
رسالة من محمد مهدي عاكف- المرشد العام للإخوان المسلمين
تحتفل مصر ومعها شعوبُ العالم العربي والإسلامي بعيد تحرير سيناء، التي قدَّم الشعبُ المصريُّ تضحياتٍ عزيزةً من أجل استرداد كلّö حبة رمل من رمالها، وكان سندُنا الكبير طوال سنوات المعاناة والحروب بعد إيماننا بالله تعالى الذي ترجمته صيحاتُ تكبير الجنود "الله أكبر" هو إيمانَنا باستردادö أرضöنا وكرامتöنا، واستعدادَ الشعب المصري كله بالتضحية في سبيل النصر على أعدائه، المغتصبين لأرضه، المستبيحين لكرامته.
إن أهم دروس تحرير سيناء هو قدرة الحق بقوته الواضحة المجرَّدة على هزيمة القوة المتغطرسة المدجَّجة بكل أنواع السلاح، عندما امتلك أصحاب الحق الإرادةَ الجازمةَ، وقدَّموا التضحية العزيزة، وتحلَّوا بالوفاء النادر، والتزموا بمعرفة الهدف وعدم الانحراف عنه أو المساومة عليه أو الخديعة بغيره.
إننا نقدم خالصَ تهنئتöنا للشعبö المصريّö والأمة العربية والإسلامية ولقواتنا المسلَّحة الباسلة في هذه المناسبة العزيزة، ولن يُثْنöيَنا عن ذلك أن يُزَجَّ بهذه المؤسسة الوطنية في مجال الخصومات السياسية، وأن يُحالَ أمام قضائها العسكري مدنيُّون لا ذنبَ لهم إلا أنهم يعملون مخلصين من أجل رفعة هذا الوطن العزيز على مبادئ الإسلام العظيم!!
واليوم.. ونحن نحتفل بعيد تحرير سيناء.. ما أحرانا أن نستعيدَ هذا الدرسَ المهمَّ والخطيرَ في مواجهة موجةö الحرائقö، التي تشتعل مöن حولنا، وتدمّöر مقدَّرات أمتنا العربية والإسلامية:
* حق الشعوب في النضال السلمي المشروعº من أجل الحرية والكرامة والعدل والمساواة، في مواجهة جبروت الأنظمة المستبدَّة والظالمة والفاسدة المفسدة.
* حق الشعوب في الشورى والديمقراطية، في مواجهة انفراد نُخَب ضيقة حاكمة ومتحكّöمة في مقدَّرات الشعوب، ورسْم سياسة البلاد، وتصريف مصالح العباد، دون وازعٍ من قانونٍ أو دستورٍ أو خلُقٍ أو ضميرٍ.
* حق الشعوب في المقاومة الشرعية المشروعة في مواجهة جبروت القوة الطاغية.. قوة الاحتلال الاستيطاني أو قوة الغزو العسكري (قوة أمن الحكومات الضعيفة الفاقدة للشرعية والتي لا تمثّöل شعوبَها)، أو قوات التدخل الخبيث باسم حقوق الإنسان، أو حلّö النزاعات الأهلية والإقليمية ولو كانت باسم الأمم المتحدة.
* حق الشعوب في العلم والمعرفة وامتلاك التكنولوجيا في مواجهة استحواذ البعض على التكنولوجيا المتقدمة وأسرار العلم الحديث.
* حق الشعوب العربية والإسلامية في الوحدة والتعاون المشترك في مواجهة خطط التمزيق والتفرقة ومخططات التجزئة وبثّ الفتن وإثارة النزاعات.
لقد اختطفت الإدارة الأمريكية العالمَ كلَّه في لحظةٍ تاريخيةٍ في أعقاب الحادث المأساوي في 11 سبتمبر 2001م، وأجبرت العالمَ كلَّه على السيرö خلفَها في حربها ضد الإرهاب، دون تحديدٍ واضحٍ أو تعريفٍ محدَّدٍ لمفهوم ومعنى الإرهاب، ودون تمييزٍ صريحٍ بين الحقّö في المقاومة المشروعة التي كفلتها الشرائع السماوية والقوانين الوضعية والمواثيق الدولية وبين العمليات الإجرامية الإرهابية التي تستهدف الأبرياء لا المحتلين الغزاة المجرمين!!
وسارعت الإدارة الأمريكية في توظيف الحدث لصالح حليفöها الاستراتيجي في المنطقة (الكيان الصهيوني)، المغتصöب للأرض المقدَّسة، والمنتهöك لحرماتö المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، فدمغت المقاومة الفلسطينية واللبنانية ضد الاحتلال والعدوان الصهيوني بوصف الإرهاب ووضعتها على قائمة الحركات الإرهابية، وأجبرت أوروبا وبقيةَ دول العالم على السير خلفهاº مما وضع العالمَ كله في مأزقٍ خطيرٍ: كيف يتعامل مع حكومة منتخَبة بديمقراطية شفَّافة لم يشكّöكْ فيها أحدñ؟ ويفرض حصارًا ماليًّا على الشعب الفلسطيني لأكثر من سنة يتعرَّض فيها لانتهاكاتٍ بشعةٍ لأبسط حقوقه في العلاج والتعليم والنظافة وكل مرافق الحياة..!!
ومأزق آخر في لبنان يعرّöض وحدة البلاد الوطنية إلى فتنة خطيرة قد تؤدي إلى حرب أهلية تُستخدم فيها الأسلحة القذرة ويُوظَّف الاختلاف المذهبي المشروع إلى شرْخ يهدّöد وحدة الشعب اللبناني..!!
مَن الذي فوَّض الرئيس بوش ونائبه تشيني وأركان إدارته في الأمم المتحدة والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية وغيرها في التدخل في كلّö أمورö العالمö وفرضö أجندتöها الخاصة لحماية مصالحها المنفردة ومصالح حليفتöها إسرائيل، على حسب مصالح بقية دول وشعوب العالم كله؟!
لا القانون الدولي ولا ميثاق الأمم المتحدة ولا الاتفاقيات الدولية تعطي الإدارة الأمريكية الحقَّ في ممارسة دور شرطي العالم، وتنشر قواتها في أرجاء المعمورة، وتشنُّ الحروب الاستباقية هنا وهناك، وتشعل الحرائق في كل مكان، وتبذر بذور الفوضى المدمّرة في أنحاء الأرض.
إن العالم اليوم على مفترق طرق، فبعد حربَيْن عالميَّتَيْن مدمّöرتَيْن تصارعت فيهما دول أوروبا أولاً، ثم وسعت مداها إلى الشرق والغرب، وأُزهقت فيها أرواحُ عشرات الملايين من البشر من كل الجنسيات.. توصَّل العالم إلى ميثاقٍ للتعايش بين الأمم والشعوب، وأصبح هناك قانونñ دوليّñ يحتكم إليه الجميع، واليوم ها هي أمريكا تدوس بأقدامö جنودöها القانونَ الدوليَّ، وتدهس بأحذيتهم الغليظة ميثاقَ الأمم المتحدة في كل مكان، وتنتهك كلَّ الاتفاقيات والعهود.
- ففي فلسطين.. مأساة مستمرة، ومظالم لا تتوقَّف منذ ستين سنة أو يزيد، يتعرَّض لها الشعبُ البطلُ الصامدُ الرابضُ للدفاع عن المقدَّسات في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس.
- وفي العراق.. مأساة متجدّöدة منذ 4 سنوات، وثمارها المُرَّة تتجسَّد في خروجö ولجوءö أكثر من 4 ملايين عراقي في الخارج والداخل، وكأن الهدف هو إفراغُ العراق من أهله لإحلال مستوطنين جدُدٍ في أسْرٍ بابليٍّ جديد، وأكثر من مليون قتيل، فضلاً عن نهب ثروة العراق النفطية، وتمزيق وحدته الوطنية، والسعي بدأب لتقسيم أرضه إلى ثلاث دويلات كانتونية، في تمهيدٍ لِ"سايكس بيكو" جديدة، تُمزّöق العالم العربي إلى عشرات الدويلاتº كي تتمتع الدولة اليهودية بالأمن والأمان.
ولا تتحرك الحكومات العربية إلا من أجل إنقاذ أرواح الجنود الأمريكيين الغُزاة، ولا تنعقد المؤتمرات إلا لإنقاذ خطة بوش الأمنية الفاشلة في حربه الخاسرة، ويا للعجب.. الكونجرس الأمريكي يضغط لإنهاء الحملة الفاشلة، والحكومات العربية تسارع لإنقاذ بوش الفاشل!!
- وفي الصومال.. غزوñ جديدñ من عدوٍّ يتربَّص، ودماءٍ تُنزَف، بعد فترة هدوءٍ واستقرارٍ لم تستمرَّ إلا لِ6 شهور باسم مقاومة الإرهاب الوهمي، وبذريعةö التصدي للخطر الإسلامي، والعالم يتفرَّج ولا يتحرك، والعرب لا يبالون ولا يتكلمون، وإذا تكلم بعضُهم يعطي الأعذارَ للغُزاة المحتلين.. أين حمرة الخجل؟!
- وفي السودان.. ضغوط أمريكية بريطانية لا تتوقفº من أجل إدخال عشرين ألف جندي دولي إلى دارفور، في تصعيدٍ واستغلالٍ واضحين للقرارات الدولية، وانحيازٍ أشدَّ لجماعاتö التمرُّد التي ترفض وقْفَ القتال رغم تعهُّد الحكومة السودانية بوقف العمليات المسلَّحة من جانبٍ واحدٍ، والأهداف المريبة لا تخطئها عين المراقب المحايد.
آن الأوانُ اليومَ ليقول العالمُ كلمتَه لأمريكا مثلما يقولُها الشعب الأمريكي في مظاهراته المليونية، ويتردَّد صداها في الكونجرس الأمريكي ذي الأغلبية الديمقراطية: كفى حروبًا مدمرةً، وكفى نشرًا للفوضى المدمرة، كفى مغامرات.. كفى فسادًا وإفسادًا في الأرض {ظَهَرَ الْفَسَادُ فöي الْبَرّö وَالْبَحْرö بöمَا كَسَبَتْ أَيْدöي النَّاسö} (الروم: من الآية 41) {وَاللَّهُ لا يُحöبُّ الْفَسَادَ} (البقرة: من الآية 205) {وَإöذَا قöيلَ لَهُمْ لا تُفْسöدُوا فöي الْأَرْضö قَالُوا إöنَّمَا نَحْنُ مُصْلöحُونَ} (البقرة: 11) {أَلا إöنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسöدُونَ وَلَكöنْ لا يَشْعُرُونَ} (البقرة: 12).
إنها حرب خاسرة في العراق، ومغامرة يائسة في دارفور، وغزو فاشل في الصومال، وتهديدات بحرب مجنونة ضد إيران، وقبل ذلك وبعده استيطان عدواني مصيره إلى الزوال في فلسطين الحبيبة.
لقد ذُقنا الثمار المُرَّة للحرب العشوائية ضد الإرهاب.. تفجيرات هنا وهناك، يغذيها يأس من الإصلاح، وحماس شباب يفتقد الحكمة، وإن كان لا ينقصه الإخلاص، وتُحرّöكه أيادٍ خبيثةñ مريبةñ من وراء ستار، وقد عانت العواصم العربية جميعًا- ومعها عواصم ومدن عالمية- من آثارö مغامراتö الرئيس بوش ومعاونيه المتصهينين والمتعصّöبين، فازدادت موجاتُ العنف والإرهاب، فهل آنَ الأوان لمراجعة تلك الحرب التي تغذيها السياسات الأمريكية الخاطئة والفاشلة.
على الشعوب العربية والإسلامية أن تعتزَّ بدينها، وتتمسَّك بعقيدتها، وتتحلَّى بأخلاق الإسلام العظيم، الذي يدعو إلى التعارف والتقارب بين الشعوب، والتسامح مع كل بني آدم، الذين كرَّمهم الله تعالى.. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إöنَّا خَلَقْنَاكُمْ مöنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائöلَ لöتَعَارَفُوا إöنَّ أَكْرَمَكُمْ عöنْدَ اللَّهö أَتْقَاكُمْ إöنَّ اللَّهَ عَلöيمñ خَبöيرñ} (الحجرات: 13)، ويعلمنا أن التكريم هو لأصل الإنسان.. {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنöي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فöي الْبَرّö وَالْبَحْرö وَرَزَقْنَاهُمْ مöنَ الطَّيّöبَاتö وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثöيرٍ مöمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضöيلاً} (الإسراء: 70).
على الشعوب العربية والإسلامية أن تجاهد في سبيل حقوقها المهدَرَة ضد الاستبداد والفساد بكل الطرق السلمية المشروعة، وأن ترفع صوتَها عاليًا ضد الظلم، وتقف في وجْه الظالمين مهما أصابَها من عَنَت ومهما قدَّمت مöن تضحيات.
على النُّخَب المثقَّفة في العالم العربي والإسلامي أن تقوم بواجبها لتوعية الشعوب وقيادتها، وتقديم القدوة والمثل من نفسها، وأن تفضحَ كلَّ المؤامرات والمغامرات التي تقوم بها أمريكا وتساندها فيه حكوماتنا الضعيفة المستسلمة للضغوط الأمريكية والصهيونية.
علينا جميعًا أن نسعى للإصلاح والمصالحة لإقامة نظامٍ سياسيٍّ يَحترم حقوقَ الإنسان، ويسمح بتعددية سياسية حزبية، ويشرك الشعوب وممثّöلوها المنتخَبون- بحريةٍ ونزاهةٍ- في صنْع القرارات المصيرية والمهمة، بما يكفل تحقيق حياة حرة كريمة، تضمن للناس الحدود الدنيا من العدل الاجتماعي والخدمات الأساسية والمرافق الحيوية لكفالة الأمن والاستقرار.
علينا مناصرة كلّö الشعوب التي تتعرَّض للحملات الظالمة الغاشمة من الولايات الأمريكية وحلفائها، خاصةً تلك التي بجوارنا والتي ستنتقل شرارةُ اللهب منها إلى بلادنا، مثل فلسطين والسودان والعراق والصومال وأفغانستان.
واجباتنا ثقيلة، والفوضى تنتشر مöن حولنا في كل مكان، فالحذرَ الحذرَ، ولْنشحذ الهمم، ولنستنهض العزائم، وإلى العمل أيها المسلمون.. {وَقُلö اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمöنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إöلَى عَالöمö الْغَيْبö وَالشَّهَادَةö فَيُنَبّöئُكُمْ بöمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (التوبة: 105)
وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.