للفرد والرفعة للمجموع، والعمران للدنيا..
وهكذا.
والفرائض التى سقنا أمثلة لها هى الأنصبة الدنيا لمطالب الإسلام فى كل قطاع حيوى.
فإن من فرط فى فريضة انثلم إيمانه، وانهد ركن خطير فيه، وتعرض سائره للضياع...!
ولا يقبل الله من مسلم إلا أن يؤدى الفرائض كلها تأدية تامة.
فلو أدى بعضها ورفض البعض الآخر لم يقبل منه الذى فعل، وحق عليه قوله عز وجل: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون).
ويظهر من ذلك الوعيد أن الفرائض التى أديت هى صورة عبادة فقط.
لعل باعث أدائها التعود أو الوراثة، وليس اليقين القوى.
ولو كان اليقين الصحيح باعث أدائها لما تخلف أثره فى بقيتها، وإلا فلماذا تركت؟
ومن ثم فنحن نشك فى إيمان من يصلى ولا يزكى...!
أو من يفعلهما معا ويهدم حدود الله الأخرى..
إن الفرائض ِ من واجبات تفعل ومحرمات تترك ِ نسيج متشابك لا يجوز خرقه، ولا تقطيعه استغناء بقطعة منه عن قطعة ..
فمن تشبث بها كلها أصاب الحق، ونال الرضا، ودخل فى موالاة الله، وأضحى من حزبه...!
لكن هذه الفرائض لا تشغل وقت الإنسان كله، ولا تستغرق جهوده جميعا...!
سيبقى له بعد إنجازها وقت وجهد يستطيع أن يتصرف فيهما كيف أحب..
فمن أنفقهما فى اللهو المباح جاز له.
ومن قرر توجيه جزء آخر منهما لله، فقد وضع رجليه فى أولى درجات السلم العظيم..
سلم الاتصال بالله، وإحراز المزيد من عطفه ولطفه...!
والناس متفاوتون فى مدى شغلهم بالحق، والتفاتهم إليه، وجهادهم فيه.
وإلى هذا يشير الحديث " ولا يزال العبد يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه ".
والنوافل هى الزيادات على الفرائض، وهى زيادات منوعة كذلك من جنس ما فرض الله على عباده...!!
ومجالها جميع القطاعات التى تعمل فيها الفرائض، وتقيم بها أرجاء الحياة العامة، على نحو ما شرحنا آنفا...!
وليست النوافل ركعات وحسب، أو صدقات وحسب! إنها المزيد من العمل لله فى كل ميدان، عملا تصحبه النية الخالصة، ويستهدف به إقامة الدين ودعم أمته...!
غير أن هناك فرقا لابد من كشفه، فالمسلم بالنسبة إلى الفرائض ملزم بها واحدة واحدة..
أما النوافل فإن قيامه ببعضها يغنى عن البعض الآخر..
وذاك لأن استعداد الناس للتجويد والتوسع غير متاح لهم فى كل ميدان.
إنه راجع إلى مواهبهم الأولى، وما انفتح لهم من أبواب الخير، أو ما تمهد لهم من أسباب النشاط والتمكين..
المدرس قد يكون مجال تفوقه فى شرح العلوم، وتنشئة الأولاد على أحسن غرار.
والطبيب قد يكون ميدان حماسه علاج المرضى، وتتبع آلامهم بالمحو أو التخفيف.
وأيما مسلم استكمل الفرائض، ثم كرس وقته وجهده في إحسان عمل ما من أعمال الخير التى تعز الإسلام وأهله، فقد سلك طريقا موصلا إلى محبة الله حتما.
(ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور) *** والدرجة العليا فى هذا السلم أن يستغرق المرء فى تلك الأعمال استغراقا يملك مشاعره وأعضاءه.
فهو بحرارة الإخلاص وصدق التوجه مشغول بها، وبمن يؤديها له، عن كل شئ آخر.
هنا يحبه الله، فإذا أحبه أعانه على ذكره وشكره، وسخر حواسه وجوارحه فى هذه الأعمال الخالصة له...!
" فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به، وبصره الذى يبصر به، ويده التى يبطش بها، ورجله التى يمشى بها ".
أى كانت حياته كلها، وأفكاره ومشاعره وقفا على...!
ألا ترى الشاعر الغزل يقول:
لا أرى الدنيا على نور الضحى بل أرى الدنيا على نور العيون
إن عشقه للنساء من سمر وشقر، وحور ودعج، جعله لا يحس جمال الدنيا فى ضوء الشمس، وإنما يحس جمالها فيما يتاح له من حب للنساء، وصلة بهن..
والواقع أن الذى يستغرق فى عمل ما، أو تستحوذ عليه فكرة ما يحتبس فى جوها، ويذوق السعادة فى نطاقها، ويشعر بالغربة بعيدا عنها، ويستوحش من كل شئ يعكر عليه الخلوة بها!!! على أن هنا لفتة...!
أن أحدا لن يفرض على الله صداقته، فالله تبارك وتعالى هو الذى ينظر إلى عباده، ويمتن على من شاء منهم بقوة الصلة، وجميل الرعاية...!
وهذه اللفتة مفهومة من قوله: فإذا أحببته كنت سمعه...!
الخ.
أى جلوت العوائق والشواغل عن حسه ومعناه فصار يسمع بى، ويبصر بى.
ومن الجهل توهم أن هذا الذكر المشرق بالله، لا يكون إلا فى خلوة من الناس، أو لا يتم إلا بعد فرار من المجتمع، كلا...!
إن هذا الذكر مخلوط بعمل المرء داخل الحياة نفسها، وبتصرف يده ورجله، وسط ضجتها الكبرى..!!
وأروع ما فى الحديث هو التنويه بأن المسلم إذا فنى فى رسالة..
اشتغل بها كلا وجزءا، فهو يرضى لله ويسخط لله، ويطعم لله ويتبسط لله، وينام لله ويصحو لله، ويجم ويكدح لله..
الخ.
لقد تحول ِ فى ميدان الحياة الرحبة، وعلى ظهر الأرض الطويل العريض، قوة تشكل ما يقع فى نطاقها وفق فطرتها هى..
لقد أصبح كالنحلة، تتعرض للأزهار والأثمار فتحيلها شهدا شافيا، لأن هذه طبيعتها التى لا تحسن غيرها...!!
وفى الحديث: " مثل المؤمن مثل النحلة، إن أكلت أكلت طيبا، وإن وقعت على شئ لم تخدشه ولم تكسره ".
لو أن أحد رجال المال اختير عضوا فى مجلس إدارة لإحدى الشركات، فانكب على عمله هذا يؤديه بقوة، ويحاول ترقيته وتنميته، ويحلم فى منامه بطرق استثماره، ويكرس صحوه لحراسته.
وهو فى هذا كله يرمى إلى دعم الاقتصاد الإسلامى، ومطاردة الغزو الأجنبى، ورفع مستوى الأمة التى وقف على ثغرة خطيرة فيها...!
فليس يشك أحد من علماء الإسلام فى أن هذا الرجل مجاهد فى سبيل الله!.
وأن تفانيه فى هذا المجال ِ بعد استكمال الفرائض المكتوبة ِ يجعله من أولياء الله الصالحين، الذين عناهم هذا الحديث الشريف.
إن باب النوافل واسع، ويستطيع المسلم المؤدى للفرائض أن يحرز أعلى درجات القرب من الله عن طريق أي عمل صالح، عادى أو عبادى، ما دام عميق الإخلاص، ناظرا إلى وجه الله فى كل موطن..
***
المسلمون الذين يتدافعون فى طريق الحياة مواكب مواكب، بهذا القصد العالى، وذلك الهدف النبيل، هم أولياء الله الذين يساق فيهم هذا الحديث، والذين يقال فيهم (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون * الذين آمنوا وكانوا يتقون * لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم).
فأما بشرى الحياة للمؤمنين الأتقياء، فسكينة النفس، ونباهة الشأن، وحسن الذكرى، وقوة التمكين فى الأرض..
وأما فى الدار الآخرة، فظفر بنعيم الله، وإقامة فى رضوانه...
ثم ينبغى أن يحكم الأمور بنهاياتها الحاسمة لا ببداياتها المتشابهة.
فقد يحزن المؤمن فى المرحلة الأولى، لأن طبيعة الدنيا الابتلاء.
لكن العزيز الغالب على أمره، لا يغير قوانينه ولا يبدل كلماته.
ولذلك أتبع الآيات السابقة بهذه الآية المواسية: (ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم).
وانك لتجد فى هذا الحديث القدسى أن المؤمن بعين الله، فى آلامه كلها.
إن الله يجيبه إذا سأل، وهو حصنه إذا استعاذ.
لكن القدر المكتوب لابد من إنفاذه.
وإنفاذه ليس علامة قطيعة وغضب..
وتأمل فيما تتضح به هذه العبارة من حنو ومحبة : " وما ترددت فى شئ أنا فاعله ترددى فى قبض نفس عبدى المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته "..!!
إنه يحب الحياة، ويود ألا يتركها، وألا ينغص فيها إذا صحبها..
لكن الموت حق.
فانظر ما يكتنف إيقاعه فى نفس الله..
مما يشير إلى مقدار إعزازه- جل شأنه- لأوليائه..
***
قلت: إن هذا الحديث موافق لهدايات الكتاب والسنة فى بيان حقيقة الإيمان والعمل الصالح.
فإن المسلمين ِ إبان استقامة تفكيرهم ِ لم يختلفوا فى تفسير هذا العمل المنضاف إلى الإيمان.
ولست أدرى: كيف فهم المتأخرون من أمتنا أن هذا العمل هو العبادات وحسب؟! العمل الصالح الذى يتقرب به إلى الله، ويبتغى به رضاه، يستوى فى تقويمه أن يكون عملا عاديا أو عباديا.
فكلاهما فى نظر الإسلام أداة حسنة للخير، ومظهر جيد للهدى والحق!! وفى الحديث القدسى الذى ذكرناه إشارة إلى الوظائف الطبيعية لحواس الإنسان وأعضائه..
فالسمع والبصر هما المنافذ الأولى للعقل.
وبهما يكون معلوماته عن كل شئ.
واليد والرجل هما المظاهر الأولى للحركة.
وبهما ينفذ المرء أغراضه، ويحقق مآربه.
ومعنى إثبات هذه الأربعة فى الحديث، أن الإنسان المؤمن بربه يصل إلى المنتهى فى مرضاته يوم يكون حياته العلمية والعملية كلتاهما مسخرتين لرسالته السماوية..!!
وأظن ذلك إحصاء للنشاط الحيوى كله لا يستبقى وراءه شيئا..!!
غاية ما هنالك أن الإسلام اعتنى بطائفة من " العمل الصالح " ورسم لها هيئات وصورا لا تعدوها، ولا تتغير بتغير الأزمنة، كالصلاة والصيام..
وترك بقية الأعمال مطلقة لا يحدها إلا الإطار العتيد الذى لابد منه، وهو النية الخالصة والغرض الشريف.
ومع توفر النية الصالحة، توزن فى كفة الحسنات أشياء لا تخطر بالبال..
روى البخارى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من احتبس فرسا فى سبيل الله، إيمانا بالله وتصديقا بوعده، فإن شبعه، وريه وروثه، وبوله فى ميزانه يوم القيامة " يعنى حسنات.
وفى رواية له: قيل يا رسول الله..
فالخيل؟.
قال: " الخيل ثلاثة، هى لرجل وزر، وهى لرجل ستر، وهى لرجل أجر.
فأما الذى هى له وزر، فرجل ربطها رياء وفخرا ونواء- مناوأة- لأهل الإسلام، فهى له وزر...!
وأما التى هى له ستر، فرجل ربطها فى سبيل الله، ثم لم ينس حق الله فى ظهورها ولا فى رقابها، فهى له ستر.
وأما التى هى له أجر فرجل ربطها فى سبيل الله لأهل الإسلام فى مرج أو روضة..
فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شئ إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات، وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات..
ولا قطعت طولها ِ حبلها ِ، فاستنت شرفا أو شرفين ِ يعنى جرت شوطا أو شوطين ِ إلا كتبت له آثارها وأرواثها حسنات.
ولا مر بها صاحبها على نهر فشربت منه، ولا يريد أن يسقيها، إلا كتب الله تعالى له عدد ما شربت حسنات ".
ما هذا..؟
إن الهدف العظيم يتمحض الرجل لخدمته يجعل كل شئ بين يديه من حوله عملا صالحا وخيرا جزيلا..
إن القصد العالى يملأ فؤاد الرجل، فإذا كل شئ وضع فيه يديه يتحول إلى صلاة وزكاة، ومثوبة غامرة..
***
ماذا يصنع الإسلام أبعد من هذا فى توسيع ميدان العمل الصالح؟ ماذا يصنع بعد أن جعل روث الدابة المعدة للخير فى ميزان الحسنات؟ هل يدرى العامل المعفر الجبين بسواد الدخان، وغبار الجو، أن كفاحه هذا نور يشرق به جبينه يوم القيامة، إذا كان نظيف النية فى عمله، نبيل الغاية فى سعيه؟؟ ! الأعمال المعتادة كلها، التى يباشرها الناس من كل جنس على أنها شئ طبيعى فى حياتهم، أو على أنها مأرب شخصى، أو خدمة جماعية..
هذه الأعمال كلها إذا باشرها امرؤ أسلم لله وجهه، وأحسن من أجله عمله فهى ِ على اختلاف فنونها، وسعة ميادينها ِ واشتمالها على تجارة أو زراعة أو كتابة أو دراسة...!
الخ: أعمال صالحة مؤكدة الثواب..!!
(بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون).
وتتحول الأعمال العادية إلى فرائض محتومة مثل الصلوات المكتوبة إذا ارتبطت رسالة الأمة بها وتوقف نجاحها على التفوق فيها..
وفى هذا الزمان ليس نهوض المسلم إلى تجربة كيماوية، أو صناعة آلية، بأقل من نهوضه لصلاة يفتتحها بتكبير الله، ويختتمها بالسلام على خلقه!!! على هذه الركائز من رسوخ اليقين، وشمول العمل قام الفكر الإسلامى والمجتمع الإسلامي.
انطلقت الحضارة الإسلامية صعدا تشق طريقها فى أطواء التاريخ، وتصنع للإنسانية جمعاء ما لم تصنعه حضارة أخرى..
لم يكن البشر فى ظلها يعانون فراغا ما فى صلاتهم بأنفسهم أو صلات بعضهم بالبعض الآخر، أو صلاتهم جميعا بالدولة الموجهة وإن اضطرب حبل الحكم..
ونهضت الثقافة الإسلامية بعبئها فى كل ميدان.
فدراسة القانون وتطبيقه، ودراسة الخلق وتطبيقه، وتعليم الآداب من شعر ونثر، وتعهد الأولاد بالتربية، وضبط التقاليد الشائعة بين شتى الطبقات، وإجادة الحرف والمهن والفنون التى يستمسك بها العمران، وسد حاجات البلاد العسكرية وما يقتضيه ذلك من براعة وإعداد..
كل هذا النشاط الإنسانى كان فروعا لشجرة واحدة، يغذيها وينميها روح واحد، وتدوى أو تزدهر فى ظروف متقاربة.
كان الإسلام هو المعنى الجامع المحيط بهذه الحياة الممتدة المتشابكة.
يدخل الرجل المسجد بالحالة التى يدخل بها المتجر أو الديوان.
ويسمع النداء للجهاد فيجود بنفسه، أو بابنه لله، دون ارتياب.
ويذهب إلى المحكمة ليستقبل حكم القاضى بإقامة الحد أو القصاص، وهو شديد التسليم لإرادة الله .
لقد رضى بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا.
وفى ظلال هذا الرضا يقبل ويدبر، ويضحك ويبكى، ويحيا ويموت.
***
ولقد طوت الأمة الإسلامية قرونا عديدة، وجازت عقبات كؤودا، وهى مشدودة الأواصر بهذه المواريث الروحية والفكرية، محكمة النسج بتلك الروابط المادية والأدبية.
يصعد الجد بها ويكبو، وتمر بها أيام سعد ونحس.
حتى تعرضت منذ قرن لأخبث استعمار عرفته منذ وجدت.
فإذا هذا الاستعمار يصوب قذائفه بمهارة ودأب نحو مواريثنا الثقافية، ويبذل آخر ما لديه من دهاء وعنف لجعل الأمة برمتها فى ناحية، وجعل تعليمها وتشريعها وخلقها وأمانيها فى ناحية أخرى غير ما تؤمن به وتحن إليه..
إنه يحول بين المرء ونفسه...!
إنه يحول بين الأمة، وروحها، وضميرها، وتاريخها، ورسالتها.
وهو بهذه الحيلولة يحكم عليها بالموت البطئ أو السريع، على قدر ما يلقى من نجاح فى كيد!! أجل.
إن القضاء على ميراثنا الروحى والفكرى ِ نحن المسلمين ِ هو التمهيد الحاسم للقضاء علينا إلى الأبد.
***
ولست أجد أصدق ولا أفصح ِ فى تقويم هذه المواريث ِ من الكلام الطيب الذى ألقاه في قاعة الأزهر الأستاذ محمد فريد أبو حديد.
فقد بين أن الأمة من غير هذه المواريث لا تساوى إلا صفرا، وأنها بدونها لن تعقل خيرا، ولن تستطيع خطوا...!
قال: " وما دامت هذه المواريث الثقافية هى التى تخلع على الأمة شخصيتها وتشكل حياتها، فهى التى تجعله تحدد لنفسها غاية، ثم تسعى لتحقيقها..
وهى التى تجعل لحياتها معنى وتراها جديرة بأن تحياها.
وهى التى تحمل على أن تحب أو تكره.
وتصادق أو تعادى، وتأمن أو تخاف...!
هى التى تقيس بها الأمور لتميز ما هو جميل وما هو قبيح، وما هو كريم وما هو دنئ.
هى التى تهديها إلى مواطن كرامتها، وتصدها عن مواطن هوانها.
وهى التى تدلها أين توجد حريتها وإنسانيتها، فتدفعها إلى التضحية بمادة الحياة، وبالحياة نفسها فى سبيل ما تعده قوام حياتها وحريتها ".
قال: " والمواريث الثقافية بانتقالها من جيل إلى جيل تحفظ على الأمة كيانها، فإذا اعتراها ما يعجزها عن ذلك الانتقال كانت الأجيال التالية معرضة لفناء شخصيتها.
وقد يؤدى ذلك إلى فناء الأمة نفسها بصفتها عاملا من عوامل بناء الحضارة"...!
ثم قال الأستاذ منوها بعظمة الإسلام وصلاحيته المطلقة لقيادة النهضة، تحت عنوان: " الإسلام وعاء مواريثنا الثقافية ": "...!
ويمتاز الإسلام بأنه الحلقة المتممة للديانات الكبرى، فهو لا يفرق بين جنس وجنس، ولا بين طبقة وطبقة، بل ترتكز دعوته العليا على أسس إنسانية شاملة لا تفرق فى الرعاية بين حقوق للمجتمع وحقوق للفرد.
وليس فيها فصل بين ما على الحاكم، أو على المحكوم من واجبات.
بل هو دين ينظم حياة الإنسان من جانبيها الفردى والاجتماعى.
والإسلام يقيم تنظيم الحياة على عقيدة يؤمن بها الناس، ويدع لهم أن ينظروا فى أمورهم على هدى عقيدتهم، وينذرهم بأشد الأخطار إذا هم تنكبوا وحيها.
ونحن إذا قلنا: إن الإسلام وعاء مواريثنا الثقافية، فذلك لأن الإسلام ينطوى على خير ما فى مواريث الديانات الكبرى ويتممها، كما أن هذه الديانات الكبرى تنطوى على خير ما فى المواريث الثقافية الإنسانية من عناصر تنظيم الحياة الاجتماعية ".
على أننا إذا نظرنا إلى الخلف، محاولين استقصاء العبر من تاريخنا الطويل نجد مآسى جمة قد حاقت برسالتنا، وتركت غضونا عميقة فى ملامحنا.
ولذلك يقول الأستاذ أبو حديد: " لقد توالت على الأمة العربية والإسلامية كوارث شديدة، وعصفت بها حوادث خطيرة من خارجها ومن داخلها.
فمن الخارج تعرضت الأمة لغزوات أجنبية متعاقبة ما زالت تلح عليها منذ ثمانية قرون أو تسعة إلى أمسنا القريب، بل إلى يومنا هذا.
ومن الداخل تعرضت الأمة لأجيال من الحكام والسادة المفسدين الذين كانوا يعملون على تحطيمها، وهم المسئولون عن صلاحها.
وكان أكبر هم للمغيرين من الخارج، وللمفسدين من الداخل، أن يدمروا أول كل شئ هذه المواريث التى تحفظ كيان الأمة وتكفل حياتها ".
لكن هل نستسلم للخطأ، ونتهاوى فى حفر الفناء...!؟
كلا!! يقول: " ما أجدرنا نحن فى نهضتنا الحاضرة أن نستخلص العبرة مما جربته الأمم الأخرى، وأن نعرف أن المواريث التى حفظت عليها حياتنا وشخصيتنا وحريتنا عبر القرون الماضية هى الكفيلة بحمايتنا، وحفظ حرياتنا وحقوقنا فى مستقبل أيامنا ".
ثم يقول شارحا أمثل الطرق للعمل الواجب: " الأمة العربية فى عصرنا هذا تستقبل نهضة لا شك فيها.
نهضة كموجة المد تعلو فى أناة، ولكنها تمتد ولا يمكن إنكارها أو وقفها..
إنها إفاقة جبارة بعد غفوة طالت بهذه الأمة نحو خمسة قرون أو تزيد كثيرا أو قليلا بحسب ظروف الأماكن والحوادث.
هذه الأمة تنبض بالحركة فى كل مكان من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب ومن شمالها إلى جنوبها.
بل من الحق أن نقول: إن حركتها تعدت حدودها، وسرت هزتها إلى قارات أخرى تحيط بها.
هذه النهضة متعددة الجوانب والمظاهر، وبقدر ما تنطوى عليه من قوة وحياة، وبقدر تعدد جوانبها ومظاهرها، تتعدد فرص التدافع والتصادم بينها وبين النظم القديمة، التى أصبحت اليوم غير صالحة لأن تكون تطبيقا سليما لمواريثنا.
ومن هنا نشأت مشكلة أو مشكلات عدة.
فالأسلوب القديم الذى طبقت به مواريثنا يحتاج إلى وضع جديد يتلاءم مع هذه النهضة.
ويمكننا أن نشبه مشكلتنا بحالة صبى كان يعد له ثوب على قد من نسيج معين، ثم كبر عن قد ثوبه، فاحتاج إلى ثوب يناسب جسمه.
أو حالة مريض هزيل دب فى جسمه البرء، وأخذ جسمه ينمو ويمتلئ..
فهو فى حاجة إلى ثوب يناسب حالته بعد الشفاء.
ومن المغالطة الواضحة أن يزعم أن النسيج أصبح لا يوائمه.
إن تفصيل الثوب هو الذى يحتاج للتلاؤم مع الجسم، وأما النسيج فهو النسيج الذي سبق لنا تجربته، وتحققت لنا متانته، ونفاسة مادته ".
***
ولكن باسم " التطور " ظهر فى جملة أقطار إسلامية أناس يكرهون الإسلام، ويضيقون بذكره أشد ضيق، وهم يحاولون عبثا أن يقيموا إصلاحات، أو ينشئوا يقظات، لا تمت إلى الإسلام بنسب، ولا صلة!! وقد استطاع بعضهم الإغارة على الحكم ، وتسخير سلطاته فى التدمير على الدين، ونبذ شرائعه، وإقصاء دراساته، وإماتة أهدافه.
ولما كانت الجماهير تحب دينها، وتتعلق بتعاليمه وتقاليده، وتود تنشئة أولادها عليه، واستدامة الحياة فى كنفه، وتقاوم ذلك العدوان البغيض على مواريثها المقدسة.
فإن هؤلاء الحكام لم يقدروا على البقاء فى كراسيهم إلا بالحديد والنار ووراء أسوار من الاستبداد والغشم...!!!
إن الحريات المكفولة أعدى عدو لهؤلاء الحكام الكفرة.
ذلك أنهم كى يقيموا الأنظمة التى يريدون.
يجب أن يزيلوا المخلفات القديمة ِ كما يسمونها ِ وأن يغيروا بيئات أمضى الزمان فى بنائها الروحى أربعة عشر قرنا.
ودون صوبات هائلة، وعراك طويل.
ولن تنتهى هذه المحاولات أبدا بخير يعود على الأمة، أو يصون غدها.
ونختم هذا البحث بكلمة أخيرة للأستاذ أبى حديد، لعلها تكون عظة زاجرة لأولئك الحكام السفهاء...!
قال: " وقد سبق أن بينا فى ثنايا هذا الحديث ما ينطوى عليه مبدأ نبذ المواريث من مغالطة فى المنطق.
فلننظر الآن إلى ما ينطوى عليه هذا المبدأ من الخطر الفعلى فى الناحية التطبيقية: من المعلوم أن جماهير الشعوب تميل دائما إلى المحافظة على اتجاهها ما لم توجد عوامل قوية تعمل على تغيير هذا الاتجاه.
فقانون القصور الذاتى ينطبق عليها كما ينطبق على كل شئ فى الوجود.
الساكن يبقى ساكنا ما لم يحركه محرك، والمتحرك يحتفظ باتجاهه ما لم تصدمه قوة مخالفة لاتجاهه فيغير وجهته وحركته.
وقد تقدم أن العدول عن المواريث الثقافية إنما هو هدم وإزالة يقتضيان بذل مجهود ضخم لإفناء قوتها وتغير اتجاهها.
ومعنى هذا أن محاولة القضاء على مواريثنا يطلب بذل جهود النهضة فى عملية الهدم، وهذا يؤدى إلى إضاعة هذه الجهود فى محاولة سلبية نتيجتها الهدم وحده...!!
ويعقب هذا ِ لو فرضنا إمكانه ِ مرحلة ذبذبة وبلبلة، يفقد فيها المجتمع إيمانه بمقدساته، ويفقد فيها مقاييسه جميعا.
ثم هو لم يصل إلى إقامة هيكل جديد يحل محل تلك المقدسات، فماذا ينشأ عن هذا سوى الفوضى فى كل شئ ؟ انفراط العقد، وزوال الرابطة التى كانت تربط الأفراد، وتحدد علاقاتهم فيما بينهم، أو بينهم وبين المجتمع الشامل الذى يعيشون فيه.
فلا يكون لتلك الحال من علاج سوى وجود قوة مسيطرة من فرد واحد أو مجموعة أفراد تسلب حريات الآخرين، وتفرض سلطانها على الجميع، للمحافظة على كيان هذا المجتمع المفتعل.
وليست الأمثلة البعيدة عنا، فإن بعض الدول الإسلامية تعرضت لمثل هذا الخطر، ولا تزال تعانى منه أكبر الأحزان.
فسلامة النهضات لا تكون بهدم المواريث الثقافية التى حفظت كيان الأمة فى العصور الماضية.
بل تكون بإعادة تطبيق تلك المواريث بحيث تلائم ظروف الحياة الجديدة، وهى هى فى جوهرها صافية.
ثم إن التاريخ يدلنا على أن الأمم التى تقاسى مثل هذه المحن لا تصل إلى نتيجة إيجابية من وراء نهضاتها، بل لا تلبث أن تبين خطأها وتعود لتلتمس النهضة من المواريث التى نبذتها، ولكن ذلك يكون بعد فوات الأوان.
لأن النهضة تكون قد استهلكت نفسها فى جهود الهدم، وجهود السيطرة التى يجرها الهدم من ورائه ".
أقول: وهذا كله حق ينطق به العيان، بأجلى بيان.
***
إلى متى يبقى هذا الأخذ والرد، والجذب والشد؟ وإلى متى تظل الأمة الإسلامية المترامية الأطراف صريعة حيرة وبلبلة لا آخر لهما؟ والى متى يحتدم الجدال النظرى أو الدموى، حول القيم التى تنبعث عنها، والمثل التى تهفو إليها؟ أمسموح لليهود أن يعالنوا بدينهم فى إسرائيل؟ ويتجمعوا من أطراف الأرض القصية حول مواريثه الموهومة؟ ومحظور مثل ذلك على المسلمين وحدهم؟ أمسموح للنصارى أن يرسموا صلبانهم حول ألوف الأعلام، وأن يملأوا أفواههم بنسبهم الروحى فى كل قطر؟ ومحظور ذلك على المسلمين وحدهم؟ أحرام على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس ثقوا أيها السادة أن كل جيل ينشأ مزعزع العقيدة، غامض الأهداف هيهات أن يفلح...!
فكيف يضيق المجال أمام المواريث الثقافية لئلا تأخذ امتدادها الحق، ثم ترتقب أمة صالحة؟ أو نهضة ناجحة؟ إن كل عمل يقوم على إقصاء الإسلام، واستبعاد وحيه والتجهم لهديه يستحيل أن يكلل إلا بالعار...!
ومن ثم فلن تنجح أبدا فى بلاد الإسلام ثورة تدوس عقائده وشرائعه، وتهمل أوامره ونواهيه! *** إن انتشار الإلحاد فى بعض البلدان لا يدهشنى! وإنما يدهشنى بقاء الإسلام إلى اليوم مع الحروب المتصلة المبيدة، الجلى منها والخفى، التى تعرض لها هذا الدين...!
هذه الحروب التى سخرت كل أداة للنيل منه والتزهيد فيه، والشغب عليه..!!
ولكن الأمر اليوم جد لا يتحمل الهزل، وحق لا يستسيغ الباطل!!"
إن معركتنا مع الصهيونية والصليبية يقترب يومها ساعة بعد أخرى! وان الريح ليحمل إلى أذنى دق طبولها، وهو يقترب رويدا رويدا!! ويحضرنى فى تلك المناسبة صراخ شاعر جاهلى أرسل يستحث قومه للتأهب والعمل.
هذا الشاعر هو لقيط بن يعمر.
كان كاتبا فى ديوان كسرى، فعلم أنه يعبئ الجيش لاجتياح قبيلته، فبعث بنصائحه إلى قومه كى يأخذوا حذرهم...!
وكان لقيط يألم لأمور شاعت بينهم، ولن يستطيعوا الدفاع ما بقيت فيهم.
فاسمع إليه يعنفهم على تفرق كلمتهم مع أن عدوهم مجتمع الشمل..!
واسمع إليه يلومهم على معيشة الطراوة والخفض، مع أن فترات الكفاح تحتاج إلى الصلابة والتقشف..
ثم تدبر إنكاره عليهم الاشتغال بالزراعة وحدها، وعدم تجويدهم للصناعات التى يفرضها حق الحياة..!!
وعشق المال!! وهل الأمم الناهضة تشح بنفقة فى سبيل نهضتها؟ وتربص السوء بعضهم بالبعض الآخر؟؟ والانصراف عن الكفايات العظيمة المتمرسة بأحوال الحرب والسلم، الزاهدة فى المنافع للآل والأقربين...!
إن قصيدة لقيط بن يعمر الجاهلى تضمنت من الصدق فى النصح والصدق فى الوصف ما جعلني لا أتردد فى إهدائها إلى قومى فى ذلك العصر.
ولعلها تجد أذنا واعية..
وعلى القارئ أن يتحمل بعض الغرابة فى الألفاظ، فليس هذا بالثمن الباهظ..!!
لقد بدأ الشاعر يناجى داره..
بقصة قبيلته واسمها عمرة.
ويبدو أنها احتلت ِ أقامت ِ فى أرض تدعى الجرع كان يطمع كسرى فى اغتصابها..
قال فى مطلع هذه القصيدة:
يا دار!!! عمرة من محتلها الجرعا
هاجت لى الهم والأحزان والوجعا
إلى أن قال:
بلى أيها الراكب المزجى مطيته
إلى الجزيرة، مرتادا، ومنتجعا
أبلغ هذيلا، وخلل فى سراتهمو
إنى أرى الأمر ِ إن لم أعص ِ قد نصعا
يا لهف نفسى إن كانت أموركمو
شتى، وأحكم أمر الناس فاجتمعا!!
إنى أراكم وأرضا تعجبون بها
مثل السفينة تغشى الوعث والطبعا
ألا تخافون قوما ِ لا أبالكمو ِ!
أمسوا إليكم كأمثال الدبا سرعا
فهم سراع إليكم، بين ملتقط شوكا،
وآخر يجنى الصاب والسلعا
لو أن جمعهمو راموا بهدته
شم الشماريخ من نهلان لانصدعا
فى كل يوم يسنون الحراب لكم
لا يهجمون إذا ما غافل هجعا..!!
خزر عيونهمو، كأن لحظهمو
حريق غاب ترى منه السنا قطعا..!!
لا الحرث يشغلهم. بل لا يرون لهم
من دون بيضتكم ريا ولا شبعا..!!
وأنتمو تحرثون الأرض عن سفه
فى كل معتمل تبغون مزدرعا
وقد أظلكمو من شطر تغركمو
هول له ظلم تغشاكمو قطعا
مالى أراكم نياما فى بلهنية
وقد شهاب الحرب قد سطعا؟
فاشفوا غليلى برى منكمو حصد
يصبح فؤادى له ريان قد نقعا
ولا تكونوا كمن قد بات مكتنعا
إذا يقال له: افرج غمة كنعا
يسعى، ويحسب أن المال مخلده!
إذا استفاد طريفا زاده طمعا..!!
والله ما انفكت الأموال مذ أمد لأهلها
ِ إن أصيبوا مرة ِ تبعا
يا قوم إن لكم من ارث أولكم
مجدا قد أشفقت أن يفنى وينقطعا..!!
ماذا يريد عليكم عز أولكم
إن ضاع آخره أو ذل واتضعا؟
يا قوم لا تأمنوا ِ إن كنتموا غيرا
على نسائكمو كسرى وما جمعا...!
يا قوم بيضتكم لا تفجعن بها
إنى أخاف عليها الأزلم الجذعا
هو الجلاء الذى يجتث أصلكمو!!
فمن رأى مثل ذا رأيا ومن سمعا؟؟
قوموا قياما على أمشاط أرجلكم!!
ثم افزعوا، قد ينال الأمن من فزعا..
ولا يدع بعضكم بعضا لنائبة
كما تركتم بأعلى بيشة النخعا
وقلدوا أمركم ِ لله دركمو! ِ
رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا
لا مترفا إن رخاء العيش ساعده
ولا إذا عض مكروه به خشعا
مسهد النوم تعنيه أموركمو
يروم منها إلى الأعداء مطلعا
ما انفك يحلب هذا الدهر أشطره
يكون متبعا طورا ومتبعا
حتى استمرت على شزر مريرته
مستحكم الرأى لا قحما ولا ضرعا
وليس يشغله مال يثمره عنكم،
ولا ولد يبغى له الرفعا..!!
كمالك بن قنان أو كصاحبه
عمرو القنا، يوم لاقى الحارثين معا
إذ عابه عائب يوما فقال له:
دمث لجنبك قبل النوم مضطجعا
فساوروه فألقوه أخا علل فى الحرب
لا عاجزا نكسا ولا ورعا
لقد بذلت لكم نصحى بلا دخل
فاستيقظوا، إن خير العلم ما نفعا
هذا كتابى إليكم، والنذير لكم
لمن رأى رأيه منكم ومن سمعا...!
***
والغريب أن هذا النذير لم يلق واعيا ولا مجيبا، وظل القوم فى مرح وطرب، وذهول...!
حتى صبحهم كسرى ذات يوم فاجتاح بيضتهم، وقتل الرجال وسبى النساء..!!
وعلم بأمر القصيدة وصاحبها: فاستدعاه وقطع لسانه...!
وذهب الصيح مع الريح...!
ولكنها بقيت عبرة لقوم يعلمون....!