الأقليات الإسلامية:
المسلمون ينقسمون – من حيث الأوطان التي يعيشون – فيها إلى قسمين:
القسم الأول: الذي يعيش داخل ما سماه الفقهاء (دار الإسلام). وبتعبيرنا المعاصر: داخل المجتمعات الإسلامية، أو البلاد الإسلامية. ونعني بها: البلاد التي أغلبية سكانها مسلمون معلنون بإسلامهم، على الأقل في إقامة الشعائر الدينية مثل: الأذان والصلاة والصيام وتلاوة القرآن، وإقامة المساجد، والسماح بالحج ونحو ذلك، ويمارسون أحوالهم الشخصية من الزواج والطلاق ونحوهما وفق أحكام دينهم.
والقسم الثاني: هو الذي يعيش خارج (دار الإسلام) بعيدا عن المجتمعات الإسلامية، أو عن (العالم الإسلامي).
وهذا القسم نوعان:
النوع الأول: من أهل البلاد الأصليين، الذين أسلموا من قديم، ولكنهم يعتبرون أقلية بالنسبة لمواطنيهم الآخرين من غير المسلمين.
وقد تكون هذه الأقلية كبيرة مثل الأقلية المسلمة الهندية، فإنها تبلغ نحو 150 (مائة وخمسين) مليونا. وقد تكون أقل من ذلك، حتى إن بعض الأقليات لا تبلغ أكثر من عدة ألوف.
ومن هؤلاء عدة ملايين في أميركا الشمالية معظمهم من المسلمين الذين جيء بهم من إفريقيا، واقتيدوا قسرا على أنهم رقيق، وهم أحرار أبناء أحرار.
ومنهم عدة ملايين في أوربا الشرقية، كما في بلغاريا وغيرها.
والنوع الثاني: من المهاجرين الذين قدموا من البلاد الإسلامية للبلاد غير الإسلامية، للعمل فيها، أو للهجرة، أو للدراسة، أو لغير ذلك من الأسباب المشروعة، وحصلوا على إقامة قانونية بهذه البلاد. وبعضهم حصل على جنسيتها، وأصبح له حق المواطنة والانتخاب وغير ذلك مما تقره دساتير هذه الأقطار.
الأقليات المسلمة في الغرب:
وهناك الأقليات المسلمة في أوربا الشرقية والغربية.
بعضهم من أهل البلاد الأصليين، مثل الجزء الأوربي من تركيا، وألبانيا والبوسنة والهرسك وكوسوفو ومقدونيا، وهؤلاء لا يجوز اعتبارهم أقليات، لأن بلادهم في الحقيقة بلاد إسلامية. ومثل مسلمي كرواتيا وصربيا والجبل الأسود، وبلغاريا، وغيرها، فهم من أهل البلاد.
وهناك من دخل الإسلام حديثا من أهل أوربا الغربية، ومن انضم إليهم من المهاجرين من بلاد المغرب في فرنسا، وفيها أكبر جالية إسلامية – نحو خمسة ملايين – بعضهم يحملون الجنسية الفرنسية، وآخرون يقيمون إقامة مشروعة لها حقوقها.
وكذلك الجالية المسلمة في ألمانيا، ومعظمها من الأتراك، ويبلغون نحو ثلاثة ملايين، كثير منهم ولد في ألمانيا.
وهناك الجالية المسلمة في بريطانيا، ومعظمهم من بلاد (الكومنولث) من الهند وباكستان وبنجلاديش، وغيرها.
وهناك مسلمون في عدد من دول أوربا الغربية في هولندا وبلجيكا والنمسا وإيطاليا وإسبانيا والبلاد الإسكندنافية، وغيرها.
ولقد بدأ المسلمون في أوربا منذ مدة يشعرون بذاتيتهم، وأدركتهم الصحوة الإسلامية العامة، فطفقوا ينشئون المؤسسات المختلفة – دينية وثقافية واجتماعية واقتصادية: للحفاظ على كيانهم: المساجد لصلواتهم، والمدارس لتعليم أولادهم، والكليات والجامعات لتخريج المتخصصين منهم. ومن المؤسسات التي تذكر للجالية المسلمة في أوربا: اتحاد المنظمات الإسلامية، والكلية الأوربية للدراسات الإسلامية في فرنسا، وقد خرجت عدة دفعات، ومثلها في بريطانيا، والمجلس الأوربي للإفتاء والبحوث، وقد عقد سبع دورات، وأصدر عددا من الفتاوى والتوصيات المهمة، حلت كثيرا من مشكلات المسلمين في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها.
وهناك عدد من المؤسسات مثل (المؤسسة الإسلامية) و (دار الرعاية الإسلامية) في بريطانيا، والمركز الإسلامي في (لندن)، وعدد من المراكز الإسلامية في (باريس)، وفي (روما) وفي (دبلين) في ايرلندا، و(ميونخ) و (آخن) و (كولن) في ألمانيا، وفي جنيف وغيرها من سويسرا، وفي عدد من البلدان الأوربية.
وهناك المسلمون في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، ويقدر عددهم بأكثر من سبعة ملايين، معظمهم من (المسلمين الأفارقة) الذين استلبوا من أوطانهم استلابا، وسيقوا بسلاسل القهر إلى (الرق) وهم أحرار أبناء أحرار.
واستخدمت معهم أشنع صنوف التعذيب والإرغام، وقتل منهم من قتل بالأمراض بالعذاب.
لقد عادت أعداد من هؤلاء بعد إلغاء الرق، إلى (جذورهم)، وعرف كثير منهم أنهم في الأصل مسلمون أبناء مسلمين، وكان إسلام مجموعة غير قليلة منهم مشوشا ومضطربا، ثم هيأ الله لهم من الرجال الأخيار من صحح لهم إسلامهم، فرجعوا إلى (الإسلام الحق) بعد شرود عنه. وانضموا إلى القافلة الإسلامية الكبرى.
كما انضم إلى هؤلاء المهاجرين الجدد من البلاد العربية والإسلامية، ممن أصبحوا يحملون الجنسية الأمريكية والكندية، ومن له حق الإقامة في هذه البلاد.
وقد أصبحت لهم مؤسساتهم الدينية والتربوية والثقافية والاجتماعية، بل والسياسية، بما يتناسب مع عددهم ونشاطهم وهممهم.
الأقليات المسلمة في الشرق:
ومما لا يجوز أن ننساه من أحوال الأقليات والجاليات الإسلامية في أنحاء العالم: الأقليات في الشرق، وبعضها أقليات كبرى مثل الأقليات الإسلامية في الهند، وتقدر بأكثر من (مائة وخمسين مليونا) من المسلمين، لهم تراثهم ومساجدهم ومدارسهم وثقافتهم وشخصيتهم، ولهم مشاركاتهم العميقة في بناء الحضارة الهندية، بل جل ما تعتمد عليه الهند من آثار تجذب إليها السياح من أنحاء العالم هي الآثار الإسلامية، كما كان لهم مشاركاتهم القوية المتميزة في حرب الاستقلال، ومعارك التحرير ضد الاستعمار الإنجليزي.
وهناك بلاد إسلامية خالصة كانت تعتبر إلى وقت قريب من بلاد الأقليات الإسلامية، وهي بلاد الجمهوريات الإسلامية في آسيا: أوزبكستان وطاجيكستان، وكازاخستان وأذربيجان وغيرها، وقد كنت أقول أيام الاتحاد السوفيتي: إن اعتبار هذه الجمهوريات أقليات إسلامية ظلهم مبين لها، فهي جمهوريات إسلامية صميمة، ضمت بالقسر والإكراه إلى السوفييت.
وفي روسيا الاتحادية حوالي عشرين مليونا من المسلمين من القوقاز والتتار وغيرهم من القوميات المختلفة. ومنهم الشيشان، الذين قاتلوا ولا زالوا يقاتلون في سبيل الحصول على استقلالهم من الروس، فهم لا يشعرون بأي وشيجة تصل بينهم وبين الروس، لا من عرق، ولا من لغة، ولا من وطن، ولا من تاريخ، ولا من دين.
ويوجد في الصين عشرات الملايين، يحاول الرسميون في الصين تقليل أعدادهم ما استطاعوا، وقد ذكر أمير البيان شكيب أرسلان – رحمه الله – في تعليقاته الشهيرة على كتاب (حاضر العالم الإسلامي) الذي ترجمه الأستاذ عجاج نويهض – أن عدد المسلمين في ذلك الوقت منذ نحو سبعين سنة أو تزيد خمسون مليونا. ولو حسبنا عددهم وفق النمو السكاني للمسلمين في العالم طوال هذه السنين، لكان عددهم لا يقل عن مائة وخمسين مليونا.
وهناك بلاد هي في حقيقتها ذات أكثرية إسلامية، ولكن الغرب مصر على أن يجعلها مسيحية، ويجعل المسلمين فيها أقلية، رغم أن الأرقام تكذب تلك الدعوى. ويتمثل ذلك بوضوح في أثيوبيا وإريتريا وتشاد.
وهناك أقليات لها وزنها في عدد من البلاد الآسيوية والإفريقية مثل تايلاند وبورما وسنغافورة وسيريلانكا، ومثل تنزانيا وأوغندا وكينيا وغانا والكونغو والنيجر وجنوب إفريقيا وغيرها.