هذه المهمة المعقدة التي أشرت إليها في ما مرّ آنفاً لا يصلح لها إلا الربانيون حصراً وذلك:
أولاً: لأنها تحتاج إلى حكمة، والربانيون هم العلماء الحكماء، فقد قيل في وصفهم أنهم الذين يتدرجون في تعليم العلم وما ذلك إلا من حكمتهم. {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً} [البقرة: 269].
ثانياً: لأن هذه المهمة لها طابع الشهادة العادلة على الناس وعلى الواقع وعلى التقصير، ولها طابع الحكم على الوجود والمفقود وتلك مهمّة الربانيون: قال تعالى {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء} [المائدة: 44].
لاحظ كلمة "وكانوا عليه شهداء"، قال الألوسي: في تفسير الربانيين هم العلماء الفقهاء وهم فوق الأحبار... ومعنى شهداء رقباء يحمونه من أن يحوم حول حماه التغيير والتبديل بوجه من الوجوه أو شهداء عليه أنه حق... أو مبينين ما يخفى منه، أقول: بل شهداء عليه أنه مقام في حياة الناس، وشهداء بذلك على الناس.
ثالثاً: لأن هذه المهمة تقتضي أعلى درجات الثقافة وأعلى درجات القدرة على التعليم وتلك صفة الربانيين: {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} [آل عمران: 79].
رابعاً: لأن هذه المهمة تقتضي إحاطة بالمعروف وبالمنكر، وأمراً بالمعروف، ونهياً عن المنكر، فيدخل في ذلك محاربة الإثم ومحاربة أكل الحرام ونصرة المظلوم وإصلاح ذات البين وإعانة الفقير وإعانة المحتاج وذلك واجب الربانيين قبل غيرهم، قال تعالى: {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت} [المائدة: 63].
خامساً: لأن الربانيين هم المؤهلون للاستمرار على ما مات عليه الرسل عليهم الصلاة والسلام: فالرباني هو الرöبّي في فهم العلماء، والربيون قد وصفهم الله عز وجل بقوله: {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين} [آل عمران: 146-148]. ولكن أين هم الربانيون؟ وكيف نتوصل إلى إيجاد ربانيين يملأون الساحة ويقومون بمجموع المهمات المطلوبة منهم؟ وما هي الوسائل اللازمة لذلك؟. لا شك أن إحساس المجتمع الإسلامي حالياً بوجود الربانيين والثقة بهم والتسليم لهم ضعيف لكنهم موجودون على ضعف في الصفات والخصائص ومتفرقون.
إنني أعتقد أن ربانيي هذا القرن عليهم أن يؤدوا هذه المهام الصعبة التي ذكرناها، ولا يستطيعون ذلك إلا أن تتوافر فيهم جوانب أربعة:
الثقافة الإسلامية المتوارثة والمعاصرة، والأخلاقية الإسلامية الرفيعة، والنضج الروحي الرفيع، والفقه الحركي والتنظيمي المناسب للعصر وأوضاعه. فإذا لم يوجد هؤلاء الربانيون الذين يستوعبون هذا كله. فإن الجهة القادرة على إيجاد التفاعلات التي يحتاجها العصر ستبقى مفقودة والجهة التي يحتاجها السقف الجديد لهذا العصر ستبقى مفقودة ونخشى نتيجة لذلك أن يحدث انحسار أو تآكل أو يأس. وإذا كان وجود هذه الجهة هي الاحتياج الأكبر لهذا العصر فإن هذه الرسالة قد خصصت لهذا الموضوع. إن سر الأسرار في نواقص العمل الإسلامي في القرن الرابع عشر يكمن في الانطلاق إلى الدعوة وطي فكرة الإنضاج في الربانية. وقد يكون لذلك أسبابه وأعذاره، فلم يكن أمام الإسلاميين خيار: إما أن ينقذوا الناس من النار أو يعكفوا على أنفسهم، لكن هذا القرن وقد كثر فيه عدد العاملين لابد أن تعوض فيه الحركة الإسلامية ما فاتها بأن ينتدب أناس أنفسهم لإحياء الربانية، ليقوم الربانيون بدورهم كاملاً، والذي أراه أنه لا بدّ من عمل خاص يتمحض لمثل هذا فتجربتنا أنه إذا لم يتمحض عمل لمثل هذا فستبقى معالم الربانية ضائعة في أجواء التنافس الإداري أو الانتخابي وفي أجواء القيل والقال والأخذ والرد وفي أجواء الصراع الحاد بين التوجهات المتناقضة سلفية وصوفية وبين الراغبين في المشاركة في الحكم والعازفين عن ذلك، والداخلين في العمل السياسي والراغبين عنه. كل ذلك جعلني أستشعر ضرورة وجود حركة تتمحض لإحياء الربانية فهذه الحركة هي المؤهلة لإيجاد شرط النجاح في أي جماعة إسلامية، وكما قال عمر رضي الله عنه: "فمن سوده قومه على الفقه كان حياة له ولهم ومن سوده قومه على غير فقه كان هلاكاً له ولهم" وهي شرط النجاح لإيجاد شرارة التفاعل الكامل مع الإسلام، وهي شرط النجاح لترشيد العمل الإسلامي من خلال النظرة الفقهية الشاملة البصيرة... وإذا كانت الربانية هي الحل فما هو الجديد الذي يحتاج إلى تذكير وتركيز:
الجديد هو معرفة من هو الرباني في هذا العصر"
وما هي الثقافة التي يحتاجها؟.
وما هي الأخلاق التي يجب أن يلتزم بها؟.
وما هو السمت الذي يجب أن يكون عليه؟.
وما هي البيئة التي يتخرج منها؟.
فالثقافة التي يحتاجها الرباني أوسع مما هي في واقع الحال، فالثقافة المتوارثة ليست كافية بل لابد من الإضافة إليها من مثل فقه الدعوة وفقه أنظمة الإسلام ومعرفة العصر ومعرفة المواقع المتقدمة للعمل الإسلامي المعاصر. والأخلاق التي يجب أن يلتزم بها هي أخلاق حزب الله بمجموعها المحبة لله والذلة على المؤمنين... والسمت الذي يجب أن يتحلى به هو سمت النبوة ظاهراً وباطناً. والبيئة هي مجالس الذكر والعلم والتلقي على يد الربانيين والذوبان في بوتقة الإخاء الإسلامي الخاص والعام وكل ذلك يجب أن يكون على أصول عقدية صحيحة واتجاهات فقهية معتمدة. إنه لا ربانية إلا حيث وجدت عقائد أهل السنة والجماعة ومذاهب الأئمة مع حالة قلبية مع الله عز وجل فالرسول صلى الله عليه وسلم ورثنا علماً وعملاً وحالاً قلبية وصفة فمن ورث هذا كله فهو الرباني. إن تكامل العمل الإسلامي الذي يحتاجه هذا القرن يقتضي وجود الربانيين الذين يقومون بعدد من العمليات أو يشرفون عليها من خلال الموقف الحكيم.
فالأصل: من الربانية إلى ما سواها أما إذا كان الأمر على غير ذلك فالانتكاسات والتمزقات هي الأساس، ولنتذكر مرة أخرى كلمة عمر رضي الله عنه كما رواها الدارمي:
"عن تميم الداري قال تطاول الناس في البناء في زمن عمر فقال عمر يا معشر العريب الأرض الأرض إنه لا إسلام إلا بجماعة ولا جماعة إلا بإمارة ولا إمارة إلا بطاعة فمن سوده قومه على الفقه كان حياةً له ولهم ومن سوده قومه على غير فقه كان هلاكاً له ولهم".
لقد وجد في القرن الماضي كما ذكرنا عاملون إسلاميون كثير:
فهناك السلفيون الذين حاولوا تأكيد التمسك بالنص، وهناك الفقهاء الذين وجدوا بضاعتهم غير مرغوب فيها، وهناك الوعاظ والدعاة الذين اقتصروا على العمومات، وهناك الصوفية الذين لم يستطيعوا أن يقدموا بضاعتهم على ضوء النصوص ولا على مستوى العصر، وهناك دعاة العامة الذين لم يتجاوزوا سقفاً معيناً، وهناك دعاة المثقفين الذين أوصلوا المثقف إلى سقف معين، وهناك الجماعات الإسلامية التي عملت على مستوى العالم فأصبح لها تجربة ضاربة في الزمان والمكان، عند كل من هؤلاء يوجد شيء مفيد، وإن هذا القرن يحتاج إلى أشخاص قد أخذوا هذا كله، فالمواقع المتقدمة التي وصلت إليها كل جهة من هؤلاء نحن بحاجة للوقوف عندها والانطلاق منها، وهذا لا يتأتى إلا إذا وجد الفرد الذي هضم هذا كله، وشكّل هؤلاء تياراً متقدماً يأخذ بيد الجميع ولا يدخل في صراع مع أحد، ينظر إلى الإيجابيات، ويحسن معالجة السلبيات، ويدفع نحو الأمام، يحب الجميع ويعطف على الجميع، يدعم الموجود ويوجد المفقود، ولا يضن على مسلم بنصح، ولا على جماعة بإرشاد، هؤلاء هم الربانيون المعنيون، وهؤلاء هم المطلوبون للقيام بهذه المرحلة، قد استشرفوا أوضاع أمتهم، واستوعبوا أوضاع عالمهم، ويعرفون الأسباب الموصلة إلى الغايات ويستطيعون أن يختصروا الطريق.
وطريق ذلك الذكر والعلم والبيئة:
فلا ربانية بلا عبادة بل الربانية علم على العبادة، ومبنى العبادة على الذكر، والذكر الكثير هو الطريق للوراثة النبوية {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً} [الأحزاب: 21]. ولا ربانية بلا علم {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} [آل عمران: 79] ولا ربانية إلا ببيئة تربي على العلم وعلى الذكر، ويتحرك فيها الرباني نحو الخارج: بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعلم والتعليم والنصيحة والخدمة. ومن ههنا نقول: إنه لإيجاد الربانيين فنحن نحتاج إلى تأسيس مجالس ذكر، يألف فيها الإنسان الذكر، وتتابعه في إقامة الأذكار اليومية والاعتكافات، ولابد من حلقات لطلاب الربانية يأخذ فيها الطالب ثقافة موجهة ومركزة، تدفعه لاستكمال ثقافته، وتحركه نحو الخارج في الدعوة والنصيحة والخدمة، وهذا وذاك يقتضي أن تنظم جهة ما هذه الأمور على ضوء نظرية متكاملة لثقافة الربانيين وسيرهم الأخلاقي والروحي وعلى ضوء نظرية عملية فطرية وصحيحة تُحققُ هذه المطالب كلها.