6 رمضان سنة 1425هِ 20 من أكتوبر 2004م
الحمدُ لله رب العالمين، والصلاةُ والسلامُ على أشرفö المرسلين، سيدöنا محمدٍ، المبعوثö رحمةً للعالمين.. ورضöيَ اللهُ عن أصحابöه الطيبينَ الطاهرين، ومن تبöعهم بإحسانٍ إلى يومö الدين، ورحم اللهً مرشدينا وشهداءَنا الذين قدموا أنفسَهم فداءَ لهذه الدعوةö المباركةö، فجزاهم اللهُ عنا وعن الإسلامö خيرَ الجزاء.. بدءًا بإمامöنا الشهيدö المجددö حسنö البنا، ومرورا بإمامö الصابرينَ الصامدينَ حسنö الهضيبي، والإمامö المجددö عمرَ التلمساني، والإمامö المجاهدö محمد حامد أبو النصر، والإمامö المربي الصابرö المحتسبö مصطفى مشهور، وانتهاءً بأستاذöنا الجليلö محمد المأمون الهضيبي.. رضي اللهُ عنهم وأرضاهم، وجمعَنا بهم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا..
الأخوةُ الكرامُ والأخواتُ الكريمات، تحيةً من عند الله مباركةً طيبةً، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد،
فها قد أظلنا شهرُ رمضانَ، هذا الشهرُ المباركُ،. شهرُ الرحمةö والمغفرةö والعتقö من النار، فهنيئًا لمن صامَ نهارَهُ وقامَ ليلَه إيمانًا واحتسابًا، وهنيئًا أيضًا لمن أكثرَ فيه الذكرَ وتلاوةَ القرآنö والاستغفارَ والدعاءَ، وهنيئًا كذلك لمن أقبل فيه على الطاعاتö وفعلö الخيراتö طمعًا في نَيلö ثوابö اللهö وابتغاءَ مرضاتöه، أسألُ اللهَ تعالى أن يجعلَه فاتحةَ خيرٍ وبركةٍ علينا جميعًا، وعلى شعبö مصرَ، وعلى الشعوبö العربيةö والإسلامية.
الأخوةُ والأخوات
وفي هذه المناسبةöö الجليلةö، يكون قد مرَّ علينا واحدñ وثلاثون عامًا من حدثٍ فذٍّ في تاريخö أمتöنا الحديث، ألا وهو انتصارُ العاشرö من رمضانَº حيث عبر ضباطُنا وجنودُنا البواسلُ قناةَ السُّوَيْسö وخطَّ بارليف، في اقتحامٍ غيرö مسبوقٍ في تاريخö الحروب، ودارت هناك على أرضö سَيناءَ الحبيبةö معركةñ من أشرسö المعاركö، استطاع فيها ضباطُنا وجنودنُا أخذَ زمامö المبادأةö وتحقيقَ نصرٍ عزيزٍ أعاد لمصرَ، بل للعربö والمسلمين، كرامتَهم وإحساسَهم بالعزةö والثقةö بالنفس.
ولا شك أنَّ إعدادَ الجبهةö الداخليةö آنذاك من حيث حشدö كافةö القوى والطاقاتö تجاهَ المعركةö، وإطلاقö الحرياتö العامةö، ورفعö شعارö العلمö والإيمانö، فضلاً عن التكاملö العربي، كلُّ ذلك كان له أثرُه الحاسمُ في النصر، كما كانت قواتُنا المسلحةُ، قادةً وضباطًا وجنودًا، على أعلى مستوى من الكفاءةö والقدرةö والصمودö والإيمانö والإحساسö بالمسئوليةö، وهم يخوضون معركةً في سبيل العقيدةö، ومن أجل استردادö الأرض öوتحريرö الأوطانö، فتحيةً إليهم في هذه الذكرى العطرةö.
الإخوةُ الأعزاءُ والأخواتُ العزيزات
ها نحن أولاءö نلتقي اليومَ لننظرَ في أحوالöنا وأحوالö مجتمعöنا وما تمر به أمتُنا، كما تعودنا أن نفعلَ كل َّعامö، ليس اجترارًا لما يجيشُ في صدورنا من آلامٍ ومعاناةٍ، ولكن أملاً في شحذö الهممö وتقويةö العزائمö واستعادةö الإرادةö الصلبةö للخروجö من النفقö المظلمö، وأملاً في أن تستعيدَ مصرُ عافيتَها وحضورَها ودورَها على المستوى المحليّö والإقليميّö والدولي.
وأنتهز هذه الفرصةَ كي أتوجهَ بالتحيةö لمن شاركَنا لقاءَنا هذا من السادةö المفكرين والكتابö والأدباءö والشخصياتö العامةö وممثلي الأحزابö والنقابات، كما أتوجه بالتحيةö للإخوان هنا وفي كل موقعٍ راجيًا لهم التوفيقَ والسدادَ.
وكنت أود أن يشاركنا هذا اللقاء أخوةñ أعزاءñ علينا غيَّبَتهم الأسوارُ عنَّا، لا لشيء إلا لأنهم أصحابُ رسالةٍ ربانيةٍ يدعون إليها بالحكمةö والموعظة الحسنةö، لكن أرواحَهم في الحقيقة لم تغبْ عنا، فإليهم أرسلُ خالصَ التحيةö وأجملَ التهنئةö بحلول شهرö رمضانَ المباركö، سائلاً المولى عزَّ وجل أن يربöطَ على قلوبöهم ويشرحَ صدورَهم، وأن يعيدَهم إلى أهليهم وأولادöهم غانمين سالمين.
الهجمة على الإسلام
الحضورُ الكريم
يواجه العالمُ العربيُّ والإسلاميُّ- وفي القلبö منه مصرُ الحبيبةُ- تحدياتٍ شرسةً وضاريةً- ممثلةً في المشروع الأمريكي الصهيوني- الذي يستهدف تركيعَ الأمةö، وتوهينَ عقيدöتها، وسلخَها من هويتöها، وإفسادَ أخلاقöها، وتذويبَ خصوصيتöها الثقافيةö، وطمسَ معالمö تراثöها الحضاريّö، وليس بخافٍ على أحدٍ أن الإسلامَ ذاتَه يتعرضُ اليومَ لهجمةٍ عالميةٍ، ومحليةٍ، تحاول أن تستأصلَ شأفتَه وتجتثَّ جذورَه، وحملةٍ تحاولُ أن تربöطَ بينه كعقيدةٍ وشريعةٍ وبين العنفö والإرهابö، وليس أدل على ذلك مما حدث- ولا يزالُ يحدثُ- في أفغانستانَ والعراقö وفلسطينَ والشيشانَ وكشميرَ، وفي أماكنَ أخرى من العالم، وهو ما يتبدَّى أيضًا في الخطواتö المتسارعةö نحو تغييرö المناهج، وتجريدö النصوصö القرآنيةö وأحاديثö النبيّö عليه الصلاة والسلام من كلّö عناصرö القوةö والعزةö، وتطويرö الخطابö الدينيّö من أجلö أن تتبنى الأمةُ ثقافةَ الإذعانö والاستسلامö وضَياعöö الهُويةö!! وهو ما يظهرُ كذلك في إشاعةö التحللö والخلاعة، وتصديرö الإباحيةö والشذوذö، وتبنّöي برامجَ تستخفُّ بالعقولö، بما يؤدي إلى انحلالö الأخلاقö، وانهيارö العزائمö، والبعدö عن القيمö والمثلö العليا.
مصر مستهدفة
وليس بخافٍ على أحدٍ أيضًا أن هناك من يعملُ على إقصاءö وتهميشö مصرَ، وعزلöها عن القيامö بدورöها المحوريّö والإستراتيجيّö تجاهَ الإسلامö وقضايا الأمةö، ولا شك أن الجمودَ والركودَ وحالةَ الانسدادö السياسيّö التي تعانيها مصرُ، والتي تسببت في تفاقمö الأزمةö الاقتصاديةö الحادة، والتردي الاجتماعيّö، والتخلفö العلمي والتقنيّö والحضاريّö هو أمرñ مقصودñ حتى تنكفئَ مصرُ على ذاتöها، وتنشغلَ بمشكلاتöها عن دورöها الحضاري.
إن مصرَ تعاني من فسادö مالي وإداري، ويكفي أن تذكرَ تقاريرُ الأجهزةö المختصةö أن معدلَ جرائمö الفسادö في مصرَ أصبحت صورتُه مخيفةً ومفزعةً داخلَ الأجهزةö الحكومية، وقد أورد تقريرُ التنميةö البشريةö لعام 2004م أن البطالةَ السافرةَ في مصرَ وصلت إلى 2.8 مليونًا، وأن 6.8 مليونًا من المواطنين لا تصلُهم مياهُ شربٍ نقية، وأن 4.1 مليونًا لا يصلُهم الصرفُ الصحي، ناهيك عن مشكلاتö التعليمö والصحةö والنقلö والإسكانö وغلاءö الأسعار، والفجوةö في التنميةö بين الريفö والحضر، والعجزö الرهيبö في الموازنةö العامة... إلخ.. إلخ.
وهذا كلُّه بسبب نظامö لا يخضعُ لأيّö قدرٍ معقولٍ من المساءلةö السياسيةö أو القضائيةö، إضافةً إلى ضَعفö المشاركةö السياسيةö للجماهير، وتزويرö إرادةö الشعبö في الانتخاباتö العامة، ومصادرةö نشاطö الأحزابö، وعرقلةö الجهودö التي تقومُ بها مؤسساتُ المجتمعö المدني.
الإصلاح ضروري
الجمعُ الكريم
لقد أعلنَّا مبادرةً للإصلاحö الشاملö يوم الثالثö من مارسَ هذا العام، وتوجهنا بها إلى الشعبö وإلى التياراتö السياسيةö والقوى الوطنيةö والحكومةö على أساسö أن الإصلاحَ مطلبñ وطنيّñ وقوميّñ وإسلاميّñ، وأنه يجب أن ينبعَ من داخلöنا، لا أن يُفرضَ علينا، وقلنا إن القيامَ بهذا الإصلاحö لا تقوى عليه حكومةñ ولا أيةُ قوةٍ سياسيةٍ منفردة، وأن المصالحةَ الوطنيةَ العامةَ التي تؤدي إلى تضافرö جميعö الجهودö وتكاتفö كلّö القوى هي فريضةُ الوقت.
إنَّ النهضةَ التي ننشدُها لمصرَ تبدأ من الاهتمامö بالمواطنö المصري من حيث حقّöه في حياةٍ حرةٍ كريمةöٍ تحفظُ عليه إنسانيتَه وكرامتَه، وتجعله فردًا عاملاً منتجًا، وهذا لا يمكن أن يتمَّ إلا من خلالö الإصلاحö السياسيّö الذي يعدُّ بحقٍّ المدخلَ الحقيقيَّ لكافةö أنواعö الإصلاحö، ولا شك أن الحرياتö العامةَ (من حيثُ حريةö تكوينöö الأحزابö وإصدارö الصحفö والمجلات) وإيقافö العملö بقانونö الطوارئ، وإلغاءö كافةö القوانينَ الاستثنائيةö المقيدةö للحريات، وإلغاءö المحاكمö الاستثنائيةö، وإلغاءö القانونö 100 لسنة 93 الخاصّö بالنقاباتö، والإفراجö عن كافةö المعتقلين السياسيين، وضرورةö تشكيلö لجنةٍ قضائيةٍ مستقلةٍ للإشرافö- كليًّا وحقيقيًّا وليس جزئيًّا وشكليًّا- على الانتخاباتö النيابيةö التي ستعقدُ عامَ 2005م بدءًا من تنقيةö جداولö الناخبين وانتهاءً بالفرزö وإعلانö النتائج، أقولُ: هذه هي البدايةُ الحقيقيةُ والواقعيةُ للإصلاح.
الأخوةُ الكرامُ والأخواتُ الكريمات
إن ما يحدثُ في المنطقةö العربيةö والإسلاميةö لا يمكن تجاهلُه أو إغفالُه، أو غضُّ الطرْفö عنه، لأنه يمَسُّ الأمنَ القوميَّ المصريَّ من ناحيةö، ولأنه سوف يحددُ مستقبلَ المنطقةö كلّöها من ناحيةٍ أخرى، ولا يَتصورُ عاقلñ أن مصرَ يمكنُ أن تظلَّ بمنأى عما يجري في العراقö، أو فلسطينَ، أو السودانö، أو التحرشاتö التي تتمُّ الآن بسوريا وإيران.
كلنا يعلم أن الإدارةَ الأمريكيةَ قامت في تحدٍّ سافرٍ للقوانينö والمواثيقö والأعرافö الدوليةö باحتلالö العراقö، وبذلك أعادتْ إلى العالمö شرعيةَ القوةö وشريعةَ الغابö، وفتحت بابًا من أبوابö الفتنةö والشرورö والصراعات، وقد ادَّعت كذبًا حيازةَ العراقö لأسلحةö دمارٍ شامل، ثم زعمت أنها ما اجتاحت العراقَ إلا لإسقاطö نظامö صدام، وإقامةö الديمقراطيةö وحمايةö حقوقö الإنسان، وإذا بها ترتكبُ في حق الشعبö العراقي- من شذوذٍ وساديةٍ وعنفٍ وانتهاكاتٍ بشعةٍ لحقوقö الإنسانö- ما يَنْدَى له الجبينُ خجلاً، وما يعدُّ وصمةَ عارٍ للحكومتينö الأمريكيةö والإنجليزيةö ومن حالفَهما.
ومنذ اليومö الأولö للاحتلالö تُركت العراقُ للسلبö والنهبö وأعمالö الفوضى، وقام (بريمر) بحلّö مؤسساتö الدولةö (الجيشö والشرطةö) لمزيدٍ من الفوضى، ولتتحولَ الميادينُ إلى ساحاتö قتلٍ وسلبٍ، وكي يكونَ ذلك ذريعةً لاستمرارö بقاءö الاحتلالö، وحتى تتمَّ الانتخاباتُ القادمةُ- إن أجريت في موعدöها- في ظلّö قانونö الطوارئö الذي يهيئُ لإفرازö عناصرَ مواليةٍ لأمريكا.
إن جريمةَ الاحتلالö لا تعدöلُها جريمةñ أخرى، ومن ثم فنحن مع المقاومةö العراقيةö كحقّö مشروعٍ فرضهُ الإسلامُ، وكفَلته المواثيقُ والأعرافُ الدولية، ولا زالت تواصلُ قواتُ الاحتلالö مجازرَها الوحشيةَ، واعتداءاتöها الهمجيةَ، ضد الشعبö العراقيّö الذي يتساقطُ أبناؤه بالعشرات يوميًّا في الفلوجةö وكربلاء والرمادي ومدينةö الصدر.
وليس من شكٍّ أن الحكومةَ الانتقاليةَ هي حكومةñ ناقصةُ السيادةö، وغيرُ قادرةٍ على التحركö وبسطö نفوذöها على الشأنö العراقيّö بمعزلٍ عن قواتö الاحتلالö صاحبةö السيادةö الحقيقيةö والسلطةö العليا في البلاد، ومن هنا فنحن نطالبُ بخروجö قواتö الاحتلالö فورًا من أرضö العراقö، ونحن على ثقةٍ ويقينٍ من أن الشعبَ العراقيَّ قادرñ على إدارةö شئونöه بنفسöه.
فلسطين
الأخوةُ الحضور
وفي فلسطينَ المحتلةö يمارسُ العدوُّ الصهيونيُّ أبشعَ الجرائمö في حق الشعبö الفلسطينيّö الأعزلö من مجازرَ وحشيةٍ واغتيالٍ وتصفيةٍ وإبادةٍ، إضافةً إلى حصارö الجوعö والموتö، وتجريفö الأراضي وهدمö المنازل، لقد أدمت قلوبَنَا وهزَّت مشاعرَنا جميعًا صورُ الدماءö وأشلاءö الضحايا من الفتياتö والفتيانö الفلسطينيينَ الصغارö في مخيمö جباليا وشمالö قطاعö غزةَ نتيجةَ المذبحةö التي قامت بها قواتُ الاحتلالö في الأسابيعö الأخيرةö، هذا في الوقتö الذي تقوم فيه الإدارةُ الأمريكيةُ بدعمöه ماديًّا ومعنويًّا في عملياتöه العسكريةö العُدوانية، وفي حملتöه الانتخابيةö يصلُ نفاقُ بوش ليهودö فلوريدا إلى غايتöه حيث أعلن أنه وقَّع بالأمس القريبö قانونًا جديدًا سيُلزم الخارجيةَ الأمريكيةَ بإحصاءö الأعمالö المعاديةö للساميةö في أنحاءö العالم،ö وتقييمö موقفö الدولö من هذه المسألة، ونقرر هنا أنه لولا عجزُ الحكوماتö العربيةö والإسلاميةö وصمتُ العالمö وتواطؤه ما أقدمت حكومةُ الكيانö الصهيونيö على اعتداءاتöها الوحشيةö والبربريةö في حق الشعبö الفلسطيني.
إن خيارَ المقاومةö والجهادö هو السبيلُ الوحيدُ لتحريرö فلسطينَ واستعادةö المقدسات، وعلى المقاومةö ألا تُلقيَ سلاحöهاº لأنه الضمانةُ الأكيدةُ في مواجهةö المجازرö الوحشيةö التي يرتكبُها العدوُ الصهيونيُّ في حق شعبö فلسطين، وعلى كل الفصائلö الفلسطينيةö أن توحّöدَ جهودَها وتتكاتفَ قواها ضد العدوّö الصهيوني المحتل.
فإلى شعبö فلسطينَ الأبيّö أوجه إليه من هذا المكان تحيةَ إجلالٍ وإعزازٍ وتقديرٍ على صمودöه وثباتöه وإيمانöه، وإلى فصائلö المقاومةö منا كلُّ التحيةö والإجلالö، وأقول إنَّ الشعوبَ العربيةَ والإسلاميةَ مطالَبةñ بأن تقفَ وراءَ الشعبö الفلسطيني بدعائها ودعمöها، وأيضًا بمقاطعتöها لبضائعö العدو الصهيوني ومن يقفُ وراءَه، وكذلك برفضöها القاطعö لكل أنواعö التطبيع.
وإذا كان الشعبُ الفلسطينيُّ قد قدَّمَ شهداءً، فقد أثخنَ عدوَّه بالجراحö، لقد سقطَ منه القتلى، وتزعزع استقرارُه، واهتزت نظريتُه الأمنيةُ، وتراجعَ اقتصادُه، والهجرةُ العكسيةُ تسجلُ أعلى معدلاتöها، وصدقَ اللهُ تعالى إذ يقول : }إöنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإöنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مöنْ اللَّهö مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلöيمًا حَكöيمًا{ (النساء: من الآية104).
السودان
الأخوة والأخوات
أما ما يخصُّ السودانَ فقد ثبت من خلال التقاريرö المنصفةö والموضوعيةö التي تقدمت بها الجامعةُ العربيةُ والأممُ المتحدةُ والمنظماتُ الدوليةُ أنه لا توجدُ هناك في دارفور بالسودانö أيةُ دلائلَ على وجودö تطهيرٍ عرقيٍّ أو أعمالö إبادةٍ أو اغتصابٍ جماعيٍّ.. وكان من الممكنö أن تظلَّ مشكلةُ دارفور شأنًا داخليًّا خاصًّا بالسودان، لولا البترولُ واليورانيوم الذي أثارَ لُعابَ الإدارةö الأمريكيةö، وجعلها تتلمَّظُ شوقًا للسيطرةö والهيمنةö ومحاولاتö التدخلö عن طريق الزعمö بحمايةö حقوق الإنسان! هذا فضلاً عن محاولاتö تأليبö الأطرافö للانقضاضö على القلب.
نحن نريدُ من الحكومةö السودانيةö ومن قوى المعارضةö أن ترتفعَ فوق الجراحö أو تصفيةö الحسابات، وأن تستشعرَ الخطرَ المحدقَ بالسودان وشعبö السودان ووحدةö السودان، وأن تدركَ أن المحاولاتö التي تجري الآن نحو تدويلö مشكلةö دارفور- بالإضافة إلى مشكلةö الجنوب، وما يجري التحضيرُ له الآن في الشرقö والشمال- هو البدايةُ نحو تفكيكö السودانö وتقطيعö أوصالöه إلى خمسö قطاعاتٍ، الأمرُ الذي يستلزمُ حتمًا حشدَ كافةö القوى، وتجييشَ كلّö الطاقاتö والإمكاناتö حتى يقفَ الكلُّ على قلبö رجلٍ واحدٍ للحيلولةö دون ذلك.
وليس هناك من شكٍّ أن ما يحدثُ في السودانö يمَسُّ الأمنَ القوميَّ المصريَّ والعربيَّ في الصميم، وهو ما يفرضُ على مصرَ ودولö العالمö العربيّö والإسلامي أن تقومَ بدورöها، وألا تتراخَى عن القيامö بمسئولياتöها تجاهَ السودانö ودعمö وَحدتöه وإقالöته من عثرتöه.
الجمعُ الكريم
في النهايةö أودُّ أن أقولَ إنه لابد من مصالحٍة حقيقيةٍ بين الحكوماتö والشعوبö، وضرورةö أن تكون هناك خطواتñ جادةñ نحو الإصلاح، ولتكن الحرياتُ العامةُ هي البدايةَ نحو إقامةö ديمقراطيةٍ حقيقيةٍ ضروريةٍ ولازمةٍ لنهضة دولö العالمö العربيّö والإسلامي من ناحيةٍ، ولتمكينöها من التصدي للتحدياتö الكبيرةö التي تواجهُها من ناحية أخرى، كذلك أود التأكيدَ على أنه لا يدري أحدñ ما الذي كان ممكنًا أن يحدثَ لو لم توجدْ المقاومة، سواء في العراق أو في فلسطين؟ إن هذه المقاومةَ تمثلُ في الواقعö حائطَ الصدّö الحقيقيَّ، وخطَّ الدفاعö الأولَ ضد المشروعö الأمريكي- الصهيوني تجاهَ مصرَ والمنطقةö ككل.. لذا من الواجب على الجميع حكوماتٍ وشعوبٍ أن يقوموا بدعمö المقاومة- ماديًّا ومعنويًّا- وتقديمö ما يلزمُ لاستمرارöها حتى تتطهرَ الأرضُ وتُستردَّ المقدسات.
ومن هذا المكانö أعلنُ أمامَكم وأمامَ العالمö أن الإدارةَ الأمريكيةَ (ومن حالفَها) التي استخدمت الآلةَ العسكريةَ الباطشةَ في تفجيرö وتدميرö القرى والمدنö والمنشآتö والبنى التحتيةö لأفغانستانَ والعراقö، وما قام به الكيانُ الصهيونيُّ من هدمٍ للبيوتö وتجريفٍ للأراضي في فلسطينَ، فضلاً عن الأرواحö التي أُزهقت والدماءö التي أُسيلت والإعاقةö التي حدثت في كلٍّ من هذه البلاد، أقول: كلُّ هذا هو دَيْنñ في أعناقö هؤلاء القتلةö والمخربين، سوف نطالöبُ به، ولن نتنازلَ عنهº لأنه حقّñ من حقوقö الشعوبö بمن فيهم من الأراملö والثكالى والأطفالö في أفغانستانَ والعراقö وفلسطينَ، وأدعو القانونيينَ ومنظماتö حقوقö الإنسانö على المستوى المحليّö والإقليمي والدولي إلى إحصاءö هذه الخسائرö وتقويمöها، ورفعö دعاوَى بشأنöها أمامَ المحافلö والمحاكمö الدوليةö واعتبارöها جرائمَ حربٍ يجب أن يُحاسَبَ عليها مرتكöبوها.
وفي الختامö أشكر لكم حضورَكم ومشاركتَكم هذا اللقاء، حمى اللهُ مصرَ وشعبَها وحمى الأمةَ العربيةَ والإسلاميةَ، ورفعَ لواءَها وخذَّل أعداءَها، وكلُّ عام وأنتم بخير، وتقبلَ اللهُ منا ومنكم الصيامَ والقيام، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.