قال تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} [النساء: 69]. يفهم من هذه الآية أن مراتب الكمال في هذه الأمة أربعة:
- رتبة النبوة وقد انتهت بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وبقي عندنا ثلاث مراتب كمال، تبقى مستمرة في هذه الأمة، هذه المراتب الثلاث هي الصديقية والشهادة والصلاح، وبقدر ما تكون هذه المعاني قوية في الأمة تكون بخير، وبقدر ما يخف وجود هذه المعاني الثلاثة يكون الإسلام في هذه الأمة في ضعف، ولنلق نظرة على حال الأمة بالنسبة لهذه المقامات. إنك تجد أن الصلاح لازال قائماً ومستمراً ولكن على ضعف لأن الصلاح يقوم على ركنين: الإيمان والعمل الصالح، فالله تعالى يقول: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين} [العنكبوت: 09]. فمن اجتمع له إيمان وعمل صالح يرجى أن يكون مآله الوصول إلى مقام الصلاح، والإيمان والعمل الصالح موجودان في هذه الأمة بشكل من الأشكال، لكن معاني الإيمان تحتاج إلى تجديد مستمر فلقد ورد في الحديث الحسن: "إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم". وقد ورد في حديث صحيح: "جددوا إيمانكم، فقالوا كيف نجدد إيماننا يا رسول الله، قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله" فالإيمان تطرأ عليه طوارئ تضعفه، وقل مثل ذلك في العمل الصالح، فهو معرض لأن يطرأ عليه العجب والغرور والرياء وغير ذلك مما يؤثر على العمل، وهذه المعاني قلّ التنبه لها في عصرنا، ومع ذلك يوجد بفضل الله عز وجل توجه نحو الإيمان والعمل الصالح.
ومرتبة الشهادة مستمرة في هذه الأمة فهناك شهداء بشكل مستمر قال تعالى: {ويتخذ منكم شهداء} [آل عمران: 140] لكن الأصل أن يكون العزم على الشهادة موجوداً في قلب كل مسلم، فلابد من نية الجهاد في كل قلب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق" أخرجه مسلم وفي هذا المعنى ضعف وأي ضعف، بينما نجد عند جميع الصحابة قدراً مشتركاً من الرغبة في أن يلقوا الله عز وجل شهداء والرسول صلى الله عليه وسلم يتمنى أن يقتل ثم يرجع ثم يقتل ثم يرجع ثم يقتل، وكان عمر بن الخطاب يدعو أن يستشهد في المدينة المنورة، ورزقه الله ذلك وكل صحابي كان يعبر عن ذلك، المهم أن هناك قدراً مشتركاً عند كل فرد في جيل الصحابة في الرغبة في الشهادة، والرسول صلى الله عليه وسلم علّم المسلمين أن يكونوا صادقين في طلبهم الشهادة من الله عز وجل، والإنسان عندما يطلب الشهادة بصدق ينيله الله أجرها ولو مات على فراشه، وفي جيلنا لم تعد الشهادة مطلباً مشتركاً لكل مسلم، لا نقول هذا من سوء الظن بالمسلمين، فالمسلمون على خير وبركة ولكن الواقع المحس هو ما ذكرناه، وقد حاول الأستاذ حسن البنا رحمه الله أن يحيي هذا المعنى، لذلك كان من الشعارات الخمسة التي جعلها شعارات لإخوانه: الجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا. ولقد علل الرسول صلى الله عليه وسلم لتداعي الأمم علينا بقوله "ولكنكم غثاء كغثاء السيل، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت" أخرجه أحمد وأبو داود. لقد كان حسن البنا موفقاً إذ جعل أحد الشعارات: "الموت في سبيل الله أسمى أمانينا" فلا خروج للمسلمين من الوهن إلا بذلك. ولكن عندما ننظر إلى مقدار الرغبة (الرغبة في الموت في سبيل الله) في قلوب المسلمين جميعاً.. أقصد هذا المليار من المسلمين... نجد أن بيننا وبين ذلك منادح يقطعها السير الجاد من أهله بإذن الله.
أما مرتبة الكمال الثالثة وهي أعلى هذه المراتب وأكملها وهي رتبة الصديقية فقد طرأ عليها الضعف أكثر مما طرأ على المرتبتين الأوليين لأن المرتبة الثانية التي هي الشهادة والمرتبة الثالثة التي هي الصلاح مرتبتان محسوستان تقريباً لكن مرتبة الصديقية مرتبة خفيّة، فهي أقرب إلى الجانب القلبي، ولذلك فقد طرأت عليها طوارئ كثيرة كبيرة وضعفت ضعفاً كثيراً وقل أصحابها، والآية القرآنية تشهد أن المتأخرين تقل فيهم هذه الرتبة. قال تعالى: {والسابقون السابقون... ثلة من الأولين وقليل من الآخرين} [الواقعة: 10-13-14] بينما قال في أصحا اليمين {ثلثة من الأولين وثلة من الآخرين} [الواقعة: 39-40] فإذا اعتبرنا أصحاب اليمين هم الصالحون والسابقين هم الصديقون، فالصديقون من المتأخرين قليلون فكأن مرتبة الصديقية تضعف في الأمة شيئاً فشيئاً. ويترتب على ضعفها ضعف المرتبتين الأخريين ولذلك نقول:
إنه بقدر ما يبذل الدعاة من جهد في إحياء الصلاح وفي إحياء معاني الشهادة يحتاجون لأن يبذلوا جهداً في إحياء معاني الصدّيقية، التي بدايتها الإيمان بالله تعالى: {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصدّيقون والشهاداء عند ربهم} [الحديد: 19]. يعني الذين اجتمع لهم إيمان بالله ورسوله هم الذين مآلهم لأن يكونوا صدّيقين وشهداء، تلك هي البداية وهي بداية مشتركة بين الصدّيق والصالح والشهيد، لكن هناك دقائق في رتبة الصدّيقية لها علاقة بالإيمان والعمل الصالح تتوافر في الصدّيق ولا تتوافر في الصالح، ومن ها هنا تكون لرتبة الصدّيقية المنزلة العليا، وإذا أردنا أن نأخذ نقطة نتعرّف بها على الفارق بين مقام الصدّيقية والصلاح فلنضرب على ذلك مثلاً بخشوع القلب في الصلاة، فالقلوب تتفاوت في الخشوع، لذلك كان الرسول عليه الصلاة والسلام وهو أعرف خلق الله بالله أكثر خلق الله خشوعاً، حتى إنّ الصحابة وصفوه بأنّه كان يسمع من جوفه أزيز كأزيز المرجل في الصلاة من شدة خشوعه، فالخشوع إذاً يمكن أن نعتبره ميزان كمال، وبقدر ما يكون الإنسان أقرب إلى الخشوع الكامل، فهو أقرب إلى الكمال، وبالتالي فهو أقرب إلى مقام الصدّيقية، والذي يرى حال الناس في الخشوع الآن يدرك قلّة المتحققين بمقام الصديقية، وسنتحدث عن معالم الصديقية بتفصيل في كتابنا (مذكرات في منازل الصديقين) وههنا نقول:
إن الصديقية هي الدرجة العليا لمقام الصدق ففي الحديث الصحيح: "ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً"، ولو أنك تأملت النصوص التي تحدثت عن الصادقين، ثم عرفت أن الصديق يتحقق بذروتها فإنك تعرف بذلك مقام الصديقين: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً} [الأحزاب: 23]. {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} [الحجرات: 15]. {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} [البقرة: 177]. {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون}[الحشر: 08].
فمن عرف أن مقام الصديقية هو تحري الكمال في الصدق، وعرف مضمون الصدق الذي تحدثت عنه في هذه الآيات عرف معنى الصديقية ولقد تحدث الغزالي في إحيائه عن درجات الصدق وكان من كلامه:
"اعلم أن لفظ الصدق يستعمل في ستة معان، صدق في القول، وصدق في النية والإرادة، وصدق في العزم، وصدق في الوفاء بالعزم، وصدق في العمل، وصدق في تحقيق مقامات الدين كلها، فمن اتصف بالصدق في جميع ذلك فهو صديق، لأنه مبالغة في الصدق، ثم هم أيضاً على درجات، فمن كان له حظ في الصدق في شيء من الجملة فهو صادق بالإضافة إلى ما فيه صدقه.
الصدق الأول: صدق اللسان وذلك لا يكون إلا في الإخبار أو فيما يتضمن الإخبار وينبه عليه، والخبر إما أن يتعلق بالماضي أو المستقبل، وفيه يدخل الوفاء بالوعد والخلف فيه، وحق على كل عبد أن يحفظ ألفاظه فلا يتكلم إلا بالصدق، وهذا هو أشهر أنواع الصدق وأظهرها، فمن حفظ لسانه عن الإخبار عن الأشياء على خلاف ما هي عليه فهو صادق، ولكنْ لهذا الصدق كمالان أحدهما الاحتراز عن المعاريض، والكمال الثاني أن يراعي معنى الصدق في ألفاظه التي يناجي بها ربه كقوله وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض فإن كان قلبه منصرفاً عن الله تعالى مشغولاً بأماني الدنيا وشهواته فهو كذب، وكقوله إياك نعبد، وقوله أنا عبد الله فإنه إذا لم يتصف بحقيقة العبودية وكان له مطلب سوى الله لم يكن كلامه مصدقاً.
الصدق الثاني: في النية والإرادة، ويرجع ذلك إلى الإخلاص وهو أن لا يكون له باعث في الحركات والسكنات إلا الله تعالى فإن مازجه شيء من حظوظ النفس بطل صدق النية، وصاحبه يجوز أن يسمى كاذباً.
الصدق الثالث: صدق العزم فإن الإنسان قد يقدم العزم على العمل فيقول في نفسه إن رزقني الله مالاً تصدقت بجميعه أو بشطره، أو إن لقيت عدواً في سبيل الله تعالى قاتلت ولم أبال، وإن قتلت، وإن أعطاني الله تعالى ولاية عدلت فيها ولم أعص الله تعالى بظلم وميل إلى خلق، فهذه العزيمة قد يصادفها من نفسه وهي عزيمة جازمة صادقة وقد يكون في عزمه نوع ميل وتردد وضعف يضاد الصدق في العزيمة فكأن الصدق ههنا عبارة عن التمام والقوة.
الصدق الرابع: في الوفاء بالعزم، فإن النفس قد تسخو بالعزم في الحال إذ لا مشقة في الوعد، والعزم والمؤنة فيه خفيفة، فإذا حقت الحقائق وحصل التمكن، وهاجت الشهوات، انحلت العزيمة وغلبت الشهوات ولم يتفق الوفاء بالعزم وهذا يضاد الصدق فيه.
الصدق الخامس: في الأعمال وهو أن يجتهد حتى لا تدل أعماله الظاهرة على أمر في باطنه لا يتصف هو به لا بأن يترك الأعمال ولكن بأن يستجلب الباطن إلى تصديق الظاهر.
الصدق السادس: وهو أعلى الدرجات وأعزها، الصدق في مقامات الدين، كالصدق في الخوف والرجاء والتعظيم والزهد والرضا والتوكل والحب وسائر هذه الأمور، قال الله تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا} إلى قوله {أولئك هم الصادقون} [الحجرات: 15] وقال تعالى: {ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر} إلى قوله {أولئك الذين صدقوا} [البقرة: 177]. فالصادق إذاً في جميع هذه المقامات عزيز، ثم درجات الصدق لا نهاية لها وقد يكون للعبد في بعض الأمور دون بعض فإن كان صادقاً في الجميع فهو الصديق حقاً." 1. هِ . كلام الغزالي.
ولعلك بهذه التحديدات لمعاني الصدق تعرف من هم الذين أمرك الله عز وجل أن تكون منهم ومعهم: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 119]. إن الدعوة إلى الله ذات شقين: فهي تذكير من ناحية، وتجديد من ناحية آخرى، ومن ههنا توجد في الشريعة فكرة المجدّد، وفي كل عصر يبعث الله لهذه الأمة من يجدّد لها أمر دينها وفي الحديث: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل قرن من يجدّد لها أمر دينها". ورأس القرن أوّله. المهم أنّه يوجد شيء اسمه تجديد في حياة الأمة الإسلامية، وحتماً فإنّ من المعاني التي تحتاج إلى تجديد مستمر في الأمة الإسلامية هي هذه المعاني: الصلاح والشهادة والصدّيقية، ولا أقصد أن التجديد ينحصر بها، ولكنّ مراتب الكمال هذه لابدّ من تجديدها بشكل مستمر، ومن ثم فإن أي إنسان يريد أن يقوم بحق الدعوة إلى الله يجب أن يضع في ذهنه أن يجدّد حياة هذه المعاني وحيوتها. وإذا فشلنا في إيجاد هذه المعاني بعمق في الأمة الإسلامية لا نكون قد فعلنا شيئاً كثيراً مهما نشرنا من رسائل، وألفنا من كتب، وألقينا من محاضرات، ونمينا مدارك الناس وعلومهم إلا إذا كان ذلك عامل دفع، وسبيلاً إلى مقام صلاح أو وسيلة للصديقية، فالعلم شرط في هذا كله، إننا إذا لم ننقل الناس إلى مثل هذه المعاني يبقى عملنا محدوداً وقاصراً، صحيح إن إقامة الحجة على الناس هدف، ولكن العلم النافع هو الهدف المباشر لهذا الهدف، وقد ورد في حديث حسن: "العلم علمان علم في القلب فذلك العلم النافع وعلم في اللسان فذلك حجة الله على ابن آدم" إن الفريضة الإسلامية في الشريعة لها سياج هي السنة والأدب، فمثلاً فرضت علينا صلوات خمس وفرض علينا صيام رمضان، لكن سنت لنا مع هذه الفرائض سنن، فالسنن بمثابة السياج لهذه الفرائض، فالإنسان الذي يقيم فرض الصلاة وسننها تبقى فريضته مكينة، بينما الإنسان الذي يقيم الفريضة ولا يقيم السنن تبقى فريضته ضعيفة، فكما أن قوة الفريضة بما يحيط بها من نوافل فكذلك الصلاح والشهادة تقويان بوجود مقام الصدّيقية، ونحن إذا ما بذلنا جهوداً في تعميق مقام الصلاح فقط كأن دعونا إلى الإيمان والعمل الصالح، وبقينا عند هذا القدر ولم ننمّ الرغبة في الشهادة في سبيل الله ولم نُرب على مقام الصدّيقية، فقضية الصلاح ذاتها تبقى ضعيفة، لكن إذا نمينا الصلاح وحاولنا أن ندفع نحو مقام الشهادة، ودفعنا نحو مقام الصدّيقية، ساعتئذ ترى المجتمع الإسلامي متكاملاً والإسلام أكثر عمقاً، ومن ههنا نقول: إنّه بقدر ما نبذل من الجهود لتعميق معنى الصلاح يجب أن نبذل جهوداً لتعميق معاني الشهادة ومعاني الصدّيقية، وبذلك تتكامل حياة المجتمع الإسلامي، لأن الصدّيقيين هم الذين يشدون الناس إلى مقام الشهادة ومقام الصلاح إنّ محور مقام الصدّيقية يدور على تعميق معاني الإيمان من ناحية، وعلى التفطّن إلى دقائق في الأعمال من ناحية أخرى، فالصديقية يغلب عليها الجانب القلبي أكثر مما يغلب عليها العمل الظاهر، فإحياء معاني الصديقية يكمن في التفتيش عن دقائق إيمانية وعن دقائق قلبية مثل الإخلاص والزهد والمحبة والتسليم والرضا وعن دقائق في الأعمال والتنزه عن نوع منها، فلقد ورد في صحيح مسلم عن رسولنا عليه السلام "لا ينبغي لصدّيق أن يكون لعّاناً".
إن إحياء مراتب الكمال التي ذكرناها من الأهميّة في المكان الكبير، لذلك أدّبنا الله عز وجل أن ندعوه يومياً في صلواتنا بقوله {اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: 06-07] يعني صراط النبيّين والصديقين والشهداء والصالحين بنص القرآن، فهؤلاء هم محل القدوة، فكما أن محل القدوة في الدعوة الإسلامية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فكذلك الصدّيقون والشهداء والصالحون، وإذاً فبقدر ما يوجد في الأمة الإسلامية صدّيقون وشهداء وصالحون تكون القدوة موجودة في حاضر الأمة الإسلامية. ولنا أن نتساءل: ما الذي جعل مراتب الكمال الثلاث الصلاح والشهادة والصدّيقيّة تضعف؟ والجواب أن هناك رتبة أخرى قد ضعفت في الأمة الإسلامية هي رتبة الربّانية، فالربّانيّون في هذه الأمة قلّوا فترتّب على ذلك ضعف عام في مراتب الكمال ولذلك نقول:
إنّه إذا ما أردنا أن نحيي مراتب الكمال، أو نقويها فلابدّ أن تكون البداية هي إحياء مقام الربّانية. ومن قوله تعالى {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثمّ يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} [آل عمران: 79]. ومن قولهم يوم مات ابن عباس رضي الله عنهما (اليوم مات ربّانّي هذه الأمة) نستطيع أن نتلمس معاني الربّانّية المفقودة. فنموذج الربانية هو ابن عباس في معرفته الكتاب والحكمة وفي قدرته على تعليم الكتاب والحكمة والربانية بنص الكتاب: دراسة وتعليم للكتاب، وتعليم الكتاب في عصر الصحابة يدخل فيه تفهيمه والتحقيق فيه، ولقد كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فالمعلم الذي لا يستطيع أن يربى عليه، وأن يحقق فيه، ليس هو المعلم الرباني، وليس هو الوارث الكامل لرسول الله عليه الصلاة والسلام، فالرباني هو القادر على تزكية النفس وهو القادر على الارتقاء بالمسلم إلى مقامات الصديقية والشهادة والصلاح لأن مهمته هي مهمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنه لا يوحى إليه.
ومن الآية التي مرّت معنا ندرك أن مطلباً أساسياً للرسل عليهم السلام يحاولون أن يوجدوه هو مقام الرّبانية {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب... ولكن كونوا ربّانيين} [آل عمران: 79]. يفهم من ذلك أنّ مطلباً رئيسياً يريده الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هو أن يوجد ربّانّيون في الأمة لأنه يتوقّف على ذلك كل ما بعده، ومن ههنا تأتي أهمية وجود الربّانيين في المجتمع الإسلامي. إنه بقدر ما يضعف مقام الربّانّية يضعف الإسلام في القلوب والنفوس وذلك هو السر الأساسي في ضعف مراتب الكمال التي ذكرناها، وخاصّة مقام الصديقية سواء من حيث العدد أو من حيث النسبة أو من حيث الكمال. إن شرط وجود الصديقية والشهادة والصلاح هي وجود الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا فقد الرسول عليه الصلاة والسلام فالوارث الكامل هو شرط الوصول إلى الكمال في مراتب الكمال الثلاث، وقد جعل الله الغاية في الهداية هو الولي المرشد فقال تعالى {ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً} [الكهف: 17] لقد ختمت النبوة برسولنا عليه السلام {ولكن رسول الله وخاتم النبيين} [الأحزاب: 40]. فمن يقوم مقامه في التعليم والتزكية؟ لا شك أنهم وراثه وهم العلماء، ولكن أي علماء؟ إنهم العلماء الربانيون، فإذا فقدوا فلابد أن يتأثر الكمال، وإذا قلّوا فلابد أن يتأثر الكمال، وإذا كثروا فمظنة الخير أكثر. وإنما قيد تعليم الرباني بالكتاب، وأطلقت دراسة الرباني، لأن الرباني يستطيع من خلال الكتاب أن يعلم كل شيء يحتاجه الإنسان، فقد وصف القرآن بقوله تعالى: {وتفصيل كل شيء} [يوسف: 111]. {ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء} [النحل: 89]. وهذا يقتضي من معلم القرآن أن يدرس دراسات كثيرة، ولذلك أطلقت دراسة الرباني: {وبما كنتم تدرسون} [آل عمران: 79]. فمعلم القرآن ينبغي أن يستوعب من الدراسات ما يستطيع أن يغني الدارسين للقرآن في كل عصر ومصر وهذا يقتضي دراسات واسعة. ثم إن الدراسات للرباني تتوسع وتتجدد كلما امتد الزمان والمكان، فالصحابي الذي يعيش في البيئة العربية ساعة نزول القرآن الكريم ويسمع حديث الرسول عليه الصلاة والسلام مباشرة، أو من خلال صحابي آخر، لا يحتاج إلى دراسة اللغة العربية ولا إلى دراسة مصطلحات علوم الحديث، ولا يحتاج إلى معرفة الرجال، والصحابي الذي يعيش الفهم الفطري للقرآن ولا يواجه أفكاراً منحرفة في العقائد لا يحتاج إلى دراسة شيء اسمه عقائد أهل السنة والجماعة وموقفهم من فكر الفرق الآخرى أو موقفهم من فكر الأديان الذين يضطرون لمناقشة أهلها، كما إنهم لا يحتاجون إلى دراسات كثيرة لمعرفة حال المسلمين وقتذاك، فدار الإسلام حدودها معلومة معروفة بينما يحتاج الربانيون في أجيال لاحقة إلى هذا وأمثاله، ولذلك أطلقت كلمة الدراسة ومن ههنا تعرف جهل الذين ينكرون ضرورة الدراسات المتعددة المتجددة كلما جد جديد أو ولد قرن جديد ومن ههنا نجد القائمين على الدراسات الجامعية سواء أكانت إسلامية أو غير إسلامية يستحدثون كراسي الدراسة لكل علم تثبت لهم ضرورته. والربانية بالضرورة لا تعني الدراسة فقط، بل تعني معها القرآن الكريم، وتعليم القرآن يقتضي معرفة بالسنة، ويقتضي قدرة على تزكية الأنفس، ومن ههنا لابد أن يكون الرباني متحققاً بالصلاح وطلب الشهادة في سبيل الله ومقام الصديقية ففاقد الشيء لا يعطيه، فالرباني مالم يكن متحققاً لا يستطيع أن يحقق، فهل لنا بعد هذا البيان أن نحدد بعض المعالم. إنّ كلمة الربّانّيين ليست كلمة يدخل فيها كلّ فرد من الأفراد، وإنّما يدخل فيها الناس الذين عندهم قدرة على تعليم الكتاب والذين عندهم دراسات، ومن السياق نفهم أنّ هذه الدراسات هي الدراسات التي تؤهّلهم لفهم الكتاب وتعليمه والتي تعين على التحقق به. فإذا كان تعليلنا لنقص مراتب الكمال في الأمة الإسلامية كمًّا وكيفاً يرجع إلى النقص في قضية الربّانية فإنّ علينا إذا ما أردنا أن نحيي مراتب الكمال هذه أن نوجد الطبقة التي يمكن أن نسمّيها طبقة الربّانّيين.
فإذا ما أردنا أن ننقل الأمة إلى أن تعود إليها مراتب الكمال، فلابد أن يوجد الربانيون القادرون على العطاء، وإذا كان القرآن قد جمع معالم الربانية بكلمتين تعليم الكتاب والدراسة، فإن ذلك يدخل فيه أشياء كثيرة، يدخل فيه تعليم الكتاب تلاوة ويدخل في ذلك تفهيمه، وتطبيقه، وكيف تصلح الحياة على هذا، فالإنسان الذي يمتلك القدرة على تعليم الكتاب يعني بالضرورة أنه قادر أن يعلم الناس كل شيء يحتاجون إليه في أمر دنياهم وأخراهم على ضوء الكتاب، فتعليم الكتاب إذن يدخل فيه كل هذا أما الدراسة فإنه يدخل فيها كل ما يلزم لذلك. إنّك لا تستطيع أن تعلّم الكتاب إذا لم تكن متقناً لعلوم اللغة العربية، ومتقناً لفن التلاوة، وكذلك لا يمكن أن تفهم كتاب الله إذا لم تدرس السنّة النبوية، فالله عز وجل قال: {أقيموا الصلاة}. لكنّ الذي فسّر لك كيف تقام الصلاة هو السنّة النبوية، والكتاب والسنة تنبثق عنهما الأحكام التي تغطي شئون الحياة كلّها، فما من حكم يحتاجه الإنسان في حياته إلا ولله عز وجل حكم فيه: وهذا الحكم يعرف إمّا من صريح القرآن الكريم أو من صحيح السنّة أو من هذا وهذا. واستنباط الأحكام من الكتاب والسنّة له أصول وقواعد، وإذا أردت أن تفهم القرآن الكريم لابدذ أن تفهم هذه القواعد التي تستنبط بواسطته الأحكام، من ههنا تأتي ضرورة علم أصول الفقه، وبالتالي فأصول الفقه ينبغي أن يكون داخلاً في دراسة الربّانّيين.
وتنبثق عن الكتاب والسنة أحكام، فالكتاب والسنة بينّا للمسلم عقيدته، وبينا للمسلم كيف يزكّي نفسه، وبينا للمسلم حكم الله في القضايا العملية التي يحتاجها في حياته، ومن ههنا يدخل في دراسة الربّانّيين علم العقائد وعلم السلوك وعلم الفقه. ومن المعروف في حياة الصحابة رضوان الله عليهم أنّهم كانوا يقولون: "كنّا نؤتى الإيمان قبل القرآن" هذه كلمة مأثورة عن أكثر من صحابي، وإذاً فعلم الإيمان الذي هو مقدمة لعلم القرآن الكريم يدخل في دائرة دراسة الربّاني. قال تعالى: {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} [الشورة: 52]. وإذاً فمما يدخل في دراسة الربّاني علم الإيمان وزكاة النفس، فإذا لم يكن عند الربّاني علم ذلك لا يستطيع أن ينقل الناس إلى هذه المعاني، ولنعرض المسألة عرضاً آخر، فمما منّ الله به على هذه الأمة الإسلامية أن بعث لها رسولاً، ومن مننه على هذه الأمة أن جعل هذا الرسول متصفاً بصفات معيّنة، تجد ذلك في قوله تعالى: {كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة} [البقرة: 151]. نفهم من ذلك أنّ من مهمّات الرسول صلى الله عليه وسلم تلاوة الآيات وتعليم الكتاب وتعليم الحكمة، ومن مهماته تزكية النفس، فإذا قلنا بأن الربّاني هو الذي يرث رسول الله صلى الله عليه وسلم فذلك يعني أن من مهمات الربّاني تزكية الأنفس، فكيف يستطيع الربّاني أن يزكّي الأنفس إذا لم يكن عنده علم ذلك؟ ومرّة ثالثة نقول: إن وجود طبقة ربّانّيين عريضة في الأمة الإسلامية هي نقطة البداية من أجل أن تتعمّق مراتب الكمال في الأمة الإسلامية كمقدمة لوجود الصدّيقين والشهداء والصالحين، ولذلك فإنني أرى أن مما ينبغي فعله هو أن تتوجّه قلوب قطاع عريض جداً من المسلمين لهذه القضية بالذات... وبقدر ما يكثر الذين يتفرّغون لقضية الربانية ويستطيعون أن ينقلوا الأمة إلى معالمها فإننا نكون سائرين على قدم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. إننّي أدعو دعوة عامة كل ّ من اقتنع بهذا الكلام أن ينوي ويبدأ السير في الطريق، ومن اجتمعت له نيّة وهمّة فالله يعطيه، وفي كل الأحوال هو مأجور، وفي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: "لو كان الإيمان في الثريّا لناله رجل (أو رجال) من أبناء فارس".
نحن الآن نشكو أن مراتب الكمال فينا ضعيفة، ونلاحظ أن أجواءنا ليست هي الأجواء الكاملة، ومنذ فترة طويلة تعاني الحركة الإسلامية من مثل هذا حتّى اعتاد أبناؤها أن يقولوا: عندنا نقص روحي، وعندنا نقص تربوي، وعندنا نقص ثقافي، هذا الكلام يتكرّر على الألسنة ويبدو لي أنّ هذا الكلام سيبقى مستمراً حتّى توجد طبقة عريضة قد تحققت بمعاني الربّانية وإلى أن يحدث ذلك سنبقى نعاني وسنبقى نشكو، وما كان يعتبر عذراً في الماضي لم يعدْ الآن عذراً. في الماضي كنت تجد العلوم المتوارثة في الغالب عند شيوخ لم يدرك الكثيرون منهم احتياجات عصرهم، فإذا ما قاربهم الشباب حاولوا أن يثنوهم عن الحق الذي آمنوا به، واستقطبت الدعوة الإسلامية شباباً وتلك سنة دعوة الأنبياء {فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملإيهم} [يونس: 83]. وهؤلاء الشباب كانوا بعيدين عن الثقافة الإسلامية المتوارثة، وكان الداعية مستغرقاً بعمليات التأسيس والأولويات التي تقتضيها وبعملية المواجهة مع الإستعمار والأولويات التي تستدعيها. فكانت هذه كلّها عوامل واقعية نعتذر بسببها عن نقص، أما الآن فلا عذر فلابدّ لنا أن ننهض في هذه الأمة بكل شيء، ولا نهوض إلا بربّانيّين، ولا ربانية إلا بدراسة موجهة وتعليم للقرآن، وإذا لم ننجح في ذلك فلا نجاح. نحن داخلون عمليّاً في معركة غير متكافئة مع قوى ماديّة، ولا يوجد عندنا أسباب الصراع المادّي فإذا لم توجد أسباب الصراع الإيمانّية فمعركتنا خاسرة.