إن الارتباط والتواصل مع العناصر في التنظيم لا ينبغي أن تبقى حبيسة أطر وضعت منذ ما قبل منتصف القرن الماضي، كما لا يجوز أن تحافظ على ذلك الشكل التقليدي المتمثل بالدرس (حلقة أو أسرة) والمحاضرة والاجتماع الدوري أو غير الدوري..، لأن الثورة التي حدثت في وسائل الاتصال والتواصل يجب أن تطال بشظاياها الحركة الإسلامية أيضا، ويجب الاستفادة منها في العمل التنظيمي كذلك، ولربّ منتسب إلى التنظيم، غير مواظب على حضور اجتماعاته التنظيمية، أنفع لدعوته من عشرات من أولئك المنتسبين المواظبين على حضور الاجتماعات التنظيمية ولقاءات الأسر، دون أن يضيفوا شيئا إلى حركتهم، بل قد يسيئون إليها أحيانا.
إن ذلك لا يعني الدعوة إلى التفلت من الالتزامات التنظيمية الحضورية، ولا يعني تجاوز نظام الأسر بالضرورة، ولكنه دعوة إلى إعادة النظر في مضمون وأطر وأوقات انعقاد هذه الأسر، فقد يكون من المناسب انعقادها أسبوعيا للبعض، أو شهريا للبعض الآخر، أو حتى سنويا بالنسبة لمجموعات أخرى كثيرة المشاغل والأسفار، وتتحول الأسرة في هذه الحال إلى رباط حكمي فعال، من خلال وسائل الاتصال المختلفة، على أن تبقى روحيتها موجودة، ولو جرى تعديل في وظائفها. إن القسم الداخلي في التنظيم وبالتفاهم مع منتسبيه هو الذي يصنف مجموعات المنتمين إليه، وبهذا التصنيف يقضي على مشكلة المنتسبين ممن لا أسرة تضمهم، ويمكنه إذاك أن يتعامل مع جميع المنتسبين على أنهم خاضعون لنفس النظام، وبناء عليه يحمّلهم ما يراه من تكاليف تنظيمية.
عموما، وبحكم الواقع، فإنه قد تغيرت وظيفة الدرس الأسري التقليدي، وإذا لم ُتدرك هذه الحقيقة فنكون أمام حالة من الجمود التنظيمي خطيرة، ذلك أن وسائل الاتصال الحديثة تتيح الترابط اليومي بين تلك المجموعة المتآخية في الله، وخلا الأمور التنظيمية بالغة السرية، فإنه يمكن اعتماد وسائل عديدة في التواصل ونقل الأخبار والتبليغات والمعلومات، والتربية الروحية باتت وسائلها موجودة بالقدر نفسه الذي زادت فيه وسائل الفساد، وكذلك هي الحال بالنسبة إلى وسائل تنمية الثقافة الشرعية والسياسية والعلمية عموما، والاشتراك المالي يمكن تحويله إلى مالية التنظيم من خلال مندوب أو تحويل دوري أو اقتطاع شهري أو أية وسيلة أخرى، وما دام الترابط الداخلي مؤمنا، والالتزام الشرعي والتنظيمي موجودين، فقد تحققت الغاية، بغض النظر عن الاجتماع الحضوري الذي لا ينبغي أن يغيب بالكلية أيضا، ومراقبة كل ذلك تبقى على عاتق قسم الداخلية في التنظيم، وهو بحاجة إلى تأهيل نقباء وأمناء سر، بحيث تصبح مهمة أمانة السر في المجموعات التي تنعقد في فترات متباعدة أهم من مهمة رئاسة المجموعة، لأنه سيقع على عاتقها التواصل والترابط المستمرين، فضلا عن متابعة أخبار المنتسبين ضمن هذه المجموعة، وما يحتم من موجبات بين الإخوة من تزاور وتهادٍ وعيادة وتعزية ومباركة.
إن هذا التعديل في نظام الأسر سوف يمكننا أيضا من التعامل مع المنتسبين من ذوي الأوضاع الخاصة، أولئك الذين تضطرهم ظروفهم المهنية أو الاجتماعية أو السياسية إلى إخفاء انتمائهم، أو الذين تطلب منهم الحركة الإسلامية عدم كشف انتمائهم، لتحقيق مصالح معينة.