جاء في "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي، في ترجمة الإمام أبي حنيفة: "عن النضر بن محمد، قال: دخل قتادة الكوفة، ونزل في دار أبي بردة، فخرج يوماً وقد اجتمع إليه خلق كثير، فقال قتادة: والله الذي لا إله إلا هو، ما يسألني اليوم أحد عن الحلال والحرام إلا أجبتُه. فقام إليه أبو حنيفة فقال: يا أبا الخطاب، ما تقول في رجل غاب عن أهله أعواماً، فظنت امرأته أن زوجها مات فتزوجت، ثم رجع زوجها الأول، ما تقول في صداقها؟ فقال قتادة: ويحك، أوقعت هذه المسألة؟ قال: لا، قال: فلم تسألني عما لم يقع؟ قال أبو حنيفة: إنا نستعد للبلاء قبل نزوله، فإذا ما وقع عرفنا الدخول فيه والخروج منه". انتهى. قال عبد الفتاح: وهذا الذي ذهب إليه الإمام أبوحنيفة رحمه الله تعالى، من تعرف حكم الشيء قبل وقوعه، للعمل به إذا وقع: يشهدُ له الحديث الصريح الصحيح الذي رواه الإمام مسلم في "صحيحه"، في كتاب الإيمان، في (باب الدليل على أن من قصد أخذ مال غيره بغير حق كان القاصد مهدر الدم في حقه وإن قتل كان في النار):
"عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه مالك، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار". انتهى. فهذا الحديث نصّñ قاطع في جواز فرض المسائل المحتملة الوقوع قبل وقوعها، وبيان حكمها إذا وقعت، فقد سأل الصحابي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حكم ما لم يقع إذا وقع، وشقّق السؤال على وجوه مختلفة، وأجابه الرسول صلى الله عليه وسلم عن كل الوجوه التي جوّز السائل احتمال وقوعها، ولم ينهه أو يقل له: حتى يقع. وفيه السؤال بلفظ (أرأيت)، فليست (الأرأيتية) مستنكرة ولا مذمومة إلا فيما يدخل في المستحيلات وشبهها مما لا يتصور وقوعه، فالسؤال عنه من الفضول الذي يتنزه المرءُ عن الدخول فيه، لشغل الوقت والعقل بما لا يحتاج إليه.
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي في "جامع العلوم والحöكَم"، في شرح الحديث التاسع: "وقد كان أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم أحياناً يسألونه عن حكم حوادث قبل وقوعها، لكن للعمل بها عند وقوعها، كما قالوا له: إنا لاقو العدو غداً وليس معنا مُدى، أفنذبح بالقصب؟ وسألوه عن الأمراء الذين أخبر عنهم بعده، وعن طاعتهم وقتالهم، وسأله حذيفة عن الفتن وما يصنع فيها". انتهى. ثم أشار الحافظ ابن رجب بعد ذلك، في شرح الحديث التاسع نفسه، إلى ملحظٍ هامّ جداً، وهو سببُ كثرة وقوع الحوادث التي لا أصل لها في الكتاب والسنة، فقال رحمه الله تعالى: "واعلم أن كثرة وقوع الحوادث التي لا أصل لها في الكتاب والسنة، إنما هنّ من ترك الاشتغال بامتثال أوامر الله ورسوله، واجتناب نواهي الله ورسوله، فلو أنّ من أراد أن يعمل عملاً سأل عما شرعه الله تعالى في ذلك العمل فامتثله، وعما نهى عنه فيه فاجتنبه، وقعتْ الحوادثُ مقيدة بالكتاب والسنة.
وإنما يعملُ العاملُ بمقتضى رأيه وهواه! فتقع الحوادث عامتها مخالفة لما شرعه الله، وربما عَسُرَ ردّها إلى الأحكام المذكورة في الكتاب والسنة، لبعدها عنهما". انتهى. وهو كلام وجيه للغاية، وهذا من أسباب وقوع الكسب والمال الحرام. ولما نقل الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"، في كتاب تقصير الصلاة في (باب إذا لم يطق قاعداً صلّى على جنب): قول الإمام الخطابي: "لعلّ قوله صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين وكان به بواسير: صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب. كان جواب فتيا استفتاها عمران، وإلا فليست علة البواسير بمانعة من القيام في الصلاة على ما فيها من الأذى". استدرك الحافظ على الخطابي بقوله: "ولا مانع من أن يسأل عن حكم ما لم يعلمه، لاحتمال أن يحتاج إليه فيما بعدُ" انتهى. وروى الإمام مالك في "الموطأ"، في كتاب الطهارة في (باب الطهور للوضوء): "عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إنّا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ به؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو الطهور ماؤه، الحلّ ميتته". انتهى. وفيه إفادة النبي صلى الله عليه وسلم حُكم ما يُسأل عنه ولم يقع، لاحتمال وقوعه، وهو حلّ ميتة البحر.
وقال الحافظ الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى، في كتابه "الفقيه والمتفقه" في (باب ذكر ما تعلق به من أنكر المجادلة، وإبطاله)، في آخر هذا الباب "ومباحñ النظر والجدل فيما نزل وفيما لم ينزل، حتى يُعرف حكم ما لم ينزل، فإذا نزل عُمل به، وذهب قومñ إلى كراهة القول فيما لم يكن، ومنعوا من ذلك، وتعلّقوا بما نحن ذاكروه إن شاء الله". ثم قال: (باب القول في السؤال عن الحادثة والكلام فيها قبل وقوعها)، وروى فيه كثيراً من الأحاديث والآثار الناهية عن السؤال عما لم يكن، ثم روى بسندٍ معضل من طريق "عمرو بن مرّة، قال: خرج عمر على الناس فقال: أحرّöج عليكم أن تسألونا عما لم يكن، فإنّ لنا فيما كان شُغلاً". ثم روى بسندٍ متصل فيه (ليث بن أبي سُليم الكوفي) من طريق نافع ومجاهد "عن ابن عمر قال: يا أيها الناس لا تسألوا عما لم يكن، فإنّ عمر كان يلعن أو يسُبُّ من سأل عما لم يكن". ثم أورد الخطيب جملةً من الأحاديث والآثار التي أوردها الحافظ ابن عبد البر، حتى كأنهما على اتفاق في إيرادها، ثم قال الخطيب: "فهذا ما تعلّق به من منع من الكلام في الحوادث قبل نزولها، ونحن نجيب عنه بمشيئة الله وعونه: أما كراهية رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل، فإنما كان ذلك إشفاقاً على أمته، ورأفةً بها، وتحنناً عليها، وتخوفاً أن يحرّم الله عند سؤال سائل أمراً كان مُباحاً قبل سؤاله، فيكون السؤال سبباً في حظر ما كان للأمة منفعة في إباحته، فتدخل بذلك المشقة عليهم والإضرار بهم. وهذا المعنى قد ارتفع بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستقرت أحكام الشريعة، فلا حاظر ولا مبيح بعده. ويدل على جواز السؤال عما لم يكن: الحديثُ الذي رواه عباية بن رفاعة، عن جده رافع بن خديج رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله إنا نخاف أن نلقى العدو غداً وليس معنا مُدىً، أفنذبح بالقصب؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أنهر الدم وذكرت اسم الله عليه فكُل، ما خلا السّöنّ، والظفر". فلم يعب رسول الله صلى الله عليه وسلم مسألة رافع عما لم ينزل به، لأنه قال: غداً، ولم يقل له: سألت عن شيء لم يكن بعد.
وكذلك الحديث الآخر الذي رواه يزيد بن سلمة، عن أبيه أن رجلاً قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أرأيت لو كان علينا أمراء يسألونا الحق، ويمنعونا حقنا، فنقاتلهم؟ فقام الأشعث بن قيس فقال: تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمرٍ لم يحدث بعدُ؟ فقال: لأسألنّه حتى يمنعني، فقال: يا رسول الله، أرأيت لو كان علينا أمراء يسألونا الحق، ويمنعونا حقنا، أنقاتلهم؟ قال: لا، عليكم ما حُملتم وعليهم ما حُملوا". – رواه مسلم في صحيحه بنحو هذا اللفظ - . فلم يمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الرجل عن مسألته، ولا أنكرها عليه، بل أجابه عنها من غير كراهة. وفي الآثار نظائر كثيرة لما ذكرناه. وأما تخريج عمر في السؤال عما لم يكن، ولعنه من فعل ذلك، فيحتمل أن يكون قصد به السؤال على سبيل التعنت والمغالطة، لا على سبيل التفقه وابتغاء الفائدة، ولهذا ضرب صبيغ بن عسلٍ ونفاه، وحرمه رزقه وعطاءه، لّما سأل عن حروفٍ من مشكل القرآن، فخشي عمر أن يكون قصد بمسألته ضعفاء المسلمين في العلم، ليوقع في قلوبهم التشكيك والتضليل، بتحريف القرآن عن نهج التنزيل، وصرفه عن صواب القول فيه إلى فاسد التأويل.
وقد رُوي عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وغيرهما من الصحابة، أنهم تكلّموا في أحكام الحوادث قبل نزولها، وتناظروا في علم الفرائض، والمواريث، وتبعهم على هذه السبيل التابعون ومن بعدهم من فقهاء الأمصار، فكان ذلك إجماعاً منهم على أنه جائز غيرُ مكروه، ومباحñ غير محظور". ثم أورد الحافظ الخطيب البغدادي كلاماً طويلاً في صفحات، للإمام المزني المتوفي سنة 264 وهو من كبار تلامذة الإمام الشافعي رضي الله عنهم. وقد مدحه الشافعي بقوة الحجّة فقال فيه: لو ناظر الشيطان لغلبه. قال الخطيب: "ولأبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المُزني كلامñ مستقصى فيمن أنكر السؤال عما لم يكن، أنا أسوقه لما يتضمن من الفوائد الكثيرة والمنافع الغزيرة. قال المُزني رحمه الله تعالى: يقال لمن أنكر السؤال في البحث عما لم يكن: لم أنكرتم ذلك؟ فإن قالوا: لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كره المسألة، قيل: وكذلك كرهها بعد أن كانت تُرفع إليه، لما كره من افتراض الله الفرائض بمُساءلته وثقلها على أمّته، لرأفته بها وشفقته عليها، فقد ارتفع ذلك برفع رسول الله – أي موته - صلى الله عليه وسلم -، فلا فرض بعده يحدُث أبداً. وإن قالوا: لأن عمر أنكر السؤال عما لم يكن، قيل: فقد يحتمل إنكاره ذلك على وجه التعنت والمغالطة، لا على التفقه والفائدة، وقد رُوي أنه قال لابن عباس: سلني عما بدا لك، فإن كان عندنا وإلا سألنا عنه غيرنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكما روي عن علي من إنكاره على ابن الكواء أن يسأل تعنتاً، وأمره أن يسأل تفقهاً. وقد رُوي عن عمر وعلي وابن مسعود وزيد رضي الله عنهم في الرجل يُخير امرأته، فقال عمر وابن مسعود: إن اختارت زوجها فلا شيء، وإن اختارت نفسها فواحدة، يملك الرجعة. وقال علي: إن اختارت زوجها فواحدة، يملك الرجعة، وإن اختارت نفسها فواحدة بائن. وقال زيد بن ثابت: إن اختارت نفسها فثلاثñ، وإن اختارت زوجها فواحد بائن. فأجابوا جميعاً في أمرين أحدهما لم يكن، ولو كان الجواب فيما لم يكن مكروهاً لما أجابوا إلا فيما كان، ولسكتوا عما لم يكن.
وعن زيد أنه قال لعلي في المُكاتب: أكنتَ راجمه لو زنا؟ قال: لا، قال: أفكنت تقبلُ شهادته لو شهد؟ قال: لا، فقد سأله زيد، وأجابه عليّñ فيما لم يكن، على التفقه والتفطن. وعن ابن مسعود في مُساءلته عبيدة السلماني: أرأيت أرأيت. وقد ذكرنا فيما مضى ما رُوي من قول عمر لابن عباس: سلني، ومن قول علي: سلُوني، وقول أبي الدرداء: ذاكروا هذه المسائل. ولو كان هذا السؤال لا يجوز إلا عما كان، لما تعرّض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جواباً لا يجوز أبداً إن شاء الله. ويقال لمن أنكر السؤال في البحث عما لم يكن: هل تخلو المسألة التي أنكرتم جوابها قبل أن تكون، من أن يكون لها حُكم خفيّ حتى لا يوصل إليه إلا بالنظر والاستنباط، أو لا يكون لها حكم. فإن لم يكن لها حكم، فلا وجه لذلك، وإن كان لها حكم لا يوصل إليه إلا بالمناظرة والاستنباط، فالتقدم بكشف الخفيّ ومعرفته وإعداده للمسألة قبل نزولها أولى، فإذا نزلت كان حكمها معروفاً، فوصل بذلك الحق إلى أهله، ومُنع به الظالم من ظلمه، وكان خيراً وأفضل من أن يتوقفوا إلى أن يصح النظرُ، في المسألة عند المناظرة، وقد يبطئ ذلك ويكونُ في التوقف ضررñ يمنعُ الخصمَ من حقه، والفرج من حلّه، ويترك الظالم على ظلمه،...." انتهى كلام الخطيب البغدادي باختصار.