وما هذه الملاحظات مجرد خواطر وحدوي عاطفي، ولكنها لمنْ أمعنَ النظر وتأمل: تقريرات خططية تمزج فقه الأحكام الشرعية بالحقائق الإيمانية ثمَّ بمفاد الواقع، لتصبح طريقةً في استيعاب حركة الحياة وفهمها، وهي إلى الفلسفة أقرب، ويجدر أنْ يضعها قادة"الحزب الإسلامي العراقي"كميثاق بينهم وبين أنصارهم ومؤيديهم وكل أحرار العراق الذين ينوون المساهمة في عملية الإصلاح والاستدراك على الافتراق، ثمَّ هي أيضاً نظام لتحديد العلاقة بين كل مجموعة قيادية دعوية وأتباعها في أنحاء الأرض، وفي كلّ جيلٍ.
وبهذا النظام تتضح واجبات الأتباع في إجابة نداء القادة، والإسراع إلى الانضمام معهم وفي أحزابهم وحركاتهم وجمعياتهم، ووضع طاقاتهم وأموالهم تحت تصرف الخطة الدعوية، وأخذ النداء مأخذ الجد، والالتزام بمفاد الظرف، والتصدي لسد ثغرة من ثغرات العمل، والاستعداد لكفاية مرفق، والوقوف عند ثنية ومنعطف، والتجول في عرصة إيمانية، حراسة وتثبيتاً لمن فيها وإعلاناً لملكيتها، وإنْ يكون كل ذلك بمبادرة ذاتية من الأتباع، واستجابةً للنداء العام دون تخصيص يتحرج القيادي من اللجوء إليه، وبلا دق للأبواب واستعمال للهواتف وتوسيط رُسل يتحركون بالشفاعة الحسنة بين رعاة الخطة الإسلامية الدعوية وبين رجال الإحسان والغيرة والنجدة.
ويشرح ذلك: الفهم المُجتَمöع عند فقهاء الدعوة، والذي به يرون أنَّ أصل المحور الذي تدور عليه حركات الحياة إنما هو حالة النفس لرجلٍ وضعتهُ الأسباب في موضع التأثير إذا انتفض وأراد وصمم وأتيح لهُ أنْ يطبع طبعة الإيجاب على الأحداث ويضع ختمه إذا أذن الله تعالى، أو العكس: إنْ جبن أو انغلق وأحجم وهابَ واستبدَّ به يأس وأذهلتهُ زحمة السلب، فمن عزمات النفوس يبدأ الصعود، وعند قلقها تترى النكسات، وهي قوانين حيوية يكتشفها صُناع الحياة على السَجية، فيفيق من تأملٍ فإذا هو يرفل بثقة النفس والانشراح، فيَشرع يُبشر أصحابهُ بما يشعر من سموٍ في قناعة، وإقدام في وعي، واقتحام في ريث، كأنهُ يملك ما هنالك وبيدهö الزمام، كذاك الذي تحدث عنه ابن عقيل الحنبلي حين قال:
(جرى مجلسُ مذاكرة، فقال قائل:
إني لا أجدُ في نفسي ضيقاً وإنْ قصرت يدي، بل طöيب النفس، كأني صاحب ذخيرة!!
فقال رئيسñ فاضلñ قد جرّب الدهرَ وحنكتهُ التجارب:
هذه صفة رجل إما قد أعدت لهُ الأيام سعادةً شعرت نفسهُ بها، لأنَّ في النفوس الشريفة ما يُشعر بالأمرö قبل كونهö. أو يكون ذلك ثقةً باللهö لكلö حادث، لعلمهö أنهُ من عندö حكيمٍ لا يضعُ الشيء إلا في موضعهö، فيستريح من تعب الاعتراض وعذاب التمني.
قال:وبالضدö من هذا إذا كانَ باكياً شاكياً حزيناً لا لسبب، بل نعم الله عليهö جَمة، فذلك شعورُ النفسö بما يؤول حالهُ إليهö).
ثمَّ نقلَ عن قدماء المشايخ أنهم كانوا يقولون:
(لا بدَّ من أنْ يكون مقدمة النحس وزوال السعادة: كسوف البالº وتكاثف الهمّº وضيق الصدرº وتغير الأخلاق).
والشاهدُ في ذلك تحليل هذا الرئيس الفاضل ثمَّ المشايخ القدماء، وهو تفسيرñ مقبولñ وصوابñ تعضدهُ تواريخ الرجال ومآلات من ابتدأ بحزمٍ وهو فقيرñ فردñ فوَصل وتمَكن، ومن أتيحَ له التفوق فخار…فجارَ على مستقبلهö وانتكس. وما ذكروهُ من كسوف البال إنما هو مرض الكآبة في الاصطلاح الطبي الحديث، وكلّ ذلك شاهدناه في الناس، وصراع السياسة يحوي ألوف القصص، وفي منافسات التجارة والإدارة مثل ذلك، ومن مثل هذه التقريرات تبدأ حركة الحياة، وأول ما ينبغي أنْ يفعله صاحب الخطة الإصلاحية والأنفاس الجهادية: إتقان التعرف على قوانين علم النفس الإيماني، وعلم النفس الدعوي، بما فيهما من التفاتات كثيرة مشابهة لظنون الرؤساء الفضلاء من أصحاب ابن عقيل، ثمَّ يكون الاستئناس بعلم النفس العام، بعد النخل والتمحيص وطلب الشاهد الشرعي لبعض مذاهبهö، فمن عرفَ النفس: تسلّطَ على ناسٍ كثيرñ عددهُم واستطاع تحريك الحياة.
ورأس هذه المعرفة النفسية: الثقة بالله، والجزم بانتصار الدعوة، واليقين بصحة الوعد الرباني الذي منحتهُ آية:
}وَكَانَ حَقّاً علَيْنَا نصْرُ الْمُؤْمöنöينَ{الروم: 47
وكلُّ حقٍ منهُ تعالى فهو واجب له، لا عليه، كما قال الشيخ محمد رشيد رضا في مثل هذا"الحق"وأمثاله:
(الحقُ: الأمر أو الشيء الثابت المتحقق بما يثبت به عند الناس منْ شرعٍ وعُرف، وأثبتُهُ وأقواه: ما جعلهُ الله تعالى حقاً بوعدهö، سواءً كان جزاءً على عمل، أو زائداً عليهö، أو إحساناً مستأنفاً، ومنهُ ما تقتضيهö صفة العدل، وما تقتضيهö صفات الرحمة والرأفة والعفو والفضل، وكلُّ حقٍ منهُ فهو واجبñ لهُ، لا عليه، لأنهُ يجب لهُ كل كمالٍ لذاتهö وصفاتهö وفعالهö، ولا يجبُ عليهö شيء بإيجاب غيرهö، إذ لا سلطان فوق سلطانهö، فيوجب عليهö، ولا يَسع مسلماً مخالفة هذا التحقيق).
وهذه الأحرف هي من دقائق قضايا العقيدة، ومن نوادر الفهم الصحيح لها.
والقلوب المؤمنة ترى هذا النصر أقرب وأسرع إذا تعرضَ الدعاة وصُلحاء الناس لظلم ظالمٍ مستبدٍ، أو جمهرة تطيشٍ، وكان محمد بن مهران الكاتب قد قال قديماً:
(أنا منتظرñ من نصر الله سبحانه على هذا الباغي وانتقامهö من الظالم ما ليسَ ببعيد، وإنْ كان قومñ مستدرجين بالإمهال فإنَّ وعد الله سبحانه ناجز، وهو من وراء كلّ ظالم).
وهذا الموقف النفسي هو موقف كل داعية كان في العراق حين أسرف"صدام"، فنجز الوعد، وهو أيضاً موقف الدعاة في العراق اليوم في ظل ظُلمين: الاحتلال الأمريكي، والنمط الغوغائي الشوارعي، ونجزم بأنَّ الوعد سينجز، وبئسَ مُعتقد المستعجل اليائس، وقد سألني المبهور بتفوق السلاح الأمريكي: هل نأذن لأنفسنا بتخيّل هزيمتهö أو تصور انكماشهö؟ فقلتُ: نعم، لأنَّ أفعال النفوس هي التي تحرك الحياة لا السلاح، والانتكاس مُتصور في غرور القائد العسكري أو الجالس في البيت الأبيضº فيتخذ القرار الخاطئ، تسوقهُ له النفس حين تزهو وتحيطها الخيلاء، خلافاً لمفاد الواقع ومُعطيات الحساب، فتكون المهلكة التي أهلكت"نابليون"و"هتلر"وغيرهما.
ثمَّ سأل آخر: أيعود الغوغائي ضعيفاً وقد نهبَ أموال الدولة وسلاح الجيش وأخاف الناس بالقتل الانتقامي؟ فقلتُ ثانيةً أنْ: نعم، إذا تمادى ولم يُدرك وجود التحدي ونوازع الدفاع في أنفس الجمع المقابل إذا أفاق من دهشة المفاجأة فانتظم وجذبهُ عشق الحرية ودفعتهُ موازين الإيمان نحو إحدى الحُسنيين!!
ويؤكد فقه الدعوة صحة هذه الأطوار النفسية، ثمَّ يذهب لمزيد عبر قناعة بأنَّ هذا الانشراح النفسي الذي يمنح المؤمن شعور الثراء وإن أملق. والذي يُحرك الحياة: يلزمهُ شعورñ آخر مُِكمل له لكي تبلغ حركة الحياة درجة العنفوان وتمام التحول والانتقال من حالٍ إلى حال، ويكمن ذلك في أنَّ هذا الثري المترفع الطَموح عليهö أنْ يثق بالناس، وأنْ يوقن بوجود عصبةٍ في كلّ جيل يمكن أنْ تستقبل توجيهات الخير، وأنْ تعضد المصلح وتنصرهُ وتبذل معهُ وتقدمهُ وترضى بهö زعيماً وقائداً، وكلُّ ذلك مفتاحهُ فهم الحديث الصحيح الذي(رواهُ مُسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((إذا قال الرجلُ: هلكَ الناس: فهو أهلكُهم)).
برفع الكاف، قال الحُميدي في الجمع بين الصحيحين:وهو أشهر، أي أشدهم هلاكاً. ورويَ في حلية الأولياء في ترجمة سفيان الثوري: فهو من أهلكöهم، ورويَ:أهلكَهم-بفتح الكاف-أي جعلهم هالكين، لا أنهم هلكوا في الحقيقة، وهذا النهي لمن قال ذلك على سبيل الاحتقار والإزراء على الناس وتفضيل نفسهö عليهم. قال الخطابي: معناه: لا يزال الرجل يُعيب الناس ويذكر مساويهم ويقول: فسدَ الناس وهلكوا، ونحو ذلك، فإذا فعل ذلك فهو أهلكهم-أي أسوأ حالاً منهم-).
فهذا الحديث وشروحهُ أصلñ من أصول فقه الدعوة، ويوفر الخلفية التعليلية لمذهب الإصلاح، إذ فيهö إقرار واعتراف بأنَّ الناس على خيرٍ مهما سرى فيهم من عöرقٍ مريضٍ وأنواع من السوء يضع لها المحصون أوصافاً رديئة، لأنَّ الخلال السلبية تبقى مقرونة بخصال إيجابية توازيها، من بقايا العزة والطموح والتحدي، فيكون ارتكاز المُصلح إلى هذه البقايا سهلاً، ينميها ويوقظها، ثمَّ يشرع مع الاستجابة الأولى يعالج السلبيات والرداءة عبر تربية طويلة، فيسل النفسَ من ورطاتها، ويجلو سخيمة القلب، ويحكُ الصدأ، حتى يُطلق كل الخيريات من عقالها الذي حبسها من قبل تحت الوسخ، ويجعل سباق الأرواح نحو المعالي شغلاً دائباً لها، فيكون الإصلاح.
إلا أنَّ هذه الثقة التي تحكم تعامل الداعية مع الناس ويبديها لهم ما هي منحةñ يمنحها لهم متفضلاً عليهم وممتناً، ولا ينبغي أنْ تصاحبها مشاعر فوقية، بل الناس ثقات بتوثيق الله لهم وإيداعه عناصر إيجابية في خلقتهم التي خلقهم عليها، ولا ينافي ذلك ما يزعمهُ فقه الدعوة من وجود ضعفاء في الناس، لأنَّ هذا الضعف المقصود إنما هو ضعفñ وقتي مُعرض للزوال بالتربية والتزكية والنصح والأمر بالمعروف، وتبقى خصال الخير المركوزة في أصل الفطرة هي مصدر التوثيق، وهي معالمهُ الدائمة، ويبقى الناس في دائرة التوثيق بتوثيق الله لهم.