
رسالة الأستاذ محمد مهدي عاكف- المرشد العام للإخوان المسلمين
الحمدُ لله ربّö العالمين، والصلاةُ والسلامُ على سيدöنا محمدٍ، النبيّö الأميّö الأمينö، وعلى آلöهö وصحبöهö والتابعين بإحسانٍ إلى يومö الدين.. وبعد!!
اجتمعَ وزراءُ الخارجيةö العربُ قبل أيامٍ في بيروت، ذلكَ الاجتماعُ الذي تأخَّر كثيرًا، وتمَّ في أجواءٍ مöن فقدانö الثقةö في النظامö العربيّö الرسميّö الذي بدَا عاجزًا ومتواطئًا منذ بدايةö العدوانö على لبنان، فلم يؤمّöل فيه الكثيرون خيرًا، ولا شكَّ أن الاجتماعَ لم ينجح مطلقًا في ترميمö الصورةö المهترئةö لذلك النظامö، أو إحداثö إصلاحٍ جوهريٍّ له، وأنَّ محْمَدَتَه الوحيدةَ هي تقديمُ شيءٍ من الدعمö السياسيّö والمعنويّö للبنان في محنتöه، ذلك الوطنُ الحبيبُ الصامدُ في وجهö آلةö الحربö الصهيونيةö الأمريكيةö، والذي ظلَّ يتلفَّت- منذ شهر من المعاناةö والألمö- إلى نجدةö إخوانöه في رابطةö الدينö وآصرةö القُربى دون جدوى، وحين أتَوه بعد شهرٍ من الصمودö متثاقلين (وبموافقةٍ ضمنيةٍ صهيونيةٍ تكفلُ سلامتَهم) كانوا في الحقيقةö يعانون محنتَهم هم أكثرَ من محنةö الوطنö المقاوöم، بعدما أثبتت ملحمةُ المقاومةö والصمودö ضآلةَ هذا النظامö العربيّö الرسميّö، وفضحَت تخاذلَه وعجزَه، وأسقطت ورقةَ التوتö عن عوراتöه وبؤسöه، وبعد انعزالöه عن آمالö أمتöه ورغباتöها.
وتمخَّضَ الجبلُ الصغيرُ عن فأرٍ أشدَّ صغرًا، فلم يقدم المجتمعون من وزراءö العربö بعد الدعمö اللفظيّö لموقفö لبنان سöوَى الوعدö ببحثö اجتماعö قمةٍ عربيةٍ بات مشكوكًا في انعقادöه وجدواه، وتم إيفادُ بعضö هؤلاءö الوزراءö لحضورö مداولاتö مجلسö الأمنö عن لبنان، ذلك المجلسُ الذي يُديرُه البيتُ الأبيضُ، والذي أعلنَ عجزَه منذ أيامٍ عن إصدارö مجرد إدانةٍ للمجزرةö التي ارتكبَها الصهاينةُ في حقّö أطفالö قانا ونسائöها، كما أعلنَ عجزَه منذ أسابيعَ عن إدانةö القصفö الصهيونيّö لمواقع قواتö حفظö السلامö التابعةö له في الجنوبö اللبناني، والذي قتل فيه أربعةñ من رجالöه.
ويبدو أن استمرارَ حصارö لبنان بحرًا وبرًّا وجوًّا، وتدميرö بنيتöه التحتيةö، وقتْلö المئاتö من أطفالöه ونسائöه وشيوخöه، وتشريدö عشراتö الألوفö من أبنائه، وهدمö بيوته على رءوسö ساكنöيها- حتى لا يستطيعَ أحدñ نجدةَ مصابيهم ولا دفْنَ موتاهم- وتخريبö اقتصادö ذلك البلدö العربيّö، وحرقö قُراه ومدنöه، على امتدادö شهرٍ كاملٍ.. يبدو أن ذلك ليس كافيًا بعدُ لإثارةö حميةö حكامöنا، وتسخينö الدماءö الباردةö في عروقöهم، ودفعöهم إلى التفكيرö في مآلاتö أوطانöهم ومصائرö شعوبöهم.. كما أن بسالةَ المجاهدين الصامدين ودماءَ الشهداءö الأوفياءö وقصصَ البطولةö في مواجهةö العدوانö وتساقطَ أساطيرö القوةö الصهيونيةö- التي ضخَّمَها تخاذلُ الأنظمةö العربيةö- كلُّ ذلك لم يدفَع حكامَنا إلى الخروجö من خنادق الخوف ومخابئ الذلّ والانكسارö النفسيّö التي ألöفُوها!!
تمحيص وابتلاء
والحقُّ أن العدوانَ الصهيونيَّ على شعبöنا في العراق وفلسطين وذلكَ الصمودَ المُبهöرَ للمجاهدين هناك طوال هذه المدة- على نحوٍ لم يشهدْه تاريخُ هذا الصراعö- لم يكن تمحيصًا وابتلاءً وكشفًا لسوءاتö نظامöنا العربيّö الرسميّö فحسب، بل كان تمحيصًا لمجموعةٍ من الأساطيرö التي ظلَّ ذلك النظامُ خاضعًا لها ومردّöدًا طوالَ عقودٍ من الزمن ليُقرَّها في وعْيö شعوبöنا.
لقد تبدَّدت أسطورةُ الصديقö الأمريكيّö الراعي لمسيرةö السلامö الزائفö مع العدوّö الصهيونيّö، ذلك الذي قيل إنه يمتلك 99% من أوراقö حلّö الصراعö ووسائلö بسطö السلامö، واتضحَ لكل ذي عينين أن المشروعَ الصهيونيَّ لا يمكن فصلُهُ عن المشروعö الأمريكيّö ورؤيتöه المستقبليةö لهذه المنطقةö من العالمö، وأنَّ العدالةَ الأمريكيةَ الموهومةَ والمرتجاة }كَسَرَابٍ بöقöيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إöذَا جَاءَهُ لَمْ يَجöدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عöنْدَهُ فَوَفَّاهُ حöسَابَهُ وَاللَّهُ سَرöيعُ الْحöسَابö (39) { (النور: من الآية 39 ).
كما تبدَّدت أسطورةُ الدعمö الأمريكيّö لشعوبö المنطقةö في مواجهةö الأنظمةö المستبدَّةö القاهرةö لها، والانحيازö الأمريكيّö لحقّö هذه الشعوبö في نَيلö حرياتöها وكرامتöها الإنسانيةö المهدَرَةö، واتضحَ لكلّö واهöمٍ أن الإدارةَ الأمريكيةَ المخادöعةَ لا ترَى سندًا لمشروعöها السياسيّö الرامöي إلى فرضö النموذجö الأمريكيّö على شعوبö المنطقةö أفضلَ من هذه الأنظمةö المستبدَّةö التي تسارع إلى مزيدٍ من الانبطاحö أمامَها، والتي تبدو مستعدةً دائمًا إلى الاحتفاظö بكراسöيها وعروشöها ولو على حسابö أمتöها المبتلاةö بها.
وإنَّ الإدارةَ الأمريكيةَ قد أدركَت أنَّ الاختيارَ الحرَّ لهذه الشعوبö لن يكون إلا لمصلحةö مشروعöها الإسلاميّö الذي يحقّöق لها عزتَها، ويستعيدُ هويتَها الحضاريةَ المسلوبةَ منها، وهو ما يقفُ على طرفö النقيضö مع المشروعö الأمريكيّö الصهيونيّö، فأسفرَ الوجهُ الأمريكيُّ القبيحُ عن تأييدö العدوانö الصهيونيّö على الخيارö الديمقراطيّö لشعوبö المنطقةö، بل والتحريضö على ذلك العدوانö، وبات على شعوبö المنطقةö الراغبةö في التحررö السياسيّö من ربقةö هؤلاء الطغاةö أن توقنَ أن التغييرَ لن يأتيَ إلا بجهودöها هي ومöن داخلöها }إöنَّ اللَّهَ لا يُغَيّöرُ مَا بöقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّöرُوا مَا بöأَنْفُسöهöمْ} (الرعد: من الآية11).
أسطورة أخرى تتبدَّد
وتبدَّدت أسطورةُ التفوقö الصهيونيّö العسكريّö، فهذا الكيانُ الغاصبُ المدعومُ أمريكيًّا لم يستطع فرضَ إرادتöه على شعبöنا الصابرö المرابطö في فلسطين، ولم يستطع الصهاينةُ كسْرَ إرادةö المقاومةö عنده بعد عقودٍ من ممارسةö أعتى صنوفö الإجرامö ضدَّه، كما لم يستطع الصهاينةُ فَرْضَ إرادتöهم على الشعبö اللبنانيّö، بل إن جيشَ الاحتلالö- بكلّö ما يمتلكُه من قدراتٍ- لا يزالُ عاجزًا بعد شهرٍ من القتالö المُريعö عن تحقيقö الغلبةö على جماعةٍ من المجاهدين المؤمنين هناك خذلَهم القريبُ والبعيدُ إلا مَن رحمَ اللهُ، تمامًا كما تبدَّدت- على امتدادö ثلاثö سنواتٍ من المقاومة للاحتلال الأمريكي في العراق- أسطورةُ تأليهö القوةö الأمريكيةö الباطشةö التي زيَّنت لها أوهامُ القوةö وغرورُ القدرةö أنها تستطيع صياغةَ العالمö من جديدٍ وفْقَ رؤيتها وأجندتها الخاصة.
وسقطت مع هذه الأساطيرö والأوهامö أسطورةُ قوةö الأنظمة العربية التي تتترَّس بالبطش والاستبداد وتلال من القوانين المقيّöدة لحركة شعوبها والمكبّöلة لحرياتها، فقد تجاوزتْها الأحداثُ التي أثبتت فقدانَ هذه الأنظمةö لكلّö مشروعيةٍ ممكنةٍ، وضعفها عن مواجهةö أعداءö الأمةö، بل استعدادها لتوفير الغطاءö لعدوّöها، وتقديمö الدعمö الخفيّö والظاهرö له، مقابلَ أن يخلّöصَها مما تراه خطرًا يهدّöدُ فسادَها واستمرارَ بطشöها، تتوهم أنه يأتيها من جماعاتö الإسلامö المقاومö التي باتت أملَ الأمة الممتحنة في غدٍ عزيزٍ بلا مذلةٍ أو هوان.
تمحيص الوعي
ثم كان العدوانُ الهمجيُّ الصهيونيُّ على فلسطين ولبنان، وصمودُ المقاومةö هناك كان تمحيصًا من نوع فريدٍ لوَعيö هذه الأمة وقدرةö طليعتöها المثقفةö وعلمائها المستنيرين على مواجهةö عواملö الوهنö الفكريّö التي ظلَّت تبدّد طاقاتö الأمةö في المواجهة على امتدادö قرونٍ من الزمن، ولا شكَّ أن حراكًا علميًّا شهدته الآونةُ الأخيرةُ يبحث في علاقةö السنةö والشيعةö وموقف كلتا الطائفتين المسلمتين من المشروعö الصهيونيّö الأمريكي، وهو حراكñ ينبغي أن يَستهدفَ مصلحةَ الأمةö جميعها، وتعزيز قدراتöها على الصمود والمواجهة، ويتجاوزَ مزالقَ الفتن والتفريق بين المؤمنين، ونحن في زمن تتكالبُ فيه الأممُ علينا، فليس أقلَّ من إعلاء قيم الوحدة بين أبناء الأمة المسلمة، وهم أتباعُ منهجٍ ربانيٍّ واحدٍ، يُوَلُّون وجوهَهم شطرَ قبلةٍ واحدةٍ، ويواجهون خطرًا ساحقًا لا يريد الإبقاءَ على أحد.
ولا ريبَ أن مَواطنَ الالتقاء بين الفريقين أعظمُ بكثير من مواضع الاختلاف، ومعظمها تاريخي، مضى زمنُه ووهت أسبابُه، وأن علماءَنا اليوم مدعوُّون إلى لَمّö شَمْل أهلنا في العراق الذين تتهدَّدهم مخاطرُ الانقسام الطائفي، وهم يواجهون عدوًّا واحدًا يجب أن ينفروا جميعًا لمواجهته.
صحوة شرفاء العالم
وإن مöن بركات الجهاد الدائر الآن في فلسطين ولبنان والعراق أن تَستبين ملامح صحوة عالمية تجمع أحرارَ العالم وشرفاءَه ضد المشروع الأمريكي للهيمنة على مقدّرات الشعوب، وفرض الرؤية الأمريكية العنصرية عليها، وإننا لنُحيّöي هذه الألوفَ التي خرجَت استنكارًا للعدوّö الصهيونيّö الأمريكيّö على لبنان وفلسطين، وذلك الموقف النبيل للرئيس الفنزويلي شافيز، الذي هزَّ ضمائرَنا في وطننا العربي والإسلامي، حين سحَب سفيرَ بلاده في الكيان الصهيوني، وهدَّد بقطع العلاقات معه إن استمر عدوانُه على شعوبنا، وهو موقفñ لم يستطع بعضُ حكامö بلادöنا أن يرتفعوا إليه، وهم يحرصون على استمرارö علاقاتö الخöزيö والعارö مع الكيانö الصهيونيّö، ويصمُّون آذانَهم عن غضبةö شعوبهم إزاءَ ذلك الوضعö المهين.
الشرق الأوسط الجديد
إن مشروعَ الشرق الأوسط الجديد، الذي تُريد الإدارةُ الأمريكيةُ فرضَه على منطقتنا هو جزءñ من رؤيتöها للعالم، تلك الرؤيةُ العنصريةُ الاستعماريةُ التي تستهدف تكريسَ التفوقö الأمريكيّö المطلق على شعوب الأرض، غير أن أقدارَ منطقتنا العربية والإسلامية شاءت لها أن تقعَ في القلبö من ذلك المشروعö الأمريكيّö، بما تمثّöله من تميزٍ حضاريٍّ وهويةٍ ثقافيةٍ إسلاميةٍ، ترفض الخضوعَ للغيرö والسيرَ في ركابö الآخرين، وبما تمتلكُه من أعلى احتياطي للنفط الذي لا يزال يمثّöل عصبَ الحياة، والذي يسعى المشروعُ الأمريكيُّ إلى إحكامö السيطرة على مواردöه وأسعارöهº ليضمنَ طاعةَ دولö العالمö له، وتطمح الإدارةُ الأمريكيةُ إلى شرق أوسط جديد يخلو من كلّö نزعة للمقاومة وخاصةً التي يغذيها الإسلامُ كبديل حضاريٍّ إنسانيٍّ فذٍّ.
غير أننا على يقينٍ من فشلö ذلك المشروعöº إذ إن القوةَ الباطشةَ لن تستطيع أن تهزمَ إرادةَ الشعوبö ورغباتöها في التحررö والسيادةö، وإن بوادرَ الفشلö لذلك الوهمö الأمريكيّö الطاغيö لتتبدَّى في مستنقعö العراقö الذي لا يستطيعُ الجيشُ الأمريكيُّ بكل قوته الخروجَ منه، وإن صمودَ شعبöنا في فلسطين ولبنان لَيعزّöز من دلائلö فشلöه، كما تتلاقَى إرادةُ الأحرارö في العالمö على مقاومتöه والتصدّöي له لبناءö مستقبلٍ أفضلَ للإنسانيةö تعلو فيه قيمُ الحريةö والعدل..
إلى شعوب الغرب الأوروبي والأمريكي
بعد أيامٍ قلائلَ- في منتصفö شهرöنا هذا- ستحتفلون بذكرى انتصارöكم في الحربö العالميةö الثانيةö، ذلك الانتصارُ الذي أنهَى خطرَ النازيةö والفاشيةö، والذي أُزهöقَت في سبيله ملايينُ الأنفسö.. أتُراكم- وأنتم تحتفلون بذلك النصر- ستنعمون بسلامö النفسö وحكوماتُكم تقدّöم الدعمَ كلَّه للعدوانö الصهيونيّö على أمتنا؟! وهو عدوانñ لا يقلُّ وحشيةً وهمجيةً عن نازيةö هتلر وفاشية موسوليني، إن لم توقفها.
وكلمتُنا الأخيرةُ.. إلى المجاهدين الصابرين على خطوطö المواجهةö مع العدوّö، وإلى الملايين من شبابö الإسلامö، الذين يتحرَّقون شَوقًا إلى نصرتöهم ومشاركتöهم: إن سنةَ اللهö ماضيةñ في نُصرةö الحقّö وأهلöه، وإنكم لتصنعون تاريخًا جديدًا لأمتöكم وللعالمö كله، وإن انتصارَكم وصمودَكم اليومَ باتَ أملَ المستضعفين في مشارقö الأرضö ومغاربöها، واللهُ معكم ولن يتöرَكُم أعمالَكم..
وَاللَّهُ غَالöبñ عَلَى أَمْرöهö وَلَكöنَّ أَكْثَرَ النَّاسö لا يَعْلَمُونَ} (يوسف: من الآية 21).
وصلَّى اللهُ على سيدنا محمدٍ النبيّö الأميّö وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.