السؤال عن شراء البيوت السكنية بالقروض الربوية في بلاد الغرب، ليس جديداً بالنسبة إليّ، بل هو سؤال قديم، عمره نحو ربع قرن من الزمان أو يزيد... وقد سمعته مراراً منذ بدأت زياراتي تتوالى للأقليات والجاليات الإسلامية في أمريكا وأوروبا وبلاد الشرق الأقصى، وغيرها.
فكان السؤال عن شراء البيوت يتكرر باستمرار، تكرر السؤال عن لحوم الذبائح التي يذبحها الغربيون – وهم في الغالب مسيحيون – وعن الأطعمة التي يمكن أن يدخل فيها لحم الخنزير أو شحمه.
والظاهر من كثرة ورود السؤال عن شراء البيوت أن وراءه سببين:
الأول: هو حاجة الناس الماسة لامتلاك بيوت خاصة بهم، تسعهم وتسع أولادهم، وتسع ضيوفهم.
والثاني: أن هناك من العلماء – وهم قلة – من أفتى بجواز شراء هذه البيوت، وجادل عنها.
وقد أخبرني بعض الإخوة في بريطانيا: أن بعض علماء الهند وباكستان، أفتوا قديما لبعض الإخوة الهنود والباكستانيين المقيمين في بريطانيا بجواز شراء هذه البيوت بالفوائد، على مذهب أبي حنيفة وصاحبه محمد، فاشتروا بيوتا في لندن وبعض المدن الكبيرة، بأسعار رخيصة في ذلك الزمن، وسرعان ما تغير الحال وارتفعت الأسعار، فأصبحت هذه البيوت – وبعضها في قلب لندن – تساوي الملايين وعشرات الملايين، مما أدى إلى تغير الوضع الاقتصادي لهؤلاء، وغدا بعضهم من كبار الملاك في إنجلترا.
وأود أن أقول هنا بصراحة: إن رأيي في هذه القضية ظل – إلى نحو عشرين سنة تقريباً – هو المنع والتحريم والتشديد في ذلك، والرد على من يميل إلى الإباحة.
وأذكر أنني خلال السبعينيات في القرن العشرين، لقيت في أمريكا الفقيه العلامة الأستاذ مصطفى الزرقا عليه رحمة الله، وعرضت هذه القضية في أحد اللقاءات، فكان رأيه الإجازة، بناء على تبنيه للمذهب الحنفي، وكان رأي المنع، بناء على ما تبنيته من رأي الجمهور، ومن ظاهر عموم الأدلة المحرمة للربا، بغض النظر عن دار الإسلام أو دار الحرب.
ولكن دماغ العالم المسلم، ليس قطعة من الفولاذ، ولا من جلمود الصخر. إن عقله يظل يتحرك، ويبحث ويقارن ويوازن، وهو لا يقف في العلم عند حد، ولا يأتي وقت يقول فيه: قد بلغت غاية العلم، ولا طمع في الزيادة. بل المسلم يطلب العلم من المهد إلى اللحد، ولا يزال المرء عالما ما طلب العلم، فإذا ظن أنه علم فقد جهل. وقد قال الله تعالى لخاتم رسله وأفضل خلقه: "وقل ربي زدني علماً" ]طه: 114[، وقال تعالى: "وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً" ]الإسراء: 85[.
وما دام العالم يطلب العلم، فلا يستغرب منه أن يغير رأيه، بناء على أدلة شرعية جديدة بدت له، لم تظهر له من قبل: من فقه النصوص، أو فقه المقاصد، أو فقه الواقع، وهو ما جعل الإمام محمد بن إدريس الشافعي يغير كثيرا من أقواله، حتى بات ذلك معروفا في مذهبه: قال الشافعي في القديم، وقال الشافعي في الجديد. وذلك أنه – حين دون مذهبه الجديد بعد أن استقر في مصر – رأى ما لم يكن قد رأى، وسمع ما لم يكن قد سمع من قبل، مع نضج السن والتجربة، وتغير الاجتهاد.
وهو ما جعل أصحاب أبي حنيفة يخالفون إمامهم الأعظم في أكثر من ثلث المذهب، وما جعل كثيرا من علماء الحنفية يختارون رأي الصاحبيين أو أحدهما للفتوى، وكثيرا ما يكون الخلاف لتغير الأحوال في عصرهما عن عصر شيخهم، ولهذا قالوا: لو رأى ما رأينا لقال بمثل ما قلنا. وقد عبر علماء الأحناف عن هذا النوع من الخلاف: بأنه اختلاف عصر وزمان، وليس اختلاف حجة وبرهان.
ومثل هذا يقال في الخلاف بين مالك وأصحابه، وأحمد وأصحابه، بل لعله السبب وراء اختلاف الروايات الكثيرة المروية عن الإمام أحمد في المسألة الواحدة، حتى لتبلغ في بعض الأحيان إلى عشرة، أو أكثر، فإنه يجيب في كل حالة بما يناسبها، مشددا في حالة، ومسهلا في أخرى. مطلقا في حالة، ومقيدا في أخرى.
وإذا كان هذا شأن الكبار من أئمتنا، فليس عجبا ولا غريبا أن يتغير رأي مثلي في هذه القضية، من المنع إلى الإجازة، ومن التشديد إلى التيسير.
وقد ظللت متحرجا فترة من الزمن من إعلان هذا الرأي، وكنت أفتي به لمن سألني خاصة، ثم رأيت الإعلان عنه، لأني أصبحت أسأل على الملأ، وفي المحاضرات واللقاءات العامة، ثم في القنوات الفضائية بعد ذلك، ولا يسعني أن أكتم ما انتهى إليه رأيي في المسألة. والفقيه المسلم لا يجوز له أن يفتي الناس بغير ما اقتنع به عقله، وانتهى إليه اجتهاده وعلمه، وإلا كان خائنا لأمانة العلم، بل خائنا لله وللرسول ولجماعة المسلمين.
وهب أن رأيه هذا كان خطأ، فهو معذور، كما علمنا الله تعالى أن نقول: "ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا" ]البقرة: 286[، وقد جاء في الصحيح أن الله تعالى قال: "قد فعلت" أي أنه استجاب الدعاء، وكما علمنا النبي صلى الله عليه وسلم: أن الله وضع عنا الخطأ والنسيان وما استكرهنا عليه؟
بل صح في الحديث المتفق عليه أن المجتهد إذا أخطأ فليس بمعذور فقط، بل هو مأجور أيضاً، وإن كان أجرا واحدا، المهم أنه لم يحرم من الأجر. كما في حديث عمرو بن العاص: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر".
فهو إذا أصاب، له أجران: أجر الاجتهاد، وأجر الإصابة، وإذا أخطأ فله أجر واحد، هو أجر الاجتهاد. وهذه لا شك من روائع الإسلام: أن يثاب المجتهد المخطئ، ولا يعاقب، فأي تشجيع على الاجتهاد – ولو خطأ – أكثر من هذا؟
وقبل أن نجيب عن هذا السؤال الكبير، يحسن بنا أن نستبين حقيقة المشكلة، من أصحابها أنفسهم، فهم أعلم بها وبجوانبها المختلفة منا، ولا ينبئك مثل خبير، وهذا يعيننا على إصدار حكم أقرب إلى السداد ما استطاع البشر غير المعصوم.
تصوير المشكلة كما يعرضها أهلها:
من حق المفتي – بل من واجبه – أن يتصور المشكلة التي يفتي فيها تصوراً صحيحاً، مبنيا على الواقع، دون تهوين، ولا تهويل، حتى تكون فتواه على بصيرة، وقد قال العلماء: الحكم على الشيء فرع عن تصوره.
وهذا ما نعبر عنه بِ (فقه الواقع) فكثيرا ما يكون خطأ الفقيه ناشئا عن عدم تصور واقع المسألة المستفتى فيها، وليس من عدم فهم النصوص والقواعد الشرعية، ومن هنا نعرض هذه البيانات كما قدمها الإخوة المهتمون والعارفون بهذا الشأن في الغرب:
1- تشكل الفائدة في الأقساط الأولى للبيت المشترى عن طريق البنك الربوي: النسبة الغالبة من قيمة القسط، والنسبة الأقل تكون سداداً لقيمة القرض الأصلي، وتنعكس هذه النسبة تدريجيا حتى تصبح النسبة الغالبة سداداً للقرض في الأقساط الأخيرة.
2- الوفاء للدين يكون لمدة قد تصل إلى ثلاثين عاما، وتقل الفائدة بتقصير مدة السداد، كما تزيد بتطويلها، وقد تصل الفوائد في نهاية مدة السداد ضعفي أصل القرض حسب المدة.
3- القسط المدفوع شهريا للبنك يعادل الإيجار السنوي الذي يدفع في حالة استئجار البيت، أو يكون أكثر منه بقليل، وفي بعض الأحيان يكون أقل.
4- في حالة شراء البيت من البنك بطريق الفوائد الربوية، بعد سداد الأقساط يصبح البيت ملكا للمشتري، أما في حالة الإيجار، فما يدفعه المستأجر للمالك يعتبر مبلغا مهدرا في نظره، لا يملك في مقابله شيئا غير المنفعة.
5- في حالة القرض بطريق الفوائد تعفى الفوائد المصرفية بما يعادلها من نسبة الضريبة الكلية، وهي في العادة كبيرة وثقيلة على الناس، أما في حالة الإيجار فهو يقوم بدفع هذه الضريبة كاملة.
6- في حالة الإيجار لا يدفع قيمة التدفئة والكهرباء وضريبة الأملاك والنظافة وإصلاحات المنزل، فهي على المالك، في حين أنه يدفع كل هذا في حالة شراء البيت وتملكه.
7- هناك ضرر محتمل الوقوع، وهو أن: إطلاق جواز شراء البيوت للسكن من البنوك الربوية قد يهدد نمو واتساع الشركات الإسلامية العاملة في هذا المجال.
8- يتعذر مطلقا تملك المسلمين للعقار في هذه الديار إلا في أحوال ثلاثة:
a. في حالة الشراء نقدا، أو بواسطة التعاون بين الأفراد (وهذا أمر صعب، وهو نادر جداً)
b. أو عن طريق بعض الشركات الإسلامية (وهذه من حيث رءوس الأموال لا تفي بمتطلبات الأقلية المسلمة لضعف رءوس الأموال، ثم إن نسبة المرابحة التي تحصل عليها قد تصل إلى ثلاثة أضعاف نسبة فوائد البنك الربوية، ومدة القرض تكون قصيرة لا تزيد على خمس سنوات، وقيمة القسط السنوي تكون مضاعفة لا يستطيع الكثيرون غالبا الوفاء بها).
c. أو أن يتم تملك المسلمين للعقار عن طريق البنوك الربوية.
9- الملاك في الغرب عامة لا يؤجرون بيوتهم للأسر الكثيرة الأولاد، وهذا منتشر بين المسلمين، وكثير من الأسر المسلمة طردوا من سكن الإيجار لكثرة الأبناء، أو لكثرة الضيوف، أو لكثرة الحركة في الشقة، أو لتعنت بعض الجيران غير المسلمين، وفي هذه الحالة يصعب التنقل من مكان لآخر لنفس السبب وتكون المشقة أكثر وروداً.
10- بعض الأقطار في أوروبا، وبعض الولايات في أمريكا تحدد عددا من الأبناء لسكن الإيجار، وفي هذه الحالة تصبح المشقة مضاعفة، خصوصا مع من يزيد أبناؤه على أربعة أولاد، وهؤلاء كثيرون.
11- هنا إشكالية تتصل بالعقد الذي يبرمه البنك: أنه تعاقد على بيع بيت، ولا يسلّم المقترض مالا، بل يسلمه البيت، والإشكالية التي يدعيها البعض أن الربا شكلي: يتمثل في صورة التعاقد، أما حقيقة الإجراء فهو إجراء بيع أجل، زيد فيه الثمن في مقابل الأجل.
12- في بعض الأحيان يقوم الناس بشراء بيت عن طريق البنك مكوّن من شقتين، يسكن في شقة ويؤجر الشقة الثانية، وتكون أجرة الشقة الثانية قيمة القسط الواجب سداده للبنك عن البيت كله، وبعد الوفاء للبنك بالدين تصبح الشقتان ملكا للمشتري!
مزايا تملك بيت للسكن:
يؤكد الإخوة في الغرب أن وراء تملك بيت للسكن للمسلم جملة من المزايا المادية والأدبية، وبتعبير آخر: الاقتصادية وغير الاقتصادية، وسنجملها فيما يلي:
أولاً: المزايا الاقتصادية:
1- تخفيض الفوائد المدفوعة من الدخل الخاضع للضريبة، مما يؤدي إلى تخفيض مقدار الضريبة المدفوعة: النقص بالضريبة هو دائما أقل من مقدار الفوائد المدفوعة، بينما الأجرة المدفوعة غير معفاة من الضريبة، وبالتالي لا يحصل المستأجر على أي تخفيض ضريبي.
2- يؤخذ جزء من القسط المدفوع – يبدأ قليلا جدا ويتزايد مع الزمن لأن الأقساط متساوية – لسداد رأس مال القرض. وهذا يعني تكوين رأس مال للمشتري، أما الأجرة فهي كلها نفقة.
3- المشتري يملك، فهو الذي ينال أي فرق في السعر بين الشراء والبيع – عند البيع – فإذا زادت الأسعار أخذ الفرق عن جمع البيت، وليس فقط عما دفع فيه. وإذا انخفضت كان هو الخاسر، لأنه مدين بمقدار القرض، ولا علاقة لذلك بثمن المسكن، ولكن الغالب هو زيادة الأسعار، وهو ما يتوقعه الناس عادة عند الشراء، ويحرصون عليه عند اختيار الموقع. وقد يحصل العكس فيخسر.
4- قسط الثمن في الأغلب ثابت (وهناك قروض تتغير فيها الفائدة ولكن بمقدار القرض لا يتغير إلا بما يدفع منه) وفي الأمد الطويل – وهو المعتاد في قروض السكن – يحصل تضخم – ولو كان بطيئا – فيتزايد دخل الشخص دون أن يزيد القسط الذي يدفعه، وبذلك تتناقص نسبة القسط إلى الدخل، أما الأجرة فتتزايد عادة مع التضخم.
5- ملك المسكن علامة استقرار مما يزيد في ثقة المقترضين الآخرين بالشخص، كما أن وجود التزام المقرض بمبلغ كبير مقسط على مدة طويلة يعتبر مزية تساعد على الحصول على قروض أخرى، وعلى بطاقات ائتمان وغير ذلك من مزايا الثقة المالية، والاستئجار لا يفيد في ذلك.
6- ملك السكن يشجع صاحبه على التحسين المستمر فيه، لأنه ملكه، مما يزيد في قيمته، بخلاف السكن المستأجر.
ثانياً: المزايا غير المالية:
1- المشتري يتخير المناطق ذات المدارس الجيدة، ولا يستطيع المستأجر غالبا ذلك، لأن الأماكن المتاحة للاستئجار تكون في مناطق من مستوى أقل في الأغلب، وفرق المدارس فارق مهم جدا.
2- المشتري يستطيع أن يتخير الأماكن القريبة من المسجد ومن المركز الإسلامي، وكذلك يمكن للمسلمين المالكين أن يتقاربوا بعضهم من بعض، وفي ذلك فوائد معنوية كبيرة، ولا يتيسر ذلك للمستأجرين.
3- جميع الخدمات الحكومية هي أفضل في المناطق المسكونة من قبل مالكيها منها في المناطق المعدة للتأجير.
4- السكن في منزل مملوك فيه عزة وكرامة للساكن، أكثر بكثير من سكان الشقة المستأجرة، وهذا يؤثر على نظرة الآخرين ممن يتعامل معهم الشخص بدءا من معلم المدرسة، وانتهاء بمكان العمل، مارا خلال ذلك حتى بسائق سيارة جمع القمامة.
5- البيئة على العموم أفضل في مناطق المنازل منها في مناطق الشقق، حتى الجرائم هي أقل في الأولى منها في الثانية على العموم.
6- للاستقلال مزايا كثيرة: في أصوات الأطفال والكبار وزائريهم، وحرية الحركة للنساء في البيت، إذ كثيرا ما يمكن لهن الراحة، ووضع الملابس الخارجية، دون أن ينكشفن على الجوار، ومن هذه المزايا: الاستيقاظ للفجر والسحور في رمضان، وجلسات المدارسة والتعليم وغير ذلك، دون أدنى حرج.
الاستفسارات التي تحتاج إلى البحث والدراسة:
1- هل العقود المبرمة مع البنوك في أوروبا وأمريكا لشراء البيوت عقود ربوية محضة، أو هي عقود تقع تحت بيع الأجل لوجود سلعة بين البنك والمقترض (المشتري)؟
2- هل من مقتضى حفظ مال المسلمين شراء العقار من هذه البنوك؟
3- هل من مقتضيات مصلحة المسلمين تملك العقارات بشراء البيوت من البنك الربوي؟
4- عند انتفاء الضرر بشراء البيت عن طريق البنوك الربوية، هل يجوز الاقتراض من هذه البنوك من أجل بيت للسكن للحاجة مع بقاء الحرمة في ظل الاقتصاد العالمي الحالي، ولحين وجود اقتصاد إسلامي مستوعب لحاجة المسلمين، أو هو ضرورة خاصة تقدر بقدرها؟
5- ما هي الحلول الواقعية والبدائل العملية التي تفي بسد حاجة المسلمين من حيث الحصول على السكن الضروري؟
علماء العصر وهذه القضية:
وقد عرض لهذه القضية – قضية التعامل بالفوائد الربوية في المجتمعات غير الإسلامية، أو خارج دار الإسلام بتعبير فقهائنا القدامى، أو في دار الحرب بتعبير آخر - بعض علماء العصر، وأفتى بعضهم بالمنع، وهم الأكثر، وبعضهم بالإجازة.
ومن أقدم علماء العصر الحديث الذين عرضوا لها العلامة السيد محمد رشيد رضا صاحب (المنار) الذي كانت تأتيه الأسئلة من أنحاء العالم، فيجيب عنها في مجلته الشهيرة (المنار). ومنها سؤال عن قضيتنا هذه، جاءه من جاوا في إندونيسيا، يقول:
ما قول السيد البار بالمسلمين، والرشيد الحريص على أحكام رب العالمين، في فتوى بعض العلماء: بجل أموال أهل الحرب فيما عدا السرقة والخيانة ونحوها مما كان برضاهم وعقودهم، فهو حل لنا مهما يكن أصله حتى الربا الصريح؟!
أليست هذه الفتوى وأمثالها الضربة القاضية على جميع ما حرمه الله، والتعدي على الحدود التي لم يستثن منها اضطرارا ولا عذرا لفاعل؟ كالشرك والكفر بغير إكراه، والقتل عمدا إلى آخره.
وأجاب السيد رشيد بقوله: أصل الشريعة الإسلامية أن أموال أهل الحرب مباحة لمن غلب عليها وأحرزها بأي صفة كان الإحراز، إلا أن الفقهاء خصصوا هذا العموم بما ورد في الشريعة من التشديد في تحريم الخيانة، فقالوا: إن المسلم لا يكون خائنا في حالة من الأحوال، فإذا ائتمنه أي إنسان وإن كان حربيا على مال وجب عليه حفظ الأمانة وحرمت عليه الخيانة، فإذا كان الأصل في مال الحربي أنه غنيمة لمن غنمه بالقهر أو بالحيلة أو بكل وسيلة ما عدا الخيانة، أفلا يكون حله أولى إذا أخذه المسلم برضاه، ولو بصورة العقود الباطلة في دار الإسلام بين المسلمين والخاضعين لحكمهم من غيرهم؟ إنه لم يظهر لي أدنى وجه لقياس حل سائر المحرمات كالكفر والخمر والميتة، وهي من المحرمات لذاتها في دار الإسلام ودار الحرب على مال الحربيين المباح في أصل الشريعة، إذ الأصل في القياس أن يلحق الشيء بمثله في علة الحكم لا بضده.
لولا كتاب خاص شرح لنا فيه صديقنا السائل سبب سؤاله لما فهمنا قوله فيه: إن تلك الفتوى ضربة قاضية على جميع ما حرمه الله تعالى. فقد كتب إلينا أن بعض المستمسكين بحب الدين في جاوا قد استنكروا الفتوى المسئول عنها لأنهم فهموا منها أن استحلال الربا في دار الحرب يفضي إلى استحلال سائر المعاصي كالزنى واللواط والقتل وغير ذلك فيها أو مطلقا. وهذا سوء فهم منهم، فإن الفتوى ليست في استحلال الربا مطلقا كما تقدم. ولا يخفي على أحد منهم أن حرمة سفك الدم بغير حق أشد من حرمة أخذ المال بغير حق، فهل يقيسون إذا إباحة قتل المحارب على إباحة قتل المسالم من مسلم وذمي ومعاهد؟ ولدار الحرب أحكام أخرى تخالف أحكام دار الإسلام منها عدم إقامة الحدود فيها.
ونقول لهم من جهة أخرى: إذا أقام المسلم في دار الإسلام فهل يدّعون أن الله تعالى يأمره بأن يدفع لأهلها كل ما يوجبه قانون حكومتها من مال الربا وغيره – ولا مندوحة له عن ذلك – ويحرم عليه أن يأخذ منهم ما يعطونه إياه بحكم ذلك القانون من ربا وغيره برضاهم واختيارهم؟ أعني هل يعتقدون أن الله تعالى يوجب على المسلم أن يكون عليه الغرم من حيث يكون لغيره الغنم، أي يوجب عليه أن يكون مظلوما مغبوناً؟.
فتوى مجمع الفقه الإسلامي الدولي:
جاء في قرار المجمع 23 (11/3)
في معرض الإجابة عن استفسارات المعهد العالمي للفكر الإسلامي ما يلي:
السؤال الثامن والعشرون:
ما حكم شراء منزل السكنى وسيارة الاستعمال الشخصي وأثاث المنزل بواسطة قروض من البنوك والمؤسسات التي تفرض ربحا محددا على تلك القروض لقاء رهن الأصول، علما بأنه في حالة البيوت والسيارات والأثاث عموما، يعتبر البديل عن البيع هو الإيجار بقسط شهري يزيد في الغالب على قسط الشراء الذي تستوفيه البنوك؟
الجواب: لا يجوز شرعا
وقد كان المجمع أحال أسئلة المعهد العالمي للفكر الإسلامي إلى عدد محدود من العلماء، أجابوا فيها، واكتفت إدارة المجمع بهذه الإجابات الموجزة، ولم يحل الموضوعات إلى الدراسة والمناقشة، كسائر القضايا الأخرى التي كثيرا ما تشبع بحثا.
فتوى اللجنة العامة بالكويت:
وهناك فتاوي أقرب عهدا من الشيخ رشيد، تجيز هذا التعامل، مثل فتوى الكويت. هذه الفتاوى صدرت من الهيئة العامة للفتوى في الكويت (لجنة الأمور العامة) جوابا على استفسار قدمه أحد الأساتذة العاملين في مجال الدعوة في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد طوى اسمه من الفتوى حسب المنبع عند تقديم صورة منها لغير السائل، وتاريخ الفتوى 15 شوال 1405هِ الموافق 02-07-1985، وقد تم الحصول على صورة منها مصادق عليها من مدير مكتب الإفتاء، وفيما يلي نصها:
نص فتوى الهيئة العامة للفتوى بالكويت:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
فقد حضر إلى لجنة الأمور العامة في الهيئة العامة للفتوى في جلستها المنعقدة صباح يوم الخميس 25 رمضان 1405هِ الموافق 13-06-1985م (س) وقدم الاستفتاء الآتي:
"ما الحكم الشرعي في شراء بيت في أمريكا بقرض من البنك يجر فائدة؟
والمعلوم في هذه المسألة أن المشتري يخصم له من حساب الضرائب بنسبة ما يتحمل من الفائدة، ولأعط لذلك مثلا: فأنا قد اشتريت بيتا في شهر يونيو 1985 بمبلغ (280) ألف دولار، على أن يدفع سنويا مبلغ 45 ألف دولار وفاء لثمن البيت وسداد فوائد القرض، وأنا يترتب على مبلغ 40 ألف دولار للضريبة الاتحادية. ولكن بما أنني اشتريت البيت بقرض من البنك فإن الواجب دفعه عليّ هو ما بين خمسة وسبعة (5 – 7) آلاف دولار وحسب، ولأن الربا يخصم لي من قسط البيت.
فهل يجوز لي أن أشتري البيت في أمريكا بمثل هذا القرض؟
وأقدم إليكم هذه الملحوظات بصدد ذلك:
1- إن عامة البيوت المستأجرة قد اشتريت بقرض من البنك.
2- إذا كان المستأجر ذا أسرة صغيرة يسعه أن يستأجر شقة اليوم، فإنه لا يسعه أن يجد ذلك لو كان ذا أسرة كبيرة. وهو يضطر لشراء بيت آنذاك بأن يقترض من البنك وإلا فقد يلقي بأسرته في أحضان الشارع.
أجابت اللجنة "إن الظروف والملابسات المحيطة بهذه القضية بالنسبة للمسلمين المتواجدين في تلك البلاد، وفي غيبة البدائل المشروعة من قبل مؤسسة مالية تبيع بالأقساط، تجعل هناك شبه ضرورة، وهو ما يسميه الفقهاء (الحاجة العامة التي تنزل منزل الضرورة)، ولذلك ترى اللجنة بأنه يجوز الإقدام على شراء البيت في أمريكا بقرض من البنك يجر فائدة في هذه الظروف، بسبب الحاجة العامة المنزلة منزلة الضرورة، وذلك إلى أن تتحقق البدائل المشروعة، ويجب السعي الحثيث لنجاح المشاريع المطروحة للبدائل المشروعة والله أعلم.
هذه فتوى اللجنة العلمية الكويتية، وهي مكونة من عدد من العلماء الذين لا يمكن لأحد أن يشكك في علمهم أو دينهم، وقد أسسوا فتواهم على قاعدة فقهية معروفة ومقررة لدى أهل العلم من المذاهب المختلفة، وقد ذكرها السيوطي الشافعي، وابن نجيم الحنفي، كلاهما في كتابه (الأشباه والنظائر) وهي قاعدة: (الحاجة تتنزل منزلة الضرورة). أي تنزل منزلتها في إباحة المحظور بها، وإباحة المحظورات بسبب الضرورات متفق عليه، وهو معلوم بنص القرآن الصريح عليه، في خمس آيات من كتاب الله تعالى، كما قال تعالى: "وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه" ]الأنعام: 119[.
وإنما جعل العلماء الحاجة ملحقة بالضرورة لأحاديث ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثل إباحته لبعض أصحابه لبس الحرير بعدما حرمه على الرجال، لحكة أصابتهم فقدر هذه الحاجة وأباح لهم ما حرمه على غيرهم.
وكذلك نهاهم عن الجلوس في الطرقات، فقالوا: يا رسول الله إنما هي مجالسنا ما لنا منها بد، فقدر حاجتهم تلك، وأجاز لهم الجلوس بشروط وضوابط، خلاصتها: أن يعطوا الطريق حقه.
فتوى العلامة مصطفى الزرقا:
ومن الفتاوي المجيزة لهذا التعامل: فتوى العلامة الشيخ مصطفى الزرقا.
وقد سمعت فتواه شخصيا منه شفاها، عندما لقيته في أمريكا في السبعينيات من القرن العشرين، وكنت مخالفا له في ذلك الوقت. ثم سجل ذلك في (فتاواه) التي شرفني بتقديمها.
وقد أسس الشيخ – رحمه الله – هذه الفتوى، اعتمادا على المفتى به في المذهب الحنفي، وهو رأي الإمام الأعظم أبي حنيفة وصاحبه محمد، خلافا لأبي يوسف. وقد أشار الشيخ منصفا إلى أنه خلاف ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، ولكنه رأى في مذهب معتبر، وقد دعت الحاجة إلى الإفتاء به.
وقد تعرض العلامة الشيخ الزرقا – رحمه الله – لهذه القضية في خمس فتاوى له نشرت في (فتاواه) من ص614 إلى ص626، وأجاب عددا من الإخوة الأفاضل الذين سألوه عن الموضوع وهم: الصابوني، والكيلاني والرفاعي ورشاد خليل، وأناس آخرون من المقيمين في أمريكا وكندا لم يذكر أسماءهم.
ونختار هنا الفتوى الصادرة في 04-06-1418هِ، الموافق 05-10-1997م - وهي آخر الفتاوي المنشورة في كتابه – لأنها الأشمل في عرض القضية، وشرح وجوه الاستدلال على حكمها.
نص فتوى الشيخ الزرقا:
"قد كثر السؤال والاستفتاء من المسلمين المقيمين في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا عن حكم الاقتراض هناك من البنوك بفائدة ربوية لأجل شراء بيت للسكني، ثم وفاء مبلغ القرض وفوائده مقسطا لمدة طويلة، كعشرين أو خمس وعشرين سنة؟ على أن يملك البيت بعد وفاء القرض. وبذلك يحلون مشكلة السكنى بكلفة أقل مما لو أرادوا أن يستأجروا استئجارا.
فالإنسان هناك لأجل سكناه إما أن يشتري بيتا بثمن من عنده، وهذا نادر لغلاء البيوت، وإما أن يستأجر، وأجور البيوت باهظة، وإما أن يقترض من البنك بفائدة ربوية ثمن البيت، ويقسط الوفاء على مدة طويلة – كما ذكرنا – يملك البيت في نهايتها بعد الوفاء. والمعتاد في هذه الحالة أن قسط وفاء القرض وفائدته للبنك يكون أقل من بدل الإيجار لو استأجر، ومع ذلك يملك البيت في النهاية.
وبعد التأمل ومراجعة النصوص، وجدت أن مذهب الإمام أبي حنيفة وصاحبه الإمام محمد بن الحسن في المسلم إذا دخل دار الحرب – أي بلادا غير إسلامية – مستأمنا بأمان منهم، يقتضي جواز هذا الاقتراض بفائدة ربوية للمسلم المقيم هناك لأجل شراء بيت لسكناه، إذا كان الواقع هناك كما هو مبين في الصورة.
فإن مذهب أبي حنيفة وصاحبه الإمام محمد: أن من دخل دار الحرب مستأمنا، أي بإذن منهم، يحل له من أموالهم ما يبذلونه له برضاهم دون خيانة منه، ولو كان بسبب محرم في الإسلام كالربا بأن يأخذه منهم، ولكن لا يعطيهم الربا. لأن أموال الحربيين عنده في دارهم غير معصومة، لكنه دخل مستأمنا، فلا يجوز له أخذ شيء منها دون رضاهم.
لكن منعه من إعطائهم الربا إنما هو لتوفير مال المسلمين عنهم. فإذا انعكست الآية في بعض الأحوال، وصار أخذ القرض منهم، وإعطاؤهم الربا أوفر لمال المسلمين، كما في الصورة المسئول عنها – لما دخل في الموضوع شراء البيت ثم امتلاكه في نهاية الوفاء – يجب أن ينعكس الحكم، لأن الحكم يدور مع علته ثبوتا وانتفاء، حيث أصبح القرض مع فائدته أوفر لمال المسلم، من الاستئجار الذي يخرج به المستأجر في النهاية صفر اليدين لم يملك شيئا، وبقي البيت لصاحبه المؤجر:
لذلك فالعبرة للنتيجة في الحالتين أيهما أوفر لمال المسلم في دار الحرب، ولا شك أن طريقة الاقتراض من البنك الربوي بفائدة هي الأوفر لماله بمقتضى مذهب أبي حنيفة وعلته، فيكون ذلك جائزا، ولا سيما في حق العاجز عن شراء البيت من ماله.
هذا بقطع النظر عن الضرائب التي توفرها حالة القرض من البنك لأن الشراء من ماله أو الاستئجار يترتب فيهما ضرائب عالية على المشتري والمستأجر هناك.
وليس المراد بدار الحرب في اصطلاح الحنفية أن يكونوا في حالة حرب قائمة بينهم وبين المسلمين، بل المراد بدار الحرب أنها غير إسلامية، بل مستقلة غير داخلة تحت سلطة الإسلام.
وفي فتوى أخرى أضاف الشيخ العلامة رحمه الله هذه العبارة:
(أما من يقولون لكم من رجال العصر: إن الفوائد المصرفية ليست ربا، فهذا ليس فقط كلاما فارغا وجهلا، بل هو ضلال وتضليل، فإن الفوائد المصرفية هي عين الربا المحرم لا شبهة فيها).
وقفات مع فتوى الشيخ الزرقا:
وأود أن أعقب على فتوى شيخنا الزرقا – عليه رحمة الله – أو بعبارة أخرى – أقف معها وقفات مهمة:
رجوعي إلى موافقة الزرقا:
الوقفة الأولى: هي رجوعي إلى مواقفة الشيخ الزرقا في فتواه، بعد أن كنت من قبل ربع قرن، مخالفا له، بل من أشد المعارضين له، وقد ظللت على ذلك نحو عشرين سنة أفتي بتحريم هذه المعاملة، وأشدد في ذلك، بناء على ما لاح لي في ذلك وقتها.
ولا حرج على العالم المسلم أن يغير اجتهاده، وينتقل من رأي إلى آخر، فهذا هو شأن البشر غير المعصومين. وقد رأينا إماما مثل محمد بن إدريس الشافعي يغير رأيه ومذهبه في كثير من المسائل، بعد أن استقر به المقام في مصر، ورأى فيها ما لم يكن قد رأى، وسمع ما لم يكن قد سمع، ولا سيما أنه بلغ غاية النضج في الفكر والتبحر في العلم. فأصبحنا نقرأ في مذهبه: قال الشافعي في القديم، وقال الشافعي في الجديد، ولا ننكر شيئا من ذلك.
كما رأينا كثير من الأئمة تروى عنهم عدة أقوال أو عدة روايات في المسألة الواحدة، مثل الإمامين مالك وأحمد، وخصوصا الإمام أحمد، الذي قد تروى عنه سبع روايات أو عشر روايات في المسألة الواحدة.
وهذا يعطي العالم سعة في تغيير رأيه إذا تغير اجتهاده، على ألا يكون ذلك من أجل دنيا يريدها، أو بشر يريد إرضاءهم، على حساب رضا الله تبارك وتعالى، فيبيع دينه بدنياه، أو بدنيا غيره، وهذا أخسر الناس. ونعوذ بالله أن نكون منهم. ونسأله تعالى أن يرزقنا الإخلاص فيما نقول وفيما نعمل.
وفي عصرنا رأينا بعض المجامع الفقهية تتخذ قرارا تفتي فيه برأي ثم ترجع عنه، وتفتي بغيره، كما فعل المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي. حيث أفتى في إحدى دوراته بجواز استخدام ببيضة إحدى الزوجتين لرجل واحد، لتوضع في رحم الزوجة الأخرى، إذا كان في الأولى مانع يحول دون وضع البيضة في رحمها، ربما لعدم وجود رحم لها، أو لآفة فيه تمنع ذلك.
وفي الدورة التالية رجع المجمع عن ذلك ومنع هذه الصورة، لما يترتب على الفتوى السابقة من ضياع معنى الأمومة بين الزوجتين، فهل الأم هي صاحبة البيضة التي تحمل الجينات وعوامل الوراثة، أو هي صاحبة الرحم التي تحمل وتتوحم وتعاني الآلام طوال تسعة أشهر "حملته أمه كرها ووضعته كُرهاً" ]الأحقاف: 15[ وكان رجوع المجمع بإجماع أعضائه.
وفي مجمع الفقه الإسلامي الدولي، نراه قد اتخذ قرارا في إحدى دوراته بعدم اعتبار التضخم، ووجوب الوفاء بالديون القديمة من النقود الورقية بمثلها وعددها، وإن انخفضت قيمتها مئات المرات أو ألوفها، كما في الليرة اللبنانية، والدينار العراقي، والجنية السوداني، والليرة التركية.
وقد قررت إدارة المجمع وأمانته العامة عقد ندوات متخصصة للبحث في الموضوع كما قررت إعادة بحثه في الدورة الثانية عشرة المنعقدة في الرياض، وأظنها أجلت البت فيه إلى دورة أخرى.
وقد غيرت لجنة الفتوى بالأزهر فتواها في بعض القضايا، لأسباب ومقتضيات شتى.
فلا عجب إذن أن يتغير رأي العالم الفرد في بعض القضايا، وقد أفتى سيدنا عمر – رضي الله عنه – في بعض القضايا برأي، وبعد مدة قضى برأي آخر، وقال في ذلك: هذا على ما علمنا، وذاك على ما علمنا.
وفي رسالته لأبي موسى يقول: لا يمنعك قضاء قضيت فيه اليوم، فراجعت فيه رأيك وهديت فيه لرشدك، أن تراجع فيه الحق، فإن الحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل.
وقد أسأل نفسي: لماذا تَرَجَّح القول الآخر لدي الآن، وقد كان أمامي منذ زمن طويل؟
وأقول: لعل الإنسان في شيخوخته يكون أكثر إشفاقاً على خلق الله تعالى، وأكثر رغبة في التيسير عليهم، وإيجاد المخارج لهم من مآزق حياتهم.
أو لعل الإنسان بعد النضج يكون أكثر شجاعة في بتني الرخص والتخفيفات، والإعلان عنها، ولا يخاف عواقبها، بعد أن أصبح قريبا من لقاء الله تعالى.
أيا كان السبب، فهذا هو الرأي الذي اقتنعت به، وانتهى إليه اجتهادي، ولا يسع العالم المسلم أن يخون أمانة العلم، ويفتي الناس بعكس ما يقتنع به، بل المطلوب منه شرعا ألا يكتم ذلك عن الناس، وإلا كان آثماً، وخصوصاً إذا كان فيه تيسير عليهم، ورفع للحرج عنهم.
لم ينفرد أبو حنيفة وصاحباه بهذا الرأي:
الوقفة الثانية مع فتوى الشيخ الزرقا، هي: التنويه بأن الإمامين أبا حنيفة وصاحبه محمد لم ينفردا بهذا الرأي، بل قد وافقهما في ذلك بعض الأئمة الكبار أيضا. وحسبنا من هؤلاء الكبار: إبراهيم النخعي، وهو من فقهاء التابعين، ووارث علم المدرسة المسعودية بالكوفة، وسفيان الثوري، وهو أحد الأئمة المتبوعين في الفقه، وأمير المؤمنين في الحديث، وأحد أئمة الورع والزهد أيضاً.
فقد روى الإمام أبو جعفر الطحاوي في كتابه (مشكل الآثار) بسنده عن إبراهيم، قال: "لا بأس بالدينار بالدينارين، في دار الحرب، بين المسلمين وأهل الحرب" فلأبي حنيفة سلف من التابعين.
وروى بسنده عن سفيان، مثل ذلك.
وقد نقل العلامة الهندي الحنفي ظفر أحمد العثماني صاحب (إعلاء السنن) في كتابه عن عمرو بن العاص ما يدل على أن المعاملات الفاسدة بين المسلمين، تجوز في دار الحرب بين المسلمين وأهل الحرب، بل في (دار الموادعة) أيضاً. وقد نقل عن السرخسي: أن الدار بالموادعة، لا تصير دار إسلام، بل هي دار الحرب، كما كانت قبل الموادعة.
ونقل عن الإمام الليث بن سعد، قال: إنما الصلح بيننا وبين (النُّوبة) على ألا نقاتلهم ولا يقاتلوننا، وأنهم يعطوننا رقيقا، ونعطيهم طعاما، وإن باعوا أبناءهم ونساءهم، لم أر بأسا على الناس أن يشتروا منهم".
قال الليث: وكان يحيى بن سعيد الأنصاري لا يرى بذلك بأسا.
وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فأكثرهم يرون أن البيع باطل، ومن أجازه فإنما لأنه في غير دار الإسلام، وقد أجازوه بينهم.
قال الإمام أبو عبيد في (الأموال) معلقا على رأي الليث ويحيى بن سعيد: وكذلك كان رأي الأوزاعي، (أي في دار الموادعة) قال: لا بأس به، لأن أحكامنا لا تجري عليهم، وأما سفيان وأهل العراق يكرهون ذلك: قال: وهو أحب القولين إليّ، لأن الموادعة أمانة، فكيف يسترقون؟".
قال صاحب (إعلاء السنن): هذا – إذا كانوا لا يرون جواز هذا البيع – مسلَّم، وأما إذا كانوا يرون جوازه، فلا يفضى إلى غدر، ولا نقض الأمان.
وبهذا نرى أن هناك عددا من الأئمة ينظرون إلى دار الحرب – ومنها دار الموادعة – غير نظرته لدار الإسلام، ويجيزون فيها من ألوان التعامل ما لا يجوز في دار الإسلام، إذا رضيه أهلها وأجازوه بينهم، بحيث لا يكون منا غدر بهم ولا خيانة لهم.
وأود أن أبين هنا: أني لا أجيز بحال أن يبيع الإنسان أولاده، لا في دار الحرب ولا في دار الإسلام، وإنما أردنا من نقل أقوال هؤلاء الفقهاء تقرير المبدأ، وهو اختلاف الحكم في دار الإسلام عن غيرها، وأنه قد يجوز في غيرها من التعامل مالا يجوز فيها.
تفسير الزرقا لإعطاء الربا بدلا من أخذه:
والوقفة الثالثة: مع فتوى العلامة الزرقا: تتعلق بتفسيره لمذهب الأحناف الذين قالو بجواز أخذ الربا خارج دار الإسلام، ولم يقولوا بإعطائه. وأنا أؤيد تماما تفسير الشيخ الزرقا بأن الإعطاء هنا يحقق مقصودهم بجواز الأخذ، لأن العبرة بما يحقق مصلحة المسلم.
ووقفتي هنا إنما هي لأذكر للشيخ الزرقا: أن متقدمي أئمة الأحناف لم ينصوا في حكمهم بالتعامل بالربا على أخذ ولا إعطاء، بل أطلقوا القول في ذلك، وربما نصوا في بعض المصادر على عكسه. وإنما قيده المتأخرون منهم، لاعتقادهم بأن الإعطاء للفائدة الربوية، لا مصلحة فيه للمعطي بحال، إنما المقصود من ذلك هو الأخذ دائماً.
والدليل على ما أقول: ما ذكره الإمام محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة من الاستدلال على هذه القضية، مما وقع لبني النضير من اليهود.
فقد احتج محمد في (السير الكبير) بحديث بني النضير حين أجلاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إن لنا ديونا على الناس لم تحلّ بعد، فقال: "ضعوا وتعجلوا" مستدلا بهذا الحديث على جواز الربا بين المسلم والحربي في دار الحرب، لأن ديونهم كانت على المسلمين. وقال: وإنما جوز ذلك، لأنهم كانوا أهل حرب (ودارهم دار حرب وقد حاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في حصنهم) فعرفنا أن مثل هذه المعاملة تجوز بين المسلم والحربي، وإن كان لا يجوز بين المسلمين في دارنا، اهِ. ثم فرع عليه أن مسلما لو دخل إلى هؤلاء بأمان، وبايعهم متاعا إلى أجل معلوم، ثم صالحهم على أن يعجلوا ويضع عنهم البعض، فذلك جائز، لأن حرمة هذا التصرف في دار الإسلام لمعنى الربا، من حيث إن فيه مبادلة. كذا في (شرح السير) (3/228، 229).
قال الشيخ ظفر العثماني:
ورد به بعض الأحباب على ابن الهمام قوله: في "الفتح": إنه قد ألزم أصحاب الدرس أن مرادهم من حل الربا والقمار ما إذا حصلت الزيادة للمسلم، نظرا إلى العلة، وإن كان إطلاق الجواب خلافه اهِ، فقال بعد نقله عبارة "شرح السير" المذكورة: انظر كيف جوز هذه المعاملة مع كون الزيادة فيها للحربي؟ وعلله بجواز الربا بين الحربي والمسلم، فظهر منه صراحة أن قولهم بجواز هذه المعاملة غير مشروط بما إذا حصلت الزيادة للمسلم، بل هو عام، اهِ.
وعلق على ذلك العلامة ظفر أحمد العثماني في كتابه (إعلاء السنن) بقوله: قلت: لا نسلم كون الزيادة فيها للحربي، لأن المعجل خير من المؤجل، وقد أشار إليه بقوله: إن فيه مبادلة الأجل بالدراهم (وهو الربا بعينه) فلم تكن الزيادة للحربي بل للمسلم، أو يكونان قد استويا، نعم، في هذه العبارة دليل على جواز المعاملات الفاسدة في دار الحرب بين المسلم والحربي، خلاف ما ادعاه بعض الأحباب من حرمة مباشرة العقد على المسلم، وحل المال له، فإن قوله: فذلك جائز، وقوله: فيجوز هذه المعاملة، صريح في جواز مباشرة العقد مفسر في معناه. وقد مر عن المبسوط قوله: ويستوي إن كان المسلم أخذ الدرهمين بالدراهم أو الدرهم بالدرهمين، لأنه طيب نفس الكافر بما أعطاه، قل ذلك أو أكثر، وأخذ ماله بطريق الإباحة كما قررنا، اهِ. (14/59)، فكان على بعض الأحباب رده على ابن الهمام بذلك، لا بعبارة "شرح السيرة" التي ذكرها، وليس معنى كلام "المبسوط" أنه يجوز للمسلم أن يعطي الحربي الكثير بالقليل مطلقا، ولو براً، وإحساناً، بل معناه جواز ذلك، إذا كان له فيه منفعة، كأن يأخذ درهما بدرهمين إلى أجل، أو يأخذ درهما جيدا برديئين ونحو ذلك، لأن وضع المسألة إنما هو في البيع على المماكسة دون المسامحة، فجواز مبادلة الكثير بالقليل في البيع لا يكون من باب الإحسان، كما توهمه بعض الأحباب، وأطال في ذلك بما لا طائل تحته من القيل والقال.
المذهب الحنفي مذهب معتبر لدى الأمة:
وأود أن أضيف هنا أمرا مهما، هو معلوم ومقرر من غير شك، وهو: أن المذهب الحنفي مذهب معتبر لدى الأمة، وهو أحد المذاهب الكبرى المتبوعة، بل هو أكثرها انتشارا بين المسلمين، وخصوصا لدى غير العرب: في الهند وباكستان، وبنجلاديش، وأفغانستان، والجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى، وتركيا والبوسنة وكوسوفو وألبانيا وغيرها.
وقد حكمت به دولتان كبريان من الدول التي حكمت المسلمين: دولة بني العباس، ودولة بني عثمان.
وقنن فقه المدني في (مجلة الأحكام العدلية) التي ظلت أحكامها سائدة في عدد من الأقطار العربية والإسلامية إلى عهد قريب.
فمن أخذ باجتهاد هذا المذهب مرجحا له، مقتنعا به، فهذا حقه، بل هذا واجبه، ولم يحد عن سوءا الصراط، ولا جناح عليه.
ومن كان يجيز التقليد بإطلاق، كما هو شأن أكثر المتأخرين، فهذا من المذاهب التي يسوغ تقليدها، وقد خدمه علماء كبار في شتى الأقطار.
ولا يتسع المجال هنا لتفصيل أدلة الحنفية على مذهبهم، وموقف خصومهم منها، فالمجال لا يتسع لذلك هنا.
وقد ذكرنا أن أبا حنيفة وصاحبه محمدا لم ينفردا بهذا القول، بل شاركهما غيرهما من كبار الأئمة، وحسبنا منهم الإمامان إبراهيم النخعي وسفيان الثوري.
وقد قال مولانا ظفر أحمد العثماني في (إعلاء السنن):
وبالجملة: فقول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن في هذا الباب أقوى ما يكون رواية ودراية، وليس مبناه على مرسل مكحول وحده، كما هو ظن الأكثرين من العلماء والمصنفين، بل له على ذلك دلائل عديدة قوية، واضحة الدلالة على صحة ما قاله، وله سلف فيه من إبراهيم النخعي في جواز الربا في دار الحرب، ومن ابن عباس – رضي الله عنهما – في جواز الربا بين العبد وسيده، ووافقه على كل ذلك سفيان الثوري، ولولا ثبوت ذلك بالآثار، وأقوال الصحابة والتابعين لما وافقه سفيان على مثل هذا القول أبدا.
فتوى المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث:
ومن هذه الفتاوي: فتوى جماعية مهمة صدرت من (المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث) في دورته الرابعة المنعقدة في مدينة (دابلن) بجمهورية أيرلندا في شهر رجب 1420هِ الموافق أكتوبر سنة 1999م وهذا نصها:
نظر المجلس في القضية التي عمت بها البلوى في أوروبا وفي بلاد الغرب كلها، وهي قضية المنازل التي تشتري بقرض ربوي بواسطة البنوك التقليدية.
وقد قدمت إلى المجلس عدة أوراق في الموضوع ما بين مؤيد ومعارض، قرئت على المجلس، ثم ناقشها جميع الأعضاء مناقشة مستفيضة، انتهى بعدها بأغلبية أعضائه إلى ما يلي:
1- يؤكد المجلس على ما اجتمعت عليه الأمة من حرمة الربا، وأنه من السبع الموبقات، ومن الكبائر التي تؤذن بحرب من الله ورسوله، ويؤكد ما قررته المجامع الفقهية الإسلامية من أن فوائد البنوك هي الربا الحرام.
2- يناشد المجلس أبناء المسلمين في الغرب أن يجتهدوا في إيجاد البدائل الشرعية، التي لا شبهة فيها، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، مثل (بيع المرابحة) الذي تستخدمه البنوك الإسلامية، ومثل تأسيس شركات إسلامية تنشئ مثل هذه البيوت بشروط ميسرة مقدورة لجمهور المسلمين، وغير ذلك.
3- كما يدعو التجمعات الإسلامية في أوروبا أن تفاوض البنوك الأوروبية التقليدية، لتحويل هذه المعاملة إلى صيغة مقبولة شرعا، مثل (بيع التقسيط) الذي يزاد فيه الثمن مقابل الزيادة في الأجل، فإن هذا سيجلب لهم عددا كبيرا من المسلمين يتعامل معهم على أساس هذه الطريقة، وهو ما يجري به العمل في بعض الأقطار الأوروبية، وقد رأينا عددا من البنوك الغربية الكبرى تفتح فروعا لها في بلادنا العربية تتعامل وفق الشريعة الإسلامية، كما في البحرين وغيرها.
ويمكن للمجلس أن يساعد في ذلك بإرسال نداء إلى هذه البنوك، لتعديل سلوكها مع المسلمين.
4- وإذا لم يكن هذا ولا ذاك ميسرا في الوقت الحاضر، فإن المجلس في ضوء الأدلة والقواعد والاعتبارات الشرعية، لا يرى بأسا من اللجوء إلى هذه الوسيلة، وهي القرض الربوي لشراء بيت يحتاج إليه المسلم لسكناه هو وأسرته، بشرط ألا يكون لديه بيت آخر يغنيه، وأن يكون هو مسكنه الأساسي، وألا يكون عنده من فائض المال ما يمكنه من شرائه بغير هذه الوسيلة، وقد اعتمد المجلس في فتواه على مرتكزين أساسيين:
المركز الأول:
قاعدة (الضرورات تبيح المحظورات): وهي قاعدة متفق عليها، مأخوذة من نصوص القرآن في خمسة مواضع، منها قوله تعالى في سورة الأنعام: "وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه" ]الآية: 119[، ومنها قوله تعالى في نفس السورة بعد ذكر محرمات الأطعمة: "فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فإن ربك غفورñ رحيم" ]الآية: 145[، ومما قرره الفقهاء هنا أن الحاجة قد تنزل منزلة الضرورة، خاصة كانت أو عامة.
والحاجة هي التي إذا لم تتحقق يكون المسلم في حرج وإن كان يستطيع أن يعيش، بخلاف الضرورة التي لا يستطيع أن يعيش بدونها، والله تعالى رفع الحرج عن هذه الأمة بنصوص القرآن كما في قوله تعالى في سورة الحج: "وما جعل عليكم في الدين من حرجٍ" ]الآية: 78[، وفي سورة المائدة: "ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج" ]الآية: 06[.
والمسكن الذي يدفع عن المسلم الحرج هو المسكن المناسب له في موقعه وفي سعته وفي مرافقه، بحيث يكون سكنا حقاً.
وإذا كان المجلس قد اعتمد على قاعدة الضرورة أو الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة، فإنه لم ينس القاعدة الأخرى الضابطة والمكملة لها، وهي أن ما أبيح للضرورة، يقدر بقدرها، فلم يجز تملك البيوت للتجارة ونحوها.
والمسكن ولا شك ضرورة للفرد المسلم وللأسرة المسلمة، وقد امتن الله بذلك على عباده حين قال: "والله جعل لكم من بيوتكم سكناً" ]النحل: 80[، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم المسكن الواسع عنصرا من عناصر السعادة الأربعة أو الثلاثة، والمسكن المستأجر لا يلبي كل حاجة المسلم، ولا يشعره بالأمان، وإن كان يكلف المسلم كثيرا بما يدفعه لغير المسلم، ويظل سنوات يدفع أجرته ولا يملك منه حجرا واحدا، ومع هذا يظل المسلم عرضة للطرد من هذا المسكن إذا كثر عياله أو كثر ضيوفه، كما أنه إذا كبرت سنه أو قل دخله أو انقطع، يصبح عرضة لأن يرمى به في الطريق.
وتملك المسكن يكفي المسلم هذا الهم، كما أنه يمكنه أن يختار المسكن قريبا من المسجد والمركز الإسلامي، والمدرسة الإسلامية، ويهيئ فرصة للمجموعة المسلمة أن تتقارب في مساكنها عسى أن تنشئ لها مجتمعا إسلاميا صغيرا داخل المجتمع الكبير، فيتعارف فيه أبناؤهم، وتقوي روابطهم، ويتعاونون على العيش في ظل مفاهيم الإسلام وقيمه العليا.
كما أن هذا يمكن المسلم من إعداد بيته وترتيبه بما يلبي حاجته الدينية والاجتماعية، ما دام مملوكا له.
وهناك إلى جانب هذه الحاجة الفردية لكل مسلم، الحاجة العامة لجماعة المسلمين الذين يعيشون أقلية خارج دار الإسلام، هي تتمثل في تحسين أحوالهم المعيشية، حتى يرتفع مستواهم، ويكونوا أهلا للانتماء إلى خير أمة أخرجت للناس، ويغدوا صورة مشرقة للإسلام أمام غير المسلمين، كما تتمثل في أن يتحرروا من الضغوط الاقتصادية عليهم، ليقوموا بواجب الدعوة ويساهموا في بناء المجتمع العام، وهذا يقتضي ألا يظل المسلم يكد طوال عمره من أجل دفع قيمة إيجار بيته ونفقات عيشه، ولا يجد فرصة لخدمة مجتمعه، أو نشر دعوته.
المرتكز الثاني: (وهو مكمل للمرتكز الأول الأساسي):
هو ما ذهب إليه أبو حنيفة وصاحبه محمد بن الحسن الشيباني – وهو المفتي به في المذهب الحنفي – وكذلك سفيان الثوري وإبراهيم النخعي، وهو رواية عن أحمد بن حنبل، ورجحها ابن تيمية – فيما ذكره بعض الحنابلة – من جواز التعامل بالربا – وغيره من العقود الفاسدة – بين المسلمين وغيرهم في غير دار الإسلام.
1- أن المسلم غير مكلف شرعا أن يقيم أحكام الشرع المدنية والمالية والسياسية ونحوها مما يتعلق بالنظام العام في مجتمع لا يؤمن بالإسلام، لأن هذا ليس في وسعه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وتحريم الربا هو من هذه الأحكام التي تتعلق بهوية المجتمع، وفلسفة الدولة، واتجاهها الاجتماعي والاقتصادي.
وإنما يطالب المسلم بإقامة الأحكام التي تخصه فردا، مثل أحكام العبادات، وأحكام المطعومات والمشروبات والملبوسات وما يتعلق بالزواج والطلاق والرجعة والعدة والميراث وغيرها من الأحوال الشخصية، بحيث لو ضيق عليه في هذه الأمور، ولم يستطعى بحال إقامة دينه فيها لوجب عليه أن يهاجر إلى أرض الله الواسعة ما وجد إلى ذلك سبيلا.
2- أن المسلم إذا لم يتعامل بهذه العقود الفاسدة – ومنها عقد الربا – في دار القوم، سيؤدي ذلك بالمسلم إلى أن يكون التزامه بالإسلام سببا لضعفه اقتصاديا، وخسارته ماليا، والمفروض أن الإسلام يقوي المسلم ولا يضعفه، ويزيده ولا ينقصه، وينفعه ولا يضره، وقد احتج بعض علماء السلف على جواز توريث المسلم من غير المسلم بحديث: "الإسلام يزيد ولا ينقص" أي يزيد المسلم ولا ينقصه، ومثله حديث "الإسلام يعلو ولا يعلى" وهو إذا لم يتعامل بهذه العقود التي يتراطونها بينهم، سيضطر إلى أن يعطي ما يطلب منه، ولا يأخذ مقابله، فهو ينفذ هذه القوانين والعقود فيما يكون عليه من مغارم، ولا ينفذها فيما يكون له من مغانم، فعليه الغرم دائما وليس له الغنم، وبهذا يظل المسلم أبدا مظلوما ماليا، بسبب التزامه بالإسلام، والإسلام لا يقصد أبدا إلى أن يظلم المسلم بالتزامه، وأن يتركه – في غير دار الإسلام – لغير المسلم، يمتصه ويستفيد منه، في حين يحرم على المسلم أن ينتفع من معاملة غير المسلم في المقابل في ضوء العقود السائدة، والمعترف بها عندهم.
وما يقال من أن مذهب الحنفية إنما يجيز التعامل بالربا في حالة الأخذ لا الإعطاء، لأنه لا فائدة للمسلم في الإعطاء، وهم لا يجيزون التعامل بالعقود الفاسدة إلا بشرطين: الأول: أن يكون فيها منفعة للمسلم. والثاني: ألا يكون فيها غدر ولا خيانة لغير المسلم، وهنا لم تتحقق المنفعة للمسلم.
فالجواب: أن هذا غير مسلَّم، كما يدل عليه قول محمد بن الحسن الشيباني في السير الكبير، وإطلاق المتقدمين من علماء المذهب، كما أن المسلم وإن كان يعطي الفائدة هنا فهو المستفيد، إذ به يتملك المنزل في النهاية.
وقد أكد المسلمون الذين يعيشون في هذه الديار بالسماع المباشر منهم وبالمراسلة: أن الأقساط التي يدفعونها للبنك بقدر الأجرة التي يدفعونها للمالك، بل أحيانا تكون أقل، ومعنى هذا أننا إذا حرمنا التعامل هنا بالفائدة مع البنك حرمنا المسلم من امتلاك مسكن له ولأسرته، وهو من الحاجات الأصلية للإنسان كما يعبر الفقهاء، وربما يظل عشرين أو ثلاثين سنة أو أكثر، يدفع إيجارا شهريا أو سنويا، ولا يملك شيئا، على حين كان يمكنه في خلال عشرين سنة – وربما أقل – أن يملك البيت.
فلو لم يكن هذا التعامل جائزا على مذهب أبي حنيفة ومن وافقه، لكان جائزا عند الجميع للحاجة التي تنزل أحيانا منزلة الضرورة، في إباحة المحظور بها.
ولا سيما أن المسلم هنا، إنما يؤكل الربا ولا يأكله، أي هو يعطي الفائدة ولا يأخذها، والأصل في التحريم منصب على (أكل الربا) كما نطقت به آيات القرآن. وإنما حرم الإيكال سدا للذريعة، كما حرمت الكتابة له والشهادة عليه، فهو من باب تحريم الوسائل لا تحريم المقاصد.
ومن المعلوم أن أكل الربا المحرم لا يجوز بحال، أما إيكاله – بمعنى إعطاء الفائدة – فيجوز للحاجة، وقد نص على ذلك الفقهاء، وأجازوا الاستقراض بالربا للحاجة إذا سدت في وجهة أبواب الحلال.
ومن القواعد الشهيرة هنا: أن ما حرم لذاته لا يباح إلا للضرورة، وما حرم لسد الذريعة يباح للحاجة، والله الموفق.
تعقيب بعض أعضاء المجلس الأوروبي:
هذا، وقد نشرت جريدة (الشرق الأوسط) تعقيبا لعضوين من أعضاء المجلس، هذا نصه:
"الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
فقد اطلع الموقعان على هذه المخالفة العلمية على القرار المتعلق بشراء البيوت عن طريق القروض الربوية الذي أقرته أكثرية أعضاء المجلس، ويريان إثبات مخالفتهما التالية:
أولاً: حول مسوغات القرار:
يرى عضوا المجلس الموقعان على هذه المخالفة أن شراء البيوت عن طريق القروض الربوية من البنوك أو غيرها محرم شرعا، وأن الحجج التي سيقت لجواز ذلك لا تقوى إلى إباحته للأسباب التالية:
1- عدم إنطباق هذه الحالة على مذهب الأحناف، لأن المرجح عندهم أن التعامل بالربا كما رجحه محققوا الحنفية كالكمال بن الهمام في فتح القدير، وابن عابدين في رد المحتار – أن يكون المسلم هو الآخذ للربا، وأن يقع التعامل مع الحربي في دار الحرب عن تراض منهما، وإن الشرطين الأولين غير متوافرين، لأن الدول الأوروبية ليست دار حرب، والمسلم في هذه الحالة هو المعطي لا الآخذ، فاختلفت العلة التي استند القرار إليها، وإن حاول تعميم الشرط الثاني منهما على الآخذ والمعطي على حد سواء.
يضاف إلى ذلك أن الأدلة التي ساقها الحنفية في هذه المسألة لا تقوم بها الحجة، ولا تتسع هذه المخالفة الختصرة لإيراد ما قاله العلماء فيها، ومنهم بعض علماء الحنفية:
أما ما يقال: إن التقسيم عند الحنفية ثنائي لا ثلاثي، فإما أن تكون الدار دار إسلام، وإما أن تكون دار حرب، فلا يعكر على ما ذهبنا إليه من عدم جواز هذه المعاملة، لأنهم يرون أن دار الكفر قد تكون دار أمان، وقد لا تكون كذلك، وإذا كانت دار أمان لم تحل فيها هذه المعاملة.
2- والسبب الثاني في عدم جواز هذه المعاملة الربوية هو عدم تحقق الضرورة التي تدعو إليها تلك المعاملة الربوية، سواء أكانت فردية أو جماعية لانعدام شروط الضرورة المعتبرة شرعا، وهي:
a. أن تكون واقعة لا منتظرة، بأن يتحقق أو يغلب على الظن وجود خطر حقيقي على الدين أو النفس أو العقل، أو النسل، أو المال.
b. وأن تكون ملجئة، بحيث يخاف الإنسان هلاك نفسه، أو قطع عضو من أعضائه، أو تعطل منفعته، إن ترك المحظور.
c. وأن لا يجد المضطر طريقا آخر غير المحظور.
وإن الجالية الإسلامية لم يصل بها الحال في أي بلد أوروبي تعيش فيه إلى هذا الحد أو قريب منه، يضاف إلى ذلك توافر المساكن المتوافرة غالبا في هذه الدول بما تندفع معه تلك الضرورة.
3- وبحكم إقامتنا في أوروبا فإننا لا نرى هناك حاجة مهمة تنزل منزلة الضرورة بحيث تلجأ الجالية المسلمة إلى هذه المعاملة الربوية، فضلا عما ذهب إليه القرار من جواز الاقتراض بالربا لتوفير السكن المناسب في سعته وموقعه.
4- ونرى أن الضعف الاقتصادي للجالية المسلمة الذي أشار إليه القرار ليس لعدم تعاملها بهذه المعاملات الربوية، ولكنه لتفرق كلمتها وعدم توظيف أموالها، ووضعها إياها في المصارف الربوية التي تزيدها قوة إلى قوتها، وابتزازا إلى ابتزازها.
5- سكوت القرار عن بيان الحكم الشرعي في شراء غير البيوت عن طريق الاقتراض بالربا، وهذا ما سيؤدي بالكثير من أفراد الجالية الإسلامية إلى الجرأة على التعامل بالربا الصريح في أوروبا استنادا على هذه الفتوى.
ثانياً: الفتوى التي نراها: إن الموقعين على هذه المخالفة العلمية يرون أن شراء البيوت بقروض ربوية في أوروبا لا تدعو إليه ضرورة، ولا تدفع إليه حاجة تنزل منزلة الضرورة، ويرون أن هذه الطريقة محرمة شرعا، ولا يصح الإقدام عليها إلا إذا لم يجد الإنسان بيتا يسكنه ولو عن طريق الإيجار المناسب، وليس لديه مال يشتري به ذلك السكن، أو لم يجد من يقرضه قرضا حسنا، أو لم يجد وسيلة شرعية أخرى تعينه على الشراء، كبيع المرابحة الذي تكون فيه الزيادة في الثمن مقابل الزيادة في الأجل، وأن لا تتجاوز المسكن الذي يشتريه حدود الحاجة، كأن تكون غرفة ومرافقه أكثر مما يحتاج إليه، أو يكون ذا مواصفات عالية تتطلب مبلغا فوق الحاجة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
د. محمد البرازي – الدنمارك
د. صهيب حسن عبدالغفار - لندن
ردنا على هذا التعقيب:
وقد وردنا على هذا التعقيب الغريب في صحيفة (الشرق الأوسط) نفسها، وقد نشرته تحت هذا العنوان: الشيخ القرضاوي: تقدير حاجات الناس ليس في يد الفقيه وحده.
وقالت الصحيفة:
نفي الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي رئيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث أن يكون قرار المجلس بشأن جواز شراء البيوت بقروض ربوية في غير بلاد المسلمين قد ركز على المذهب الحنفي في مسوغاته الفقهية، فالمجلس لم يركز عليه بل ذكره تقوية واستئناسا، بينما الدليل الذي ركز عليه المجلس هو "الحاجة" التي قد تنزل منزلة الضرورة لدى الأقليات المسلمة في بلاد غير المسلمين.
وقال الشيخ الدكتور القرضاوي لِ "الشرق الأوسط": -
إن المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث قد أصدر قراره بشأن شراء البيوت، بعد أن قُدمت إليه بحوث من بعض الأعضاء وقُرئت عليه، ونوقش الموضوع مناقشة حرة مستفيضة، وأدلى كل عضو بدلوه في حرية تامة، مؤيداً كان أم معارضاً. ثم اتخذ المجلس قراره بالأغلبية، كما في لائحة المجلس، وكانت أغلبية ساحقة ولله الحمد".
وقد جرت المجامع الفقهية على هذه السنة من حيث القرار بالأغلبية، وبعضها لا يذكر المخالفين قط، كما هو الشأن في مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وبعضهم يسمح للعضو المتحفظ أو المخالف أن يذكر في محضر الجلسة تحفظه ومخالفته، كما في المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، ويصدر القرار باسم الجميع، وهو ما جرينا عليه في مجلسنا الأوروبي للإفتاء والبحوث: أن يذكر العضو تحفظه إن رغب، بل هذا ما تجري عليه كل مجالس ومؤسسات العالم في الشرق والغرب، في مجالس الوزراء أو في مجالس النواب أو في مجالس الإفتاء، أو في مجامع البحوث، وغيرها. وما رأينا في مجمع من المجامع الفقهية في العالم الإسلامي أن يخرج العضو المخالف برأي ينشره في الصحف ويشنع به على إخوانه وزملائه ممن لا يقلون عنه علماً ولا ورعاً إن لم يزيدوا عليه".
أما عن البيان الذي أصدره ثلاثة من أعضاء المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث يثبتون فيه مخالفتهم لقرار المجلس بشأن جواز شراء المنازل بقروض ربوية في غير بلاد المسلمين، فيقول الشيخ القرضاوي: "ليس هذا من أخلاقيات العمل الجماعي والؤسسي بحال من الأحوال. وللأسف، إن العضو الذي أثار هذه الحملة المستغربة واستتبع غيره، لم يكن أميناً في نقده ومخالفته التي سماها (علمية)، لأنه ذكر أشياء لم تغب عن بال المجلس، بل كلها ذكر بوضوح ونوقش ورد عليه. ونقده هذا ملئ بالأغلاط والمغالطات، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقد ركز على المذهب الحنفي، والمجلس لم يركز عليه، بل ذكره تقوية واستئناساً، وقد كان عدد من الأعضاء طلبوا حذف الاستدلال به، خشية أن يستغله بعض الناس كما حدث.
والدليل الذي ركز عليه المجلس هو (الحاجة) التي قد تنزل منزلة الضرورة. ونعني بها حاجة الأقليات الإسلامية في ديار الاغتراب إلى ملك بيوت للسكن. وتقدير هذه الحاجة ليس في يد الفقيه وحده، فهي ليست مسألة شرعية، بل يرجع فيها إلى الخبراء والعارفين بمعاناة الناس، بل يرجع فيها إلى الناس أنفسهم".
على أنه ليس من حق عالم أن يدعي أنه وحده أعرف بحاجات الناس من سائر زملائه، بل أعرف بحاجات الناس من الناس أنفسهم. والعالم الحق هو المتواضع الذي يحترم عقول الآخرين وخصوصا من إخوانه وزملائه، كما يحترم دينهم وخشيتهم لربهم. وليس الميسر على العباد بأقل دينا وورعا من المعسر عليهم.
بيان رابطة علماء الشريعة في أمريكا:
ويؤكد هذا أيضاً: البيان الذي أصدره مؤتمر علماء الشريعة في أمريكا الشمالية، المنعقد في الفترة من 10-13 من شعبان 1420هِ الموافق 19-22 نوفمبر 1999م، هذا نصه:
استعرض المشاركون في المؤتمر المشكلة التي يعاني منها المقيمون في أمريكا للحصول على بيت للسكن في ضوء التطبيقات المتبعة وهي الاستئجار أو التملك عن طريق القروض (Mortgage) وانتهوا إلى ما يلي:
أولاً: يوصي المؤتمر المسلمين المقيمين في بلاد الغرب والمؤسسات الاستثمارية في البلاد الإسلامية بالآتي:
أ- العمل على توفير البدائل الإسلامية لحل مشكلة تمويل المساكن عن طريق إيجاد العدد الكافي من المؤسسات المالية الإسلامية أو الجمعيات التعاونية الإسكانية (التي يؤمل منها أن تراعي ظروف واحتياجات ذوي الدخل المحدود) وذلك للخروج من حالة الرخصة والضرورة إلى حالة العزيمة والاختيار.
ب- العمل على دعم وتقوية المؤسسات الإسلامية الناشئة التي تعمل وفق أحكام معاملات الفقه الإسلامي لتمكينها من إيجاد البدائل السابقة.
ت- دراسة العقود التي يجري العمل بها حاليا لتمويل المساكن في البنوك التقليدية للوصول إلى صيغة لا تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية والعمل على إقناع البنوك بالتعامل بها.
ثانياً:
أ- المسكن هو إحدى الحاجات الضرورية التي لا بد من توفيرها سواء أكان ذلك بالاستئجار أم التملك.
ب- استئجار المسكن للمسلم المقيم في أمريكا لا يخلو من عقبات كثيرة منها ما يتعلق بحجم الأسرة أو اختيار الموقع المناسب للسكن أو تحكم أرباب البيوت بالمستأجرين.
ت- إن الطريقة المتاحة حاليا لتملك السكن عن طريق التسهيلات البنكية (Mortgage) بسداد الثمن إلى البائع وتقسيطه على المشتري هو في الأصل من الربا، ولا يجوز للمسلم الإقدام عليه إذا وجد بديلا شرعيا، يسد حاجته كالتعاقد مع شركة تقدم تمويلا على أساس بيع الأجل أو المرابحة أو المشاركة المتناقضة أو غيرها.
ث- إذا لم يوجد أحد البدائل المشروعة وأراد المسلم أن يمتلك بيتا بطريق التسهيلات البنكية فقد ذهب أكثر المشاركين إلى جواز التملك للمسكن عن طريق التسهيلات البنكية (Mortgage) للحاجة التي تنزل منزلة الضرورة، أي لا بد أن يتوافر هذان السببان: أن يكون المسلم خارج دار الإسلام، وأن تتحقق فيه الحاجة لعامة المقيمين في خارج البلاد الإسلامية، لدفع المفاسد الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والدينية وتحقيق المصالح التي يقتضيها المحافظة على الدين والشخصية الإسلامية، على أن يقتصر على بيت للسكنى الذي يحتاج إليه، وليس للتجارة أو الاستثمار.
وهناك من يرى المنع من استخدام طريقة التسهيلات البنكية، ولو تحققت الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة، وأنه ينبغي الاكتفاء بالاستئجار كبديل عن التملك بغض النظر عن المزايا المعروفة التي تفوت المستأجر استناداً إلى الاتجاه الفقهي الذي يرى تحريم الربا في دار الإسلام وخارجها، وأنه لا يباح إلا للضرورة الشرعية، وليس الحاجة ولو كانت حاجة عامة.
وقد تبين من البيانات التي قدمها بعض المختصين حول العقود المطبقة حاليا لتملك المساكن أن بعض هذه العقود تقترب كثيرا من عقود بيع الأجل من حيث المضمون، وأنه تطبق هنا قاعدة "العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني، لا بالألفاظ والمباني" وأن تنقيحها ممكن بتغيير المصطلحات التقليدية المستخدمة فيها.
وقد أكد الجميع على حرمة الاقتراض بالفوائد البنكية لأنه من قبيل الربا المحرم، وأن القول بجواز تملك المساكن عن طريق البنوك بالشروط السابقة إنما هو من قبيل الاستثناء بسبب الضرورة التي تقدر بقدرها أو الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة مع بقاء الحكم الأصلي بالحرمة.
تساؤل وجوابه:
وقد تساءل بعض الإخوة هنا قائلين: ألا يمكن استخدام معاملة المرابحة التي تجريها المصارف الإسلامية بديلا عن شراء البيوت عن طريق البنك؟
والجواب عن هذا التساؤل: أنه لا توجد مصاريف إسلامية في البلاد الغربية تتعامل بالمرابحة أو بغيرها.
ومن ناحية أخرى، نجد أن المرابحة – كما تجري في البنوك الإسلامية – لا تحل مشكلة امتلاك البيوت في الغرب، كما تجري اليوم، لأن التعامل بالمرابحة يتطلب – في البداية – دفع مبلغ نحو ثلاثين في المائة من قيمة البيت المراد تملكه. كما أن البنوك الإسلامية لا تؤجل مبلغ الثمن أكثر من خمس سنوات. على حين تؤجل البنوك العادية الغربية دفع الثمن إلى ثلاثين سنة تقريبا. وهذا يسهل على الإنسان العادي الدفع لطول المدة وقلة المبلغ المطلوب.
بحث د. نزيه حماد:
ولقد كتب أخونا العالم الباحث الفاضل الدكتور نزيه حماد حفظه الله، بحثا موجزاً قيّöماً حول حكم التعامل بالربا في دار الحرب أو خارج دار الإسلام، رجح فيه عدم الجواز، ورد على ما استدل به الحنفية في الجواز.
وأنا احترم وجهة نظرة، فمن حق كل عالم – بل من واجبه – أن يتبنى من الآراء ما اقتنع به عقله، وقام الدليل عنده على صحته، ولا يمكن أحدا – كائنا من كان – أن يلزمه بالتنازل عن رأيه إلى رأي غيره.
ومما يحمد للدكتور نزيه في بحثه أنه اجتهد أن يستوعب أدلة الحنفية ويرد عليها دليلا دليلا، وقد استوعبها – تقريبا – ولم يفعل كما فعل كثيرون ممن اعتبروا مذهب الحنفية يعتمد على حجة واحدة هي (مرسل مكحول) فإذا ضعفوا هذا المرسل، فقط أسقطوا المذهب بالكلية.
وإنما قلت إنه استوعب أدلة الحنفية (تقريبا) إلا أنه لم يتناول دليلا ذكره الإمام محمد بن الحسن في (السير) وهو ما جاء في قضية بني النضير.
وكل ما أخذته على بحث أخي الدكتور نزيه أمران:
الأول: أنه أخذ بِ (حرفية) المذهب الحنفي، ولم يأخذ بمقصود المذهب، أو بروح المذهب، ويتمثل ذلك في اعتبار أن المذهب أجاز أخذ الفوائد، وليس إعطاءها.
وإذا كنا مطالبين بأن نفهم النصوص الشرعية المقدسة في ضوء مقاصدها، ولا نقف عند ظواهرها، فكيف نقف عند ظواهر نصوص الفقهاء، ولا نغوص في مقاصدها، ومعرفة أغوارها وروحها؟
وأنا أعلم من قراءتي لما يكتب د. حماد، ومن لقاءاتي به: أنه ليس من (الظاهرية الجدد) ولا من الحرفيين، ولا من المتزمتين. بل له بحوث جديدة ورائعة تميل إلى التيسير والتوسط، وإن كانت خارجة عن المألوف، مثل بحثه في خطاب الضمان. فلماذا كان هنا حرفيا متزمتا؟
فالمقصود من المذهب الحنفي هو توفير مال المسلم وحفظه، وعدم تركه لغيره يمتصه ويكتسب من ورائه، في حين لا يستفيد هو شيئا. وهو في قضيتنا هو الكاسب والمستفيد، وإن كان هو دافع الفائدة.
على أنا قد بينا في تعقيبنا على فتوى الشيخ الزرقا أن ما نقلوه عن المذهب الحنفي في ذلك ليس مسلما عند المتقدمين منهم.
كما أن الدكتور نزيها فسر دار الحرب بما لم يفسرها به الحنفية، فعندهم دار الحرب تعني: ما ليس بدار الإسلام، فتشمل دار العهد والموادعة، إذ التقسيم للدور عندهم ثنائي، كما هو معلوم.
والأمر الثاني: أنه ألغى حاجة الأفراد المسلمين، وحاجة الجماعة المسلمة في ديار الغرب – التي يعيش فيها منذ فترة – إلى امتلاك مساكن لهم ولعائلاتهم، تفي بمتطلبات حياتهم، ولا يتحكم فيهم من يملك أن يطردهم في أي وقت متى شاء وخصوصا إذا كثر عيالهم.
ولعل هذا راجع إلى أنه يقيم في (كندا) والناس في هذا البلد أكثر رغدا وسعة من غيرهم، وأكثر الحاجات فيه مكفية، والضمانات الاجتماعية كبيرة وواسعة، فبنى رأيه على أن كل الأقليات في الغرب وفي العالم كله على هذا النحو من الراحة والسعة.
على أن مشكلة كثير من علماء الفقه في عصرنا: أنهم يقررون قواعد شرعية في غاية الأهمية، مثل: الضرورات تبيح المحظورات.. الحاجة تنزل منزلة الضرورة، خاصة كانت أو عامة.. المشقة تجلب التيسير.. إذا ضاق الأمر اتسع.. الفتوى تتغير بتغير المكان والزمان والعرف والحال.. إلخ تلك القواعد الجليلة. ومع هذا يصعب عليهم أن ينزلوا هذه القواعد على الواقع، وظني في الأخ الدكتور نزيه أنه ليس من هؤلاء.
حلول مقترحة من الدكتور عبدالستار أبو غدة:
في ورقته القيمة التي قدمها الدكتور عبدالستار أبو غدة – الذي يعتبر أحد فقهاء المعاملات المرموقين في عصرنا – لمؤتمر علماء الشريعة في أمريكا (نوفمبر 1999م) قدم عدة حلول لهذه المشكلة، تنبئ عن فقه دقيق، وعن بصر عميق بالشريعة وبالواقع معا، قال سدده الله:
إن الحلول المقترحة فيما تقوم كلها على اعتبار أن أصل الموضوع هو شراء بالأجل... وذلك لكون موضوع التعامل مسكنا يتم الحصول عليه نظير الثمن، وليس الهدف الاقتراض من البنوك الربوية إلا أن وجود القرض الربوي سبب للحكم بالتحريم، ذلك لأن هناك عمليتين منفصلتين بعضها عن بعض بحسب الظاهر، وهما عملية الشراء بالأجل، وهي تتم بين المسلم والبائع غير المسلم (المالك الأصلي للسكن) وهي تصرف مشروع، وعملية الحصول على المال النقدي من البنك لأداء الثمن إلى البائع وتقسيط الدين الناشئ بين المسلم المشتري والبنك، وهي عملية اقتراض بالفائدة، وهي تصرف محرم.
والأسلوب المشروع الذي يصح التعامل به هو وجود عملية أحد طرفيها المشتري، والطرف الآخر البائع غير المسلم، أو البنك الربوي إذا كان له الحق في إتمام البيع مباشرة، أو عن طريق شركة تابعة له.. وتمخض عن البيع نفسه التزام بالمديونية للبائع (الثمن المؤجل) وفيه زيادة عن الثمن الحالي، والأجل له نصيب في الثمن كما هو مقرر عند الفقهاء.
وسأورد بعض الحلول المقترحة وهي قائمة على أساس الدمج بين عملية البيع وعملية التمويل من البنك، وهو افتراض قيد المناقشة في ضوء التأمل في العقود المستخدمة للعملية، وهي عقود معقدة حصلت على صورة منها غير واضحة في شكلها ومضمونها وتحتاج إلى نظرة مشتركة بين الفنيين والقانونيين مع الشرعيين.
على أن هذه الحلول المطروحة إذا لم تكن مطابقة لواقع العملية كما تتم فعلا، فإنه يمكن طرحها لاقتراحها على الباعة للمساكن غير المسلمين، فربما يقبلون بها بديلا، بعد استكمال الإجراءات التي يتطلبها الحل، واستبعاد العناصر أو الشروط غير الملائمة للحل، وهذا يتطلب جهودا من المؤسسات المعنية مع التكاتف من المسلمين الراغبين في الحصول على المساكن لإقناع الأطراف ذات الصلة بهذه الحلول التي تحقق للبائع غير المسلم ما يتطلع إليه، وفي الوقت نفسه تتحقق فيها الضوابط التي يطمئن إليها قلب المسلم.
والسبيل إلى صلاحية هذه الحلول المقترحة هو تصحيح التكييف للعملية في شقها الثاني، وهو الحصول على السيولة النقدية لإيصال ثمن البيع عاجلا إلى البائع، وتقسيطه على المشتري. أما العملية الأولى فهي لا شك بيع بالأجل وهي لا تختلف عما إذا اشترى المسلم البيت ودفع ثمنه حالا لو أمكنه ذلك. لكن المشكلة هي في الشق الثاني من العملية.
فإذا أمكن تغيير التكييف للربط بصورة مشروعة بين الشراء وأداء الثمن، بحيث يكون أداء الثمن للبنك هو تنفيذ للالتزام وليس وفاء بالقرض الربوي، أو بعبارة أخرى يكون استيفاء البنك للمبالغ هو بصفته وكيلا بالقبض عن البائع، أو شريكا له، أو مشتريا الدين منه، وسيأتي تفصيل ذلك فيما يلي:
(أ)
اعتبار العملية شراء بالأجل، مع بيع للدين بين الباعة غير المسلمين والبنك
هذا الاقتراح المطروح للبحث والمناقشة هو للنظر في مدى إمكانية تخريج شراء البيوت من البنوك بالفائدة على أساس بيع الأجل، وقد جرت الإشارة إلى هذا الأمر في ثنايا الاستفسار المعد عن الموضوع والمتضمن رصدا لما قيل بشأنه (بند / 11 من ورقة العمل).
فالبرغم من اعتبار الأطراف غير الإسلامية لهذه المعاملة عملية ربوية ينبغي البحث هل هي شراء للبيت بالأجل؟ مع وجود اتفاق جانبي بين البائع غير المسلم والبنك الربوي على بيع الدين مع البائع إلى البنك بأقل من مقداره، أي أن البائع غير المسلم ينقل الثمن الإجمالي المستحق له على المسلم إلى البنك لخصمه.
ولا يخفى أن بيع البيت يستتبع خصم ثمنه لدى البنك وبذلك تكون هناك عمليتان: الأولى: شراء بالأجل بين المشتري والبائع، وهي جائزة. أما العملية الأخرى المحرمة، (خصم الديون أو الكمبيالات) فإنها على عاتق غير المسلم والبنك الربوي دون مسئولية مباشرة على المشتري المسلم عنها، فهو ليس طرفا فيها، أما كونه سببا غير مباشر لها، فإن هذا الدور من المسلم يندرج في الذرائع التي لا تسد لما يترتب من حرج على سد جميع ذرائع المفاسد، فقد قرر الفقهاء وعلماء الأصول أن هناك ذرائع لم يشرع سدها، درءا للحرج.
وينتج عن هذا الطرح:
- اعتبار المعاملة شراء بالأجل.
- عدم المسئولية المباشرة عما يتصرف به غير المسلم مما له صلة بتعامل المسلم معه.
هذا، ولا ينبغي استغراب وصف عملية أداء المشتري المسلم المبالغ الشهرية إلى البنك بأنها أداة للثمن (وليست وفاء بالقرض) فإن ذلك التصور قائم باعتبارين: أولهما: كون موضوع العملية الحصول على عقار (مسكن). والاعتبار الثاني: هو العلاقة الوثيقة بين البائع غير المسلم والبنك لإتمام العملية. وهذه العلاقة تنشأ على النحو التالي مع مراعاة إيصال الثمن كاملا إلى البائع:
أ- قيام المالك الأصلي ببيع المسكن إلى المسلم بثمن من دفعات مؤجلة.
ب- اتفاق ضمني بين البائع والبنك لتعجيل تلك الدفعات المؤجلة وتكييف هذا الإجراء أنه بيع الدين الذي للبائع على المشتري إلى البنك.
وهو يؤدي إلى خصم المديونية، كما يحصل في خصم الكمبيالات أو السندات، وحتى لو لم تكن كمبيالات أو سندات لأمر، فإن الالتزام المؤكد بالرهن بين البائع والمشتري لأمر هو في قوة الكمبيالات أو السندات حيث استعاض البائع عنها بتعهد المشتري تجاه البنك.
بقيت مسألة الرهن للبيت لتأكيد المديونية الناشئة عن العملية، فإذا اعتبرت بيعا بالأجل (مع بيع المديونية من بائع المسكن إلى البنك) فلا حرج في هذا الرهن لأنه لتوثيق معاملة صحيحة، الرهن يأخذ حكم التصرف الذي ينشأ الرهن لأجله – وتبقى قضية استمرار الرهن بعد شراء البنك المديونية من البائع للمساكن، وهي تندرج فيما يقع على عهدة غير المسلم وتكون تبعته عليه لأن الدين الصحيح الموثق بالرهن إذا باعه المستفيد من الرهن (غير الملتزم بالشرع) لا يمكن للملتزم إسقاط ذلك الرهن، لأنه لا يسقط إلا بالأداء أو بالتنازل من الدائن (المرتهن)، ولعل هذا من تطبيقات القاعدة الشرعية المعروفة: "يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء".
بخلاف ما لو كان الرهن لتأكيد المديونية المرتبة للبنك على المشتري المسلم، فإن الرهن لا يجوز تبعا لحرمة الاقتراض الربوية، فيظل في دائرة الضرورة، وهو تصرف تبعي، وليس كالتصرف الأصلي المحرم.
(ب)
اعتبار العملية شراء بالأجل، والبائع والبنك مشتركان في البيع
هذا الاقتراح المقدم للبحث والمناقشة أيضاً هو للنظر في مدى إمكانية تخريج شراء البيوت للسكن من البنوك بالفائدة على أساس أن عقد البيع الذي يباشره البائع غير المسلم هو نتيجة اتفاق ضمني على المشاركة بينه وبين البنك لإتمام عملية البيع.
إذ يقوم البائع أو البنك بإبرام عقد البيع، ثم يقتسمان العائد الناتج عن البيع حسب الطريقة التي يتفقان عليها بالأساس الربوي المطبق بينهما دون مسئولية مباشرة على المسلم عنها.
أما كونه سببا غير مباشر لهذه العملية فهو من الذرائع التي لا يجب سدها. وقد سبق الكلام عن بقية الجوانب الشرعية المتعلقة بالعملية عند طرح الحل (أ).
(ج)
اعتبار العملية شراء بالأجل، والبنك وكيل البائع ولو ضمنيا
هذا الاقتراح أيضاً مقدم للبحث والمناقشة، وهو تخريج مطروح على أساس أن العملية بيع أجل، والذي يباشر البيع هو البنك بصفته وكيلا عن البائع، وهي وكالة ضمنية مستندها التعامل والعرف.
ويمكن أن ينظر إلى العملية أنها مكونة من بيع بالأجل بين البائع غير المسلم والمشتري المسلم، ولكنه تم عن طريق الوكالة الضمنية بين البنك والبائع غير المسلم اقتسامهما الناتج عن البيع.
وقد سبقت المعالجة للجوانب الشرعية الأخرى المتعلقة بالعملية عند الكلام عن الحل (أ).
شكر الله للدكتور أبو غدة، فقد عرض هذه الحلول المقترحة ليناقشها إخوانه العلماء المختصون والمهتمون، لعلهم يقتنعون بها أو ببعضها أو يضيفون إليها بعض الشروط أو القيود أو الضوابط، التي تنقل الصورة الممنوعة عندهم إلى الجواز.