وصمة الجاهلية التي استعملها مفكرو الحركة ابتداءً بالأستاذ المودودي في كتاب "المصطلحات الأربعة في القرآن" ثم في كتابه "الإسلام والجاهلية"، أو الأستاذ سيد قطب خصوصا في تفسيره "في ظلال القرآن" أو في كتابه "معالم في الطريق" أو الأستاذ محمد قطب في كتابه "جاهلية القرن العشرين" لم يقصد هؤلاء من خلالها تكفير المجتمع تكفيرا عاما مخرجا عن الملة، وإنما رد المرشد العام الهضيبي على الأستاذ سيد قطب لتوسعه بمفهوم الجاهلية والكفر وقد اعتبر اجتهاده في تكفير بعض الناس خاطئ لأنه لا يصح القول بتكفير من أطاع الحاكم بغير ما أنزل الله تعالى بالعمل دون النظر إلى النية والاعتقاد، ودونما تمييز بين اعتقاد التابع خطأ المتبوع، أو في استحلاله لفعله، ودونما تمييز بين جهل التابع وعلمه، وقد ذهب المستشار البهنساوي باتجاه آخر حيث أوّل أقوال سيد في الجاهلية والكفر في كتابه "الحكم وقضية تكفير المسلم" معتبرا أن قصارى ما يمكن قوله في هذه المسألة أن سيدا استعمل لفظ الكفر والجاهلية باعتباره وصفاً لكنه لم يقيده أو يضبطه بالضوابط الشرعية.
ووفق الأصوليين وعلماء التوحيد فإن إطلاق لفظ الكفر على فعل ما، من حيث هو فعل، لا يعني بالضرورة أن مرتكب الفعل كافر، لأن تكفير المسلم يحتاج لأن تباشره جهة مختصة تحاكم الناس على هذا الفعل وتستبين سبب القيام به وتبحث إذا كان مرتكبه مستحل له أم غير ذلك، ثم تبين الأمر لصاحب الشأن وتستتيبه.
من جهته توسع الأستاذ محمد قطب في تعميم حكم الجاهلية على المجتمع، رغم أنه كان يقصد بشكل واضح الحكم بأحكام الجاهلية، وكان يغنيه أن يسمي كتابه "جاهلية القرن العشرين" بِ"جاهلية الحكم في القرن العشرين" حيث عم تحكيم القوانين الوضعية في ديار المسلمين إلا من عصم الله، فإن هذه التسمية الأخيرة هي التسمية المتسقة مع مفهومه للجاهلية وهي قبل ذلك متفقة مع ما دلت عليه النصوص من أن الجاهلية العامة لا تكون بعد البعثة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون»".
على أن لفظة الجاهلية كما يعرّفها الأستاذ محمد قطب "حالة نفسية ترفض الاهتداء بهدي الله، ووضع تنظيمي يرفض الحكم بما أنزل الله"، أما سيد قطب فيعرفّها بأنها: "حكم البشر للبشر لأنها هي عبودية البشر للبشر والخروج من عبودية الله ورفض ألوهية الله والاعتراف في مقابل هذا الرفض بألوهية بعض البشر، بالعبودية لهم من دون الله، وهي في ضوء ذلك ليست فترة من الزمن ولكنها وضع من الأوضاع، هذا الوضع يوجد بالأمس ويوجد اليوم ويوجد غدا فيأخذ صفة الجاهلية المقابلة للإسلام".
لكن كلا من سيد ومحمد قطب والمودودي لا يقصدون بذلك تكفير المجتمعات الموصوفة بالجاهلية جملة، ويلاحظ مدى ارتباط الجاهلية لديهم بالحاكمية لدرجة ترادف اللفظتين.
لقد كتب الإمام الشهيد في أول مقال له عام 1928: "الدعوة واجبة علينا معلقة بأعناقنا.. وإني لأشم بوادر النجاح واستنشق عبير الفوز من تلك النهضة الإرشادية"، ثم كتب رحمه الله في آخر مقال له، قبيل استشهاده بأيام، يشد من إيمان الإخوان الذين ضاقت بهم السجون قائلا: "ستكشف الغمة وتزول المحنة إن شاء الله وتخرجون من البلاء خروجا أسبق من الجلاء أنقياء أتقياء، والله تبارك وتعالى يربيكم بالمحنة والمنحة ".
سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق بيروت، جزء 2ص 904º سيد قطب، معالم في الطريق، دار الشروق، بيروت، ص 88 وما بعدها.