الفصل الثالث
في ضرورة الامرة
قال عليه الصلاة والسلام: عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم"، رواه أبو داود باسناد حسن. وقال الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه: "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن". وقال كعب الأحبار: "مثل الاسلام والسلطان والناس مثل الفسطاط والعمود والأوتاد والأطناب، فالفسطاط والأوتاد الناس، ولا يصلح بعضهم إلا ببعض". وقال الأفوه الأودي وهو شاعر جاهلي فطن لضرورة الامرة:
لا يصلح الناس لا سراة لهم ولا سراة اذا جهالهم سادوا
والبيت لا يبتنى إلا على عمد ولا عماد اذا لم ترس أوتاد
فان تجمع أوتاد وأعمدة يوما فقد بلغوا الأمر الذي كادوا
إن الامرة لا بدّ منها لحياة بشرية ولا بدّ منها لحياة اسلامية، بل ان الاجتماع أصلاً لا يقوم بلا امرة، فترتيب الاجتماع البشري، وقطع الطريق الى الظالم، واقامة العدل، والحيلولة دون أن يأكل القوي الضعيف، الى غير ذلك من أمور كثيرة، تجعل الامرة ضرورة من ضرورات الحياة البشرية، وعظمة الدول، قال تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} [البقرة: 251]. {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً} [الحج: 40]. ولا تقوم حياة اسلامية بلا امرة. "فتنفيذ الأحكام، واقامة الصلوات، وجباية الخراج، ونصب القضاة وحماية البيضة، وسد الثغور، وتجهيز الجيوش، وانصاف المظلوم، وضبط الأهواء وقطع التنازع كل ذلك يحتاج الى أمير". "ولا يتم قصد الشارع في وضع الشريعة لصلاح العباد عاجلاً وآجلاً الا بالامرة". "وبالامرة تقوم الوحدة ويقطع الطريق على الفتن والأهواء والفرقة". ثم إنه بالامرة تعمّم الدعوة ويقوم الجهاد، ويتمّ إنجاز ما ورد به الوعد الصادق من ظهور دين الحق على الدين كله. {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله}. قال ابن كثير كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ان الله زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها" وقال الامام أحمد عن مسعود بن قبيصة: صلى هذا الحي من محارب الصبح فقال شاب منهم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنه ستفتح لكم مشارق الأرض ومغاربها وإن عمالها في النار إلا مَن اتقى الله وأدى الأمانة). وقال الامام أحمد عن تميم الداري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين بعز عزيز وذل ذليل، عزا يعز الله به الاسلام، وذلا يذل الله به الكفر). وقال الامام أحمد عن المقداد بن الأسود: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر إلا دخلته كلمة الاسلام بعز عزيز وذل ذليل، إما يعزهم الله فيجعلهم من أهلها، وإما يذلهم فيدينون لها). إنه لا تستقيم حياة بشرية فضلاً عن حياة اسلامية إلا بامرة على كل مستوى، ولا تستقيم الحياة الاسلامية إلا بامرة صالحة يعرف فيها الأمير والمأمور حقوقه وواجباته سواء في ذلك دائرة الأسرة أو دائرة العمل أو داوئر الحكم، من أدنى دائرة الى أعلاها.