
رسالة من محمد مهدي عاكف- المرشد العام للإخوان المسلمين
بöسْمö اللَّهö الرَّحْمَنö الرَّحöيمö، الحمدُ لله ربّö العالمين، والصلاةُ والسلامُ على رسولö اللَّهö وآلهö وصحبöهö ومَنْ والاه، وبعدُ..!!
فإنَّنا نرى أنَّ أهلَ البغْيö والعدوانö لا يقفونَ عندَ حدّö انحرافöهم عن الحقّö وانحيازöهم للباطلö، إنَّما هُمْ كذلكَ يُعلنونَ الحربَ على الحقّö، ويُريدونَ إطفاءَ نُورö اللَّهö المُتمثّöلö في دينö الإسلام، وفي الدعوةö التي تنطلقُ بöهö في الأرضö وفي الشعوبö التي تُعلنُ تمسُّكَها به {يُرöيدُونَ أَنْ يُطْفöئُوا نُورَ اللَّهö بöأَفْوَاهöهöمْ} (التوبة: من الآية 32)، فهم يُحاربون نورَ الله، سواءñ بما يُروّöجونه من أباطيلَ تحاولُ أن تُشوّöهَ حقيقةَ هذا الدينö وتُشوّöشَ على غيرö الفاهمينَ، أو بما يُطلقُونَهُ من أكاذيبَ ودسائسَ، أو ما يحيكونه من فتنٍ، أو بما يخوضونه من حروبٍ على الدينö وأهلöهö.
ولَقَدْ وعدَ اللَّهُ تعالى عبادَه المؤمنين أن يُمكّöنَ للإسلامö في الأرضö، وأن ينصرَه وأهلَهُ، ويجعلَهُ قويًّا عزيزًا، فقال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذöينَ آمَنُوا مöنْكُمْ وَعَمöلُوا الصَّالöحَاتö لَيَسْتَخْلöفَنَّهُمْ فöي الأَرْضö كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذöينَ مöنْ قَبْلöهöمْ وَلَيُمَكّöنَنَّ لَهُمْ دöينَهُمُ الَّذöي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدّöلَنَّهُمْ مöنْ بَعْدö خَوْفöهöمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنöي لا يُشْرöكُونَ بöي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلöكَ فَأُولَئöكَ هُمُ الْفَاسöقُونَ} (النور: 55)، ويظنُّ أهلُ الباطلö أنَّهم قادرونَ على القضاءö على الدينö الذي ارتضَاه الله لعبادöه، وهم واهمون..!! فلن يستطيعوا ذلكَ مهما بذلوا من جهدٍ وكيدٍ ومكرٍ على امتدادö الزمنö.
وقدْ صوَّر القرآنُ الكريمُ مöثْلَ هذه المحاولاتö البائسةö بصورةٍ تُبيّöنُ مَدَى ضعفö الكيدö والتآمُرö البشريّö- وإنْ ساندَهُ الشيطانُ- في مواجهةö هذا الدينö الذي جاءَ من عندö الرحمنö، فقال تعالى: {يُرöيدُونَ أَنْ يُطْفöئُوا نُورَ اللَّهö بöأَفْوَاهöهöمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إöلاَّ أَنْ يُتöمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرöهَ الْكَافöرُونَ} (التوبة: 32)، وهو وعدñ تطمَئöنُّ إليه قلوبُ الذين آمنُوا، فيدفعُهُم إلى المُضöيّö في الطريقö على ما فيه من مشقةٍ، والصبرö على ما يجدونَ من لأواء، ويُدرك المؤمنونَ أنَّ في ثنايا الوعدö وعيدًا لأهلö الباطلö ولكلّö مَن سَارَ على دربö الكافرينَ والمشركينَ في عداوتöهم للإسلام {هُوَ الَّذöي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بöالْهُدَى وَدöينö الْحَقّö لöيُظْهöرَهُ عَلَى الدّöينö كُلّöهö وَلَوْ كَرöهَ الْمُشْرöكُونَ} (التوبة: 33).
وبمثل ذلك يتوعَّدُ القرآنُ الكريمُ في آياتٍ أخرى {يُرöيدُونَ لöيُطْفöئُوا نُورَ اللَّهö بöأَفْوَاهöهöمْ وَاللَّهُ مُتöمُّ نُورöهö وَلَوْ كَرöهَ الْكَافöرُونَ* هُوَ الَّذöي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بöالْهُدَى وَدöينö الْحَقّö لöيُظْهöرَهُ عَلَى الدّöينö كُلّöهö وَلَوْ كَرöهَ الْمُشْرöكُونَ} (الصف: 8-9) {هُوَ الَّذöي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بöالْهُدَى وَدöينö الْحَقّö لöيُظْهöرَهُ عَلَى الدّöينö كُلّöهö وَكَفَى بöاللَّهö شَهöيدًا} (الفتح: 28).
وقدْ ظَهَرَ دينُ الحقّö ولا يزالُ ظاهرًا حتَّى بَعْدَ انحسارö سلطانöهö عن جزءٍ كبيرٍ من الأرضö التي فَتَحَهَا، وضعفö قوةö أهلöهö بالقياسö إلى القُوى الأُخرى وخاصةً التي ظهرتْ مؤخرًا، ظهرَ دينُ الحقّö لأنَّهُ دينñ قويّñ بذاتöهö وطبيعتöهöº لöمَا فöيهö من استقامةٍ مع الفطرةö ونواميسö الكونö، ولöمَا فöيهö من تلبيةٍ لحاجاتö العقلö والروحö وحاجاتö الحياةö عامةً، وظهورُهُ بهذا الشكلö رغمَ ضعفö أهلöهö يزيدُ من غيظö أهلö الباطلö فيدفعُهُم إلى زيادةö عدوانöهم وبغيهم.
حروبñ مستمرةñ على المسلمين
ومن هذا المنطلقö نستطيعُ أنْ نفْهَمَ لماذَا تستمرُّ الحروبُ على المسلمينَ في وقتٍ بقيتْ فيه السيوفُ في أغمادöهَا في مناطقَ أخرى كانت مسرحًا لصراعاتٍ داميةٍ؟! ولماذا تتواصلُ الغاراتُ على بلادö الإسلامö وقد سكتتْ أصواتُ المدافعö فيما عدَاهَا؟! فأيُّ منطقةٍ أُخرى من العالمö يجري فيها مثل ما يجري في فلسطينَ منذُ عقودٍ من الزمانö؟! قتلñ وتذبيحñ.. سجنñ واعتقالñ.. هدمñ وتشريدñ.. دمارñ وحصارñ.. والعدوُّ الصهيونيُّ يتمادَى في عدوانöهö وبغيه، فيقتلُ الأطفالَ الرُّضَّعَ والنساءَ القواعدَ والشيوخَ الرُّكَّعَ، ويسجنُ آلافَ الفلسطينيينَ، حتَّى وزراءَ السلطةö الوطنيةö ونوابَ الشعبö المنتخَبين ورئيسَ المجلسö التشريعيّö لم يسلموا من يدö البغي، ولم تشفعْ لهم حصانةñ حكوميةñ أو برلمانيةñ.
يحدث هذا ومثلُهُ وقريبñ منه منذُ سنواتٍ دونَ أن تتحركَ قوةñ دوليةñ عُظمى أو منظمةñ دوليةñ كُبرى ولا حتَّى دولةñ شقيقةñ أو صديقةñ لتأخذَ على يدö المعتدي وتُجبرَه على كفّö أذاه.
وتنطلقُ ماكينةُ الحربö الصهيونيةö المدجَّجةُ بالسلاحö الأمريكيّö لضربö قطاعö غزةَ ولبنانَ، وتتواصلُ الحربُ المدمّöرةُ أسابيعَ من أجلö ثلاثة جنودٍ معتدين اختطفتْهُم المقاومةُ الفلسطينيةُ واللبنانيةُ، وتتوالَى التصريحاتُ الدوليةُ لإدانةö حادثَي الاختطاف.. ولكن ماذا عن اختطافö الشعبö الفلسطيني بأسْرöهö؟! وماذا عن سجنö الآلافö من الأبرياءö الفلسطينيينَ واللبنانيينَ سنواتٍ طويلةً؟! لا أحدَ يستنكرُ أو يستهجنُ أو حتَّى يُعربُ عن أسفöهö!!
ويصدرُ مجلسُ الأمنö الدوليّö قرارًا بوقفö إطلاقö النارö في لبنانَ يلتزمُ بöهö حتَّى الآن حزبُ الله ولا يلتزمُ بöهö العدوُّ الصهيونيُّ ويواصلُ حصارَهُ للبنان، وينتهكُ القرارَ أكثرَ من مرةٍ، ومَعَ ذلكَ لم تصدرْ أيُّ إدانةٍ لتصرفöهö الذي يتحدَّى به ما يُسمونها الإرادةُ الدوليةُ.
مسرحية التدخل الإنساني
ويواجهُ الشعبُ الفلسطينيُّ حربَ إبادةٍ منذُ أكثرَ من نصفö قرن، ومع ذلك لا يُناقöشُ أحدñ إمكانيةَ نشر قواتٍ دوليةٍ لحمايةö الفلسطينيينَ، أما في إقليمö دارفور السوداني فقد جَرَى تصويرُ الوضعö على أنَّه حربُ إبادةٍ ضدَ القبائلö الأفريقيةö من جانبö الحكومةö السودانيةö والقبائلö العربيةö، وتضخيمñ لبعضö الحوادثö الفرديةö، وضربñ على وترö الإبادةö العرقيةö، ويُساهمُ في هذهö الحملةö المزيفَّةö إعلامñ دوليّñ مخادعñ منحازñ لا تعنيه الحقيقةُ ولا يهتمُّ بها.
وقد شَهَدَ أكثرُ من طرفٍ محايدٍ على أنَّ ما يُقال عن أوضاعö دارفور المترديةö أمورñ مبالغñ فيها، وإنْ كانت هناكَ أوضاعñ اجتماعيةñ واقتصاديةñ سيئةñ فهي لا تخصُّ إقليمَ دارفور وحده، بل هي سائدةñ في مختلفö أنحاءö السودان.
وتتباكَى الولاياتُ المتحدةُ- ومعها بريطانيا- وهما اللتان دمَّرتا أفغانستانَ والعراقَ، وقتلتا عشراتö الآلافö من أبناءö البلدَيْنö المسلمَيْنö من المدنيينَ الأبرياءö في غاراتٍ وحشيةٍ.. تتباكيانö على أوضاعö حقوقö الإنسانö في دارفور، وتُسارعانö لاستصدارö قرارٍ من مجلسö الأمنö الدولي بنشرö قواتٍ أُمميةٍ محلَّ قواتö الاتحادö الأفريقيّö الموجودةö في دارفور بزعمö التدخلö الإنسانيّö، ويزدادُ الصلفُ الأمريكيُّ فتقولُ واشنطن إنَّ التدخلَ لا يحتاجُ إلى موافقةö الخرطومö!!
وإننا نتساءل: إذا كانتْ واشنطن أو لندن تُعيرُ اهتمامًا للدمö البشريّö المُراقö فلماذا سفكتْهُ أنهارًا في أفغانستانَ والعراق؟! وإذا كانت تُقدّöرُ حُرمةَ الدمö البشريّö فلماذا أصرَّت على عدمö وقفö إطلاقö النَّارö في لبنانَ رغم سقوطö آلافö الضحايا ورغم ارتكابö الصهاينةö للمذابح يوميًّا؟ وإذا كانَ للعنصرö البشريّö أدنَى اعتبارٍ في سياستهم فلماذا السكوتُ على مخططö إفناءö الشعبö الفلسطينيّö المستمر أكثرَ من نصفö قرن؟!
واقعُ الحالö أنَّ سياسَتَهم مخادعةñ غيرُ أخلاقيةٍ، وهم يسوقونَ الحُججَ الزائفةَ للترويجö لمخططاتöهöم ويحسبون أنَّ حöيَلَهُم يُمكنُ أن تنطلöيَ على الشعوبö، والجميعُ لا يزالُ يتذكرُ يومَ ساقت الدولتان ذاتهما الحُججَ الواهيةَ عن امتلاكö العراقö لأسلحةö الدمارö الشاملö ثمَّ اعترفَ وزيرُ الخارجيةö الأمريكي السابق كولن باول بأنه ساهمَ في خداعö مجلس الأمن وأنَّ ما قيلَ لم يكن يُعبّöرُ عن الحقيقةö!!
والأمرُ نفسُهُ يتكررُ اليومَ في السودانö في خطوةٍ جديدةٍ للإحاطةö بالعالمö العربيّö والإسلاميّö وضربö أطرافöه بلدًا بعدَ آخر، ودولةً بعدَ أُخرى.. بالأمسö أفغانستان والعراق.. واليوم السودان.. وغدًا سوريا وإيران.. وبعد غدٍ مصر.. وصولاً إلى مكةَ المكرمةö والمدينةö المنورة.
إنَّ المخططَ واضحñ كالشمسö لا يحتاجُ إلى دليلٍ أو بُرهان، عدوانñ سافرñ يتستَّرُ خلفَ دعاوى إنسانية، ويلتحفُ بقراراتٍ دوليةٍ منحازةٍ.. ويُخفöي أطماعًا شيطانيةً في الاستيلاءö على ثرواتö المنطقةö وحرمانö أهلها منها.
والسودانُ اليوم بين شقَّيْ الرحى، فإما أن يرضخَ ويقبلَ بنشرö القواتö الدوليةö التي تعني في الحقيقةö سيطرةً أمريكيةً محضةً فيكون قد وضعَ عُنقَه بيده تحتَ المقصلةö، وإما أن يرفضَ فيتعرَّضَ للأذَى الذي يبدأُ بالعقوباتö ولا ينتهي عندها!!
ويعجبُ المرءُ إذ يعجبُ لحالö الدولö العربيةö والإسلاميةö التي تقبلُ بما يجري، ولا نقولُ تتواطَأَُ معَهُ، ويظنُّ البعضُ أنَّه في مأمنٍ وأنَّه إذا كانتْ واشنطن طامعةً في دولةٍ أو اثنتين فلنتركها تُحققُ ما تريدُ، وليكن ذلك فداءً لبقيةö الأوطان، وهذا هو منطقُ الثيرانö التي لم يشفعْ لها استسلامُها في أن تكونَ الضحيةَ التاليةَº لأن الذئبَ الأمريكيَّ لا يشبعُ وسيواصلُ عدوانَهُ كرَّةً بعد أُخرى ما لم يُدركْ أنَّ العدوانَ على أوطانöنَا سيُكلفُّه ما لا طاقةَ لَهُ بöهö من خسائرَ، ومن هنا فإننا نشدُّ على أيدي المقاومةö في العراق وأفغانستان ونُطالبها بتصعيدö عملياتها، وحصرها في جنودö العدوّö الغزاةö، وعدم التعرُّضö لأبناءö الوطنöº لتكون خسائرُهم شاهدًا أمامهم لعلَّه يردعُهم أو يُحرّöك قُوى المقاومةö الشعبيةö في بلادöهم لوقفö سياسةö العدوانö.
ورجاؤنا أن تستفيقَ الحكوماتُ العربيةُ والإسلاميةُ على وقعö القارعةö التي تكادُ تضرب جزءًا عزيزًا من ديارö الإسلام، وخاصةً مصر التي يُعدُّ التدخل الأمريكي في السودان تهديدًا خطيرًا لأمنöها القومي، وأن تُسارعَ إلى التلاحمö مع شعوبöهَا لتدارك الخطبَ قبلَ وُقوعöهö.
وها نحن اليومَ نعيشُ أجواءَ ذكرى تحويلö القبلةö من المسجدö الأقصى إلى المسجدö الحرامö وما ينبغي أن نتذكرَه من أننا أهلُ قبلةٍ واحدةٍ نُصلي لإلهٍ واحدٍ، فلتكنْ كلمتُنا واحدةً وقصدُنا واحدًا ووجهتُنا واحدةً.. شعوبًا وحكوماتٍ.
ولنعلمَ أنَّ من معالمö الصراعö بين الحقّö والباطلö انتصارَ الحقّö في النهايةö.. بعدَ أن يراوحَ المؤمنونَ بين النصرö والهزيمةö، ويطولَ البلاءُ على المؤمنينَ، ثم يتمخَّضَ عن هذا كلöهö انتصارñ واضحñ للحقّö وأهلöهö، على الباطلö بكلّö أشكالöهö وألوانöهö، فينصرَ الله الضعفاءَ من المؤمنين، ويعزَّ جندَه، ويُعليَ كلمتَه، ويرفعَ رايتَهُ، ويهزمَ أعداءَه، ويجعلَ الدائرةَ عليهم، والهزائمَ تُلاحقُهم، ويسقطَ الطغاةُ المتجبرون المتكبرون في الأرضö.
فكونوا من أنصارö الحقّö حتى تستحقوا النصرَ.. {كَذَلöكَ يَضْرöبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطöلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فöي الْأَرْضö كَذَلöكَ يَضْرöبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ} (الرعد: من الآية 17).