الفصل السابع
في القدوة العليا للأمراء وباقة زهر من أوصافه وأخلاقه
عليه الصلاة والسلام
إن القدوة العظمى للأمراء هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد عقدنا في كتابنا "الرسول" فصلاً عن القدوة العليا محمد صلى الله عليه وسلم وتحدثنا هناك: أن محمداً صلى الله عليه وسلم هو القدوة كقائد سياسي وكقائد عسكري وكأب وكزوج وكمعلم وكمرب فلا تجد كمالاً إلا وقد كان فيه عليه الصلاة والسلام المثل الأعلى، لذلك ما من نوع من الأمرة أوجده الاسلام أو أقره إلا وهو عليه الصلاة والسلام قدوة الخلق فيه، فشيء عادي أن يطالب كل أمير وكل راع في هذه الأمة فيما هو فيه بالتخلق بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن عرف ذلك أمسك بالميزان فلا تفوته معرفة الكمال أميراً كان أو مأموراً. إن أكمل الخلق على الاطلاق في كل شيء هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الذي تجمّع فيه من الكمالات ما تفرق في غيره، وكانت سيرته من الشمول والكمال ما استحق به أن يكون قدوة الخلق في كل شيء، وقد رأينا أنه من المناسب أن نذكر بعد الفصل الذي تحدث عن أخلاق الأمير الذاتية بعض أوصافه الجامعة عليه الصلاة والسلام لنعطر فيها هذا الكتاب، وقد وقع اختيارنا على باقة زهر من أخلاقه جمعها حديث ينسب الى هند ابن أبي هالة التميمي ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحديث يعتبر أجمع وصف لصفاته عليه السلام الخلقية والخلقية ومع أن المحدثين تكلموا في الحديث من حيث أن فيه راوياً لم يسم لكن الراوي عنه ذكر أنه من أبناء هند بن أبي هالة فهو مظنة الرواية ومظنة الانفراد وعلى كل الأحوال فالمعاني الموجودة في الحديث صحيحة فهي على أوسع الأحوال جمع متتبع واستقراء عليم، ونحن سنعرض هذا الحديث على فقرات نذكر بعد كل فقرة شرحاً لغريبها أو لغامضها، وترقيم الفقرات وعناوينها نضعه بين قوسين في الوسط اشارة الى أنها ليست من أصل الحديث:
أخرج الطبراني في الكبير بسنده الى جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجلي أملاه من كتابه قال: حدثني رجل من بني تميم من ولد أبي هالة زوج خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها يكنى أبا عبد الله عن ابن لأبي هالة عن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سألت خالي هند بن أبي هالة عن حلية رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان وصافاً وأنا أرجو أن يصف لي منها شيئاً أتعلق به قال:
(1 - في أوصافه الجسمية)
"كان صلى الله عليه وسلم فخماً مفخماً، يتلألأ وجهه تلألأ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع وأقصر من المشذب، عظيم الهامة، رجل الشعر، إن انفرقت عقيصته فرق، والا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه اذا هو وفره، أزهر اللون، واسع الجبين، أزج الحواجب، سوابغ من غير قرن، بينهما عرق يدره الغضب، أقنى العرنين له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشم، كث اللحية، أدعج سهل الخدين، ضليع الفم، أشنب، مفلج الأسنان، دقيق المسربة، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادناً متماسكاً، سواء البطن والصدر، عريض الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، أنور المتجرد، موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط، عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة، سبط القصب، شتن الكفين والقدمين وسائر الأطراف، خمصان الأخمصين، مسيح القدمين، ينبو عنهما الماء".
(2 – في وصف مشيته عليه السلام)
"إذا زال زال تعلقاً، ويخطو تكفؤاً ويمشي هوناً ذريع المشية إذا مشى كأنما ينحط من صبب، واذا التفت التفت معاً، خافض الطرف، نظره الى الأرض أطول من نظره الى السماء، جل نظره الملاحظة، يسوق أصحابه، ويبدأ من لقيه بالسلام".
(3 – في وصف منطقه وحديثه وأسلوب كلامه)
قلت: صف لي منطقه قال:
"كان صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، ولا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، ويتكلم بجوامع الكلم فصلاً لا فضول فيه ولا تقصير، دمثاً، ليس بالجافي ولا بالمهين، يعظم النعمة وإن دقت، ولا يذم ذواقاً ولا يمدحه، ولا تغضبه الدنيا ولا ما كان لها، فاذا تعرض للحق لم يعرف أحداً، ولم يقم لغضبه شيء، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث اتصل بها فضرب بباطن راحته اليمنى باطن ابهامه اليسرى، واذا غضب وأعرض أشاح، واذا ضحك غض طرفه، جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام".
(4 – أحواله عليه السلام داخل منزله وتقسيمه وقته)
قال الحسين سألت أبي عن دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كان دخوله لنفسه مأذوناً له في ذلك، فكان اذا آوى الى منزله جزأ نفسه ثلاثة أجزاء، جزءاً لله وجزءاً لأهله، وجزءاً لنفسه، ثم جزأ نفسه بينه وبين الناس، فيرد ذلك على العامة بالخاصة، فلا يدخر عنهم شيئاً، فكان من سيرته في جزء الأمة ايثار أهل الفضل بأذنه، وقسمتهم على قدر فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم فيما يصلحهم ويلائمهم ويخبرهم بالذي ينبغي لهم، ويقول ليبلغ الشاهد الغائب، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع ابلاغها اياي، فانه من أبلغ سلطاناً حاجة من لا يستطيع ابلاغها ثبت الله قدميه يوم القيامة، لا يذكر عنده الا ذلك، ولا يقبل من أحد غيره، يدخلون رواداً، ولا يتفرقون الا عن ذواق، ويخرجون أدلة.
(5 – في علاقاته مع من حوله عليه السلام)
قال (الحسين) فسألته (أي سأل والده) عن مخرجه كيف كان يصنع فيه؟ فقال: "كان صلى الله عليه وسلم يخزن لسانه الا مما يعنيهم، ويؤلفهم ولا يفرقهم، أو قال ولا ينفرهم، فيكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم، ويحذر الناس ويحترس منهم، من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره ولا خلقه. يتفقد اصحابه ويسأل الناس عما في الناس، ويحسن الحسن، ويصوبه، ويقبح القبيح ويوهنه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفل مخافة أو يغفلوا أو يميلوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقصر عن الحق ولا يجاوزه، الذين يلونه من الناس خيارهم، وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة".
(6 – في مجلسه عليه الصلاة والسلام)
(قال الحسين) فسألته (أي سأل والده) عن مجلسه فقال: "كان صلى الله عليه وسلم لا يجلس ولا يقوم الا على ذكر، ولا يوطن الأماكن وينهي عن ايطانها، واذا انتهى الى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، ويعطي لك جلسائه نصيبه، حتى لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه، من جالسه أو قاومه في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف، ومن سأله حاجة لم يرده الا بها، أو بميسور من القول، قد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أباً وصاروا عنده في الحق سواء، مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات ولا تؤبن في الحرم، ولا تثنى فلتاته، متعادلين متواصين فيه بالتقوى، متواضعين، يوقرون فيه الكبير ويرحمون الصغير، ويؤثرون ذوي الحاجة، ويحفظون الغريب".
(7 – في سيرته مع جلسائه عليه السلام)
قال (الحسين لوالده): كيف كانت سيرته في جلسائه قال: "كان صلى الله عليه وسلم دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب ولا فحاش، ولا عياب ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يوئس منه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والاكثار وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحداً ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم الا فيما يرجو ثوابه، اذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، واذا سكت تكلموا ولا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ حديثهم حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته حتى إن كان أصحابه يستجلبونهم، ويقول اذا رأيتم طالب الحاجة فأرشدوه، ولا يقبل الثناء الا من مكافيء ولا يقطع على أحد حديثه حتى يتجوزه فيقطعه بانتهاء أو قيام".
(8 – في سكوته عليه السلام وما كان ينطوي عليه ويحتاط فيه)
قال (الحسن لوالده): كيف كان سكوته؟ قال: "قال كان سكوته صلى الله عليه وسلم على أربع: على الحلم والحذر والتقدير والتفكر، فأما تقديره ففي تسوية النظر والاستماع بين الناس، وأما تذكره أو قل تفكره: ففيما يبقى ويفنى، وجمع له الحلم والصبر، فكان لا يغضبه شيء ولا يستفزه، وجمع له الحذر في أربع: أخذه بالحسن ليقتدى فيه، وتركه القبيح لينتهى عنه، واجتهاد الرأي فيما أصلح أمته، والقيام لهم بما جمع لهم الدنيا والآخرة".
وتعليقاً على هذا الحديث قال صاحب التراتيب الادارية: قال القاضي أبو بكر بن العربي في العواصم من القواصم: أخبرني أبو القاسم ابن المنفوخ بزقاق القناديل أنه سمع من رضوان الفيلسوف (وقد سمع حديث ابن ابي هالة): "هذه الصفات لا تكون الا لنبي ولا يحتاج في الدلالة معها الى غيرها، وإن اعتدال الخلقة يدل على اعتدال الخلق".