7- مراعاة سنة التدرج:
وينبغي أن يقوم فقه الأقليات على سنة (التدرج) رعاية لظروفهم واغترابهم عن المجتمع المسلم. والتدرج – كما نعلم – سنة كونية، وسنة شرعية.
أما أنه سنة كونية، فإن الله تعالى قد خلق الإنسان من سلالة من طين، ثم جعله نطفة في قرار مكين، ثم خلق النطفة علقة، فخلق العلقة مضغة، فخلق المضغة عظاما، فكسا العظام لحما، ثم أنشأه خلقا آخر، هذا في المرحلة الجينية ثم بعد ولادته، يكون طفلا وليدا، فرضيعا، ففطيما، فصبيا، فغلاما، فمراهقا، فبالغا، فشابا، فكهلا، فشيخا... إلخ
وهذا يتم في عالم الحيوان، وعالم النبات أيضا.
كما أنه تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام – الله أعلم بحقيقتها – ولم يخلقها في لحظة واحدة، دلالة على سنة التدرج.
وأما أنه سنة شرعية، فإن الله تعالى شرع أول ما شرع في الإسلام: أسس العقائد، وأصول الفضائل، ثم بدأ يشرع العبادات بالتدرج، وقد شرعت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرت في السفر، وزيدت في الحضر، كما روت عائشة – رضي الله عنها -.
والصيام شرع أولا على التخيير {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خيرñ له وأن تصوموا خيرñ لكم إن كنتم تعلمون} (البقرة: 184) ثم جاء الإلزام بالصيام {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} (البقرة: 185).
والمحرمات حرمت بالتدرج، كما في قصة الخمر.
فلا مانع أن نتدرج في تعاملنا مع المسلمين إذا كانت لهم ظروف غير مساعدة.
ويحسن بنا أن نضرب المثل هنا بعمر بن عبدالعزيز خامس الخلفاء الراشدين. فقد كان من الذين رعوا هذه السنة واحتفلوا بها.
فقد جاء هذا الخليفة الراشد بعد انحراف الحكم، وانتشار المظالم، واتخاذ كثير من الأوضاع الفاسدة صورة التقليد المستمر، والنظام المستقر.
وكان على هذا القائد المؤمن أن يواجه هذا الفساد بالإصلاح، وهذا العوج بالتقويم، وأن يعيد الأمور إلى ما كانت عليه في أيام الخلفاء الراشدين.
وشرع بالفعل يرد المظالم ويزيل المفاسد، لا يخاف في الله لومة لائم، ولكن بسياسة عاقلة، ونفس هادئ، وتدرج حكيم، قد يحسبه بعض المتحمسين أو المتسرعين ضربا من التساهل أو التهاون في تطهير الدولة من رواسب الفساد. بل هذا ما حدث فعلا من أقرب الناس إلى عمر بن عبدالعزيز: من ابنه نفسه (عبدالملك بن عمر)، وكان من الشبان الأتقياء الصالحين، ولهذا لم تمكنه ثورة الشباب، ولا حرارة أهل التقوى، أن ينظر من الزاوية التي ينظر منها أبوه. فهذا ابن الجوزي يقص علينا حوارا بين الابن الشاب وأبيه، حيث يريد الابن ألا ينام عن مظلوم حتى يؤتيه حقه، مع كثرة المظلومين حين ذلك.
ولهذا يوقظه من نوم القيلولة ويقول له: ما يؤمنك في نومك وقد رفعت إليك مظالم لم تقض حق الله فيها؟
ويرد الأب قائلا:
"يا بني إن نفسي مطيتي، إن لم أرفق بها لم تبلغني، وإني إن أتعبت نفسي وأعواني لم أك ذاك إلا قليلا، حتى أسقط ويسقطوا، وإني لأحتسب في نومي من الأجر مثل الذي أحتسب في يقظتي! إن الله جل شأنه لو أراد أن ينزل القرآن جملة لأنزله، ولكنه أنزل الآية والآيتين، حتى استكن الإيمان في قلوبهم"! وما أبلغه من رد ينطوي على أعمق الفهم وأوسعه لمنهج الإسلام.
ويذكر الإمام الشاطبي في "الموافقات" موقفا شبيها بذلك، حيث قال الابن يوما لأبيه: مالك لا تنفذ الأمور؟ فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق!
قال عمر: لا تعجل يا بني، فإن الله ذم الخمر مرتين، وحرمها في الثالثة: وإني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة، فيدفعوه جملة، ويكون من ذا فتنة.
وكانت له سياسة حكيمة في تنفيذ ما يهدف إليه من التمكين لقيم الدين.
فيقول عمر: والله ما أستطيع أخرج لهم شيئا من الدين إلا ومعه طرف من الدنيا، أستلين به قلوبهم، خوفا أن ينخرق عليّ منهم ما لا طاقة لي به.