صحيح أن أرض المسلم رحيبة لا تحدها حدود، إلا أن ذلك لا يعني عدم ارتباط المسلم بالأرض التي ولد ونشأ وترعرع فيها واشترك مع أبنائها بتاريخ مشترك، فحب الأوطان من الإيمان كما جاء في الأثر، وحنين المسلم لأرضه صفة فطرية شعر بها الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام عندما هجّروا إلى المدينة المنورة، فآلمهم الابتعاد عن أرضهم حتى جرت أدمعهم، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم لأصيل لدى وصفه مكة وحنينه إليها بعدما دمعت عيونه: «يا أصيل دع القلوب تقر».
والقرآن الكريم مليء باللفتات التي تقر بالجانب العاطفي الناتج عن الارتباط بين الإنسان والأرض التي يقطنها كقوله تعالى: )الَّذöينَ أُخْرöجُوا مöنْ دöيَارöهöمْ بöغَيْرö حَقٍّ( (الحج 40)، وقوله: )لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنö الَّذöينَ لَمْ يُقَاتöلُوكُمْ فöي الدّöينö وَلَمْ يُخْرöجُوكُمْ مöنْ دöيَارöكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسöطُوا إöلَيْهöمْ إöنَّ اللَّهَ يُحöبُّ الْمُقْسöطöينَ * إöنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنö الَّذöينَ قَاتَلُوكُمْ فöي الدّöينö وَأَخْرَجُوكُمْ مöنْ دöيَارöكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إöخْرَاجöكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئöكَ هُمُ الظَّالöمُونَ( (الممتحنة: 8-9)، وعموما فإنه لا شيء يمنع الإنسان أن يألف بعض الأشياء التي تحيط به لتتحول الألفة إلى علاقة في الذات، وبالتالي إلى حالة عاطفية تحنو، وتهفو، وترف إليها الأفئدة.
وإذا كان المسلم محبا لأرضه، يحن إليها، ويعمل جاهدا من أجل حريتها وعزتها، باعتبار أن عزة الأرض تعني عزة قاطنيها وحرية الأرض تعني حرية شاغليها، فإن المسلم لا يقبل أن تقيده الوطنية وتأسره معانيها التي تغلق على المسلمين الباب فيما وراء الحدود، ولا يقبل أن يتحول حبه لأرضه عبادة لها من دون الله، ولا يقبل أن يستبدل دينه من أجل أرضه، فيهاجر من الأرض التي أحبها من أجل دينه، لقوله تعالى: )أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهö وَاسöعَةً فَتُهَاجöرُوا فöيهَا( (النساء 97)، ولا يقبل المسلم أن يوصم بالأنانية من خلال الاهتمام بأرضه الضيقة وترك شعوب الأرض الأخرى دون أن يقدم لها العون، بحجة أنهم لا ينتمون لوطنه.
إن المسلم يعترف بالكيان السياسي الذي يرتبط مع أبنائه بتاريخ مشترك فيعتبر أن هذه الأرض وطنه بحكم الواقع والانتماء، ولكنه لا يتقيد بالحدود الجغرافية ولا بالتخوم الأرضية لأن حدود الوطنية لديه محكومة بالعقيدة التي تتسع إلى جميع أصقاع الأرض التي يتآخى فيها المسلمون.
هذا الفهم الواسع لحدود الوطنية لا يلغي احترام المسلم لكيانه السياسي وحدوده الجغرافية، فالتمايز بين البشر أمر واقع، والناس في الأصل شعوب وقبائل وأطباع وأجناس وألسنة، قال تعالى: )يَا أَيُّهَا النَّاسُ إöنَّا خَلَقْنَاكُمْ مöنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائöلَ لöتَعَارَفُوا( (الحجرات: 13)، والإسلام لم يفرض عليهم التخلي عن خصوصياتهم إذا ما اعتنقوه، لكنه هذّب هذه المشاعر وأدّبها، فقال تعالى: )إöنَّ أَكْرَمَكُمْ عöنْدَ اللَّهö أَتْقَاكُمْ( (الحجرات: 14)، وقال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: «الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» البخاري، والسوابق الدستورية في عهد الخلافة الراشدة تعترف بهذه الخصوصيات ولذلك كانت التقسيمات الإدارية داخل الدولة الإسلامية تلحظ الجغرافيا (مصر، الشام، اليمن) وتلحظ القومية وتلحظ الأفكار السائدة من خلال اللامركزية السياسية فضلا عن اللامركزية الإدارية، فيقوم النظام القانوني والقضائي الخاص والمتميز فكريا وفقهيا مع تمايز الأقطار، ولكنه يلتزم بنظام الدولة المركزية عامة..ويقوم الجيش في كل قطر بمهمة حماية الحدود، ورفع اللواء، ويقوم في كل قطر تراثه الخاص الذي يعتز أبناؤه به.
كما أن واجب الدفاع عن الأرض يقوم بادئ ذي بدء على عواتق قاطني القطر المعتدى عليه فإن لم يستطيعوا رد العدوان فإن الواجب يتسع ليشمل القطر الأقرب فالأقرب وهكذا.
هذا الفهم الواسع للوطنية لا يقتصر على الإسلاميين، فالقوميون ينظرون إلى وطنهم الضيق على أنه جزء من الوطن القومي الكبير، والشيوعيون يفهمون وطنيتهم في ضوء البعد الأممي المرتكز على قاعدة حركة الطبقة العاملة، ولكن الفكر الإسلامي هو الوحيد الذي ينظر إلى البعد الإنساني للوطنية فيستوعب بذلك البعد القومي فضلا عن البعد الإقليمي الضيق.
ومع ذلك يجب عدم الخلط بين الاعتراف الطبيعي بخصائص القوميات المختلفة المنضوية تحت لواء الدولة الإسلامية وبين الاعتراف الواقعي بخصائص الكيانات السياسية التي قامت في بلاد المسلمين، فإذا كان احترام الخصوصيات في الحالة الأولى طبيعيا فإن التعامل مع مفردات الكيان السياسي الذي يعيش فيه المسلم يدخل في حكم الضرورة أو الحاجة أو الواقع في الحالة الثانية، ومن هذا المنطلق لا ينبغي أن يجد المسلم غضاضة في احترام جميع مفردات كيانه السياسي من علم ونشيد وطني ومناسبات وطنية وقانون داخلي يقيم العدل بين الناس ما لم يكن في ذلك محظور شرعي.