الفصل الثاني عشر
في الحكومة النبوية
كل مظاهر التقدم المدني تنبع عن جذور ثقافية وكل الكمالات الثقافية مرجعها الى أفكار سليمة وصحيحة، واذا كان الحكم الراشد أثراً عن معان عقلية أو عملية اذا كان الأمر على هذه الشاكلة فانك لا تجد كمالاً مدنياً أو معنى يقتضيه الحكم الراشد او أصلاً ثقافياً تحتاجه الحياة الا وتجده على كماله وتمامه في حياة محمد صلى الله عليه وسلم وفي دعوته ودينه. فلو أنك استعرضت الاخلاقيات العليا التي تقتضيها العقول في الأمراء لوجدت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم كمالها الأعلى، ولو استعرضت الكمالات التي تلزم أن تتوافر في شعب وحكومة متلاحمين لوجدت عند رسول الله واصحابه الكمالات العليا ولو أنك تأملت في أصول الحكم لوجدت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم كمالاتها العليا، وليست العبرة في المظاهر المادية فهذه تزيد وتنقص على حسب الامكانات المتاحة وإنما العبرة للأصل الذي تنبثق عنه هذه الكمالات، وقد جاء كتاب نظام الحكومة النبوية المسمى التراتيب الادارية لمؤلفه الشيخ عبد الحي الكتاني ليرد على أغاليط عند الكثيرين من القاصري النظرات في شأن الحكم النبوي كما جاء ليبرهن على أن أكثر ما استحدثه الناس في وظائف الحكم مما يشكل احتياجاً حقيقياً للبشر كانت له أصول وجذور في العهد النبوي، وقارئ الكتاب كما يخرج بهذا وهذا فانه يخرج بانطباع قد يكون هو الأهم وهو كمال الكيفية التي كان يتصرف بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحكم والادارة، فكل شيء في حياته مرتب منظم، وكل جانب في الحياة كان يكلف به من يقوم به، وكل ما تقتضيه الحركة الدعوية والتعليمية والسياسية كان يسير به على الكمال والتمام، فرسم لأمته طريق تصحيح الموجود واستكمال المفقود على أسس راسخة تضبطها عقيدة صحيحة، وأخلاقية رفيعة. وبذلك انطلق الخلفاء الراشدون والأئمة المجتهدون نحو التطوير المستمر والتجديد الدائب للحياة، ولولا انتقال الخلافة الراشدة الى الملك العضوض وما ترتب عليه من بعد بين الاجتهاد الفقهي والتطبيق العملي لكان الحال غير الحال ولكان لنا في الماضي عبراً وفي المستقبل أملاً. ولأهمية كتاب "التراتيب الادارية، والعمالات والصناعات والمتاجر والحالة العلمية التي كانت على عهد تأسيس المدينة الاسلامية في المدينة المنورة العلية" فقد رأينا أن نتحدث عند حديثاً مختصراً لنعطر به هذا الكتاب: فكما أنه بعد فصل الاخلاق الذاتية للأمير عقدنا فصلاً تحدثنا فيه عن بعض صفاته عليه الصلاة والسلام فقد رأينا أنه من المناسب بعد فصل اركان الحكم أن نتحدث عن حكومته عليه الصلاة والسلام فاخترنا أن يكون الحديث من خلال هذا الكتاب.
-1-
اصل الكتاب قديم لمؤلف مغربي اسمه ابو الحسن علي بن محمد الخزاعي من رجالات القرن الثامن الهجري، وقد كان الكتاب ضائعاً مغموراً حتى عثر عليه الشيخ عبد الحي الكتاني بعد جهد كبير فحققه وعلق عليه وزاد زيادات كثيرة وكتب له مقدمة طويلة فخرج الكتاب موسوعة مليئة بالفوائد في مجلدين. وقد ذكر أبو الحسن الخزاعي في مقدمة كتابه أن هدفه من كتابه هو تصحيح غلط بعض الناس الذين يتوهمون أن كثيراً من وظائف الدولة لا أصل لها في الحكومة النبوية فيحملون عليها أو على أهلها (مع أنه حتى لو لم يكن لها أصل فان التعاليم الاسلامية تفرضها ما دامت ضرورية فكيف اذا أجتمع هذا وذاك) قال الخزاعي: "فلما رأيت كثيراً ممن لم ترسخ في المعارف قدمه وليس لديه من أدوات الطالب الا مداده وقلمه. يحسبون من دفع في كثير من تلك الأعمال في هذا الأوان مبتدعاً لا متبعاً ومتوغلاً في خطة دنية وليس عاملاً في عمالة سنية استخرت الله في أن أجمع ما تأتي في علمي من تلك العمالات في كتاب يوضح نشرها ويبين للجاهل أمرها فيعرف الجاهل، وينصف المتحامل، فألفت هذا الكتاب وذكرت في كل عمالة منها من ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها من الصحابة ونسبه أخباره ليعلم ذلك الآن فيشكر الله عز وجل على أن استعمله في عمل شرعي كان يتولاه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واقامة مقامه ويجتهد في اقامة الحق فيه مما يوجبه الشرع ويقتضيه فيكون قد أحيا سنة وأحرز حسنة. أما الشيخ عبد الحي فقد استهدف من اخراج الكتاب تصحيح اغلاط أخرى زائدة على الأغلاط التي أراد المؤلف الأول أن يصححها فقد وقع بعض الكاتبين بأغلاط عن الحكومة النبوية وعن المرحلة الأولى في التاريخ الاسلامي، ثم إنه استهدف من كتابه أن يسد ثغرة في التأليف لم يهتم بها الكثيرون. قال: "أما بعد فان الذين اعتنوا بتدوين المدنية العربية والتراتيب الادارية لخلفاء المملكة الاسلامية ذكروا ما كان لأمراء الاسلام على عهد الدولة الاسلامية الأموية والخلافة العباسية من الرتب والوظائف والعمالات والعمال وأهملوا ما كان من ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنه عليه الصلاة والسلام كان يشغل منصب النبوة الديني على قاعدة جمع دينه القويم بين سياسة الدين والدنيا جمعاً مزج بين السلطتين بحيث كادا أن يدخلا تحت مسمى واحد وهو الدين وكذلك وقع، كانت الادارات اللازمة للسياستين على عهده صولجانها دائر، والعمالات بأتم اعمالها الى الترقي والعمل سائر".
وقال: "اذا التفت الى ما يتعلق بالمراتب الادارية من وزارة بأنواعها وكتابة بأنواعها والرسائل والاقطاعات وكتابة العهود والصلح والرسل والترجمان وكتاب الجيش والقضاة وصاحب المظالم وفارض النفقات وفارض المواريث وصاحب العسس في المدينة والسجان والعيون والجواسيس والمارستان والمدارس والزوايا ونصب الأوصياء والممرضات والجراحين والصيارفة وصاحب بيت المال ومتولي خراج الأرض وقاسم الأرض وصانع المنجنيقات والرامي بها وصاحب الدبابات وحافر الخنادق والصواغين وأنواع المتاجر والصناعات والحرف تجد أن مدته عليه السلام مع قصرها لم تخل عن أعمال هذه الوظائف وادارة هذه العمالات وتجد أنها كانت مسندة للأكفاء من اصحابه وأعوانه عليه السلام وربما يستغرب السامع هذا القدر على البديهة اذا سمعه خصوصاً ممن اقتصر على مطالعة بعض كتب السير للمتأخرين وظن أنها خالية من أمثال هذه الأمور فانه ربما يحيص حيصة الاستغراب ولكن لا ضير". وقال: "وربما استبعد ذلك آخرون من حيث إن الكتاب الذين تصدروا أخيراً للبحث في المدينة الاسلامية العربية ودونوا فيها المدونات العدة من المسلمين والمسيحيين غاية ما ينسبون من التمدن للاسلام يذكرون ما وجد على عهد الدولة العباسية والأموية مثلاً مع ما أوجدته بعد ذلك ممالك العجم والديلم والترك والفرس والبربر وغيرهم من ملوك الدول الاسلامية بالشرق والغرب بل وربما كانوا يأتون بنسبة المدنية في الاسلام لبني العباس ليتسنى لهم بعد التصريح بأنهم أخذوا ذلك عن اليونان والفرس لا عن القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم بل وقع لبعض الكتاب الشاميين في رسالة له في انتشار الأديان التصريح بأن التمدن الاسلامي قام على الشريعة ولم يقم معها. وهو غلط فادح نتج لصاحبه عن جهله بالسير والحديث أو من عدم تشخصه لحقيقة ينابيع المدينة".
وقال: "ولكن من واصل ليله بنهاره واطلع وطالع بالدقة وحسن الروية يجد أن المدنية وأسباب الرقي الحقيقي التي وصل اليها العصر النبوي الاسلامي في عشر سنوات من حيث العلم والكتابة والتربية وقوة الجامعة وعظيم الاتحاد وتنظيم الناشئة وما قدر عليه رجال ذلك العهد الطاهر وما أتوه من الأعمال واستولوا عليه من الممالك وما بثوا من حسن الدعوة وبليغ الحكمة ومتمكن الموعظة لم تبلغها أمة من الأمم ولا دولة من الدول في مئات السنين بل جميع ما وجد من ذلك الى هذا الحين عند سائر الأمم كلها على مباني تلك الأسس الضخمة الاسلامية انتشأ، فلولا الصروح الهائلة والعقول الكبيرة وما بثوه من العلوم وما قاموا به من الأعمال المخلدة الذكر لما استطاعت المدنيات المحدثة أن تنهض لما له نهضت وارتقت".
-2-
يتألف الكتاب من عشرة أقسام وكل قسم يتألف من عدد من الأبواب وبعض الأبواب أدخل فيه فصولاً كثيرة:
القسم الأول: في الخلافة والوزارة وما يضاف الى ذلك من الخدمات النبوية الشخصية التي كان يقوم بها أفراد الصحابة، وأهم ما في هذا القسم الحديث عن أمهات في أمور الحكم موجودة في سيرته صلى الله عليه وسلم وفي هديه: الخلافة، الوزارة، صاحب السر، الحاجب، البواب. كما أن في هذا القسم حديثاً عن ترتيباته الخاصة عليه السلام لشؤونه الشخصية. ومن أهم ما صححه هذا القسم فكرة مغلوطة عند بعض الاسلاميين الذين يتصورون ان على الأمير واجباً أن يكون بابه مفتوحاً للجميع في كل الأحوال، وأنه لا يحق له أن يحتجب بحال ولا أن يمنع طالب مقابلة من مقابلته مهما كانت ظروفه. كما أن يصحح مفهوماً خاطئاً وهو فكرة عدم جواز الاستخدام عامة وعدم جواز استخدام الكفار خاصة، فمن فصول هذا الباب: (استخدامه عليه السلام غلاماً يهودياً).
القسم الثاني: في العمليات الفقهية وأعمال العبادات وما يضاف اليها من عمالات المسجد وعمالات الطهارة وما يقرب منها وفي الامارة على الحج وما يتصل بها وفيه وظائف: تحدث هذا القسم عن تنظيم الوظائف الدينية في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف أنه وجد في ذلك الزمن أصناف المعلمين، كما وجد المفتون والمؤذنون والأئمة وخدام المساجد وامارة الحج وهكذا وجد تنظيم لأهم اللوازم لاقامة العبادات الاسلامية.
القسم الثالث: في العمليات الكتابية وما يشبهها وما يضاف اليها. تحدث هذا القسم عن تنظيم الوظائف الدينية في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف أنه كتب الكتب وما اعتمد فيها من أصول واقتضى ذلك كلاماً عن رسوله عليه الصلاة والسلام وكيف كان يتخيرهم جمالاً وعقلاً ومعرفة بأدب الخطاب واقامة الحجة ولغة المخاطب. كما تحدث هذا القسم عن تنظيم البريد ومقتضيات ذلك كما وجد حديث عن الترجمة وتعلم لغات الآخرين وحديث عن فكرة الديوان وترتيبات الجيش.
القسم الرابع: في العمليات الاحكامية وما يضاف اليها: وفيه حديث عن التقسيمات الادارية في عهده وعن ولاة البلدان وفي كلام عن القضاء والقضاة والأحكام والعقوبات وما يستتبع وجود ذلك من وظائف ومن مستلزمات كالسجون كما أن فيه حديثاً عن تكليفات تقتضيها خدمة الاسلام وأهله كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلف بها بعض أصحابه كمهمة استنقاذ الأسرى مثلاً.
القسم الخامس: في ذكر العمليات الحربية: وفي حديث عن الترتيبات الادارية في الجيش الاسلامي وأنواع الوظائف في ذلك الجيش، كما أن فيه حديثاً عن بعض الترتيبات المدنية في حال الحرب، وكيف أنه ما من وظيفة تقتضيها عملية القتال الا وقد وجد لها أصل في العهد النبوي من المخابرات على العدو الى صناعة المنجنيقات الى التسلسل في الرتب العسكرية فهناك العريف وهناك مستكشفو الأمكنة.
القسمان السادس والسابع: في العمالات المالية والاختزانية. وكيف أنه وجد في العهد الأول فكرة الجزية والأعشار والخراج والوقف والزكاة والأخماس كما وجدت ترتيبات ادارية من أجل ذلك ووجد موظفون ومسؤولون عن كل صغيرة وكبيرة في هذا وغيره.
القسم الثامن: في سائر العمالات: وفيه حديث عن وظائف كثيرة اقتضتها الحياة في المدينة المنورة فأوجد لها رسول الله صلى الله عليه وسلم من يقوم بها أو سمح لناس أن يقوموا بها بعد ضبطها وإحكامها: فهناك المسؤولون عن القيام بخدمة الوفود وهناك الترتيبات الخاصة بالغرباء وهناك الترتيبات الخاصة بالطب وهناك الترتيبات الخاصة بالفقراء وهكذا.
القسم التاسع: في ذكر الحرف التي كانت في عهده عليه السلام: فهناك حرف لا بد منها لاقامة الحياة الاقتصادية، وهناك حرف تقتضيها الحياة الاجتماعية وهناك أعمال تقتضيها اقامة الدولة واحتياجاتها، وهناك حرف تقتضيها عملية التسلية البريئة، وخلال ذلك ذكر المؤلف كثيراً من الضوابط والقواعد التي تضبط الشطط وتمنع الضرر وتحدد الحدود.
القسم العاشر: في تشخيص الحالة العلمية في العهد النبوي: وقد أسهب المؤلف في هذا القسم فذكر أصناف العلوم وأنواع المعلمين والأساليب التي اتبعت في نشر العلم والتربية عليه، ودقائق السير العلمي كما تحدث هذا القسم عن الصحابة وعما سبقوا به وعما اشتهر به بعضهم مما لا يستغرب معه بعد ذلك أن يقوم الاسلام وأن يستمر بالعلم والقدوة الى قيام الساعة.
-3-
هذه صورة مختصرة عن كتاب التراتيب الادارية اردنا فيها أن نلفت النظر الى وجه من الوجوه التي اقتضت أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة الأمراء، كما أردنا من خلال ذلك أن نبرز الكيفية التي كان يتعامل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع مستلزمات الحياة، وهذا يفتح أمامنا أفق حسن التعامل مع المستجدات فاذا كان من السنة أن نقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم فيما فعل، فمن السنة أن نتعامل مع المستجدات على الطريقة التي كان يتعامل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم من ضبطها بالاسلام وتكليف من يقوم بشأنها اذا أصبحت ضرورة من ضرورات الحياة الاسلامية. فعلى كل أمير أو مرشح للامرة أن يتتبع سيرته عليه الصلاة والسلام وأن يأخذ طرائقه في التعامل، وأن يحسن التعامل مع المستجدات وهذا يقتضي كمال علم بالكتاب والسنة والسيرة وأصول الفقه وأقوال الأئمة.